عندما عاش الفيلسوف «آيبيقور» بقية حياته زاهدًا، ومتقشفًا، ومعتمدًا على سعادته في وجود الأصدقاء العزيزين حوله بعد أن قضى شبابه في نمط حياة بالغ الرفاهية والإسراف والثراء، تشكل رأيه تجاه العلاقات بالأصدقاء بوصفه: «من بين جميع الأشياء التي تمنحنا الحكمة لتساعد المرء على عيش حياة كاملة مليئة بالسعادة، يعتبر امتلاك الأصدقاء أعظمها على الإطلاق».

فليس هناك مستوى من السعادة يتجاوز جلسة مطولة مع صديق عزيز بغض النظر عن مكان الجلسة، والعكس ليس صحيح بالطبع.. فإن امتلك أحدنا أموال الدنيا دون امتلاك فرصة الجلوس مع صديق عزيز، فلن يكون سعيدًا على الأغلب.

ويضيف: «قبل أن تأكل وتشرب أي شيء فكّر مليًا بمن ستأكل وتشرب معه لا بما ستأكله أو تشربه: إذ إن تناول الطعام من دون رفيق يشبه حياة الأسد أو الذئب».

—–

أنا من الشخصيات التي تعول كثيرًا على الأصدقاء، ولدي انتماء كبير لهم، وأستطيع أن أُضحّي ببعض النرجسية إن قلت إنني لا أستطيع أن أعيش دونهم.

ويبالغ النفساني «كارل يونج» بوصفه للأصدقاء: «هم بمثابة اعتذار الرب [عز وجل وحاشاه] عن بعض أفراد عائلتك السيئين».

ورغم اقتناعي بأهميتهم ودورهم في هذه الحياة، إلا أنني لاحظت اختفاءهم أو نقصانهم بشكل كبير لدى العديد من معارفي بعد ارتباطهم بالزواج. وعندما أقول نقصان الأصدقاء، أقصد تحديدًا «الأصدقاء» وليس «المعارف».

أُقسّم الأصدقاء لثلاثة فئات في حياتي:

  • الدرجة الأولى: وهم الأصدقاء المقرّبين والعزيزين جدًا على قلبي، وأجدهم بمثابة الإخوة. وقد تصاحب ظروف الحياة ابتعادهم بشكلٍ ما، إلا أن الابتعاد لا ينقص من قدرهم. وبالطبع مع وجود المشاغل والأسرة، لن يعيب علاقتي بهم انشغال أحدنا عن الآخر فترة من الزمن.
  • الدرجة الثانية: وهم أصدقاء عزيزين، قد لا يصاحب وجودهم في حياتي لقاءات منتظمة، إلا أن معدل الحب تجاههم قد يزيد ولا ينقص، وهم يبتعدون درجة بسيطة عن الرجة الأولى.
  • الدرجة الثالثة: هم الأصدقاء الذين التقيت بهم مرة أو مرتين في حياتي، وهذه الفئة تتميز عن الفئتين الأولى أنهم على الأغلب يسكنون في الخارج، وهم من جنسيات مختلفة، وهم بالطبع الفئة الأقل والأقرب لفئة «المعارف» سابقة الذِكر.

أجمل ما في مفهوم الصداقة هو عدم حِفّته للأبعاد النفسية السلبية، مثل الغيرة أو حب التملّك. فإن كُنت صديقك فأنا أيضًا صديق الكثيرين والعكس صحيح. عكس علاقة الحب التي سيظل يحارب الجنسين لحصر الطرف الآخر نحوه في حياتهم. وبالطبع، لازلت أحارب فكرة «الصديق الصدوق الأوحد» لأسباب يطول شرحها هنا.

وعودة للظاهرة، اكتشفت أن هناك الكثير من الشخصيات الاجتماعية (كما يبدو عليها) في حياتي تتوقف تمامًا عن تطوير علاقتها بالأصدقاء القدامة بعد الزواج لسبب مجهول لي حتى الآن، في الوقت الذي أجد فيه أن أفراد الأسرة وزملاء العمل والمعارف مهما كانوا لطيفين، فهم لا يستطيعون أن يغطوا خانة الصديق الذي يستقبل فضفضاتنا وفضائحنا وأسرارنا ليشاركنا فيها وجدانيًا على الأقل.

بل تفيد المدرسة النفسية أن عدم حرصك على التواصل مع الأصدقاء وعدم تلبية دعواتهم للقائك بشكل دائم يُعد أحد السلوكيات السلبية التي قد تقودك إلى الاكتئاب -لا قدر الله-. وبالطبع، لا أود أن أُعيد وأزيد عن نتيجة الدراسة الشهيرة لهارفرد بأن سر سعادة الإنسان في هذه الحياة يُختزل بالضرورة في جودة وقوة علاقة الإنسان مع من حوله.

يميل رأيي لتفسير سبب عزوف بعض الأفراد عن تنمية العلاقة مع الأصدقاء بعد الزواج، إلى الاعتقاد بأن الأسرة وزملاء العمل والاجتماع بهم دومًا لا يستدعي الإضافة عليهم. فهم بمثابة العبء أحيانًا.. وليس الاستمتاع بوجودهم.

وسيقول قائل بأن أنماط الشخصية تختلف من شخص لآخر ممثلًة في «الانطوائي» و«الاجتماعي» وهذا صحيح بالطبع، إلا أن الفارق الجوهري هو عدد الأصدقاء بين الشخصيتين ومستوى الصداقة، وليس وجودهم من نقصانهم بشكلٍ واضح.

ويصف دو بوتون الأصدقاء المقربين استكمالًا للفيلسوف «آيبيقور»: «لا يقوم الأصدقاء بتقييمنا تبعًا لمعايير دنيوية، بل إن جوهر الذات هو ما يهتمون به؛ مثل والدين مثاليين، يبقى حبّهم لنا غير متأثر بمظهرنا أو مكانتنا في الهرم الاجتماعي، وبذا لن نخشى ارتداء ملابس قديمة أو الاعتراف أننا جمعنا مبلغًا ضئيلًا من المال».

وبتعقيب الفيلسوف الأمريكي «رالف والدو إيميرسون» في وصفه المختصر للصديق العزيز: «هو الشخص الذي تستطيع أن تفكر أمامه بصوت مرتفع»، فلا يعمد الصديق العزيز إلى محاكمتك على أفكارك الشاطحة أكثر من مناقشتها معك بسخرية وتهكم. وفي حالات قليلة.. تقديم نصيحة لا تؤثر جذريًا على حياتكما سويًة. وبالطبع.. سيهتم لأمرك سواء كُنت غنيًا أم فقيرًا.. وزيرًا أم حارسًا لبوابة الوزير.

تعمّد التواصل المنتظم مع الأصدقاء العزيزين هو الخطوة الأولى ربما لمعالجة هذه الظاهرة، وسيقود التواصل للاقتراب، والاقتراب سيقود بسرعة إلى التعايش واكتشاف أن الصديق له أهمية أكثر مما نتصور.


مرجع:

  • دو بوتون آلن (ترجمة يزن الحاج)، عزاءات الفلسفة، ٢٠١٧، دار التنوير، ص ٧٢ – ٧٣.