كانت رحلتي الأخيرة لمدينة نيويورك (وهي الأولى منذ عام ١٩٩٦، عندما كنت طفلًا وقتها) مدعاة للتأمل في كثير من المناظير. فقد تضمنت الرحلة الكثير بقيامي لأمور «للمرة الأولى» والتي دائمًا ما أشجع الناس على البحث عن أنفسهم خلالها (إجابة على سؤال: متى كانت المرة الأخيرة التي جربت فيها شيئًا للمرة الأولى؟)

في هذه الرحلة، كانت المرة الأولى لي بتجربة مع طيران الاتحاد.. المرة الأولى مع AirBnb الذي أسعفني بمنزل سيدة هندية كريمة في وسط منهاتن (المنطقة الأكثر حيوية في المدينة) بربع سعر غرفة مقبولة في منطقة أبعد. المرة الأولى لحضور مؤتمر99U الإبداعي، والذي كنت أعد نفسي بالحضور إليه منذ سنوات طويلة، حتى حشرت نفسي في الزاوية قبل ستة أشهر، عندما أعلنوا عن التسجيل لأقوم فورًا بحجز مكان للحضور وتذكرة الطيران خوفًا من أن أتردد في وقت لاحق.

المرة الأولى التي أسافر فيها فترة طويلة نسبيًا وحيدًا.. تمامًا. وبالطبع المرة الأولى التي أجرب فيها التسجيل في رحلة طولها أكثر من خمسة ساعات على الدراجة لاستكشف مدينة بطولها وعرضها.

كل هذه المرات الأولى، تستحق كل واحدة فيها مقالة أو مقالتين في رأيي، لأعطي انطباعي الكامل وقراءتي المفصلة عنها. لكن سأكتفي اليوم بتأمل وحيد كان قد استوقفني بشكل غريب في هذه الرحلة، وهو «النيويوركرز» أو أهل نيويورك في العمل.

سرعان ما يلاحظ ضيف المدينة السمعة التي اشتُهِرت عنها، كتسارع الحياة بشكل عام، كفاءة السكان في كل خطواتهم (أضرب هنا على سبيل المقال: أنك عندما تسأل أحدهم عن مكان ما، سيعطيك أفضل وأسرع وصف للوصول إليه خلال أقل من عشرة ثوانٍ)، الأكلات السريعة وتوزيع عربات الأكل الحلال والهوتدوج المثير، والتنظيم الاستثنائي لمحطات الميترو والباصات وكل وسائل النقل العام. إنما ليس هذا الموضوع الذي لفتني بالتحديد. ما لفتني هو اقتناصهم لكل لحظات فراغ بينية في يومهم لتأدية مهمة ما في العمل! … ماذا يعني ذلك؟

النيويوركز متأثرين بطبيعة الحال بنمط الحياة السريع المفروض عليهم، بسبب تراكمات كثيرة، أختصرها: بأن الحياة غالية ومفتوحة لكل الجنسيات، وتملك المدينة عدة تخصصات نوعية منذ قديم الزمان، وتملك ثقافة متميزة وجاذبة لأي شخص من أي جنسية، ناهيك عن المنافسة الطاحنة، خصوصًا لغير الأمريكيين! … هذه التركيبة (أو جزء منها) حصرت البقاء للأقوى؛ الأقوى في العمل والإنجاز والإنتاجية، ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال بذل مجهود استثنائي، وإلا سيُرمى الموظف/العامل في الشارع، أو سيخرج من المدينة ببساطة.

خرجت إلى «اللوبي» من مسرح الفعالية في الجلسة الأخيرة قبل الغداء في اليوم الأول من المؤتمر، لشعوري بملل كبير بسبب وجود متحدث الذي اخطأوا بالتأكيد في اختياره. وجدت بعض المنسقين يستعدون لاستقبال الضيوف وتوجيههم إلى مكان الغداء بطبيعة الحال. وفي مكان آخر، من اللوبي، وجدت أكثر من عشرين شخصًا كانوا قد خرجوا قبلي بقليل إلى «منطقة العمل» في اللوبي، حيث شواحن الهاتف والكمبيوترات وطاولات مكتب مريحة … وحينها، انصدمت من المنظر!

كل العشرين في غاية التركيز والانشغال مع أجهزتهم. وكأنهم انتظروا هذا التوقيت بفارغ الصبر ليرسلوا إيميلاتهم أو ليكملوا تصاميمهم، أو كأنهم انتظروا ظهور متحدث ممل، ليقرروا فورًا الخروج والانشغال في إنجاز مهمة ما. علمت لاحقًا أن كل العشرين من نيويورك، حيث أن المؤتمر بشكل عام ضم حضوره أكثر من ستين جنسية. في تلك الأثناء التي رأيت فيها هذه الوتيرة المفزعة من التركيز ومحاولة الإنجاز، والتي استمرت في اليومين التالية في كل لحظات شبه فارغة من المؤتمر، أصابتني بذهول استغربت في نفسي منه. لماذا كل ذلك الضغط الذي يقودهم إلى شاشات الكمبيوتر في كل دقائق فارغة من المؤتمر؟ (والذي كان من أوضح أهدافه تعارف الحضور على بعضهم البعض). لماذا هذا الرعب في استغلال البينيات في الوقت؟

تفهمت مثلًا منظر العشرات من الأشخاص الذين يحرصون على إمساك كتاب وقراءته في محطات القطار والباصات والميترو كاستغلال للوقت. وتفهمت منظر ذلك الشاب الذي كان يحمل معه كتاب (كبير الحجم) عندما دخلت لمحل قهوة متخصصة صغير جدًا، يكاد يصطدم زبائنه في بعضهم البعض إن تعدوا الستة، عندما وجدته يجلس جلسة غير مريحة تمامًا يقرأ كتابه بتمعن وتركيز، وهو قد استلم للتو قهوته، مضطرًا لتغيير جلسته عند دخول كل زبون للمحل!!!

تجد النيويوركر دون مبالغة يعمل في أي مكان، ويأكل وينام ويشرب ويقرأ (ويُقبّل حبيبته) في أي مكان. استوقفني أن مفهومهم للإنجاز لا يتطلب أبدًا مكانًا أو جوًا أو ظروفًا محددة. ولا أقول أن هذا الأمر صحي طبعًا، إلا أنني فعلًا توقفت وسألت نفسي: ما هو الحال الأصح؟ هل هو استغلال كل دقيقة خلال هذه الحياة في إنجاز شيء ما مثل ما يفعل النيويوركرز؟ أم الهدوء النسبي واستيعاب ما نقوم به؟ أو هو البحث عن عمل نحبه قبل أن يكون شديد الإرهاق؟ أم هو خليط بين كل ما ذكرته؟

من المفارقات المضحكة التي تكررت معي، أنني كنت عندما أعرف نفسي بخجل غير مصطنع (أمام هذا الزخم الذي رأيته) لأي نيويوركر، بأنني كاتب ومدون، ومواضيعي هي كذا وكذا .. أجد احترامًا مبالغًا فيه. بل أن إحدى الآنسات بالغت بقولها -الذي شعرت بصدقه- أنها تهديني احترامًا وتقدير استثنائي لأنني كاتب، وأتناول معهم طعام العشاء! .. وهي لم تقرأ شيئًا مما كتبته في حياتي!

في البداية، شعرت بخجل من نفسي لأنني لا أتقن بصراحة هذه الوتيرة من الإنجاز واستغلال البينيات في الوقت (رغم ادعائي أنني منظم نسبيًا في استغلال الوقت). كان منبع الخجل شعوري بأنهم يتناولون حياتهم بشكل جدي أكثر بكثير عما أتناوله أنا أو محيطي من الأصدقاء والزملاء. كنت أسأل نفسي طيلة الوقت عندما تقع عيني على شخص يجلس بشكل شبه معاق على جهازه وهو يحاول أن يرسل إيميل ما في مكان ما في المركز. هل هذه الحياة التي يجب أن أعيشها؟ .. هل يجب أن أحرص مثلهم على قتل نفسي من أجل الإنجاز؟ .. كيف تسير العجلة بالنسبة لهم؟

مهنة الكتابة مثلًا تتطلب عكس ما يفعله النيويوركز تمامًا. فهي تحتاج لنوافذ وقتية كبيرة كل يوم ينشغل الكاتب مع نفسه بها. وتحتاج لعدم مقاطعة وهدوء مستمر، والأهم من ذلك، انضباطًا واستمرارية اطلاع وقراءة.

تعودي بشكل كبير علي متطلبات مهنة الكتابة (حتى وإن كانت بالغة الصعوبة كما سمعتها من لسان النيويوركرز أكثر من مرة!!) بالهدوء والتركيز وتناول الحياة بمستوى أقل بكثير من هذا الضغط الذي رأيته، جعلني أصاب قليلًا بالتشوش. فهل لكي نصبح ناجحين في حياتنا، يجب أن نكون مثل النيويوركرز متفانيين في العمل؟ أو مثل اليابانيين المستعدين للتضحية بأشياء كثيرة في حياتهم من أجل العمل؟ … الله أعلم!

عل كل حال، اخترت الاقتناع بالهدوء، والعمل على إعمال العقل أكثر من تكرار الجلسات المعاقة في أي مكان! … لكنني ربما سأقتدي بالشاب القارئ في المقهى!

ذكرتني هذه المدينة كثيرًا بمدينة دبي، التي تعطيك مستوًا رائع في نمط الحياة، إلا أنها تطلب منك من جهة أخرى دخلًا مادي عالِ لا يأتي إلى من خلال تفانٍ عالٍ في العمل يجعلك ربما ترغب باستغلال كل دقيقة بينية في حياتك، وكل مورد للإنجاز، دون وجود هدوء نسبي في حياتك.