هذه المقالة قمت بترجمتها ونشرها بعد موافقة كاتبها، وهي بعنوان :The Unfathomable Power of Amor Fati  لـ Ryan Holidayوقد تم نشرها بدايةً لصالح موقع Observer.


في عمر السابع والستين، عاد توماس آديسون إلى منزله مبكراً في أحد الأيام ليتناول العشاء مع عائلته. كان في ذلك الوقت يعيش المخترع الأشهر في الولايات المتحدة الأمريكية أقصى نجاحاته المادية والعملية، حتى أتاه في تلك الليلة شخصاً مسرع يحمل خبراً صاعق وهو: أن معمله الخاص بأبحاثه وأعماله واختراعاته على بُعد بضعة أميال .. يحترق!

ثمانية عربات إطفاء كانت قد زارت موقع الحادثة في محاولة لإطفاء الحريق الذي لم يستطيعوا تداركه، كان الحريق يزداد في اشتعاله لوجود مواد كيميائية داخل المعمل، وقد حول ألوان اللهب المتصاعد للون الأصفر والأخضر، والذي لم تجدي معه كل محاولات إطفاء الحريق ليقود أخيراً إلى تحطيم كل ما بناه آديسون طيلة حياته.

عندما وصل آديسون إلى المعمل وهو يحترق، وقف بجانب المئات من الموظفين المذعورين وابنه (المصدوم من هذه الحادثة)، ليقول كلمته الشهيرة بكل هدوء: «إذهب ونادِ والدتك وأصدقاءها ليشاهدوا … فهذا الحريق لن يتكرر أبداً.»

ماذا!؟

«لا تخف … » يعلق على ذُعر ابنه، «كل الأمور على ما يرام، ها قد تخلصنا من الكثير من النفايات».

كانت ردة فعل آديسون مذهلة، بل كانت استثنائية.

سنوات وسنوات من الأعمال والأبحاث التي لا تُقدر بثمن أصبحت الآن رمادًا!

المبنى الذي كان من المفترض له أن يكون مضاداً للحريق لم يقم بعمله اللازم، معتقدين أنه سيكون فعالاً لمثل هذه الكوارث، استطاع آديسون ومخترعيه تغطية ما قدره ثُلث ما تم احتراقه فقط.

لم يكن اليأس ردة فعل آديسون كما كان متوقعاً، لم يتباكى، لم يستشيط من الغضب وبالتأكيد لم يرمي نفسه في وسط الحريق من الحزن.

بل ذهب إلى عمله مباشرًة في اليوم التالي. أخبر الصحفيين أنه ليس كبيراً في السن على بدايات جديدة، وأضاف «مررت بعدة أمور مشابهة في حياتي، وفي الحقيقة، مثل هذه الأمور تمنع الرجل من الإصابة بالملل من الحياة!».

الحريق الذي دمر كل أعمال حياته؛ ببساطة أعادت إحياءه.. وجعلته أكثر نشاطاً.

كان من حسن حظي أن الفرص سمحت لي بأن أحكي هذه القصة التي اعتدت إخبارها لجماهير عِدة من رياديي الأعمال، ورياضيين محترفين، مدراء، صحفيين، أشخاص عاديين بل وحتى على مسرح «تيدكس». كنت أنصت جيداً لضحكاتهم وعدم قدرتهم على تصديق ردة فِعل آديسون على هذه الكارثة. فهي مثالية جداً وتكاد تكون مستحيلة التطبيق من ناحية إنسانية.

لكن في الحقيقة – وبشكل عملي – هي ليست صعبة.

تهتم الثقافة الرواقية (Stoicsim) بمفهوم النار. أو كما يقول Marcus Aurelius «يزداد لهب النيران من كل شيء ترميه فيه». وهذا ما فعله آديسون.

فقد واجه عقبة هائلة من شأنها إحراق كل شيء يملكه، لكنه في المقابل حولها لوقود في حياته، ليشعل من هذا الوقود مستقبلاً أفضل لنفسه، وهذا ما يفعله الناجحين، وهذا ما يجعل منهم ما هم عليه الآن.

خلال ثلاثة أسابيع منذ اندلاع حريق آديسون الهائل، تم إعادة بناء معمله ليعود إلى عمله مباشرة (كان الجدير بالذكر مساعدة صديقه هينري فورد الذي أقرضه لأجل هذه المهمة). وخلال شهر واحد بعدها، أصبح الجميع هناك يعمل على فترتين مكثفة، استطاعوا أن يخرجوا بمنتجات واختراعات لم تشهد مثلها البشرية من قبل.

وبالرغم من حجم خسارة تكلفة بناء المعمل والتي كلفت مليون دولار (ما يوازي ثلاثة وعشرين مليون دولار في وقتنا الحالي) فقد استطاع آديسون استثمار المعمل في خلق منتجات حقق من خلال مبيعاتها رقماً وصل إلى عشرة ملايين دولار (ما يوازي مئتان مليون دولار في وقتنا الحالي) في ذلك العام فقط.

استطاع أن يحول كارثة مأساوية، لتكون خاتمة أعمال استحقت الإشادة لحياته المهنية.

يختصر نيتشيه تركيبة العظمة في جملة صغيرة واحدة “amor fati” (أحِب قدَرَك) ليشرحها بشكل آخر «ذلك الأمر، لا يريد أن يختلف، لم يكن ليختلف قبلها، ولن يختلف بعدها، ولن يختلف طالما أنه وجد. لا يجب على الإنسان أن يتحمل ما هو ضروري فقط، فهذا لن يكفي، عليه أن يحب ذلك الأمر الذي حدث له». وهذا ما طبقه آديسون.

أحمل في جيبي عملة معدنية قمت بتصنيعها بنفسي، مكتوب عليها تلك الكلمتين “amor fati” (أِحب قدَرك)، كان السبب خلف صناعتها تذكير نفسي أن الأسوأ دوماً لن يحدث لي، يوجد هناك وقود فقط لمستقبل أفضل عبر استغلال الأحداث السيئة.

فكل شيء يحدث لي، يحدث لسبب (وأقل ما يمكن أن أقنع نفسي به أن السوء الذي سيحدث بالإمكان أن يجعل حياتي أقل مللاً عن ذي قبل).

روبرت جرين الذي ساعدني في تصميم تلك العملة استطاع أن يشرح مفهوم هذه الجملة عندما قال «من الصعب جداً الغوص في فهمها، لكن ستفهم إن استوعبتها أن لكل حدث يحصل لك هناك سبب خلفه، والقرار في النهاية عائد لك إن كنت تريد تحويل هذا الحدث من حدث سلبي إلى إيجابي لتتحرك بعدها بناءًا على ذلك».

صُدمت سيارتي؟ حسناً، كان يجب أن يحدث هذا الأمر لي على أيِ حال.

قام جهازي بمسح مسودتي الأولى التي كتبتها وتعبت عليها؟ لا بأس.. سأقوم بكتابة مسودة جديدة أفضل.

قام شخص ما بشتمك أو جرحك؟ … كُن فخوراً بذلك، فهو في الحقيقة قد أخبرك عن حقيقته التي لم تكن تراها.

يخبرك المقاول أن مشكلتك تحتاج الآن أكثر من مئة ألف دولار لحلها؟ … شكراً، من الجيد اكتشاف المشكلة الآن قبل أن تتفاقم أكثر من ذلك.

كل هذه الردات من الفِعل أفضل من الغضب. أفضل من أن ندفن رؤوسنا بأيدينا، أفضل من الاستياء ومن التوتر … ومن الخوف.

في الثقافة الرواقية (Stoicism) هناك عُرف آخر يطلقون عليه (الشعارات) أو منهج الكون. يلخص بأننا دوماً نواجه خيارين في هذه الحياة، الخيار الأول: إما أن نتألم جراء عدم القدرة على السيطرة على الأحداث، لندخل أيدينا وأرجلنا ونحارب كل ظرف داخلها، لتسحبنا أكثر وأكثر إلى الأسفل معها.

أو بأن نتجه للخيار الثاني: وهو أن نبتسم. ونخبر أنفسنا بأن المدبر [الله عز وجل في مفهومنا] سيأخذنا إلى المكان الذي يجب أن نكون فيه من خلال هذه الأحداث. وهنا يجب أن نحاول الاستمتاع بهذه الرحلة قدر المستطاع ونمارس ما يمكن ممارسته من الحرية فيها.

أخبر طبيب الرئيس الأمريكي السابق ثيودور روزفلت في نهاية حياته، أن عليه – مع الأسف – أن يصرف ما تبقى له من العمر على الكرسي المتحرك، ليجاوب الأخير مباشرةً «حسناً، لا بأس بذلك … فأنا أستطيع الذهاب إلى العمل به». لم يبدي امتعاضه، بل أبدى تقبله الكامل لما سيحدث، بل أنه وفي الحقيقة استطاع المشي مرة أخرى رغم كلام الطبيب بعدها!

لا يمكن لن أن نختار أن نكون سعيدين في حياتنا بشكل مطلق، سواءاً كُنّا على كرسي متحرك، أو بعد احتراق معملنا الكبير. لكن يمكننا دوماً نستطيع أن نختار مشاعرنا تجاههم. فهل سنمضي قدماً بعدها ونعمل أم لا؟

وطالما أننا نستطيع أن نختار الأفضل، لماذا إذاً نختار المشاعر الأسوأ دوماً؟

كيف للأمور أن تتحسن إن اخترنا الأسوأ؟

إن كان للأمر السيء يجب أن يحدث … (أحِب قدرك) لا تنظر حوليك ولا تنظر للخلف، انظر للأمام بابتسامة.

مرة أخرى، أن نتعلم قبول ما لا يمكن تغييره شيء … شيء صعب في الحقيقة، بل ومثير للحيرة.

لكن الاستيعاب الكلي أنها لم تكن تحت قدرتنا في التصرف – على الأغلب – شيء آخر؛ فبرمجة نفسك أن تحب ما يحدث لك بقبول وفرح، ستكون دوماً وغبتها تحت تصرفك. لأن ردة الفعل هي الشيء الوحيد الذي تحت تصرفنا.

ويمكن لنا من خلال هذه السيطرة خلق المعجزات. يمكن لنا من خلالها أن نقود أنفسنا على ما يجب علينا القيام به فعلاً، لتجعل منّا أشخاصاً أفضل.

لا توجد مضيعة للوقت في مفهوم (أن تُحب قَدَرك) كما يقول نيتشيه. فأن تتمنى وتبحث حتى من خلال التاريخ والأحداث عن إجابات لما حدث لك شيء … أو تنظر للأمام وتعمل بشكل مباشر على نفسك شيء آخر.

يجب أن تقول لنفسك «أنا أملك الأدوات الكافية لأن أجعل هذا الحدث السلبي في صالحي» فلن يكلفك شيء بأن تكون ممتناً دوماً عوضاً عن الانتقاد والامتعاض.

الامتنان هو الوقود … الوقود لمستقبل أفضل.