في مثل هذا الوقت من العام الماضي، أصابتني آلام شديدة في بطني مصاحبة انتفاخًا وتأثيرات أخرى لا داعي لذكرها. اكتشفت بعد أن زرت الطبيب أنها آلام القولون (الهضمي على ما أعتقد).

وهذا العام ومع دخول شهر رمضان المبارك، أصابتني نفس الآلام. لكن الفرق أنها أشد مما كانت عليه قبل عام.

كانت ردّة فعلي العام الماضي بأن لعنت كل العادات السيئة في التغذية، لعنت قلة النوم والتدخين، وحتى الأعداء الذين لا أعرفهم.. وبالطبع بالغت في التعبير عن غضبي من الشيطان الرجيم.

هذا العام.. كانت ردة فعلي بأنني انشغلت في تهزيء نفسي لأنني لم ألتزم باستمرار تلعين ما لعنته العام الماضي.

يتضح للقارئ الكريم سوء المصطلحات في هذه المقالة نظرًا لعدم مصاحبة كتابتها أي نوع من أنواع «الرواقة» كما نقول بالعامية.. فأنا أكتب هذه الكلمات في وسط المغص والتعرّق.. وصوت ديانا كرال الذي يحاول أن ينجز شيئًا ما معي.

مع دخولنا اليوم الخامس من الشهر الفضيل وبعد رحلة طويلة ومليئة بالأحداث للولايات المتحدة ومع تضارب الساعة البيولوجية في رمضان، اكتشفت البارحة أن دواء القولون الذي أتناوله منذ أيام ذو تاريخ منتهي. وهنا أنبئ القارئ الكريم، أنني من فئة الأشخاص التي خلقَت لنفسها عُقدة تجاه أي شيء ذو تاريخ منتهي الصلاحية، والسبب يعود بأنني تناولت عندما كُنت في الخامسة لبن منتهي الصلاحية وسممني شر تسميم، واليوم مهما حاول أي شخص أن يقنعني بفكرة الثلاثة أشهر مساحة بعد انتهاء التاريخ، فهي لن تزيدني إلا تمسّكًا بعقدتي.. التاريخ انتهى، إذًا يجب أن يكون الدواء/الأكل/الشراب في القمامة وليس معدتي. ورغم ذلك، تناولت الدواء دون أن أنتبه لتاريخ انتهائه!.. يا لحماقة الإنسان وضعفه مع قناعاته.

اكتشفت بشكل عملي أننا كلما ازددنا انغلاقًا على قناعاتنا، كلما ابتعدنا عن تطبيقها. تتحول بعد فترة إلى بديهيات مكررة، لا تؤثر، ولا تُظهر لنا الحقائق، أو تظهر لنا أن الحياة يجب أن يُنظر لها من زاوية جديدة.. زاوية النظر للتاريخ مثلًا!

في هذا الشهر بالذات أخطأت في أكثر الأمور تمسّكًا بالقناعات فيها.. مثل قناعة ضرورة استئجار سيارة ذات تأمين شامل!

تأملي الجديد في مفهوم النجاح في الحياة، هو أن الإنسان عندما يخطئ.. ببساطة شديدة، ليس مطلوبًا منه بعدها إلا عدم تكرار الخطأ.

فقط لا غير.. دون فلسفة.. أخطأت، براڤو.. إياك أن تكرر الخطأ.

واليوم كررت خطأين، الأول عمره أكثر من خمسة وعشرين سنة، بأن تناولت شيئًا منتهي الصلاحية.. وكان مفترضًا به أن يعالجني بدلًا من أن يجعلني أصرخ آخر الليل من الألم!

خطئي الثاني، سوء التغذية طبعًا.. فربما بسبب قراري الشرقي (أو السعودي) باستثمار سُفرة رمضان لليوم الأول أفضل استثمار، وكأنني قد أتيت من إحدى دول المجاعة قد ساهم (حسب احساسي وقناعتي) بظهور آلام والتهاب القولون. فأنا أعلم جيدًا بيني وبين نفسي أنني أملك جهازًا هضمي حسّاس، ورغم ذلك، أظل أسوق لنفسي وللآخرين أن التخمة (من وقت لآخر) وأكل الشارع من إحدى نِعم الله.. وفي الحقيقة. كلاهما ربما يكونان نِعم، لكن مثلها مثل الكثير من النعم، إن زادت عن حدّها تتحول إلى نِقم.

شريط حياة العادات السيئة كله ظهر أمام عيني في الليلتين السابقة.. استوعبت فجأة أنني لست مراهقًا ولستُ في العشرينات من عمري حيث يتحمل جسدي أي نوع من أنواع العذاب الأكلي! بل واستوعبت أن الأمر سيزداد -ربما إن لم أنتبه- في الخمسينات لا قدر الله.

لا القراءة ذات طعم.. ولا النوم.. ولا حتى الجلوس.. والصيام كله ضاع تقريبًا في النوم.

ومحاولاتي المستميتة للحصول على بعض من حنان بناتي أصبحت تثير الشفقة. عندما يمرض الإنسان يتحول كل سلوك فيه إلى شيء لا يشبهه. ببساطة، يفقد الإنسان طعم الحياة عندما تزرع فيه بعض الألم. حتى يقرر أن يتجاوزه قليلًا ويذهب لعمله أو لإتمام واجب عليه القيام به.. مثل هذه المقالة.

استوعبت أن ما نفعله حقًا في وحدتنا.. يحدد ما سنكون عليه في كل وقتٍ آخر.

ما نفعله في وقت قوتنا سيخدمنا دومًا في ضعفنا.

تأملت كل شيء سلبي.. وعلمت أنه من الأجدى أن يكون الإنسان سويًا أمام نفسه وجسده عوضًا من أن يكون سويًا أمام الآخرين.

حماكم الله.