عدة أسباب كادت تقودني للتوقف شبه التام عن قراءة الكُتب العربية (خصوصاً المحلية). كان أهمها: دافع الكاتب الواضح من كتابتها.

حضرت موقفاً سريع كان بين أحد الشباب المعروفين في التواصل الاجتماعي وبين أحد أصدقائي الناجحين في مجاله العملي. كان اقتراح الأخ المشهور للصديق الناجح أن يقوم بالظهور بشكل أكبر على سناب شات وقنوات التواصل الاجتماعي ليشارك تجاربه مع الآخرين بهدف التسويق، وبالمرة … يقوم بكتابة كتاب. حتى وإن لم يكن الكتاب يتناول مجاله بشكل مباشر، أو كما قال موضحاً: «ناقصك كمان كتاب!».

وفي مشهد آخر، دردشنا أنا وأحد الشباب المعنيين بتطوير الذات والتدريب عن رغبته بالتعرف على آلية كتابة الكُتب والمحتوى بشكل عام، لأخبره بدوري بأن القاعدة الأولى لكتابة أي محتوى (جاذب) هي: الكثير الكثير من القراءة، وبعدها يأتي مشروع الكتابة، ليرد: «شخصياً، أنا لا أقرأ … اكتسب خبرتي وعلمي من التجارب فقط». وليس لدي اعتراض على ذلك بشكل مطلق؛ إلا أنني بطبيعة الحال لا أستطيع نفسياً الأخذ والرد حول مشروع كتابة صاحبه لا يحب القراءة!

مشكلة اللغة العربية … أن تأثير اللهجة العامية والفرق في التحدث بالفصحى عن الواقع بالغ الاختلاف. عكس اللغة الإنجليزية، والتي – تقريباً – يكتب كُتّابها كما يتحدثون إلى بعضهم البعض. فيشعر القارئ أنه بالفعل يستمع لما يريده الكاتب من كتاباته بكل وضوح، بينما ينشغل معظم (وأركز على معظم) الكُتاب العرب الشباب على صياغة كلمات رنانة، شاعرية، يغلب عليها السجع، وينسون الأهمية الأولى من غرض الكتابة وهي كتابة الحقيقة.

وعودة لموضوع النية … ألاحظ أن مهمة الكاتب في الكتابة للجمهور العربي الشاب مثلاً، لا ترتكز بالدرجة الأولى على المحتوى بقدر الاهتمام بأن كاتبها فلاناً من الناس.

وهذا ما شجع كثيرين بأن يكتبون كتباً (غير متعوب عليها) كتجميع التغريدات أو العديد من الخواطر المتناثرة على صفحات التواصل الاجتماعي، لينتهي الكتاب بالخروج للمكتبة. ولا يعرف متلقيه عن المواضيع التي يتحدث عنها الكتاب، لكنه يعرف كاتبها ربما.

عندما تقوم آنسة كريمة اشتهرت (كفاشنيستا) بنشر كتاب جديد لها، يُخيّل إلي أنها حاولت بذلك ملأ فراغ لم يكن بالضرورة يجب أن يمتلئ. فهي [فاشنيستا] + [ملهمة] + [تدرس قانون] … + حسناً! … [ألفت كتاب]. وهنا أدعي أن هناك خلل ما في المعادلة.

قراءتي لمعظم الكتب العربية أصبحت بكل صراحة مؤلمة لا تستهويني، ليس اعتراضاً على مؤلفيها، إنما لعدم التماسي للحقيقة خلف كتابتها. أو كما أشار تشارلز بوكوسكي في حديثه عن هذا الأمر: «إن لم تشعر أن الكلمات تريد أن تقتلع عقلك وجسدك لكي تخرج … لا تكتب!» … ولا زلت في إطار آخر دون تحذلق أستلم عشرات المقالات من بعض الأصدقاء، لا أفهم منها ماذا يريد أخي العزيز المرسل أن يقول من خلال كتابتها. ليخبرني بدوره أن هذه المقالة هي بداية مشروع كتاب! … فلا هي أحياناً قصة، ولا هي موضوع واضح بوجهة نظر واضحة … ولا هي شِعر!

كآبتي تزداد عندما يخبرني كاتبها بأمور شديدة البداهة. فأنا أعلم أن الاستيقاظ المبكر فيه بركة، وأعلم أن المثابرة سر النجاح، لكن أين وجهة نظرك التفصيلية حول هذا الأمر؟ أو أين أستطيع أن أقرأ تحدياتك وتجربتك في الاستيقاظ المبكر! … أريد الحقيقة فقط منك، ولا داعي بأن تكون إيجابية محفزة ورنانة أو شاعرية بالضرورة.

لا أرغب أن يفهم القارئ العزيز بأنني ضد محاولات الكُّتاب الشباب للكتابة، إلا أنني أود أن ألفت النظر إلى أمرين لا ثالث لهما فيما يتعلق بكتابة الكتب وهي: أن الكتابة يجب أن تكتب دون نواية تسويقية لشيء آخر (تكملة عدد للمواهب) أو من أجل «الأنا».

والثاني: أن تقول الحقيقة فيها، لا أن ترسم الكلمات (كما يقول د. علي الوردي).

ذكرت في موضع سابق أنني ضد إعطاء آراء فنية للروايات التي كتبها أصدقائي مثلاً، إلا أنني دوماً أشيد في البحث عن الفكرة خلفها … أو المشروع الإبداعي المحرك لها، فلا أحب أن ألبس قبعة الناقد الأدبي، بل قبعة المشجع على الكتابة؛ آخذاً في الاعتبار النقطتين أعلاه.

تظل صنعة الكُتب صنعة جدية، منذ الالتزام في الشروع لكتابتها، حتى الانتهاء من تصميمها ووضعها على الأرفف أمام الجمهور. ويؤسفني القول؛ أنني كقارئ منتظم، لا أشعر بها في الكتب العربية.

وأخيراً … شاهدت مؤخراً مقطع على الإنستقرام لشاب عشريني يخبر المتابعين: «وأخيراً بعد محاولة خمسة سنوات، خرج كتابي …». كان كتابه – حسبما علمت – بمثابة الكشكول لأفكار متناثرة كان قد كتبها على فترات متباعدة حتى قرر جمعها في كتاب صغير.

مشكلتي لم تكن أبداً مع الكاتب ككاتب … أو الكتاب. مشكلتي عندما تابعته، وجدت الشاب قد أغرق قنوات التواصل وهو يلتقط صوراً لمنصة التوقيع ولزوار كشك دار النشر ولنفسه برفقة شخصيات معروفة وهم يحملون كتابه، وأضاف معلقاً – فيما معناه -: أخيراً أصدرت كتاباً سيلقى القبول، وأصبحت ذو شأن في المجتمع.

وتساءلت: عن ماذا يتحدث الكتاب؟ … أم أنه كُتب لتكملة عدد ما!