«الرجل الأنيق في لباسه، هو ذلك الرجل الذي لم تلاحظ ماذا يلبس»

– ويليام سومارسيت موقام

ولكي أكون أكثر دقة، هنا اقتباسه باللغة الإنجليزية: “The well-dressed man is he whose clothes you never notice”

أستوعب جيدًا أن هذا الموضوع قد يكون مستهلكًا ومعروف الجوانب للجميع قبل تفضل القارئ الكريم بالشروع وإكمال القراءة. وأعي تمامًا أن الأغلبية تستطيع التفرقة بين أناقة الأشخاص ومحاولتهم إبراز الفشخرة في مظهرهم ولباسهم ومقتنياتهم، أو حتى محاولتهم لإخبار الآخرين بفعاليات قد قاموا بها في مكانٍ ما في الكرة الأرضية، ولكن …

كُنت أجلس في أحد مطاعم نيويورك قبل شهرين في نقاش عميق مع نادل المطعم عن أفضل قطعة ستيك يمكن لي أن أطلبها، وبعد الاستقرار على الطلب، بادرت سيدة أمريكية أنيقة كانت تبدو في نهاية الأربعينيات بسؤالي «هل استقريت على طلبك؟» وبعد إجابتي المقتضبة، أخبرتني أنني أتناول العشاء في أحد أفضل وأعرق مطاعم منهاتن، وليس هناك أي داعٍ للقلق، فكل الطلبات لذيذة هنا. مدت يدها لتصافحني وتعرفني بإسمها ولتشرع بعدها معي في دردشة سريعة، أنهتها بدفع فاتورتها وتمنت لي طيب الإقامة وعشاءً لذيذ. شاهدي أن السيدة الكريمة كانت تعمل بوظيفة Men Stylist أو بمعنى آخر «فاشيونيستا للرجال».

عرّفت عملها بتفصيل أكثر: «مهمتي أن أجعل الرجال أيًا كانت أعمارهم وأعمالهم، يبدون أكثر أناقة من ذي قبل» وأضافت: «أحاول أن أجعل حياتهم أجمل بشكلِ ما». تتلخص مهمة السيدة الكريمة باختصار بأخذ قياسات الرجل الذي يوظفها، وفهم ارتياحه للألوان والملابس المعينة، لتنطلق بعدها بالتسوق وتفصيل البدل له، تأخذ أتعابها بعدها مقابل هذا المجهود، وانتهى الأمر. بطبيعة الحال لا يستطيع أي رجل توظيف هذه السيدة إلا إن كان من طبقة معينة يحتاج لها في حياته، لأنه إنسان مشغول وقد لا يكون مهتمًا كثيرًا بالانشغال في اختيار لباسه وشكله على الدوام، ليحسم هذه المعضلة وجود مثل هذه السيدة في هذا الكون، يقوم بتوظيفها مقابل توفير الوقت والجهد على نفسه. وهي الأخرى، تستمتع بعملها، ولا تعتبره بأي شكل كمضيعة للوقت.

وظيفة هذه السيدة الكريمة، موجودة منذ وقت طويل، فيعمل «مستشاري اللباس» أمثالها في قطاعات وأعمال مختلفة، منهم من يساعد المصمم لإلباس العارضين، ومنهم من يساعد المخرج في لباس الممثلين، ومنهم من يكتفي بالتركيز على الفئات التي تملك المال ولا تفضل تضييع وقتها كما في حالتنا التي ذكرتها. وفي الحقيقة، أول ما اخبرتني عن مهنتها، قمت لا شعوريًا بالنظر إلى لباسي (المتواضع وقتها نسبيًا) والذي كان عبارة عن جينز وقميص أزرق وحذاء آديداس. لتلاحظ وتعلق مباشرًة «أرجوك لا تفعل ذلك، تبدو مهندمًا! … لا يوجد عيب حقيقي واضح» ووجهة نظرها السريعة هذه تحاكي الاقتباس الذي ذكرته في بداية المقالة، لآخذ أهم درس تعلمته في عالم الأناقة على جميع الأصعدة وهو «ألا يظهر خطأ أو شذوذ واضح في المظهر العام» هذا هو تعريف الأناقة ببساطة.

تحولت وظيفة هذه السيدة الكريمة في تأثيرها للكثيرين من مجتمعنا من غير أصحاب الاختصاص. فأصبحت الساحة تطفح بـ«الفاشيونيستات» الذين قد يستهدفون بشكل غير واعي مراهقات ومراهقين، وأشخاص بسيطين مثلي، يحاولن إقناعهم بنمط حياة ولباس ومظهر بالغ الصعوبة ومرهق عليهم وعلى آبائهم. أو كما قالت إبنة أختي الهادئة «أنا الأم والسيدة والمسؤولة المشغولة في حياتي، أصبحت أتأثر كثيرًا من هندامهم ومكياجهم ولباسهم الفخم والمتغير طيلة الوقت، فما بالك بأختي الصغرى!»، وقد انتقل مفهوم التأنق لمستوى جديد (شاطح) يستهدف أشخاص غير مناسبين، في أوقات وظروف قد لا تكون مناسبة. والأهم، إشغال العقل عمّا لا يفترض الانشغال به (مثل تخطيط وإدّخار إحدى الفتيات لشراء شنطة أو حذاء ما، كانت تلبسه صديقة أو فاشينويستا ما)، وهذا الأمر لا يمكن مع الأسف إنكار وضوحه، وظاهرته التي تتوغل.

أتذكر عندما كُنت في المرحلة الابتدائية، عندما قام بزيارتي أحد الأصدقاء العزيزين في حفلة عيد ميلادي، والذي تأنقت فيها وقام أهلي بتنسيق صالة الجلوس والألعاب استعدادًا لهذه المناسبة الخاصة. حيث صُدمت وأنا في ذلك السن الصغير بأن صديقي قد أتى مرتديًا شورت وتي شيرت (أقرب ما يكون للباس بيت أو البيجامة). وبالفعل كان منظره العام شاذًا تمامًا، وربما اعتقد الولد (أو أهله) أنها زيارة عادية لي، لا تحتاج للتأنق لها. على كل حال، أتاني إحساس غريب قليلًا! … وهنا نأتي للذكر بأن حرص معظم الرجال على ارتداء الشماغ والعقال في العزآت والأفراح وبقية المناسبات هو إعطاء صاحب المناسبة الشعور بأخذنا لجدية هذا الحدث، وليس لإبراز شيء ما أو محاولة الحصول على مكانة إضافية عن الآخرين. وكذلك دون شك، هذا ما يحدث لدى مجتمع السيدات. ولكل مقامٍ مقال.

وفيما يتعلق بمفهوم الأناقة، علقت الآنسة مجدولين على تساؤلي عن الفرق: «الشياكة والأناقة أمر حضاري، وهو مهم وجميل، وهي تعطي إيحاءً بالذوق الشخصي والمزاج العام. أما الفشخرة، فهي صراع داخلي مستمر مع الآخر، يحاول الإنسان من خلاله أن يبرز تفوقه لإثبات شيء (غير واضح)» وهو رأي لطيف أتفق معه إلى حدٍ كبير.

المظهر العام الذي يصاحب نسبة كبيرة من زوار مقهى «لو فوكيت» في باريس و«هارودز» في لندن، و«إستينيا بارك» في تركيا مؤخرًا. ليس أناقة. إنما محاولة صريحة للترزز وكفش ما يمكن كفشه من عيون الآخرين. فمن السهل أن تجد آنسة كريمة تحمل قليلًا من الوزن الزائد في جسدها ترتدي جميع الماركات الفخمة من رأسها لأخمص قدميها، مرورًا بفستان شديد الضيق فضلت لبسه لأنه من ماركة «فيندي» عن لباس أكثر ملاءمة لمكان عام عادي ولجسدها. ظاهرة الفشخرة ومحاولة إبراز العلامات التجارية ظاهرة قديمة كما قالت السيدة الكريمة هتون قاضي. إلا أن محركها بالتأكيد مختلف تمامًا عن محرك الأناقة الذي تحدثت عنه (عدم إظهار مظهر شاذ أو عيب واضح). الفشخرة باختصار محاولة إثبات الذات، وإخبار الآخرين أننا رائعين ونستحق التقدير لأننا استطعنا الحصول على ماركات معينة لا يستطيع البقية الحصول عليها (وقد تحدثت في هذا الأمر بالتفصيل في كتابي الأخير «وهم الإنجاز: كيف يتحرك العامة وماذا يحفزهم»)

من وجهة نظري، عندما يحرص شخص ما على التأنق -غير المبالغ فيه- أو حلاقة ذقنه وتهذيب شعره بشكل يومي، فهو يعطي انطباعًا بأخذه لهذه الحياة بشكل أكثر جدية واستعداد، ويقابل يومه وهو Fresh   أكثر من الإخوة البوهيمين مثلًا. ولكن نقطتي الأهم والتي أختم بها هذه المقالة تتناول زاوية أخرى وهي: أن الإنسان جُبل على البحث عن المكانة والتقدير من الآخرين، وهو أمر لا يستطيع معظمنا (وأنا أولهم) تناسيه في الطبع الإنساني. ومشكلة مفهوم الفشخرة أنها أصبحت وسيلة وطريق مختصر لنيل هذه المكانة. فالإنسان يملك طريقتين لأخذ التقدير والاهتمام من عيون الآخرين وهي: إمّا عمل أو إنجاز صعب أو سلوك مهذب مستمر. وإما بطُرق مختصرة أخرى (مثل الفشخرة) لا تحتاج إلا للمال.