أكتب لكم اليوم بعد فرحتي لحضور أول حصة يوجا في حياتي. أعتقد أنني سأستمر فيه.

قبل فترة قررت أن ألغي اشتراكي في نادي «الكروسفيت» بجانب منزلي بسبب إلزام القوانين لارتداء المتدربين للأقنعة وقت التدريب. ألغيت الاشتراك فورًا. لأن المدرب كان شديد الالتزام لدرجة أنه هلكنا في وسط التمرين بقوله «فوق أنفك.. فوق أنفك» محاربًا محاولاتنا المستميتة للشهيق.. أو للغش.

أنا إنسان بالكاد أتنفس في الحياة الطبيعية، فكيف يريدونني أن أرتدي القناع وأنا أتدرب لمدة ساعة تدريبات شبه عسكرية! والمشكلة الأخرى في النوادي الرياضية هنا كما قال العزيز مهند ناصر «أن أي خرابة هنا يحولوها إلى نادي رياضي» وهذا تعبير دقيق، فمعظم النوادي عبارة عن قراج سيارات في مكان مهمل، يتم توضيبه بأقل التكاليف، ثم يقولوا لك تفضل، هذا نادي.

على كل حال، أرسلت لهم رسالة معبرة أخبرتهم فيها أنني أريد أن ألغي الاشتراك، وهو ليس ذنبهم، لكن بسبب الظروف المذكورة فيما يخص القناع. وأصبحت أتصل عليهم كل أسبوع لأسألهم إن كان هناك أي تغيير في القوانين، وبالطبع لم يحصل، وفي المكالمة الأخيرة سألت الآنسة على الخط سؤالًا وضّحت قبلها مرتين أنه سؤال بيني وبينها؛ عن المدربين أو المدربات اللذين لا يدققون بشكل كبير على مسألة القناع لأحاول اقتناص أوقات حصصهم خلال اليوم، لتعطيني ردًا حازمًا بأنها القوانين وكل المدربين يملكون صورة واضحة عنها. شعرت أنها تريد أن تغلق السماعة في وجهي لكنني تداركت الموضوع وعدتها باتصال خلال أسبوعين وأقفلت الخط .

وفجأة أمس، تذكرت موضوع اليوجا.

كان الصديق فؤاد الفرحان قد افتتن وطار به مؤخرًا وأعلن عن ذلك في إحدى تغريداته. وقررت الساعة السادسة والنصف صباحًا البارحة أن أبحث عن «ستوديو يوجا» كما يحبون أن يلقبوا أنفسهم في مكان قريب، ومن حسن الحظ وجدت مكانًا يبعد عن منزلي أربع دقائق بالسيارة، وكان موعد الحصة التالية في تمام الساعة السابعة (بعد نصف ساعة). تحمست ولبست ملابس الرياضة العادية بسرعة وانطلقت.

وصلت هناك قبل الحصة بعشر دقائق، وجدت أن المكان مرتب للغاية إضافًة للروائح اللطيفة وعدد لا محدود من النساء المسرعات يدخلون خلفي وكأن شيء ما يركض خلفهم. طبيعة البشر تجعلهم مستعجلين إن رأوا أشخاصًا آخرين مستعجلين، فأخبرت موظفة الاستقبال لحظتها أنني مستعجل وأود أن أجرب الانضمام للحصة الأولى التي سجلت فيها أونلاين قبل دقائق وسنتفاهم على كل التفاصيل المالية عند خروجي، إلا أنها اوقفني وقالت بما معناه «وين يالحبيب؟» نظرت إليها مستغربًا لتعلق «سيدي، يجب أن تحضر فرشة التدريب الخاصة بك ومنشفة يوجا غير قطنية، وقارورة ماء باردة لأن المكان حار.. نحن نقوم بتدريبات «يوجا حارة»، وننصحك بارتداء شبشب لأن ممارسة اليوجا لا تصلح وأنت ترتدي حذاءً رياضي، وأخيرًا؛ شكرًا لأنك ترتدي تي-شيرت رياضي وليست قطني لأنك ستتصبب عرقًا والملابس القطنية غير مناسبة لهذه المهمة. سيدي أقترح أن تأتي غدًا وسنكون بانتظارك».

شعرت لحظتها بالتطبيق العملي للتعبير الحجازي المعروف دخلت عليهم وأنا «غشيم ومتعافي». ودّعتها بعد أن شكرتها، وأكدت عليَ أنني سأستمتع بحياتي معهم، وبأن القناع ضروري للأسف، إلا أن لحظات الغش مسموحة (بعد أن أخبرتها معاناتي مع منافسيهم).

وها أنا اليوم بعد الحصة الأولى وبعد أن طلبت البارحة الأغراض متحمسًا من موقع أمازون الذي أوصلها في نفس اليوم.

الحصة الأولى كانت جيدة، المدربة ممتازة والأجواء رائعة رغم أن التمارين غريبة بعض الشيء. أعي تمامًا أن بعض أهل اليوجا يغلب عليهم ما نسميه في عرفنا «التهيؤ» معتقدين أنهم أفضل من غيرهم لأنهم «يوجيين»، يحاكيهم طبعًا النباتيين، والنسويين، ورواد الأعمال الشباب، والكُتّاب، وعازفي الروك، وسائقي دراجات هارلي وغيرهم ممن يتبعون إحساس الانتماء المصاحب للامتياز والفخر، في الوقت الذي يقول فيه الواقع أحيانًا.. وأقول أحيانًا مع الأسف أنه «محد درى عنهم»، خصوصًا الكُتّاب الشباب.

تنبأت لهذا الأمر وقررت أن ألتزم باليوجا مع قليل من حس السخرية تجنبًا للوقوع في مأزق التهيؤ.

عمومًا، ها أنا الآن في المكتب نائم. لا أعلم لماذا أشعر بهذا الحجم المتخم من الإرهاق والصداع، رغم أنني تناولت إفطارًا صحي ونمت عددًا لا بأس به من الساعات، وشربت مثل كل يوم «ترمسًا» من القهوة السوداء.

شعور التأنيب لأنني لم أكتب كلمة واحدة اليوم فيما يخص مشاريعي الكتابية قادني للإحساس أنني إنسان غبي ومهمل. قاومت ذلك الإحساس بإقناع نفسي أنني مرهق فقط ولستُ غبيًا. ولأثبت أن المسألة مسألة إرهاق لا أكثر، قررت أن أكتب مقالة تتطلب قدرًا غير كبير من الجهد الذهني (بدافع الالتزام بعدد الكلمات التي يجب أن أنجزها ككاتب يوميًا). وها أنا.

شكرًا على وقتك.

كان الله في عون الجميع.