صباح الخير من بُقعة أخرى من العالم.

السفر، خصوصًا إن كان لأماكن بعيدة، يجعل الإنسان يقتنص بسرعة أهم الفوارق الحياتية البسيطة خلال اليوم. ركِبت الباص؛ فتاتان (ثلاثة عشر عامًا تقريبًا) يركبون، لتنزل إحداهم في المحطة التالية، ولتقوم الثانية من مكانها إلى الجهة الأخرى لأن سيدة بكرسيها المتحرك الكهربائي كانت قد صعدت إلى الباص، ومكانها النظامي المخصص كان بدايًة هو مكان الفتاة التي انتقلت. يوجد ولد وبنت آخرين آخر الباص شديدي الثرثرة بصوت مرتفع، وسيدة جميلة في منتصف العُمر، لم أكن أعرف أنها تعاني من مرضٍ مزمن ما في ساقيها، حتى وصلت إلى وُجهتها لتقف أمامي وتنزل وهي تعرُج.

مثل هذه الوقفات اليومية، تمثل حياة طبيعية (في ظل وجود أجواء باردة في مثل هذا العام). يعتاد عليها ابننا، ابن العالم الثالث بعد فترة من المعيشة معهم. وعندما يعود إلى مكانه، سرعان ما يعتاد على الأمور التي ربما قد لا تبدو طبيعية، كخروج فتاة صغيرة إلى المدرسة كل يوم، وتعايش أصحاب الاحتياجات الخاصة يومهم، يومًا بيوم بشكل عادي. بالطبع لستُ هنا للمقارنة التي مللنا منها مع وجود أفواه لمئات الآلف من المبتعثين الذين أغرقوا مجالسنا بمثل هذه الحكايات عن تطور الغرب؛ بل أن شاهدي اليوم قدرة الإنسان الخارقة في التعايش. فهو قد يعيش ربما بين أوساطه طيلة حياته في بيئة متأخرة قليلًا، ينتقل إلى الغرب ويعيش كما يعيشون، وعندما يعود (حتى بعد سنوات) سرعان ما ينحاز إلى بيئته، حتى وإن تطلب الأمر القليل من المقاومة بعد صدمات طفيفة من الواقع، هذا الأمر لا ينطبق تحديدًا على ابننا الذي يحمل جنسيتنا فقط، وإنما أي ابن آخر في هذا العالم من أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية!

حاولت البارحة إقناع السيد الكريم (سبعيني من دولة أستراليا) وزوجته اللذان رافقاني مع آخرين في باص التوصيل من المطار إلى الفندق، أننا نواجه مرحلة تغيير شاملة في المنطقة وفي السعودية على وجه الخصوص، مع وجود قيادة شابة متحمسة للتغيير. انتقل بعدها لتهكمه أكثر من مرة على غطاء وجه المرأة الذي يرى فيه برمجة حقيقية استطعنا بها إقناع السيدات في بلدنا أنهم مخيرين فيه، ومع ذلك ملتزمين به. ضغطت في محاولة إقناعه أننا حتى داخل المملكة ذاتها لدينا عدة ثقافات مختلفة، منها ما يُلزم السيدات فيه بارتداء غطاء الوجه، ومنها (مثل ثقافة الحجازيين) ما يجعل السيدة على الأغلب ترتدي حجابها دون تغطية الوجه، وطبعًا وجود نسبة كبيرة لا تُفضِل الحجاب أو تغطية الرأس، وكلًا منهم لديه أسبابه الدينية وغير الدينية وثقافته الخاصة.

بالطبع تناول في الطريق المواضيع الساخنة (قيادة المرأة للسيارة، السينما، الحفلات إلخ.) كان المثير بالنسبة لي سؤاله عن سعر البنزين، لأرد عليه بعد تعليقي أنه أصبح غاليًا، لأقابل منه ومن الركاب الآخرين ضحكات بقهقهة أن هذا السعر سعر رخيص جدًا بعد أن قلت لهم سعر الليتر. لكنه سرعان ما تراجع عن ضحكاته عندما علم أننا لا نملك غير السيارات للتنقل بشكل رئيسي.

سألني عن العقار، أعطيته أسعارًا تقريبية. قال «واو» أسعاركم رائعة!

سألني عن مقاضي البيت، وقال «واو» أسعاركم بالفعل لا بأس بها، حتى مع وجود الضرائب. ليعلق سيد آخر من ولاية «لويزيانا»، «نعم، نعم، أسعارهم المعيشية جيدة!».

سألني عن المدارس والمستشفيات، أخبرته بوجود الخيارين الحكومي والخاص طبعًا. وعندما وصفت له أسعار المدارس الخاصة المرتفعة جدًا وعن المدارس متوسطة الأسعار، علّق بأن أسعارنا حقيقًة جيدة جدًا بشكل عام! … خصوصًا أننا تحدثنا قبلها عن متوسط الدخل للفرد (من وجهة نظري) والتي أتمنى ألا يقفز علي أحد القراء الأفاضل، ليصف لي حالة شخص يعاني ضائقة مادية من متوسطي الدخل (الذي يعانيها الجميع)!

بالتأكيد توجد تحديات وصعوبات في كل مجتمع، وطبيعة الإنسان تقوده بالنظر إلى نواقص حياته من خلال نمط الحياة في الأماكن الأخرى. ولكن شاهدي الحقيقي ليس في هذه النقطة أو في نقاش السيد الأسترالي. إنما الفكرة التي استوقفتني فجأة حول قدرة الإنسان على التعايش والتكيف سريعًا أينما وضعته. حياة عادية ثم حياة متطورة ثم حياة عادية، وكلها على الأغلب تؤثر على النفس بشكلٍ مؤقت لا أكثر. التعايش والتكييف في نظري لا يجب أن ينحصر على ظرف المكان، بقدر أهمية الحرص على تطبيقه وبسرعة على الحالات المادية والاجتماعية التي نعيشها.

أقترح أن تبكي قليلًا إن أتتك صفعة قلبت كيانك الاجتماعي والمادي، ولكن قم بعدها وتخيل أنك انتقلت لمكان آخر ومجتمع جديد لا يمانع وجودك وعِش مثلهم.

الإنسان جُبل على التغير والتعايش والتكيُف. وتظل المعادلة معادلة خيار هنا ربما.

كيف تريد أن تتكيف وكيف تريد أن تتعايش؟

طبيعتك البيولوجيا ستساعدك، على أمل أن تقف معها طبيعتك العاطفية!