أقرأ هذه الأيام أحد أهم الكُتب التي صدرت مؤخرًا والذي يتحدث عن مفهوم وقصة عن المؤامرة والفضائح Conspiracy، للكاتب الشاب Ryan Holiday. يتناول الكتاب أدق التفاصيل لحادثة فضيحة المصارع المعتزل المعروف Hulk Hogan (تيري باليو) عندما نشرت الصحيفة الإلكترونية (سيئة الذِكر) Gawker ڤيديو فضائحي للمصارع وهو يمارس الجنس مع زوجة صديقه المقرب في ظروف شديدة الغرابة. تتجه القصة برفع المصارع لقضية ضد الصحيفة، مدعومًا ماديًا ومعنويًا من قِبل رجل الأعمال المعروف Peter Thiel أحد أشهر مستثمري فيسبوك وباي-بال وأوبر وغيرها من الشركات الكُبرى. وتنتهي بحصول المصارع لمبالغ تعويضية تجاوزت مبلغ ١٤٠ مليون دولار، والتي كانت كفيلة بإغلاق الصحيفة بشكلِ ساحق.

حصل الڤيديو على أكثر من سبعمئة ألف مشاهدة خلال وقت قياسي عند رفعه على الإنترنت. واستنتجت من «هوليدي» أن الصحيفة كانت قد اشتهرت باقتياتها على الفضائح والابتزاز طوال مسيرتها، فلم يجرؤ أحد المشهورين المفضوحين على محاكمة الصحيفة، خوفًا من استمرار وتيرة الفضائح بشكل انتقامي عليه، بل أن الصحيفة كانت قد أُسست خارج الولايات المتحدة لتجنب ما يمكن تجنبه من القضايا، ناهيك عن امتلاكها لفريق قانوني صلب كان يصد معظم القضايا المرفوعة ضدها، طبعًا مستثنيين الجهود الجبارة للمصارع وبيتر ثيل وفريق عملهم الذين عملوا لأكثر من عشرة سنوات للإطاحة بـ «الإرهابيين الإعلاميين» كما سماهم بيتر ثيل.

تطول القصة التي تحمل تفاصيل غاية في الإثارة والغرابة، إلا أن شاهدي يدور حول نقاط مُظلِمة في النفس البشرية .. نقطة تخصنا نحن الأفراد المتابعين للإعلام، والتي ساهمت بجعل صحيفة صغيرة تصل قيمتها إلى عشرات الملايين في وقت قياسي؛ وهي إدمان المتابع ورغبته الدفينة بالاطلاع على الفضائح المنشورة لفلان وفلانة.

نشر الفضائح بين الأفراد والحرص قبلها على الاطلاع عليها يشكل نوعًا من التنمر البشري الذي يدمر حياة المفضوح نفسيًا واجتماعيًا وعمليًا … بل ربما يطول الدمار للمرحلة التي يتمنى فعليًا المفضوح (أو المفضوحة) أو لأحد أفراد عائلته بالانتحار فيها.

توجد فئة كبيرة ومرعبة من شبابنا لا يتأخرون في الاطلاع على أي نوع من فضائح المشهورين (شديدة الخصوصية)، ولعل هذا الأمر -بشكل غير واعي- فطرة قد جُبلت عليها النفس البشرية، قد تقف عند حدود المشاهد لها، وقد تتطور إلى سلوك إرسال صور أو ڤيديوهات على جروبات وأشخاص مختلفين في الواتساب.

توسلت إحدى البنات المراهقات توسلًا جعلها على استعداد للتضحية بأي شيء لأحد محرري الصحيفة المذكورة بعدم نشره لڤيديو وهي تقوم بشبه ممارسة للجنس مع حبيبها. إلا أن المحرر رد عليها «أعلم جيدًا أن نشر الڤيديو فيه شعور قاسي عليكِ، لكنني يجب أن أنشره، فأنا أقوم بعملي»، لينتشر هذا الڤيديو بين معظم معارف الآنسة المفضوحة بظروف يغلب عليها الغموض عن من قام بتصويرهم من الأساس. كانت هذه الفتاة على الأغلب، فتاة عادية تمارس خصوصيتها في مكان مغلق مع حبيبها/زوجها/أو أيًا من كان في مجتمعهم. إلى أن الڤيديو عندما يصل لأي مستقبِل عادي فهو بطبيعة الحال قد يشاهده، وقد ينشره لأصدقائه.

ولا أبالغ إن قلت أن أي إنسان على الكرة الأرضية معرض لأنواع ودرجات مختلفة من الفضائح، إلا أنني أود أن أرفع اليوم الراية الحمراء وأقول للفرد المتابع العادي إياك يا عزيزي أن تحرص على الاطلاع أو مشاهدة الفضائح عندما تصل لك، والأجدى .. مهما كانت مشاغبتك في هذه الحياة بأن لا تتعقبها من الأساس، مهما عُرِضت عليك. فالجميع يملكون كاميرات في هواتفهم، والجميع يملكون إنترنت ويعرفون عشرات مواقع الصور والڤيديوهات التي يمكن التحميل عليها.

يملك إنسان القرن الواحد والعشرين محتويات صورية وكتابية وڤيديوهات مُرخصة قد تزاحم حياته ووقته إلى أن يموت، وليس هناك أيُ داعٍ للإطلاع على محتويات لم يرضى أصحابها عليها أن تُنشر.

أصابني الرعب عندما علِمت بقصة الآنسة المراهقة التي توسلت للمحرر، ولم أكن بِصدق أود تخيل إحدى فتيات مجتمعي في نفس موقفها الذي جُوبه من شخص خالي من الرحمة والإنسانية.

لا توجد أي قيمة من الاطلاع على الفضائح، حتى وإن كانت تحمل بعض الإثارة المؤقتة، فتأثيرها في المقابل شديد القسوة على صاحبها مع كل ضغطة زر مشاهدة.

أرجوكم … لنبتعد عن الفضائح.