دخلت قبل أسابيع للنادي، كان ذلك اليوم هو أحد الأيام الكثيرة التي لا أملك الرغبة فيها للتمرن ولا حتى لتحريك نصف عضلة في جسدي. وأصبحت أتسلح في تلك اللحظات بجهاز قارئ كيندل أو الآيباد وأنا على الدراجة أو غيرها من الآلات التي تشاركني حضور فيلم ما أو قراءة كتابٍ ما.

عندما استقريت على الدراجة وقبل أن أضع السماعة.. بدأ صوت أحد زملاء النادي الفرفوشين الذين لا أعرفهم بالدندنة والغناء بصوت منخفض. صاحبه صمت غير منظّم من بقية المتمرنين، وبدأ الأخ الفرفوش لا إراديًا بإعلاء صوت دندنته لأغنية العظيمة شادية..

«إن راح منك يا عيني.. حيروح من قلبي فين؟.. القلب يحب مرة ما يحبش مرتين..»

ليُكمل بشجون مرتفع ومنقطع النظير..

«القلب يحب مرة ما يحبش مرتين.. ما يحبيش مرتين.. ما يحبيش مرتين!».

تفاجأت من نفسي وأنا أضع السماعة بسرعة -مُخفِضًا صوتها- لأبحث عن هذه الأغنية التي لم أسمعها منذ زمن طويل على الجوال، وأحاول أن أُستكملها مع شجون هذا الرجل. حتى وصلت لذلك المقطع الذي يغنيه وهو مبتسم مع صوت شادية «وحياة اللي جرالي … وياه من غير ميعاد.. لأسهّره الليالي … وأحرّمه البعاد.. واطّفي بناره ناري.. وأخلّص منه تاري ولا يهمك يا عين.. هيروح من قلبي فين..».

انتهت الأغنية، وانفتحت نفسيتي على المزيد من هذه الحياة بما فيها لحظات النادي المملة.

والتفتت، لأجد الرجل قد اختفى.

من سوء الحظ، أن اللحظات الاستثنائية تبقى استثنائية.. فلدي صديق ذو صوت وأداء رائع، نادرًا ما يُدندن بشكل مباغت، لأجد نفسي وقتها محاولًا السيطرة على المحيط لكيلا يُعطل دندنته شيء، إلا أنه سرعان ما يلاحظ، ويتوقف عن الدندنة بسبب خجله، وأستمر دومًا بالضغط عليه ليُكمل، ودون جدوى.

الغناء المفاجئ والدندنة تتلخص في كلمة العظيم هينري ميلر في وصفه: «نحن لا نغني لأننا نأمل بالظهور ذات يوم في دار أوبرا، بل نغني لأننا نملك رئتين مليئتين بالفرح. إنه أمر رائع أن نحضر مشهدًا جميلًا، لكن الأكثر روعة هو أن تلتقي في الشارع بمشرد مسرور لا يستطيع أبدًا التوقف عن الغناء كما لا يستطيع التوقف عن التنفس ولا ينتظر أيضا أقل مكافأة على جهوده. جهود! إنها كلمة ليس لها معنى عنده… هكذا إذًا يسقط العالم ذات يوم قطعا أولا وتصبح في معسكر الملائكة أو تصبح الشيطان ذاته، في الحالين خذ الحياة كما هي، وادفع نفسك فيها، وانشر البهجة والفوضى».