هنا بعض المثالية التي أقولها دوماً ولا ألتزم بها …

عندما أسافر خارج المملكة (خصوصاً الرحلات التي تتجاوز ثلاثة ساعات) أحرص دوماً أن أُنشئ جدولاً صغير لما سأفعله وسط الطائرة. ساعة قراءة … ساعة كتابة … وساعة مشاهدة لفيلم أو مسلسل ما. لا تزعجني أبداً الرحلات الطويلة رغم إرهاقها، أجدها إلى حد كبير فرصة للتفكير والإنجاز؛ وأنا مرغم على الجلوس لفترة دون مقاطعة ودون إنترنت ودون اتصالات تَطلب مني أمراً ما.

مثل رحلات الطائرة، يعلم المقربين أنني من محبي سفر الخطوط البرية لأسباب مشابهة، بل وأضيف لسفر الخطوط جدول الاستماع لقائمة طويلة من الأغاني القديمة والكُتب الصوتية التي تحتاج وقتاً طويل للإصغاء والتركيز، طبعاً مع مجموعة متفرقة من التفكير العميق في شؤون ومصائب الحياة.

أشترط دوماً أن أكون لوحدي في الخط دون مرافقين. طريق جدة – المدينة المنورة من خطوط السفر المعتاد عليها في حياتي، بطبيعة الحال لأنني أحد أبناء المدينة المنورة. يأخذ في العادة الطريق ثلاثة ساعات ونصف من السائق المنضبط في سرعته، وآخذه في معظم الأوقات في أكثر من أربعة ساعات، على مهل.  فأنا أطبّق حرفياً مفهوم الاستمتاع بالرحلة.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت لدي رحلة زيارة صديق/عمل إلى لندن، كانت مفاجئة الرحلة الجميلة إهداء الوالد لي تذكرة سفر على درجة الأعمال، مما يفترض أن متعة الرحلة ستزيد بنسبة ٣٠٪. وبالفعل، خططت لعمل جدول صغير للستة ساعات والنصف ذهاباً إلى لندن والذي تضمن قراءة وكتابة مع نية أفضل استغلال للوقت.

دخلت الطائرة … جلست … وجلس على الكرسي الذي يلي كرسيي المباشر سيدة جميلة تبدو في بداية الأربعينيات. تأكدت أنها متأثرة بالنصيحة التي كان دوماً يعطوني إياها والداي في ضرورة لباس أبهى حُلة يوم السفر، بل وحتى اليوم يحرص والدي مثلاً على ارتداء بدلة كاملة (بكارفيتا) عندما يسافر إلى الخارج، معتبراً الدخول إلى الطائرة مناسبة رسمية تستدعي هذا المستوى من الشياكة.

مضت الساعة الأولى على خير، شعرت في بداية الساعة الثانية أن الجدول الذي عملته سيذهب في مهب الريح لسببين، الأول: أنني بدأت فعلاً أشعر بملل جدي، والثاني: أنني لست في مود التركيز الذي سيقودني لقراءة الكتاب أو فتح شاشة الكمبيوتر لأكتب. واتجهت نظراتي – بنية حسنة – للسيدة الكريمة التي بجانبي.

هنا أتوقف مؤقتاً لأعترف أن لدي مشكلة في التعامل مع الإناث، بغض النظر عن خلفياتهم في مجتمعي المحافظ، فدوماً ما أُصافح الآنسات الخطأ، ودائماً ما أعطي انطباعاً أنني محافظ جداً أيضاً أمام الآنسات الخطأ لأصيبهم بالتوتر. وقد مررت على العديد من المواقف المحرجة من خلال نقاشاتي المطولة عن بعض الأشياء التي كتبتها أو التي استحقت النقاش بشكل رسمي، أذكر على سبيلا المثال: أنني استلمت في إحدى المرات إيميل طويل جداً، تطلب فيه إحدى الآنسات القارئات لكتاب ثورة الفن استشارة في أمر معين، وقد وجدت أنه من المستحيل أن أرد على هذا الإيميل الذي قد يستغرق ردي عليه جلسة لمدة ساعة لأكتب خلالها استشارة مناسبة، اقترحت أن تتواصل الآنسة على الجوال لعشرة دقائق في وقت فراغي، وحددته نهاراً ما بين الساعة كذا إلى الساعة كذا، لأفاجئ بالرد مباشرة: «آسفة، لا أريد الإتصال … مع السلامة».

وقد تكرر هذا الرد معي مرة أخرى بظروف مشابهة مع نفس احداثيات استقبالي لإيميل طويل جداً يُصّعب مهمة الرد، لأقرر بعدها أن أرفع مستوى الحساسية والحذر في التعامل مع الآنسات.

عودة للسيدة الكريمة في الطائرة … كانت الساعة الثانية قد قضت على رغبتي تماماً في استثمار وقت الطائرة. قررت أن أخبرها بشكل مباشر وعفوي: «السلام عليكم، كيف الحال؟ … المعذرة، لكن الرحلة سبعة ساعات!! .. وحقيقةً مللت!». ردت بكل لُطف «فعلاً هي رحلة مملة». بدأت نقاشات رسمية عادية، كان أهمها اقتراحها لزيارتي لأوركسترا موسيقية، وبعض المطاعم الاستثنائية في لندن، أخبرتني أنها تُحضر دكتوراه في مجال الاقتصاد (أذكر جيداً أن موضوع رسالتها كان عن ما يُسمى اقتصادياً: لعنة الموارد Resources Curse وأن دول الخليج لم تكن تعاني من لعنة الموارد كما يدّعيي بعض الاقتصاديين!) … استنزفت من جعبتي ساعة لاعتراضي على رسالتها، والتي أعلم أن أمرها كان محسوماً، إلا أن هدف اعتراضي كان موضوعياً حسب وجهة نظري، فبالتأكيد دول الخليج تعاني من Resources Curse!

على كل حال … كانت تذكر بين كل دقيقة ودقيقة إسم إحدى صديقاتها، وفي لحظة صفاء، اكتشفت أن صديقتها كانت إحدى بنات خالي. مما أضاف رصيداً على الثقة وابتعاد أكثر عن الرسمية المُطلقة. أعادت الترحيب بي مرة أخرى، واعترفت لها عن حساسيتي تجاه الإناث في مجتمعنا المحافظ في التعامل. واكتفت بالرد: «واضح إنك إبن ناس».

مضت الرحلة على خير. وقد استثمرت في نقاش جيد إلى حدِ ما، كان كفيلاً بأن يعوض خطة استغلال الرحلة. ودعتها، واتجهت للجوازات بسلام.

أتجنب دوماً الاحتكاك بمن يجلسون بجانبي في الطائرة، لأنني على قناعة أن نسبة المخاطرة في هذا الاحتكاك عالية، فإن كان الشخص جيد ونتفق عقلياً فستمضي الرحلة على خير، وإن كان العكس … فقد ضيع علي الجدول المرسوم، وسأُجبر أن أصرف الساعات القادمة في خوض نقاشات كُنت غنياً عنها، لأتذمر وأخبر نفسي أنه من الأفضل لي إن رافقت كتاباً في هذه الرحلة بدلاً من فلسفتي الزائدة!

وبالفعل … كانت رحلة العودة في صحبة شخص أتفق معه فكرياً ٠٪. لتعود القناعة القديمة في محلها.