عام ٢٠٠٧م خرجت أنغام بألبوم كان من ضمن أغانيه أغنية استثنائية في لحنها ومختلفة تمامًا عمّا غنته أنغام في مسيرتها. أدمنتها لفترة، ولا زلت معجبًا بها حتى اليوم، اسمها «أشكي لمين وأحكي لمين».

قبل يومين وبعد ثلاثة عشر سنة من صدور تلك الأغنية، قرأت لدى الكاتب اللطيف عمر طاهر، في إحدى هوامش كتاب «من علم عبد الناصر شرب السجائر؟» تحت العنوان الفرعي «من هو مثلك الأعلى ككاتب؟» الفقرة التالية والتي كانت بمثابة الصدمة الظريفة:

«أشكي لمين التي غناها منير، معجزة…» دقيقة! من هو منير؟

ويستكمل الكاتب: «بليغ صاحب الكلمات واللحن صنع بالمرح والبهجة فستانًا لجسد حزين يقول: «أشكي لمين وأحكي لمين دنيا بتلعب بينا؟»، التناقض الذي ينير التجربة، واقعية «بُكرة الزمان يسرق شبابنا»، مع استبسال «بالحب ننسى كل اللي فاتنا»، وسحر التسليم «إيه راح ناخد منها إيه». أغنية تقول كيف يمكن للواحد أن يصادق أحزانه ويقف يتأمل معها فتارين السكينة! هذه خلطة لا تنتمي إلى الموسيقى بقدر انتمائها إلى الواقعية السحرية.»

توقفت للحظات وسألت نفسي؛ ما هذا الجُنان؟ أنا أعرف كلمات هذه الأغنية القديمة لأنغام تمامًا، ولكن من هو منير؟ .. وما دخل بليغ حمدي بها؟

اتضح بعد بضعة دقائق من البحث، أن الأغنية في الأساس كانت للفنان القدير محمد منير وقد خرجت عام ١٩٨١م، وهي من ألحان العبقري بليغ حمدي وكلمات عبد الرحيم منصور.

برَرَت هذه المعلومة أمرين مهمين بالنسبة لي الأول: وهو أن جمال الأغنية وإعجابي بها وقتها لم يكن سببه الآخرين والعقل الجمعي وشعبية بليغ حمدي المعروفة، فقد سمعتها للمرة الأولى عندما كنت لوحدي في السيارة وقلت لنفسي: فعلًا هذه الأغنية رائعة واستثنائية بالنسبة لأنغام! واتضح لي قبل يومين أنها كانت لبليغ حمدي ومحمد منير منذ أربعين سنة.

الأمر الثاني أنني استذكرت أن هذه الحالة تكررت عليَ كثيرًا، فقد توقفت عند عدة أغاني وأفلام وتعجّبت من جمالهم كثيرًا ليتبين لي أنها نتاج فنانين عظماء لم أكن أعرف أنها لهم منذ البداية.

ولا زلت عند القناعة التي تقول إن الفنون عندما تُصنع يجب أن يُستثمر في الجهد خلفها أكثر من الاستثمار في تسويقها (عكس ما نفعله نحن الفنانين الشباب هذه الأيام) لأن العمل سيبقى، ونطنطاتنا في كل مكان لنخبر الآخرين أننا عملنا ستختفي. وهنا الفرق ربما بين العمل السطحي والعمل العميق الذي حاولت الإشارة إليه بتفصيل ممل في كتاب وهم الإنجاز.

نفس قصة هذه الأغنية تكررت عليَ عندما سمعت لأول مرة في حياتي أغنية «يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني وتشغلني..» واكتشفت بعد أن ذُهِلت من صوت مغنيها وأداءها وكلماتها أنها لعبد الوهاب.. وقد غنّاها عام ١٩٣٨م (قبل ٨٢ سنة) تصوّر!

كان الله في عون الجميع.