هناك فئتين من الأصدقاء الذين تقابلهم بعد سنوات من الانقطاع، الفئة الأولى هي التي لم يتغير فيها شيء، تجد حالهم «على حطة يدك» كما نقول بالعامية. ليس في هذه الفئة عيب طبعًا، المتغيَر الوحيد يكمن في أن عائلتهم زادت فردًا (أو نقصت). وتجد الجديد في أعمالهم ترقية أو نقلة من مكان لمكان آخر بحثًا على الاستقرار الوظيفي. بل أن المثير في هذه الفئة أن أوزانهم الفيزيائية غالبًا تبقى على ما هي عليه إن لاحظت هذا الأمر!

الفئة الثانية من الأصدقاء هي التي أتحمس دومًا لرؤيتها. تريد أن تعرف الإجابة على سؤال: ما هو الجديد في حياتهم؟ … تجدهم سريعي التغير والتطور، وأحيانًا قد يفاجئوك بمستجداتهم التي تجعل اللقاء بعد انقطاع شديد الحماس وكثير الكلام، حتى تكاد تقول لأحدهم «أرجوك دعنا نلتقي قريبًَا» وتطلب عدم الانقطاع بصدق.

أخي العزيز وصديق الطفولة د. كامل أزهر، أحد أصدقاء الفئة الثانية. الاختلافات الجذرية بيننا كبيرة، فهو طبيب طموح وشديد التركيز على عمله ودراسته في الولايات المتحدة. شديد الانضباط (منذ مرحلة المتوسطة)، لم يكن يتأثر بسهولة بأي محاولات طيش، كان (وأخوه ريان) نتاجًا لتربية استثنائية من أبوين جعلاهما إلى حدٍ كبير ينمون في بيئة مع صحة نفسية تستطيع التعاطي مع مصاعب الحياة. يخدم كامل اليوم آلافًا من المرضى في الولايات المتحدة ويكمل تعليمه لكي يعود إلينا في يوم من الأيام وهو مكتمل الأركان مع مهمته، لأكتفي أنا هنا بالكتابة والتفلسف على المرضى بعد أن يُعالجوا، أو عند اكتفائهم بصحتهم الحالية.

عندما التقيت كامل آخر أيام الشهر الفضيل، سألته السؤال التقليدي الذي أسأله لجميع أصدقائي المبتعثين إلى الخارج، «ما هو أكبر درس تعلمته حتى الآن؟». أجابني في البداية إجابة لم أفهمها، حتى بدأ بالشرح. ليتحول شرحه لكلمات هذه المقالة.

أجابني: «الصحة النفسية قبل كل شيء!».

يعمل كامل ويدرس كما فهمت في مدينة صغيرة في إحدى ولايات أمريكا، قضيته باختصار أن يكون طبيب أسرة (أو ربما طبيب طوارئ، أرجو أن يعذرني المتخصصين بعدم إلمامي بالفرق، إلا أنني أشرح الأمر بشكل عفوي كما فهمته). ولأن عمله يجمع ما بين ضغط دراسة وبحوث استثنائية وبين عمله الذي يقابل فيه -كما وصف- حالات شديدة التأثر جسديًا في قسم الطوارئ هناك، فهو مثل الكثير من زملاءه معرض لتقلبات نفسية سلبية أكثر من الإنسان العادي مثلنا.

«رغم كثرة حالات الطوارئ وقسوة معظمها على النفس البشرية، إلا أن إحدى الحالات التي كانت عبارة عن وفاة طِفل صغير بين أيدينا جراء حادث، وهو لم يتجاوز شهرين كانت أكثرها قسوة، للدرجة التي جعلت كل فريق العمل ينغمر في بكاء شديد، شمل معه أطباء يمارسون المهنة منذ عشرات السنين» يعلق كامل، «الكسور والحرائق والحوادث نراها كل يوم، تخيل كيف سيكون يومك بعد خروجك إلى حياتك الطبيعية بعدها. كيف سيكون يومك عندما تذهب إلى زوجتك وأطفالك؟». وربما يقول قائل إن هذه الأمور بديهية واعتيادية لكل من يعملون في المستشفيات، إلى أن الاكتئاب والضغط النفسي كما يصفه لي مع الطلاب الذين يعملون ساعات إضافية في محاولة منهم لتسديد أقساط الدراسة يساهم بتفاقم الأمر، تجعلك ترى الحياة بمنظور آخر، لتسأل نفسك، كيف يعيشون هؤلاء، وكيف يتحدون أنفسهم كل يوم، والأهم كيف يحافظون على صحتهم النفسية قبل أن تتحول إلى محاولة انتحار؟

«أكثر من حالة انتحار حصلت لدينا في مجتمع الدراسة والمستشفى، كانت إحداها عدم قدرة طالب زميل بالتعاطي مع ضغط الدراسة والمشاهد المرعبة كل يوم، وكانت حالة أخرى طبيب خبير ومتمرس قد دخل في قضية احتيال، لينتهي به الأمر بالانتحار بمسدسه خوفًا من مواجهة سمعته الجديدة أمام الناس، كما عُرف لاحقًا» يضيف لي كامل، «لا يصبح للحياة معنى بالنسبة لهم فجأة! … يرى بعضهم حالات مأساوية تصيبهم بإحباط واكتئاب شديد، تزرع في داخلهم أن القَدر يجب أن يقودهم إلى التخلص من حياتهم الفارغة، مع الأسف» يصف بعض الحالات، «كل يوم حالات مجنونة، وضغط دراسة ومصاريف لا يمكن للمنطق أن يسددها. تحدٍ كبير بالنسبة للشخص الذي لا يستطيع أن يجد لنفسه مخرجًا باهتمامه بصحته النفسية». وهنا أتوقف أحيانًَا للتساؤل: كيف هي الحياة دون هؤلاء الأشخاص! … كيف ستسير الحياة دون لُطف الخالق ثم وجود قسم طوارئ في مكانٍ ما؟

«صحيح أن دخل هؤلاء الأطباء عالٍ جدًا في المقارنة مع الآخرين هناك، وهنا ربما! … إلا أن الصحة النفسية قد لا توازي الاستمتاع بالدخل أحيانًا، استوعبت أن الصحة النفسية، هي الأهم، هي الأولى، وهي قبل كل شيء. إن كانت صحتك النفسية واعتناءك بها مستمر، أزعم أن حياتك ستستقر في بقية الجوانب، أيًَا كان عملك أو قضيتك في الحياة» يرددها كامل علي أكثر من مرة في اللقاء.

«الطريق المختصر لمعالجة الصحة النفسية -كما يعتقد الكثيرين منهم هناك- أن تغمر نفسك في المخدرات والشرب». لأعلق بدوري أن الإنسان قد جُبِل بطبعه على البحث عن الحلول المختصرة لمشاكل الحياة، فقد لا ينتظر أحدهم أن يذهب أو يكترث للذهاب إلى أخصائي نفسي يساهم بجعله أكثر قبولًا للحياة! … أضفت تعليقًا آخر، أن مشكلة مجتمعنا ربما تزداد في هذه الناحية بالتحديد، عندما لا يستوعب أحدنا أن الصحة النفسية قد تستوجب بالفعل زيارة أخصائي نفساني، وإن استوعب أحدنا هذا الأمر، قد يتردد ألف مرة خوفًا من نظرة المجتمع. بل أن أحدهم قد لا يطلب المساعد من أي شخص قريب أصلًا. وهنا نأتي على ذِكر أمر آخر أشد أهمية قبل كل تلك الخطوات، وهو تعليم أطفالنا وأنفسنا التعبير عن الذات، طيلة الوقت وتحت أي ظرف، فالتنفيس قد يكون نصف الحل أحيانًا.

خرجت بمحصلة ذلك اللقاء، بأن الصحة النفسية هي الأهم، وربما علينا البحث عن السُبل التي تجعلنا أكثر بعدًا عن الضغط النفسي والاكتئاب كل يوم. سُنة الحياة تقودنا لمواجهة كل التقلبات شئنا أم أبينا، إلا أن الاهتمام في الصحة النفسية يبقى القرار الأهم. فالصحة النفسية تقود للصحة الجسدية، وتقود في رأيي لحياة أفضل، وأكثر قبول عليها.

وأعتقد جديًا أننا يجب أن نطرح على أنفسنا كل يوم ذلك السؤال: هل مشكلة اليوم تستدعي هذا الدمار للنفسية؟.. والسؤال الآخر، كيف أخرج من كل مشكلة بهدوء، وكيف أتعامل مع المشاكل القادمة بهدوء أكبر؟

سألت كامل كيف تتعامل مع هذه التحديات، وأجابني أنه يقوم حرفيًا بفصل حياته العملية عن حياته الخاصة. يحرص عند خروجه من المستشفى بعمل إغلاق لعقله، يستمتع بأقصى ما يمكن له برفقة عائلته وهواياته ولعبة الفيفا، ولا يحاول أن يركز على المشكلة، قدر تركيزه على المُتع والجمال المُتاح في هذه الحياة.

استوعبت بعد أن ودعته، وهو ذاهب لقضاء أيام العيد في الولايات المتحدة أن الصحة النفسية باختصار، تأتي قبل كل شيء.