يميل الرجل للخوف من الارتباط طويل الأمد.

تعليل هذا الأمر هو الذُعر من المسؤولية أكثر من أي أمر أخر، فعندما يفكر بالارتباط فهو يُذكِّر نفسه بوجود رعاية جديدة ستنضم إلى حياته، وفتح بيت ومصاريف لم يتم حسابهم بدقة من قبل، وبالطبع فرصة الحصول على شخصيات من العدم تزيد من أعبائه.

يكتشف بعد مُدّة أنه يحتاج لهذا الارتباط.. ويبدأ بالبحث عن شريكة العُمر، ويكون المُحرِك على الأغلب إمّا ديني أو ضغط اجتماعي.. أو مجرد الشعور بنقصٍ ما، وبالطبع ليس الدافع هو الاستقرار بشكلٍ مجرد أو غريزة الأبوة؛ بقدر ما هو البحث عن أمرٍ غير مُعلن بنسبة كبيرة يُسمى «الاحتياج العاطفي» أو بلغة أكثر وضوحًا: الحاجة إلى الجنس.

وبالطبع لكل قاعدة شواذ.

يكتشف بعد الارتباط أن الأمر لم يكن بالذعر الذي رسمه لنفسه، يبدأ في ترديد تلك الخاطرة التي تقول: «أوه!.. أستطيع أن أدير هذا الأمر، ليست المسؤولية سهلة صحيح.. لكنها ليست قاتلة.. وفي الحقيقة لا بأس بها»، لتبدأ حياته بالتحول إلى استقرار نسبي -إن كان الارتباط قد حصل مع شخص مناسب-.

يميل الرجل (السوي) بعد الارتباط إلى وضوح شبه مُطلَق في نمط حياته، سيرغب على التركيز على عمله وحياته وهواياته، جلسات الشباب، تناول طبخ البيت، وبالطبع.. سيرغب أن تتركه شريكته في حاله إن كان يعيش حالة من الفوضى الحسية، والأهم.. سيرغب طيلة الوقت بالحصول على أعلى قدر من الإشباع العاطفي والجنسي، ولا نتناسى أن الأمر الأخير هو المحفز الأهم أصلًا منذ البداية لهذا المشروع كله.

يتحول الرجل إلى طفلٍ كبير.. يبحث عن الرعاية، ويقترب خطوة من إحساس الأنانية من أجل الحصول عليها، وإن حالفه الحظ ورُزق بأطفال، ستبدأ غريزة الأبوة بالعمل فجأة.. سيحب أطفاله أكثر من أي شيء آخر، وتنقلب أهدافه لأهداف مستقبلية من أجلهم، وسيُصاب بنوع من التناقض الغريب ربما؛ أهداف سامية من أجل الأسرة والأبناء، والبحث غرائزه الحيوانية المادية. ورغم كل ذلك، تظل أحاسيسه ومتطلباته في هذه الحياة غاية في الوضوح.. يعلم تمامًا ماذا يريد منها. تتشكل المشكلة أن هذا الوضوح سيصبح وضوحًا مرعب، لا يستطيع رغم بداهته أن ينظر إلى أي أمرٍ آخر غيره، ولن يبحث عن أساليب وتضحيات من أجل عدم الحصول عليها.

باختصار.. إن كان الرجل قد امتلك ميزة في تركيبته النفسية بعد الارتباط، فهي الوضوح في طلباته ورغباته وطموحاته. عكس التشوش الذي أصابه قبلها.

المرأة موضوعها مختلف قليلًا، تمتلك نفس نسبة الوضوح، لكن قبل الارتباط، تبحث (على الأغلب) على رجل مثالي، وإن تقدم بها العمر قليلًا، سأغامر برأي مفاده: إنها ستقبل بالموجود أيًا كان. فهي واضحة.. تريد الارتباط.. وتريد الاستقرار العاطفي، وبلغة أخرى: تريد إحساس الأمان وفرصة الحصول على طِفل.

وإن كان هناك تشوش في حياتها فقد يصيبها بعد الارتباط، ولسان حالها يقول: «هل هو هذا الرجل الذي كنت أحلم له؟.. هل هو الأب المثالي لأبنائي؟.. ماذا عن دراستي وعملي ومستقبلي؟.. إلخ.»

عندما تبدأ المرأة في حياتها في استقبال إحساسي (الأمان وفرصة وجود الطفل).. ستعطي الرجل ما يريد: «حسنًا تريد إشباعًا عاطفيًا وجنسيًا؟.. اثبت لي (ولو بشكل غير معلن) أنك ستعطيني إحساس الأمان وتلك الفرصة مع طفل المستقبل. وسأعطيك ما تريد»، بهارات هذه الأحاسيس هي «الحب».. وثلاجتها التي تحافظ عليها هي «المودة والرحمة».

يتحرك الرجل تجاه تلبية رغباته -غير المسيطر عليها- بتقديم مئات الاقتراحات والوعود والكلام المعسول وغيره.. وفي مراحل أخرى يضطر إلى تقديم الكثير من العروض، حتى يأخذ ما يريد، لتبدأ بعدها هي بإعطائه ما يريد.. ليعود ويعطيها ما تريد.. وبالطبع يأخذ ما يريد، وهنا تستمر الحياة مثل الدائرة، فإن توقف أحدهم على إعطاء الآخر ما يريد.. انتهت العلاقة. ببساطة ودون إفتاء.

كل ما قلته.. قراءة شخصية، وليس حقائق علمية دقيقة.

لكن السؤال الذي تولد قبل كتابة المقالة: هل المحرك الأصل في كل هذا المشروع هو وجود غريزة الأمومة؟.. وأقصد بذلك، هل غريزة البقاء البشري كانت قد قُسِّمت جيلًا بعد جيل بين حرص المرأة على الحصول على طفل (وهو الأساس وهو سؤالي) وبين جشع الرجل تجاه الجنس؟.. الله أعلم!

لكن ما أعرفه، أن المرأة لرجل واحد. والرجل -لا أريد أن أقول لمرأة واحدة بالضرورة أو العكس- تتمثل حالته في حرصه على إبقاء عامل الأنانية والحفاظ على غريزته بالاستمرار، فهو الذي يملك القدرة على إصدار مئات الآلاف من الحيوانات المنوية من أجل ضمان بقاءه على هذا الكوكب، وإن كان نفس الرجل يملك تلك السيطرة المُطلقة على أحاسيسه وغرائزه، فهو بالتأكيد لن يحرص على الحصول على أطفال إن لم يكن هناك دوافع أخرى تُسمى دوافع اجتماعية، ببساطة لأنه لا يملك ما يُسمى «غريزة الأبوة» إلا بعد مشاهدته لطفله أمامه.. يستطيع أن يلمسه ويشمه ويسمّيه، ولا يستوعب الرجل إحساس الابن إلا بعد أن يعيش فيه، عكس الأم، فتلك الأم هي كل النساء.

عمومًا خرجت بمحصلتي التالية: أن أسمى غريزة في هذا الكوكب هي غريزة الأمومة، فهي التي تبقينا على قيد الحياة وتضمن استمرارنا، وبالطبع.. تشمل بذلك السيطرة على سلوك الرجل الحيواني.

ومن قراءة اجتماعية أخرى غريبة بالنسبة لي، يظل الرجل مرتبطًا بهذا الإحساس الغريب حتى موته، فهو يستذكر أمه، ويبحث عن أم أخرى من شريكته، وعندما يكبر.. يتوقع وجود أم أخرى في ابنته. وإن توقفنا قليلًا وتأملنا المرأة، فستجدها هي من تعطي، وتستمر حتى موتها بالعطاء، تكون أم دومًا.. أمًا وهي ابنة وشريكة وأم حقيقية.

قادني نقاش مع شخصيتين في هذا الأسبوع لتأمل هذه التركيبة وتدوينها اليوم، الأولى أم اقتربت من الخمسين أنكرت وجود ما يُسمى غريزة الأمومة بشكل مُطلق، لتخبرني أنها مجرد برمجة اجتماعية.. ونقاش آخر أو بالأصح سؤال سأله صديقي العزيز عبد الرحمن البارحة: كيف ستكون هذه الحياة دون وجود نساء؟.. أم، أخت، ابنة، زوجة.. وحتى زميلة عمل.

وأجاب على نفسه بعد أن قال «كم هي حياة صعبة وجافة».

وأقول للسيدة الأولى: أحمد الله على وجود غريزة الأمومة!