مثل الكثير من البشر، كنت أعتقد أن مفهوم «الإتيكيت» وسيلة لاستعراض التحذلق و«الأنا» والعظَمةَ لكل شخص مهتم به أو ممارس له. سواءً كان مُضيف أو مستضيف لأي مناسبة تتطلب حجمًا عالِ من الإتيكيت.

«الإتيكيت أو الالتزام بالبروتوكول في جميع المحافل والمناسبات، هو وسيلة تنظيمية أكثر منه استعراضية» كما شرح لي صديقي العزيز أحمد هوساوي، والمهتم في هذا الموضوع. ويضيف: «عندما يُطبِّق المضيف والضيف فن الإتيكيت، فإن كل جهود المناسبة أو اللقاء ستنصب في التواصل البشري بين الأشخاص، أكثر من الانشغال بالطلبات الجانبية أو بالأمور التنسيقية».

لماذا يجب أن توضع كاسات المشروب على يمين الضيف أثناء العشاء، حسب الإتيكيت الفرنسي؟

  • لأن أي كأس على اليد اليُسرى لا تخُص الضيف الجالس، وإن أخطأ الضيف على اليسار بوضع كأس مشروبه أبعد قليلاً، فسيعي الجالس أنها مازالت لا تخُصه، فكاساته ستزال موجودة عند يده اليُمنى، وهكذا.

لماذا يجب على النادل أن يقدم أطباق العشاء من الجهة اليُسرى للضيف؟

  • ببساطة لأن معظم الأشخاص يستخدمون يدهم اليُمنى، فقابلية الارتطام بالنادل أعلى، لو كان التقديم من خلال الجهة اليُمنى.

لماذا توجد تقنيات محددة بوضع الملاعق بطريقة معينة (كترك الشوكة وهي للأسفل على الصحن)؟

  • ببساطة، لكي لا يحتاج الضيف لإبلاغ النادلين أنه يأخذ فترة استراحة من الأكل، وإلا سيقوم النادل تلقائياً بإزالة الصحون من الطاولة.

ومثلها الكثير من العادات المحلية لدينا في صب القهوة، فعند هز الكأس، سيقوم المُباشر بزيادة القهوة، دون الحاجة لقطع حديث الضيف مع الآخرين أثناء العزومة.

وقد شرحت في مقالة سابقة، عن أهمية التركيز بإبلاغ الضيوف عن الزي المطلوب في الدعوة أو المناسبة؛ ببساطة ليكون كل الضيوف على وتيرة واحدة دون أن يشعُر أحدهم أنه بالغ في لباسه مقابل ضيف آخر يلبس « تي شيرت وشورت».

إن تابعت المسؤولين السعوديين في مناسباتهم التي يصادف توقيتها المساء، سوف لن تجدهم على الأغلب يرتدون بِشت (مِشلح) فاتح اللون، لماذا؟ … لأن هذا الأمر ربما يوازي اللباس التقليدي من ناحية أخرى في المجتمعات الأخرى (بدلة غامقة في المساء، وبدلة فاتحة في النهار). وهذا الأمر بطبيعة الحال سيجعل الضيوف أو حاضري المناسبة، على وتيرة واحدة من التأنق، دون اختلافات محرجة.

الإتيكيت والتنظيم المبالغ فيه أحيانًا، وإن بدا غليظًا في بعض تفاصيله، إلا أن إتقانه في البيت أو العزائم أو في معظم المناسبات، سيسهل مهام الضيوف والمضيفين بالاستمتاع. ولهذا ابتكر الإنجليز مثلاً أكثر من خمسة تواقيت لمناسبات خلال اليوم، يعلم مسبقًا المدعو إليها ماذا يجب أن يتوقع فيها أو يتوقعون منه أثناءها.

الجدير بالذِكر، أن تفاصيل الإتيكيت تطال حتى آلية التعارف بين الحضور، فلا يمكن أن يجلس أهم الضيوف في العادة (حسب الطريقة الفرنسية أو البريطانية التقليدية) إلى جانب بعضهم البعض، بل يتم توزيعهم بشكل Zigzag على الطاولة بهدف توزيع القوة والاهتمام، ولكي يتعرف الحضور على بعضهم البعض بشكل أفضل. فإن كان «السيد رقم ١» من حيث الأهمية، على الجانب الأيمن أثناء الجلوس بجانب المضيف في رأس طاولة الطعام، ستجد «السيدة رقم ١» على الزاوية الأخرى المعاكسة من الطاولة يقابلها «السيد رقم٢»، والعكس، وهكذا. تخيل أن كل المهمين في جهة واحدة! … سيشعر البقية بقليل من عدم الارتياح!

ناهيك عن آليات التعريف؛ حينما يقوم المُضيف أو مسؤول المناسبة، بتعريف الأصغر عمرًا أو منصبًا على الأكبر، وليس العكس.

وربما أتيح لخيال القارئ الكريم بتخيل عدم وجود قواعد إتيكيت، ماذا سيحدث؟

فوضى عارمة للمناسبة.

وربما، يؤسفني القول أن «أم العروسة» في مجتمعاتنا المحلية، تمثل تماماً عكس مفهوم الإتيكيت، فتجدها طيلة الوقت حائمة ودائرة بين الحضور للتأكد أن كل شيء على ما يرام، وأعتقد مفترضًا أن أمهات العرائس في المجتمعات المهتمة بالإتيكيت، يستمتعون بمناسباتهم أكثر من أمهاتنا.

ولله في خلقه شؤون.


كل الشكر للعزيز أحمد هوساوي على بعض المعلومات القيمة.