قبل سنوات، اتصل علي أحد الأصدقاء العزيزين ليدعوني لخرجةٍ ما. وبمجرد قبولي، وجدت اتصالًا آخر لصديق ثاني (لا تتفق شخصيته كثيرًا مع المُتصِل الأول) كُنت متوقعًا من هذا الاتصال بأن يعرض علي الآخر الذهاب لشرب القهوة معه.

ترددت للحظات في الرد على الاتصال الثاني؛ فكرت سريعًا بأن أحاول جمعهم الاثنان سويًا (وهو اقتراح أعلم أنه غير موفق)، ليقترح علي عقلي خيارًا آخر بأن أخبر الصديق الثاني بأني مشغول في أمرٍ ما (وهنا … خِفت أن يراني في مكان الخرجة مع الصديق الأول بالصدفة، ويصبح منظري أهبل!)، ثم قدم لي عقلي اقتراحًا ثالث بأن أخبره أنني سأكون غير منشغلًا غدًا ولأشجعه على تأجيلها؛ ولينبهني عقلي بأن «ميانة» هذا الصديق قد تسمح له بسهولة التوجه للسؤال الذي سيلحقه بـ «مشغول في إيه؟» أو «يا أخي أمشي نتقابل ساعة وبكرا نتقابل ثاني». وبعد ترددي لثواني، أُغلِق خط اتصاله، واستمريت أنا في البحث عن إجابة مثالية لن تستفزه أو أن تزعجه على أقل تقدير لأعود إليه بها. ببساطة كُنت حريصًا على مشاعره محاولًا تجنب أي أحاسيس سلبية قد تظهر من هذا الترتيب لخروجي من المنزل!

قررت بأن أكون صريحًا بشكل مهذب، لأرى ماذا ستكون النتيجة! … عدت للاتصال بالصديق الثاني، وبعد السلام وكما كان متوقعًا، طلب مني الخروج لشرب القهوة معه. وأخبرته ببساطة «سامحني ارتبطت مع صديقي [الأول]، وأعدك في أي يوم آخر بأننا سنخرج». في الحقيقة، تقبّل هذا العزيز ردي بصدرٍ رحب، ليودعني بسلام دون مشاعر سلبية، وليخبرني أنه سيكلم فلان وفلان لعلهم غير منشغلين الآن.

مثل هذا التحليل الذي دار في رأسي، قد يبدو مألوفًا للكثيرين، وحرصنا على مشاعر الآخرين وتجنب السلبية التي في مخيلتنا تجبرنا غالبًا على التهرب من الصراحة (ولا أقول هنا نية الكذِب) حتى وإن كانت على حساب أنفسنا.. وهذا الأمر معروف، ولكن!

إن أخبرتك أن «الصراحة» قيمة مهمة وستجعلك وتجعل الكثيرين يعيشون حياًة أفضل، ربما ستهز رأسك الكريم بالموافقة على هذه الفكرة، وعند أول مطب يتطلب منك قليلًا من الصراحة، سوف لن تأخذها بالجدية التي تجعلك حتى اللحظة تقرأ هذه الكلمات. [أقول هذا الأمر بصراحة لك]. ولكن أين مربط الفرس؟

تحدث الصحفي (أي. جي. جيكوبس) في مقالته التي نُشرت عام ٢٠٠٧م بعنوان «I think you are fat» عن لقاءه المثير للجدل مع الطبيب النفساني «د. براد بلانتون» الذي أصدر كتابه المعروف Radical Honesty أو «الصراحة المطلقة». وكيف أن الأخير شجعه بكل السُبل أن يعيش حياته مع الآخرين أيًا كانوا (حرفيًا أيًا كانوا في المكانة أو المنصب أو القرابة) بصراحة مطلقة دون الاكتراث لمشاعرهم أو للتوابع التي قد تحصل لهم جرّاء هذه الصراحة. فإن كان هناك شيء ما تريد أن تقوله لمديرك، أخبره مباشرًة. يزعجك أي شيء في صديقك، أخبره على الفور. كذلك مع زميل العمل، كذلك مع الزوجة. بل أن المنهج الذي تبناه الدكتور بلانتون متطرف قليلًا للدرجة التي شجع فيها الصحفي بإخبار إحدى الآنسات في حياته بأنها مرغوبة منه (ولعل القارئ اللبيب يفهم مقصدي هنا).

ويشير جيكوبس لموقف حصل معه مع أحد الأطفال عندما أخبره أن أسنانه صفراء وقبيحة، ليعلق بدوره «ها قد أخذت بعضًا من الصراحة المُطلقة من طفل» ليشير بهذا الأمر أن الإنسان يتربى على الصراحة المطلقة منذ طفولته، لتُقنن في وقتٍ لاحق عندما يكبر مراعاة للتوابع ولمشاعر الآخرين. فليس من مصلحة المراهق مثلًا أن يخبر والديه أنه لم يمسك أيًا من كتبه، ليختصر على نفسه وجع الراس بـ«خلاص ذاكرت».

تبنى الصحفي مفهوم الصراحة المُطلقة في حياته، والتي تحولت مثل حياة الدكتور بلانتون إلى حياة شديدة الصراحة والوضوح مع الكل دون استثناء، رافقها بالطبع الكثير من ردات الفعل السلبية التي أجبر نفسه على تحملها والتعايش معها. ويملك الأخير الكثير من الحجج التي تقنع الشخص الجديد على تطبيق هذا المفهوم، إلا أنني أختزل أهمها: بأنك عندما تخبر إنسانًا ما عن شيء يخصه -سلبي كان أم إيجابي- سيقود الطرف الآخر لا شعوريًا بالرد عليك بنفس الصراحة. فإن قلت لصديق ما مثلًا: أنني لم أرتح له أبدًا عندما التقيته في المرة الأولى بسبب لباسه أو هيأته، ستجد عقله مباشرة يعمل ليخرج عيب أو نقطة سلبية ضدي يوم لقاءنا الأول، ومثل هذا التبادل للصراحات بالنسبة للدكتور بلانتون يعتبر أمرًا صحي للغاية، فلا يوجد بعد هذا الاعتراف ماضي سلبي غير معلن يخص اللقاء الأول، وقس على ذلك.

شخصيًا، كنت أعتبر نفسي إلى حدٍ كبير ووقت طويل من الشخصيات التي تبالغ في مجاملتها للآخرين، والسبب ببساطة أنني إنسان عاطفي إلى حدٍ كبير (أو كنت كذلك)، ولن تحمسني فكرة استقبال صراحات جارحة طيلة الوقت من قِبل الآخرين، فبالتالي كنت أعاملهم على هذا الأساس، ناهيك عن اعتقادي الجازم أن استمرار المجاملة وتبنيها في حياتنا يعتبر أحد أهم أشكال الذكاء الاجتماعي.

ولا أخفي سرًا، بأن نظرتي تغيرت تمامًا لهذا الأمر بعد قراءة مقالة جيكوبس. وأصبحت فجأة مقتنع بأن الصراحة أمر لا يجب أن يُدارى عليه على من حولي في كل الظروف، فالمجاملة المبالغ فيها قد تصبح مع الوقت -في رأي البعض- نوع من النفاق الاجتماعي أكثر من كونه ذكاء. وبالتأكيد أفضّل أن أكون صريحًا للغاية أكثر من كوني إنسان منافق!

ما كان يخيفني بعد هذه القناعة الجديدة هو كيفية وآلية تطبيق مفهوم الدكتور بلانتون «الصراحة المطلقة في أي وقت وتحت أي سماء»، لأستوعب أمرين من هذا الخوف: ١. أن التبعات من الصراحة المطلقة خطيرة للغاية، خصوصًا في مجتمع عاطفي كمجتمعنا. ٢. أنني لا أستطيع شخصيًا تحمل نتائجها إن كانت بهذا التطرف الذي يدعو له الدكتور بلانتون.

ولذا خرجت بعد الاقتناع بأهمية تطبيق مفهوم الصراحة بعِدة قناعات جديدة أدعي تطبيقها في حياتي الآن وهي:

  • أن الطاقة المستنزفة من الصراحة مع الآخرين أقل بكثير من استنزاف طاقة المجاملة المبالغ بها رغم وجود التبعات التي قد تكون قاسية.
  • هناك فرق بين الصراحة وبين قلة الأدب. ولعلي هنا أتبنى رأي بلانتون الذي يفيد بأننا يجب أن نركز على أسلوب قول الصراحة وقول الحقيقة بشكل مهذب، أكثر من التركيز على عدم قولها تمامًا.
  • الصراحة تُقال للأشخاص الذين يطلبوها منّا.
  • الصراحة تُقال (بأي أسلوب إن استدعى الأمر) إن جاءت على حساب أنفسنا ولو قليلًا.
  • [tweet_dis]الصراحة لا تُقال لأشخاص في قراراتهم المحسومة. كالذي اشترى سيارة بنصف مليون ريال لم يعجبني لونها[/tweet_dis]، فهنا لن تقدم ولن تأخر صراحتي.
  • محاولة تقبّل الصراحة من الآخرين، والتدرب عليها … وأقول بشكل جدي، التدرب عليها!

ولعلي أختم بقصة من القصص التي لم أستطع أن أديرها بشكل حكيم (حصلت قبل سنوات طويلة، عندما كنت أقل وعيًا وأكثر طيشًا)، وهي عندما اتصل علي أحد الأشخاص، ليسألني عن فلان الذي خطب أخته، وإن كان رجل صالح أو طالح من وجهة نظري. لأخبره بكل صراحة، أنني أعرفه حق المعرفة، وهو إنسان لا أقبل حتى على عاملتنا المنزلية الكريمة بتزويجها له. ليشكرني على رأيي الصريح، ويقفل الخط. دون أن أسأله عن جديتهم وعن محسومية هذا الزواج. لأفاجئ بأنهم قد زوجوه. وتقريبًا، قاطعتني العائلتين بعدها. أو ربما اتخذوا موقفًا تجاهي.

وهنا أضيف أن الصراحة أيضًا لا يجب أن تدخل في أي زيجة إن كنت مستشارًا لها في المستقبل!