… ببساطة، عندما يكون فعلاً منشغلاً بنفسه.

لا أقصد بهذه الجملة أي إسقاط تهكمي أو محاولة ساذجة لتكرار أمر معروف سلفاً. وعندما أقول شؤون الآخرين أقصد بها شؤون سلبية كانت أم إيجابية.

وحول هذا الأمر، ربما أجد أن هذه المقالة مناسبة جيدة لأعترف بأحد أخطر الاعترافات التي قد يعترف بها رجلٌ ما وهي: أنني أُحب «كلام الحريم» بكل صراحة. وأحب متابعة شؤون الآخرين في حالات كثيرة. وأقول المتابعة بصمت وليس التدخل، فهناك فرق بطبيعة الحال.

وعندما أقول «كلام الحريم» أقصد نعم … الدراما التي تحصل خلف الكواليس في المجالس أو في المكاتب، أو حتى في الأروقة الرسمية، والتي لا تستحق في العادة الكثير من التركيز تجاهها، لأنها وبالتأكيد مضيعة للوقت وهناك أشياء أهم في حياة المراقب ليهتم بها. خصوصاً لشخص يدّعي أنه إنسان عملي مثل ما أدّعيه.

ولكي لا أرسم صورة سلبية حول هذا الاعتراف الغريب، أود أن أبرر أن اهتمامي بتفاصيل خِصامات المطلقين ومشاكل الشركاء ومضاربة الأصدقاء، سببها أنني ببساطة أعشق تحليل المواقف والشخصيات الإنسانية قبل حبي لكلام الحريم بشكل سطحي ومجرد. فتجدني في حالات كثيرة أتناول المشكلة أو الموقف وأحاول أن أغوص فيه من خلال الكثير من الأسئلة، مما استدعى كثير من الأصدقاء المقربين باتهامي هذه التهمة التي ربما قررت الاعتراف بها اليوم ونصها: «أنت تحب كلام الحريم» لأختصر على نفسي الآن وأقول أنه لا بأس بأن يتجاوز الواحد فينا الاتهام – إن كان واقعياً – بسرعة ليدخل صلب المشكلة أو الدراما، وأضيف أنني أبرر لنفسي أحياناً أثناء دخولي في أي دراما بسؤال: إن كانت هذه الدراما التي أمامي تستحق التوثيق كتابيًا في المستقبل أم لا!

تكثر النميمة وكلام الحريم السلبي كظاهرة بشكل ملحوظ في المجتمعات الصغيرة، وتتفاقم المشاكل التافهة فيها لسبب يمكن ببساطة لأي شخص أن يؤشر عليه وهو: «فضاوة ذلك المجتمع».

فلا أعتقد مثلاً أن كلام الحريم ينتشر كظاهرة في المجتمعات الأكبر كما بنتشر في مجتمعات المدن الصغيرة المُقفلة.

في مدينة مثل نيويورك أو دبي، بالكاد ينشغل الإنسان هناك في التركيز على جهده وعمله وانتباهه لنفسه، ويصارع لدرجة يكاد يكون فيها الواحد فيهم مثل الآلة. وهي النقيضة للأمثلة التي ذكرتها بدايةً، والفرق بين المجتمعين بشكل جوهري مدى نسبة انشغال الفرد فيه.

تتميز المجتمعات الصغيرة المغلقة مثلاً بعدم انشغال أغلبية النساء فيه بوظيفة بدوام كامل، وإن كانت كذلك فهي على الأغلب ليست في القطاع الخاص الذي يلزمها بالبقاء في عملها حتى ساعات متأخرة نسبياً، فتجد أن نسبة التعرض (حكواتياً) مع صديقاتها أو قريباتها عالية، مما يقود بطبيعة الحال إلى استهلاك المزيد من مخزون شؤون الآخرين، دون أن ننسى أن جروبات الواتساب قد عززت من هذا الأمر. ويتفاوت تأثير القصص والدراما فيها على الرجال، فإما يُصاب البعض بعدواها، وإما يوقفوها مبكراً.

ما أحاول قوله اليوم أن التأثير السلبي من شؤون الآخرين على شؤوننا الخاصة، لا يحدث إن كان الفرد فينا فعلاً شديد الإنشغال، فالطاقة الذهنية والوقت موجود في كل الأحوال، فإما أن تذهب تجاه كلام الحريم ومع الشياطين، وإما نحو المزيد من العمل والإنجاز والمستقبل. فلا طريق ثالث هنا.

عندما أصبح شديد الانشغال في عملي وكتاباتي، تتوقف كل الدراما عن أخذ الانتباه مني، بل ويصيبني في حالات بعض التبلد ليتحول إلى نتيجة عكسية، مثل عدم حرصي على الذهاب إلى أفراح أو عزاءات أو مناسبات أشخاص ليسوا مقربين من الدرجة الأولى.

عندما يجد الفرد أين يكمن إنجازه الصغير الذي سيقوده للحلم الكبير، ستجده لا يستطيع أصلاً تناول المزيد من الملفات الأقل أهمية في حياته. يصرف يومه يوماً بعد يوم وهو يخلق قيمة حقيقية أكبر ومعنى لحياته ولحياة الآخرين وهذا ما يحتاجه الفرد ويحتاجه مجتمعه، وليس الكثير من الكلام.

«العلاقة الوحيدة بين الكلام والعمل، هي أن يقتل أحدهما الآخر» كما يقول رايان هوليدي، وليس هناك إيجاز أفضل من هذه الجملة  للخلاصة التي أريد أو أوصل إليها.