خرجنا آخر الليل من المقهى الشعبي «القمة» في يومٍ ما عام ٢٠٠٥م إن لم تخني الذاكرة، كان برفقتي سليمان ومروان، وهما أصدقاء منذ فترة ليست بالقريبة. يتميز هذا الثنائي بمجموعة صفات غير منتشرة بين أصدقاء الطفولة (لا أعلم إن تغير شيء منها هذه الأيام)، كانت إحدى أهم تلك الصفات بينهما هي كثرة الانقطاعات والزعل المتكرر وسرعة الرضا والعودة لمجريات الصداقة الطبيعية في أوقات قياسية. هم أصدقاء حتى اليوم (ما لم يتصادف توقيت قراءة القارئ الكريم لهذه السطور وهم في مرحلة انقطاع لا قدر الله)، تعرّفت على مهارات جديدة برفقتهم، كمهارة الإصلاح الاجتماعي والصبر، والنقد الدرامي.

وبخصوص تلك الليلة إليك ما حصل:

انتهت الليلة، وسنعود إلى منازلنا، ركبت السيارة وركب بجانبي سليمان، شغّلت السيارة واشتغلت معها إحدى أغاني «إمينيم» الصاخبة، أخفضت الصوت، نظرت في الخلف ووجدت مروان كان قد ركب هو الآخر، وعلّق سليمان «نوصل مروان بعدين وصّلني».

 وانطلقنا.

كانت مسافة الطريق حوالي الربع ساعة من شمال الخط السريع (منطقة المقاهي الشعبية) إلى منزل مروان في حي الزهراء، وعشر دقائق أخرى إلى منزل سليمان في الروضة. ونحن نقترب من منزل مروان، وجدت رسالة جوال من خدمة كانت قد ظهرت حديثًا آنذاك «Call me» مرسلة منه. نظرت في الخلف ووجدته مُنزلًا رأسه وهو ممسكًا بالجوال. فهمت من الرسالة أنه يريد مني أن أكلمه بعد أن أوصل الأخ الذي يجلس بجانبي، فعلى الأغلب قاموا الإثنين بالتخابط في المقهى أو قبلها، وها قد حان دوري لأسمع التفاصيل وأنا في طريقي للبيت.

اقتربنا أكثر من منزل مروان.. يستقبل سليمان رسالة على جواله «Call me» من مروان. ينظر إلى مرآة الراكب فوق جبينه موجهًا نظرات إلى الخلف «اشبك يا أهبل راسل لي رسالة كلمني؟»، وفجأة..

مرواااااان!

وكانت هنا الصاعقة..

نظرنا سويًة إلى الخلف -ونحن نقف تقريبًا أمام منزله- لنكتشف أنه غير موجود في السيارة معنا أصلًا.

نظرنا أنا وسليمان إلى بعضنا البعض ونحن في حالة ذهول وصمت. أين اختفى هذا البني آدم؟ رأيناه بأم أعيننا وهو يركب السيارة!

ماذا حصل؟

اتصل عليه سليمان بهدوء.. رد مروان. وبدأت أسمع أنا صوته من شدة الصراخ، ضحك سليمان، وقال له.. «طيب طيب الآن نجي ناخدك». ثم عدنا إلى القمة لنأخذه.

ركب مروان السيارة.. انفلت قليلًا في التهزيء، ثم جاوب على تعليقي عندما أخبرته أنني رأيته وهو قد ركب، فكيف اختفى فجأة؟

ما حصل في الحقيقة كان مضحكًا فعلاً..

فتح باب السيارة.. ركب في المقعد الخلفي.. اكتشف أن هناك شيء ما ثقيل تحته، وقرر أن يختصر الطريق ويخرج ليركب من الجهة الأخرى.

ما سمعته وقتها أن الباب كان قد أُغلِق واعتقدت أنه قد ركب. وعندما نظرت إلى الخلف ووجدته مطأطئ رأسه، في الحقيقة لم أراه.. إنما كان عقلي هو الذي يُخييِل إليَ أنه موجود في الخلف ينظر إلى جواله.

المضحك في الموضوع أنه حالما أغلق باب السيارة وقبل أن يركب من الجهة الأخرى، قمت بإخراجها من الموقف مباشرة وهو واقف في الخارج يتأمل السيارة ينتظرني حتى أتوقف بعد تعديلها ليركب، إلا أنه تفاجئ أنني انطلقت دون توقف. ليستوعب أنه فجأة أصبح وحيدًا في الشارع، ركض قليلًا خلفنا مع بعض الزعيق لننتظره، لكن أعتقد أننا لم نسمع بسبب اشتغال أغنية إمينيم.

أوصلت الجميع إلى بيته، واستمر هذا الموقف ضمن أحد أهم المواقف الطريفة في ذاكرتي.

وانتهت القصة.