لدي قناعة أن مجتمعاتنا الخليجية المتصحِّرة يغلب على عاطفتها ميلها للحزن من القدر أكثر من ميلهم للسخرية من الحال البائس. وقد يقول قائل إن هذا الأمر شيء طبيعي، حتى وإن كانت خفة الدم ظاهرة في النِكات -غير معروفة المصدر- فإني سأغامر برأي مفاده، أن مفعولها لحظي وأقل بكثير في قدرتها على تغيير الجو السائد.

تجد هذا الأمر واضحًا في نوعية وحجم المخرجات الفنية بيننا وبين الإنتاج المصري على سبيل المثال. راقب المسلسلات المصرية مقابل الخليجية، الأغاني المصرية ضد الأغاني الخليجية، كُتب خواطر شباب الخليج الجياشة ضد الكُتب الساخرة، وطبعًا قد أذكرك على تأمل الإعلانات بكل أشكالها وقنواتها المختلفة واختلافها الجوهري.

عن المنظور..

دائمًا ما يكون هناك خيار ضيق للشخص في تناوله لأزماته، ولعل من الأجدى له أن يحاول استكشاف الزاوية خفيفة الظل والتهكمية على الاستجابة والانجراف وراء المشاعر السلبية.

خذ مثلًا..

إن أخبرتك بأن شخصًا ما قد سُجِن وحُقق معه قبل ثلاثين سنة لأي سبب كان، وقد قرر أن يوثق تجربته في كتاب أو مقالة طويلة، كيف سيكون محتواها؟

إليك موقف حصل في عام ١٩٥٨م في مصر، حيث التم ستين سجينًا من فئات مختلفة في باحة خارجية في جو حار، يقفون على شكل طابور، كان أحدهم الكاتب المخضرم محمود السعدني الذي يقف معهم دون أن يعرف حقيقًة سبب وجوده في هذا المكان، ليحكي ما حصل في كتابه (الطريق إلى زمش):

«كان يجلس في الصف الذي أمامنا مباشرة أربعة أشخاص يرتدون الجلابيب، أحدهم كان مضروبا بشدة ودمه مجفف على وجهه ورأسه، وكان زميله في الحديد رجلا عجوزًا عرفنا فيما بعد أنه رئيس نقابة في كفر الدوار، أما الاثنان الآخران فقد كانا في سن الشباب، كان أحدهما طويلا بشكل ملحوظ وكان الآخر أقصر منه بقليل، وكان الطويل يبكي باستمرار وبصوت عال، وشعر أحمد رشدي صالح بالضيق من بكاء الرجل الطويل ونهره بحزم وطلب منه أن يكف عن البكاء قائلا له: يا بني عيب عليك تبقى طويل كده وتقعد تعيط.

ولوى الشاب عنقه نحونا وقال لرشدي صالح: واللـه يا سعادة البيه أنا ما عملت أي حاجة وردّ عليه رشدى صالح قائلا: أنت بتقوللي أنا، ابقى قول لهم لما يسألوك ودلوقتي بطل عياط وبلاش توجع دماغنا إحنا مش ناقصين، وكف الشاب عن البكاء ومسح دموعه بطرف جلبابه، ثم التفت إلى رشدي صالح وقال له: إحنا هانخرج إمتى يا سعادة البيه؟ ورد عليه رشدي صالح بغضب: ماحنا بره أهه، انتظر لما نخش جوه وبعدين اسألهم هانخرج إمتى.»

ماذا إن قلت لك إن كل هذه التجربة المأساوية كلها كانت قد وثقت بسخرية، كادت تيقظ البيت!

كان الدرس غير المباشر من قراءتي لمثل هذه النصوص الساخرة مؤخرًا، هو المحاولة المستمرة لعدم التجاوب مع الأزمات والانجراف وتأمل التعبير عنها بسخرية، فدائمًا ما يكون هناك متّسع لخفة الدم. وهنا تظهر غلبة العقل على القلب، أو كما يقول جان رساين «الحياة كوميديا لمن يفكرون، ومأساوية لأولئك الذين يشعرون».

كان الله في عون الجميع.