أعتبِر هذه المقالة ضمن ما سُمّي «أدب الاعترافات». ولا زلت على القناعة التي تقول: أن الإنسان إن قرر يومًا ما أن يكتب شيئًا، فيجب أن يكتب بالدرجة الأولى ما يخاف منه.. ما يخاف منه اتجاه نفسه وهو في غرفته المُظلمة فوق سريره وهو يفكّر أو أثناء قيادته للسيارة، أو في أي وقتٍ آخر عندما يختلي بنفسه.

واعترافي اليوم: هو أنني أخاف جدًا من المدح.. وأخاف قليلًا من النقد.

وهنا مقدمتي للموضوعمن الناحية النفسية، كانت من أجمل فترات حياتي هي الفترة ما بين عمر ١٩٢٣ سنة، حيث كُنت ممارسًا للعمل الخاص في الوقت الذي كان يقضي فيه معظم أقراني أوقاتهم داخل الفصول الدراسية. وعند وصولهم لعمر الثالثة والعشرين أو الرابعة والعشرين ينتقلوا إلى حالة أُخرى تُسمى البحث عن وظيفة مُستقرة، في الوقت الذي كُنت أدير فيه بضعة مشاريع مع شركات، تجاوزت بعضها بضعة ملايين في قيمتهم.

بالطبع لا أُنكِر أن جزءً داخلي مني كان يعتبر نفسه أفضل من أقرانه في ذلك السن. كان دخلي المادي لا بأس به، اشتريت سيارة فخمة مع الكثير من الملابس الغالية التي كُنت أعتقد آنذاك أنني ببساطة مستحق لها، واستطعت أن أبني علاقات رائعة استمرت معظمها حتى كتابة هذه السطور. وكان الأهم من هذه الامتيازات هي نظرة الآخرين.. والتي توُضِح بعضًا من الفخر والاعتقاد أنني سأكون ذو شأنٍ كبير في يوم من الأيام.. على الأقل في عالم المال والأعمال.

لأسباب يطول شرحها، انتهت تلك الفترة وقُلبت صفحتها تمامًا. وبالطبع لم أصِل لذلك الشأن الكبير، ونسي بعض الناس نظراتهم السابقة.

الأمر الإيجابي والذي استجد بعدها أنني اكتشفت أمرًا جديد بالصدفة.. وهوكما يعلم الكثير من المقربينحبي المتنامي للكتابة والقراءة، أو بلغة أوضح، حرصي الكبير على توثيق الأفكار والخبرات والقصص وتطبيق ما يمكن تطبيقه منها ومشاركة الآخرين بها حول شؤون كثيرة في هذه الحياة.

ولأكون أكثر دقة حول السبب الحقيقي من امتهاني للكتابة.. هو اقتناعي الطاغي بأن الإنسان عبارة عن كُتلة من المشاعر والأفكار التي يجب أن تخرج للآخرين بأي شكل، وقد اختارتني الكتابة لتكون هي الآلة لذلك.

مع الوقت أصبحت أدّعي أنني أكثر صدقًا وواقعية مع نفسي، لا أحاول أن أرفع سقف التوقعات تجاهي، ولا أُقلل من شأنها بالتأكيد.. أعبّر طيلة الوقت عمّا أراه يستحق التعبير، والأهم.. أنني أتبنى الصراحةشبه المُطلقةفي عالمي الجديد، عالم الكتابة.

مشكلتي التي أعترف بها اليوم بخجل.. هي أنني لا أعرف كيف أتعامل مع المديح أو للانتقادات اللاذعة لما أكتبه. فإن اعتدت مؤقتًا قبل سنوات وجود نظرة من الآخرين تجاهي في اعتبارهم لي إنساًنا ربما يملك فرصة نجاح، فإنه في المقابل أصبح ما يهم بالنسبة لي هو واقع الأمر وواقع الحياة التي أعيشها.

أكبر شعور يرعبني ويرافقني كل يوم هو أن أكون مزيفًا. أو أن أعيش دور القدوة وأنا لا أستطيع أن أُلملم حياتي وفوضاها.

تبدلت نظرة الآخرين في ذلك العمر إلى نظرات جديدة بسبب امتهاني للكتابة، أصبحت تحمل بعضها الكثير من المديح والكلمات الشاعرية الرنانة التي تكفي لسد احتياج سنوات طويلة من رغبة الحصول على المديح أو المكانة النفسية أو الاجتماعية.

تمثلت مشكلتي في أنني لسبب لا أفهمه.. أصبحت أشعر بخوف شديد مع كل كلمة أو رسالة أو تعليق يحمل مدحًا لما أكتب أو لقناعة معينة كُنت قد نقلتها للآخرين. قادني هذا الشعور للتساؤل المزعج: هل ما أقوم به هو الأمر الصحيح في هذه الحياة؟.. هل يجب أن أُكمل حياتي وأنا أعبِّر وأتفلسف وأنشر الأفكار للآخرين كل يوم؟ وأصبحت أيضًا أتساءل: هل يعاني الكثير من الكُتّاب الكِبار مثل هذا الشعور؟

وجدت أن من أصعب الأمور في هذه الحياة هي إيجاد الطريق الذي نود أن نسلكه لبقية حياتنا، وهذا ما ولّد لدي تلك الفكرة التي تفيد بأن نصيحة «إتّباع الشغف قد تكون هي النصيحة الأسوأ

ربما يقول قائل إن هذا الشعور من زاوية ليس سلبيًا جدًا، لأنه سيدفعني دومًا لأن ألتزِم بما أُصرِّح به من أفكار وقصص ومفاهيم. ولكن المشكلة تتشكل، أنني لا أكون دومًا على نفس وتيرة الكتابة نفسها. فأنا بالطبع أعاني تحديات مالية مثل الآخرين، وأعاني تحديات نفسية واجتماعية مظلمة، أتفاجئ في وسطها أن شخصًا ما في مكانٍ ما في هذا العالم يطلب مني نصيحة عبر الإيميل في نفس المشكلة التي أعاني منها ولم أجد لها حل!..

أعترفربما للمرة الثانيةاليوم أنني أعاني من هذه المعادلة.. معادلة استقبال المدح أون النقد فيما أفكر به أو أقوله. أعاني وأخشى من ذلك اليوم الذي أكتشف فيه أنني لستُ إنسانًا حقيقي.. على الأقل يفعل ما يقوله للآخرين.

وعلى كل حال.. الاعتراف بالمشكلة ربما يكون هو نصف الحل.

34337 10150218435730147 4390939 n

صورتي في يوليو ٢٠١٠ والتي أُخذت الساعة ٤:٣٠ فجرًا أثناء عملنا في أحد المشاريع في مول العرب