هنا جزء من خاتمة كتابي القادم .. أعتبره لحدٍ كبير مُكمل لمفهوم «ثورة الفن».


اشتريت في عام ٢٠٠٥م «جينز» و«تيشيرت» من إحدى الماركات الفخمة، كلفاني سويًة مبلغ «ألف ومئتان وخمسين ريال». كان هذا المبلغ هو راتب شهر كامل من عملي بدوام جزئي في إحدى مطاعم الوجبات السريعة، وقد صُرِف في أقل من نِصف ساعة.

قمت بذلك التصرف كي أُثبِت لنفسي ولبعض أصدقائي أنني مثلهم. أرتدي ملابس فخمة، وأحضر لنفس المناسبات التي يحضروها، وبالطبع، محاولة غير مباشرة لطلب التقدير والاحترام والاستحقاق.

كانت مناسبة شراء تلك الملابس هي دعوة أحد الأصدقاء لنا بالذهاب إلى «درة العروس» في عيد الأضحى ذلك العام، وقد استقبلت تزامنًا مع تلك الدعوة، اتصالاً من مديري المباشر ليخبرني أنني يجب أن أباشر العمل في فرعهم في «درة العروس» أيام العيد، مع وعده لي بزيادة محترمة في الراتب. ولكنني مع الأسف رفضت هذا العرض ورفضت المباشرة بالعمل هناك.

استمر في إلحاحه وإخباره بحاجته لي بالمباشرة في ذلك الفرع، واستمريت في الرفض بحجة أنه «عيد» ولا أود أن أخدم أصدقائي وأنا خلف «كاونتر» المطبخ، بدلاً من أن أكون معهم.

وما حصل … كان كما هو متوقع في ذهن القارئ الكريم، بأنني فُصِلت عن العمل لذلك السبب، فقد ضحيت بعملي في أكثر وقت كان فيه زملائي ومديري في حاجةٍ ماسة لي.

توقف دخلي المادي، وتشاديت مع أهلي عندما طلبت منهم مبلغاً من المال لكي أُسيّير أمور حياتي، بعد أن صرفت راتب شهرًا كامل في ملابس لن تقدم في حياتي ولن تؤخر (لم أكن قد تجاوزت العشرين من عمري). كانت مشكلتهم في الرفض بدافع المبدأ! فكيف أتعب شهراً كامل في عمل شاق من أجل أن أشتري ملابس ربما سيعلق الآخرين عليها إيجابيًا، وربما لا. وأسأل نفسي اليوم، هل كان التصرف الأصح هو تركي للعمل في الوقت الذي كانوا فيه في أمس الحاجة لي؟

وأقول:بالتأكيد لا.

أعزي نفسي اليوم عندما أكتب بصراحة عن هذا الخطأ التقني في حياتي، والذي أتمنى من صميم قلبي بأن يطلع عليه القارئ الكريم (حديث التخرج على وجه الخصوص) ليعي أن تركيزه على مستقبله، والعمل على ما قد يعطيه قيمة حقيقية لنفسه قبل الآخرين، هو الذي سيأتي إليه بنتائج إيجابية، وليست الملابس الغالية أو تقديم أي ملهيات على العمل الحقيقي، أو صورٍا يحاول أن يثبت للاخرين من خلالها أنه إنسان يستحق التقدير. وإن عادت بي الأيام، فإنني سأفضل مئة مرة بأن أستثمر ذلك المبلغ بشراء الكُتب، أو بشراء أسهم في الشركة الأم التي عملت فيها مثلاً. وبالتأكيد، كنت سأقبل تكليفي بالمباشرة في «درة العروس» خلال أيام العيد.