وجدت أن الطبيعة البشرية دائمًا ما تتخيل الأمر السيء أكثر سوءً، ولا تتخيل الجميل أكثر جمالاً.

خذ مثلًا شعور الخوف من فقدان الوظيفة بالنسبة للأب؛ يبدأ يتخيل انقطاع المال، ثم يتخيل نتيجة هذا الأمر في تقصيره في أداء مهامه العائلية، قد يتخيل انتقاله إلى منزل أصغر أو إلى الشارع، ثم قد يتخيل الجوع أو السجن لعدم التزامه بالسداد، ثم يتخيل خروج الأبناء من مدارسهم الخاصة، ثم جوعهم، ثم تشرّدهم، ثم الموت.

هذا الخيال ليس دقيقًا بالطبع إلا أنه بشكل مشوش وغير واعي يقود إلى الموت. وقد يحتاج الإنسان إلى وقت كبير لكي يستوعب بأن هذا الأمر قد يكون خيرًا عليه ليبحث عن وظيفة أكثر امتاعًا، وأن أبناءه كانوا يجب أن يغيروا مدارسهم على أي حال، وأن انتقالهم لبيت أصغر وأكثر ارتباطًا لأفراده كان ضرورة مُلحة غير ظاهرة في السابق.

بتأملنا للطبيعة البشرية سنجد أنها تنتقل إلى الشعور بالخطر عندما تُدفع خارج منطقة الراحة، وبالتالي تتخيل الجانب الأسوأ لتحمي نفسها. مثل ذلك الرجل الموجود في معظم عوائلنا والذي قضى ثلاثين سنة دون أن يفكّر في السفر واكتشاف عوالم جديدة رغم وضعه المادي الجيد. مثل الإنسان الذي لا يملك حِسْ الإثارة لتجربة مطعم أو مكان جديد. مثل الشخص الذي لا يرغب حرفيًا بالبحث عن أي تغيير في حياته.. حتى وإن كان صغيرًا!

ربما يكون الشيء المشترك في الأخيرين ظاهريًا عدم وجود رغبة للخروج من منطقة الراحة، إلا أنه في سُبر أغوار العقل هو الخوف من الموت.

كل ذلك هو عكس الشعور بالفرحة الذي عادة لا يخرج عن مقدار ضئيل من الترفيه المتوقع، ونادرًا ما يفاجئنا عندما نتخيله.

فإن أخبرتك أننا سنقوم برحلة ما مع أصدقاء جدد، قد لا يرسم لك عقلك أقصى درجات الاستمتاع المرتقبة. بينما يظهر أحد الأصدقاء الجُدد في هذه الرحلة وهو في قمًة الأُنس وخفة الدم، وقد يضاعف حجم الاستمتاع وينضم إلى قائمة أصدقائك الجُدد.

إحساس الحُب والهيام والحماس والعواطف الجياشة؛ التي تصاحب المحبوبين حديثي العهد، لا تخرج عن كونها حِزمة أحاسيس صغيرة مستمرة في محاولة اكتشاف الطرف الآخر.

الإدمان التي تسببه هذه الأحاسيس ينبع في رأيي بسبب أنها تقودنا إلى المزيد من الحياة، والمزيد من الاستكشاف؛ «أريد أن أعرفها أكثر، لباسها.. شكلها.. كيف هي اهتماماتها.. في الجنس.. في الأكل.. وفي كل شيء آخر». إحساس الحب هنا إن سألت شخصًا في بداياته قد يختصر بوصفه «هذا الإحساس يجعلني أشعر أنني على قيد الحياة».

وهنا، وجدت أن حب الحياة هو عكس إحساس الخوف من الموت.

تدريب الذات على عدم الخوف وعدم الاقتراب كثيرًا من الأشخاص الذين يُغرقونا بالمخاوف والتوتر والسلبية، هي من الأمور التي تستحق أن نصرف عليها المزيد من الجهود.

وفي النهاية، لا أجد الكلمة التقليدية التي تتردد في العالم المثالي «كن إيجابيًا» منطقية أو عملية.

ربما علينا أن ننفذ العكس.. أن نقاطع السلبيين أو أن نكون أقل سلبية. وهنا بداية الطريق.

كان الله في عون الجميع.