يتحدث الدكتور علي الوردي عن بعض عُقد الفرد الشرقي، وعن صعوبة إمكانية استثمار حدسه ليقوده إلى النجاح. ويحسن فيها الوصف كما سنرى ليجمع بين الناحيتين الإجتماعية والنفسية من خلال الفقرات التالية:

إن الرغبات الفردية والاجتماعية قد لا تجد هُناك (في المجتمع الغربي) كبتاً على منوال ما هو موجود عندنا في الشرق. فالفرد قد يفتح عينه للحياة وهو مطمئن بعض الإطمئنان من النواحي الجنسية أو المعاشية أو الاعتبارية، ولذا يصبح “لاشعوره” أنقى وأقدر على الإبداع من “لا شعور” الفرد الشرقي.

ويبرر هذا السبب كما أوضح …

إن حضارتنا الشرقية فيها الكثير من العوامل التي تؤدي إلى كبت الرغبات وتنمية العُقد النفسية في الفرد. وهذه العوامل تكون على أشُدها، كما لا يُخفى، بين فقرائنا وذوي العاهات والأمراض منا. إن مجتمعنا اللئيم يخلق أسباب الفقر والعاهة من جهة، ثم يحتقر المصابين بهما من الجهة الأُخرى. وبذا يُنمي عُقداً نفسية لا خلاص منها.

يضرب مثالاً على ذلك …

ونرى أحدنا لا يكاد يلمح إمرأة من بعيد حتى يتغير في جميع حركاته وسكناته وربما انقلب بأسرع من لمح البصر إلى (دون جوان). وهو حين يلقى جماعة من الرجال تراه قد انقلب إلى بطل مغوار لا يشق له غبار. أما إذا رأى غنياً أو ذا جاه ونفوذ وجدته يقوم ويقعد استجداءاً وتملقاً وهياماً. إنه في كل هذا مدفوع برغباته التي لا تجد لها مجالاً طبيعياً في واقع الحياة فتأخذ بالمداورة والرياء لكي تسد حاجتها بأي طريق.

وأضاف …

إننا لا يسعنا إذن أن ننصح الفرد في هذه البلاد بأن يُصغي إلى حوافز العقل الباطن من غير حذر ولا تؤدة، إنه يجب أن يحذر كل الحذر من خواطر رغباته المكبوتة، وهي متعددة، كيلا تطغى عليه وتجعله آلة بيدها.

فالفرد منا قد يشترك في مجلس من مجالس الوقار والنقوذ، كمجلس نواب أو مجلس أساتذة أو مجلس شركة قبول أو ما أشبه. وهو قد يجد نفسه آنذاك حائراً لا يدري أيتكلم أم يسكت. فالكلام قد يكون أحياناً من فضة، وأحياناً من فحم …

إنه يشعر آنذاك بحوافز متنوعة تحفزه نحو الكلام تارة ونحو السكوت تارة أخرى، وهو لا يدري أية واحدة من هذه الحوافز وسوسة وأية واحدة إلهام.

إني لا أستطيع أن أعطي القارئ هنا قاعدة عامة يسير عليها في مثل هذه المواقف الحرجة، هذا ولكني مع ذلك أقول بتحفظ: إن الفرد الذي يفحص حوافزه المتنوعة ثم ينتقي منها ما هو ادعى للإخلاص وأنفع للناس هو الذي يفوز بالنجاح في الأمد الطويل.

فأنت إن وجدت نفسك تريد الكلام وكان الدافع الذي يدفعك إليه هو الحصول على تقدير الحاضرين أو التقرب من أصحاب النفوذ منهم أو ما إلى ذلك فاعلم أنك فاشل عاجلاً أو آجلاً.

– من كتاب خوارق اللاشعور، ص ١٦٨ – ١٦٩، ١٩٥١م عن دار الوراق