مفهومي السعادة والحب من أكثر المواضيع التي أناقشها مؤخرًا مع من حولي. وسأكتفي اليوم بذِكر وجهة النظر تجاه مفهوم السعادة.
أعتقد أن السعادة في مفهومنا المجتمعي ترتبط ارتباطًا وثيق مع امتلاك المال، وقبل اعتراض القارئ العزيز على ذلك، أود أن أطلب منه التكرم والتوقف للحظات وسؤال نفسه: هل إن قمت بتحليل الشخصيات التي حولك وكيفية تحقيق السعادة لديهم، ستجد أنها لا ترتبط بالدرجة الأولى بشيء مادي؟ (امتلاك سيارة أفضل، بيت أفضل، سفريات أكثر إلخ.) أو بمعنى، أنك لكي تكون إنسانًا سعيد، عليك بتطوير شيء ما (مادي على الأغلب) في حياتك، وإلا ستتوقف حاسبة السعادة عن الصعود؛ فكِّر في الأمر.
يدعو الدكتور ڤيكتور فرانكل (مؤلف الكتاب الشهير رجل يبحث عن المعنى) على البحث عن حياة يستطيع الإنسان فيها أن يجد معنًا لها بدلًا من حرصه على البحث عن السعادة بشكل مجرد. «أنا أعيش لكي أبني أُسرة وأبناء مستقرين نفسيًا وطموحين» هنا يتحقق معنى، «أنا أعيش لأغير حياة من حولي إلى حياة أفضل» هنا يتحقق المعنى. «أنا أعيش لأن رسالتي هي أن أعالج الفقراء والمساكين» هنا يتحقق أيضًا المعنى.
«المعنى» إن اختزلناه فهو عبارة عن تحقق دائرة التأثير الإيجابي على من حولنا مباشرًة أو على دائرة أكبر في محيطنا. وإن ارتبطت السعادة بنا نحن (في الأنا) سوف لن تستمر بالنمو. ويعني هذا الأمر، أن السعادة لا يمكن ضمان تحققها طيلة الوقت في حياتنا، فهي ككثير من الأمور والمشاعر الأخرى تزداد وتنقص مع الظروف. أما المعنى، فهو يبقى الغاية رغم اختلاف الوسائل.
السعادة وسيلة لتحقيق المعنى، وليس الغاية.
مثال: اخترت الكتابة (وسيلة) للتأثير على الآخرين وجعل حياتهم أفضل (غاية ١)، وهي تسعدني رغم إرهاقها من فترة لفترة، وأيضًا اخترتها للتعبير عن أفكاري بشكل أفضل (غاية ٢).
مثال: أسست تطبيق هاتف ذكي (وسيلة) ليساعد الآخرين بإيجاد أفضل طبيب لهم في المدينة، وذلك لأختصر عليهم الجهد والوقت في البحث (غاية).
إن وضعتني مثلًا في المثال الثاني (كمطور تطبيقات) فلن أستطيع أن أنجح، وستكون هذه المهمة غاية في الصعوبة وستسبب لي ضغطًا نفسي وكره لحياتي ربما، وعلى الأغلب سوف لن تتحقق غايتي السامية منه. لماذا؟ لأنني لا أجد سعادتي بتطوير التطبيقات على الهواتف الذكية، ولذا اخترت الكتابة.
عندما نستوعب فكرة أن السعادة وسيلة وليست غاية، سوف نستطيع بسهولة أن نسقطها على حياتنا اليومية دون الاكتراث كثيرًا لمستواها إن ارتفع أو قل، لأنه دومًا سيكون هناك غاية تجعلنا نحتمل ونصبر على ما نقوم به، وقبلها الصبر على مستوى السعادة إن نقص.
مشكلة عدم وضوح الغاية (أو عدم وجود الطموح أو عدم وجود رسالة في حياة الإنسان) تقوده إلى البحث عن السعادة كغاية، فتجد مثلًا أن أغلب غايات بعض الأبناء المدللين هي الحصول على الأمر المادي الفلاني (السيارة الفلانية، الحذاء الفلاني، المظهر الفلاني إلخ.) وعند عدم حصوله على الأمر الفلاني، قد يشعر بالضيق أو الاكتئاب.
لماذا؟.. لأن الغاية الأسمى والتي يجب أن يقنع نفسه بها ليس واضحة له كما يجب.
يعتقد مارك مانسون أن التركيز على الذات في محاولة تحقيق طموحاتها المادية قد لا يشبعها في النهاية، فإن امتلكت منزل، ستريد المنزل الآخر، وإن امتلكت سيارة ستريد السيارة الأخرى. بل ويجد أن الاقتناع بمحاولة تحقيق الطموحات المادية نوع من أنواع المرض الذي يجب معالجته.
وهنا أقترح الفكرة التي تقول: (مع اتفاقي مع رأي مانسون) أن جهودنا اليومية والذهنية وأعمالنا ستُصرف على شيء ما شئنا أم أبينا، إما على طموحات مادية، أو على طموحات أكبر من ذواتنا تخلق المعنى.
… باختصار أننا يجب أن نحول التركيز من «الأنا» ليكون تجاه من الآخرين ومحيطنا، وبذلك ستكون غاياتنا أسمى. وبذلك ستتحقق السعادة.