قبل إقلاع رحلة الخطوط السعودية لدكا، كان كابتن الرحلة قد شبك هاتفه الجوال في شاحنٍ ما في مكان ما في مقصورة القيادة، وبينما انشغل مساعده أخي العزيز أحمد باقادر بتهيئة الطائرة للإقلاع أثناء انتظار صعود الركّاب للطائرة، قرر الكابتن الوقوف لجلب جواله وإغلاقه قبل الإقلاع، ليصطدم وجهه بشكل مباغت (وتحديدًا في إحدى عينيه) في طرف مقعد مساعده.

سبب له هذا الاصطدام ألمًا غريب لم يأبه به في البداية حتى أقلعت الطائرة، وبعد استقرارها في الجو، بدأت عين الكابتن تزداد احمرارًا، ثم بدأت تنتفخ بشكل مخيف، لتتحول خلال دقائق للون أحمر بالكامل مع استمرار ازدياد الألم.

حاول ما يمكن محاولته لمعالجة هذا الألم والحادثة الغريبة، إلا أن أنظمة الطيران تُحتِم التصرف بشكل جذري في مثل هذه الحالات لسلامة الطاقم والركاب، خصوصًا في رحلة طويلة نسبيًا تقتضي أقصى ما يمكن من الحرص.

تعدت الطائرة سلطنة عُمان، ولا يمكن الهبوط في أقرب مطار إلا إحدى مطارات باكستان والتي لا تعتبر قريبة في ظل تفاقم الحالة.

اقترحوا استدعاء أي طبيب من ضِمن الركاب إن وُجِد، لعله يمكن المساهمة بحل هذه الأزمة ولو بشكل جزئي. وفعلاً، تقدم أحد الرجال (تبدوا عليه بساطة متناهية) للمضيفة وعرف نفسه بأنه يعمل كطبيب. أخذته المضيفة لمقصورة القيادة وهو يمشي وراءها بخجل، وفور وصوله للكابتن ومساعده، أخبرهم على الفور مدافعًا عن نفسه، أنه ليس طبيبًا عام أو باطنية. إنما طبيب عيون فقط!

كانت المفاجئة الأخرى أن هذا الطبيب ليس طبيب عيون وحسب، إنما أحد أشهر وأمهر أطباء العيون في بوسطن (والعالم)، وهو رئيس قسم العيون لأحد أهم المنظمات في الولايات المتحدة. كان في رحلة كتب لها الله أن تكون على متن الخطوط السعودية لكي يساهم في علاج كابتن الرحلة المتضرر، قبل وصوله إلى المؤتمر الذي يشارك فيه.

اللطيف في الأمر أن هذا الطبيب -حسبما علمنا لاحقًا- أصبح لا يستقبل حالات عادية أو معروفة العلاج لمن هم في تخصصه (كحالة الكابتن)، نظرًا لانشغاله شبه الكامل في بحوث كبيرة وعميقة في مهنته، ليكتفي مساعدوه وطلابه بهذه المهام.

«قام بالكشف على الكابتن، وطمنه أنها حالة لا تستدعي الهبوط، ويمكن علاجها ببساطة فور الوصول» يقول لي أحمد باقادر، وأضاف «أخبرناه مازحين، أن هذا العلاج الذي يفترض به أن يُكلف الكثير من المال أو الكثير على شركة التأمين لأن المعالج رئيس لأحد أهم الأقسام في الولايات المتحدة، قد أخذناه مجانًا الآن!» ليرد الطبيب بكل عفوية، أن هذا واجبه، بل بالعكس … أُتيحت له فرصة نادرة بزيارة مقصورة القيادة والتعرف على أزرارها الكثيرة، بل أنه طلب بخجل أن يقضي بعض الوقت معهم من شدة الحماس على هذه التجربة التي قد لا تتكرر في حياته.

«لا يمكن لنا أن نتخيل بأن الطبيب الوحيد في الطائرة كان طبيب عيون كما احتجنا ووفقنا الله لذلك، ولا يمكن لك أن تتخيل قدرة هذا الطبيب الجميلة على الإنصات لاستفساراتنا التي لم تتوقف، يتحدث معنا وبفهمنا البسيط عن الطب وطب العيون، ولا تستشعر ولو لأجزاء من الثانية بأنه صاحب شأن كبير في الولايات المتحدة وربما في العالم!» يعلق باقادر، «كانت تجربة رغم بساطتها، إلا أن حجم الدرس كبير فيها. بأن الله ربما يسخر لك السبل إن أخذت بالأسباب فعلًا، وثانيها، أن هذا الطبيب، وإن كان ذو منصب فهو لم يُشعِر أحد فينا بذلك، بل كان أغلب الوقت منصت، ومتجاوب بكامل حواسه لنا ولاستفساراتنا، بل أنه لم يخفي اندهاشه من تفاصيل مقصورة القيادة وهو يحرص على الحصول على المزيد من الوقت برفقتنا!»

شكر الطاقم  الدكتور Roberto Pineda ذو الأصول المكسيكية (أو طبيب الأطباء كما عُرف عنه في بوسطن) على لطفه، وتمنوا له رحلة موفقة.