طبيعة الحياة تضطرنا أحيانًا للتعامل مع أزمات مختلفة، وأكثرها تأثيرًا هو: نقص المال.

لا يتحرك الرجل بقوة من مكانه عندما يُظلَم. بل عندما لا يملك المال.

مشكلة نقص المال، أنه يقود الرجل للاتجاه بالتفكير إلى طُرق مختلفة قصيرة للكسب. فإن لم يكن بحثه السريع وتضحيته في قبول أي عمل أو مشروع، أو أي شيء يشعِره بالإكراه من أجل الحصول على المال؛ فإنه سيتجه فورًا للطريق المختصر الآخر الذي يحل به أزمته، وهو: طلب المال من الآخرين. يكون ذلك بشكل سُلفة، أو هبة، أو حتى الاكتفاء بالتلميح أمام المقربين أنه بحاجة للمال.

تزداد وتيرة هذه الخطوة، عندما يكون الرجل مسؤولًا في حياته عن رعاية أبناء أو عائلة. يميل بسرعة للبحث عما يبرر هذا الأمر، ويميل أحيانًا مع المزيد من الضغط لجلب التعاطف، والذي لا يُشعِر الآخرين بالراحة. حتى المقربين.

ومشكلة التعاطف إن حصل عليه ذلك الرجل، فإنه سيكسر به حواجز كثيرة للمرة الأولى. حاجز الطلب، وحاجز التأقلم مع تعاطف الآخرين بعدها. خصوصًا إن لم يكن يسعى للبحث عن سُلفة أو دين، بل لهدية أو هِبة خالصة ممن حوله.

أكبر مطبْ يصطدم به الرجل حينها عندما يصبح التعاطف «الزائد عن الحد» تجاهه، هو الأمر الذي يقوده ببساطة إلى التكاسل والتبلد، وأحيانًا شعور حقيقي بالاستحقاق لهذا التعاطف. قسوة محاولة جلب تعاطف الآخرين من أجل المال في نظري، مثل محاولة المراهق في مرته الأولى لتدخين سيجارة. سينظر حوله في البداية خوفًا من الأعين، يشم رائحته طيلة الوقت، ويكتشف بعد السيجارة الخامسة أن ليس هناك شيء قد تأثر في هذا العالم؛ مجرد شخص آخر قرر أن يدخن. ليبدأ مسيرًة جديدة من نمط حياة يأقلم نفسه معها كمدخن، ليتناسى بذلك كيف كان طعم السيجارة الأولى مرير ومخيف.

الطلب في المرة الأولى صعب، وربما في المرة الثانية … لكن سيتساهل الطالب مع نفسه في الثالثة، ويبدأ في الاستمتاع بنشوة الحصول على طلبه في الرابعة.

ما أخشاه في جلب التعاطف، هو الاقتناع أنه الطريق المختصر والوحيد بعد مدة من المحاولات الناجحة. ولذا، ربما أجيب على السؤال الذي طرحته في البداية «كيف تتعامل مع الأيام التي لا تملك فيها المال؟» وأقول دون تحذلق: تحدى الوضع الراهن، وابحث عنه بهدوء، بعيدًا عن التعاطف.

ولكن؛ ماذا يحدث في النسخة الأخرى التي اعتادت على جلب المال بسرعة، وبطرق غير مشروعة ومختصرة؟ .. كيف أصبحت «فتاة الليل» تعيش حياتها في المجتمعات الغربية بعد أن امتهنت الدعارة مثلًا؟ رغم أنها لم تطلب التعاطف!

يجيب على ذلك «باولو كويلو» في روايته «Eleven minutes»، بأن ماريا (فتاة الليل وبطلة القصة) قد امتهنت الدعارة في البداية لحاجتها الماسة إلى المال وهي تعيش في دولتها البرازيل، لتسافر من أجل مهنتها الجديدة إلى سويسرا. لكن سرعان ما تغير الأمر.

الأمر الذي كان صعباً في البداية، وشديد الإرهاق على صحتها النفسية، في قيامها بالنوم يوميًا مع رجال غرباء. حتى تحول إلى أمر طبيعي، لتبدأ بالاستمتاع به. ليس الاستمتاع بالتجربة نفسها قدر الاستمتاع بالمال غير المشروع. فهي قد اقتنعت (وتأقلمت) أنه لا توجد وظيفة في العالم قد تعطيها آلاف اليوروهات خلال أسبوع واحد، واقتنعت أنه لا مشكلة في القليل من التضحيات التي لا تتجاوز بضع ساعات كل يوم! .. من أجل المال.

فهي تتقاضاه كعمل، وليس كصدقة، وبالطبع ليس كتعاطف.

أدمنت بعدها هذا الكسب وهذا النمط من الحياة، ولم تعد الحاجة الماسة للمال هي المحرك، إنما الحاجة الماسة لإبقاء قدرتها على شراء ملابسها الفاخرة، وإلكترونياتها الحديثة، وقدرتها على الخروج كل يوم إلى مطاعم جديدة. تناست كيف كانت قسوتها في اليوم الأول في توديعها لوالدتها ومدينتها في البرازيل. نسيت الحلم الأكبر في البداية (والذي كان متمثلًا في شراء مزرعة من أموال هذه المهنة) لتكتفي بنمط الحياة الحديث، ثم لتتجه إلى حرصها على البحث عن أمرٍ آخر أهم من المال، وهو الحب. والذي كان طريقها الوحيد لكي تأقلم حياتها المستقبلية، بالمال أو دونه.

نقص المال المستمر في الحياة، لا يقابله الثراء كما نعتقد. إنما يقابله ازدياد مفاجئ فيه، يغير التركيبة النفسية تجاهه لدى من يحصل عليه. عكس رجل الأعمال الثري الذي اعتاد على ازدياد ثروته درجة بدرجة وببطء، حتى اعتاد بهدوء على كل مرحلة في حياته يزداد فيها المال.

التحدي الأصعب الذي يواجه الرجال –تحديدًا في نقص المال، أن التعاطف إن رافقه أثناء الوصول، سيخرب عليه جوانبًا كثيرة. سيعتاد عليه دون السعي والجهد والمثابرة. وإن قبِل الرجل في المرة الأولى ذلك التعاطف، فإنني أشد عليه بأن يتعامل معه بحذر، وبقسوة، ويستثمره في البحث عن طرق أخرى غير مختصرة لجلب المال.

بارك الله لكم في أموالكم.