من التحديات الراهنة في هذه الفترة، القدرة على كتابة محتوى عميق وترفيهي، يساهم بتغيير حياة شخصٍ ما في مكانً ما.. ونفسيته أيضًا. فنيتفليكس موجود على الرف ينتظر. ومجموعة التواصل الاجتماعي خلفه.

ميزة الكُتب في ظل هذا التخمة الترفيهية، أنها لا تخرج إلا بعد تمحيص كاتبها ومرورها على مدقق لغوي أو مُحرّر، إضافةً إلى حملها لحِزمة لا متناهية من الأفكار والمشاعر (إن صدق كُتّابها)، فهي إثراء لا يكلف صاحبه سوى الوقت. ومن ينتهي من قراءة كتاب فهو من زاوية العمق العقلي أفضل طبعًا ممن شاهد مسلسلًا كاملاً.

مسؤولية الكاتب كبيرة، ومهمة القارئ أصعب.

هنا تقديمي الذي تشرفت به لكتاب الغالية هتون قاضي (١٩٨٠ بين جيلين)، والذي استمتعت جدًا بقراءته. وآمل بصدق أن لا تحرموا أنفسكم من متعته.

تقديم:

هناك هدفين -لا ثالث لهما- يدفع أي شخص ليمسك كتابًا بين يديه؛ إما البحث عن معرفة أو للبحث عن الترفيه. يتحقق كلا الهدفين إن اطّلعنا على قصة أُغرِقت بالصدق في البوح والصراحة التي تقود إلى الجرأة التي تعبّر أحيانًا نيابة عنّا نحن القراء. تصبح تجربة القراءة في قمة إثرائها عندما لا يخشى الكاتب من ماضيه، وبالطبع إن كان هو من الأساس وقبلها متسلّحًا بعلم ومعرفة ووعي كبير.

المعلومات عندما تكون مجرّدة فهي معلومة.. عقلانية.. لا هدف لها لإسعادك. والقصص الخيالية كالروايات قد لا يهمها جدًا أن تعطيك معلومة بقدر إعطائك فرصة للتخيل والترفيه المجرد.

إذًا.. ماذا أود أن أقول؟

إن سألت أيًا من أبناء المجتمع الحجازي عن المكيين، فإن أول ما يتبادر للذهن هو قوة الشخصية والحضور والاعتزاز بالنفس وأحيانًا.. الصوت العالي. وفي هذا الكتاب بين يديك، قررت هتون أن تقود صفات السيدة المكية المعروفة إلى منحنًا آخر تمامًا.. خفة ظِل ومتعة متناهية وحكايات تستحق أن تصرف ليالٍ عليها. والمضحك في تجربتي معها أنني استطعت أن ألتزم بالذهاب إلى النادي طوال أيام، ليس حبًا فيه أو حرصًا على صحتي، بقدر تذكّري أن الساعة القادمة فيه ستكون بصحبة مسودة الكتاب الذي تشرفت بالاطلاع عليه قبلكم -من حسن الحظ- على جهاز «الآيباد» والدراجة، وها هو الآن خرج ليكون بين يديكم لتهيموا به.

في المجتمعات الغربية، يأخذ الناس كلام السياسيين على محمل الهزل، ويأخذون كلام الكوميديين على محمل الجد كما يعتقد الكاتب «جارسون أو تول». ولا أجد هنا في هذا الكتاب سوى حياة حقيقية جدية وسط قالب سيجعلك تبتسم طيلة الوقت كما كان متوقعًا من صاحبته المبدعة واللطيفة هتون قاضي.

وجدت هذا الكتاب إحدى التُحف الفنية التي ستخرج إلينا في هذا العام، ولا أُخفي أنني لا أحب أن أحرج نفسي أمام زملائي وزميلاتي الكُتّاب بالرفض عندما يتفضلون بلطفهم لأكتب تعليقًا أو تقديمًا لهم في مشاريعهم الكتابية. إلا أن هذا الكتاب حالة مختلفة.. فأنا من ركضت خلفه لأضع اسمي بالقرب من العزيزة هتون وجمال كتابتها.

فمجاورة السعيد سعادة.. وشهادتي بعد هذه الكلمات وإن كانت مجروحة.. فإنني أتمنى من قلبي أن تستمتع بقراءته، كما استمتعت به.

أحمد حسن مشرف

كاتب ومدون، مؤلف كتاب ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون

فبراير ٢٠٢٠م – جدة