يتميز المصريون بخفة الدم التي طالت حتى أعمالهم الأدبية كما هو معروف طبعاً. بين يدي الآن كتاب «ألبومات» للكاتب الساخر عمر طاهر. المقدمة موضوعة في نهاية الكتاب، لأن الكاتب – حسبما قال الناشر – كان قد تأخر وانتهى من كتابة المقدمة والكتاب وهو في المطبعة، ولذلك تم نقلها في نهاية الكتاب تجنبًا للتأثير على التنسيق (ربما). الفضفضة والسُخرية الاجتماعية من الكثير من الأحداث التي تحصل في حياة الكاتب الساخر، ما هي إلا انتقادات غير مباشرة للوضع الراهن شديد الجدية، أو كما يدعي لو بو تون، هي انتقاد في حالات كثيرة لأصحاب الشأن الأعلى والنبلاء، الذين تغلب على حياتهم الجدية والامتيازات التي لا يستحقونها بشكل غير مباشر أيضًا.

الكتابة الساخرة – وبكل صراحة – أجدها تستهويني، بشكل يجعلني أكاد أن أعمل في حياتي الكتابية لأكون من ضمنهم.

ففي مجتمعنا المحلي (الخليجي على وجه العموم) تجد الوجدانيات والظلمات والنصوص والسجع والتراجيديا، جزءاً كبير من المحتوى، وهي لا تقدم الكثير للمتلقي بصراحة أيضًا، فلا هي قد تكون روايات مكتملة الأركان، ولا هي متعة وترفيه خالص (كالكتابة الساخرة)، ولا هي معلومات ستضيف للرصيد.

فالرواية … رواية. والنصوص والخواطر … (آسف) لكن لا أدري ما هو تصنيفها. ويظل طبعاً الشِعر … شِعر!

وفي غداء عمل مؤخراً مع صديقي إبراهيم عباس، أشاد هو الآخر باستغرابه من ذلك أيضاً وهو معبر: «مئتي صفحة مكتوبة من اللاشيء!». وتسائل: «لماذا لا نجد هذا الأمر لدى الأجانب؟».

«نطفح في البرنس» كانت إحدى الجُمل التي مررت بها في قراءتي، جملة قد تمغص بطن المتحذلقين في كتاباتهم وقرأتهم، إلا أنها جملة واقعية يستخدمها الأفراد في الشارع المصري، وأيضاَ السعودي! باستثناء عدم وجود فروع لمطعم «للبرنس» العظيم في جدة مثلاً.

المفردات السوقية (وأقصد هنا الدارجة في السوق) هي التي تستحق الذِكر والاستخدام في معظم المحتويات المكتوبة، لأنها ببساطة تعكس الثقافة، وتُسهِل إيصال المعلومة، ويستطيع المتلقي أن يعكسها على حياته الواقعية، وهذا ما وجدته في الكتابة الساخرة.

الكتابة شديدة التنميق والمستخدِمة لألفاظ صعبة وشديدة البلاغة، ستقنع القارئ المبتدأ بأن القراءة مضيعة للوقت، فهي أكبر من مستواه، أو أنها ستخبره بأن الكتابة بهذه الطريقة (في ظل وجود الكثير منها) هي الطريقة الأصح، والتي يجب أن تنحصر فيها.

سوق الكُتب المصري، مليء بمحتويات وتشبع بجميع أشكال وألوان الكتابات، وللقارئ بطبيعة الحال حق اختيار ما يراه مناسباً له منها، إلا أن شِدة التنافس وكثرة السلاسة والمواضيع التي تلامس الواقع أكثر من خيال الكاتب الوجداني المضحك لدينا، كادت أن تساهم بجعل السوق المصري ينغلق على نفسه، ليركز على كتبه وقراءه.

على كل حال، تظل الحقيقية كما أشجع دوماً هي التي يفترض بها أن تتحول لنص مكتوب.

حقيقة المشاعر، أو حقيقة القصة، أو حقيقة وجودة المعلومة.

وليس رسم الكلمات والمثالية والعاطفة الجياشة!