أحتفظ مع والدي بالكثير من المواقف الطريفة غير المقصودة من جهته، و ها هي إحداها:

في إحدى المشاوير، وهو يسهب بحكايته عن إحدى المقابلات التلفزيونية التي شاهدها مؤخرًا وهي تستضيف رجلًا ما – كان على ما يبدو كبيرًا في السن – وهو يستذكر أيام الطيبين وبركة الوقت وبساطة الناس والحياة، والحب والجيران والمنزل الصغير والذكريات اللطيفة وغيرها، وبعدما انتهى والدي من وصف ذلك الضيف في البرنامج، قام بإعطائي صاعقة على هيئة تعليق.

قال حرفيًا «ايش الكلام الفاضي هذا!».

ولأختصر التخمين وأفهِمُك بعضًا عن عقلية والدي.. هو من فئة الرجال الذين لا يملكون الكثير من التعلق بالماضي وأيام الطيبين – في المدينة المنورة – قبل أكثر من ستين عامًَا، يتحدث دائمًا عن إجازة الصيف القادمة وجدول السفر، يحرص على أن يتأنق في جميع المناسبات، وهو منضبط في صبغ شاربه وشعره، وهو إنسان صحي في عاداته ونومه منذ أكثر من خمسين عامًا، لا يمكن لك أن تراه وهو يخبص في أكله أو في جدوله. ولا يسافر أبدًا دون أن يرتدي بدلة رسمية وكرفتة، أو أن يحضر مناسبة زواج أو لقاء رسمي دون أن يكون المشلح (البشت) في يده.. يركز على مستقبله أكثر بكثير من مدح الماضي. هو في السبعينيات من عمره، يحب أن يعيش حياته (بارك الله في عمره) أكثر ممن هم في عمره.

الشاهد.. كان تعليقه تهكمي على ذلك الشايب الممتدح لماضيه وللأيام الجميلة، وهذا ما أشعرني قليلًا بالغرابة، لأنه ببساطة عبّر عن عكس القناعة السائدة لمن هم في سنه. وأضاف فيما معناه «هذا الأخ يمتدح أيام زمان والماضي، وكيف كان الواحد يذهب إلى مشاويره فوق الحمار، وبالكاد توجد كهرباء في المدينة، جودة الحياة سيئة، والتطور شبه مفقود، والفقر هو السمة الأكبر. كنت أذاكر على الفانوس في سطح منزلنا، والحشرات تملأ المكان.. كيف بنا أن نستشعر الجمال في تلك الأيام ونحن نعيش أجمل الأيام؟ اليوم أحجز رحلتي وألُف العالم من خلال الهاتف.. المستشفيات والطب أصبحوا أفضل بكثير، والمواد الغذائية أصبحت أجود…» واستمر في استعراض الفروقات الجوهرية في نمط حياة اليوم.

اختتَم هذه الجولة التعبيرية، بمحاولة إقناعي أن الحياة اليوم أفضل بمئة مرة من الماضي.. بكل عيوبها، ولعل المستقبل يحمل حياة أفضل من اليوم.

منذ ذلك المشوار، ونظرتي تغيرت تمامًا تجاه الماضي بتفاصيله، فها هو شخص قريب مني قد أتاني من الماضي ليخبرني أن الناس تتعامل معه كمصدر للدراما أكثر منه للتعلم من الأخطاء. ولا أخفي القارئ الكريم أن الجانب المضحك فيما يتعلق أيضًا بوالدي.. أنني أراه من فترة لأخرى يضطر لمجاملة فئة الأحبة المنغمسين في ذِكر مفهوم أيام الطيبين (على غِرار الشايب الكريم في اللقاء التلفزيوني)، مكتفيًا بهز رأسه حين سماعه لمدح الذي أمامه لأيام زمان، دون أن يحاول أن يشرح لهم ما شرحه لي.

منذ ذلك المشوار، أصبحت أتحسس قليلًا من كلمة «زمان»؛ أكل زمان. جلسة زمان. فول زمان (ولو إنني أعشق هذا المطعم استثناءً). ولا أود أن يؤاخذني القارئ الكريم بهذا الأمر.

بالطبع، يجب أن نملك إحساس الحنين لبعض الذكريات، وإحساس الفقد للأحبة الذين فارقونا، إلا أنني أحاول التفريق بين التعلق والمدح غير المبرر وبين الحنين الجزئي والبسيط الذي لا يساهم بشلْ حياتنا. ولا أنكر أن هذا التحدي مهم وصعب على الفئة العمرية الأكبر سنًا، لكن ربما ما يشعرني قليلًا بالأمان في هذا الشأن وجود عينة لا بأس بها في حياتي ممن تعدوا السبعين وهم يعيشون حياة كريمة (لا أقصد من الناحية المادية) مستمتعين بيومهم يومًا بيوم.

شاهدي الآخر، كان الفيديو العظيم والقصير وهو يصب في نفس المفهوم ولكن من زاوية علمية أكثر، الذي شاهدته اليوم وهو من انتاج “Marginal REVOLUTION” والذي استعرض فيه عن آلية «ازدهار البشرية» ومقارنة حالته المعقدة والبسيطة في التطور الهائل الذي حول إمكانية عيش الإنسان من متوسط ثلاثين عامًا قبل مئتي سنة، إلى ثمانين في الولايات المتحدة، وغيرها من الأمور الرائعة التي تشكلت مع هذا الازدهار، وهو أمر في الحقيقة يعزز لكل إنسان طموح ويرى مستقبلًا أفضل من ماضيه.. ويعزز من ناحية أخرى ما حاول والدي إخباري به.