– ١ –

عم جمعة (كان شاب) عربي مقيم في مدينة الخفجي قبل أربعين سنة، يعمل لصالح إحدى الشركات الأجنبية في أحد المشاريع.

وبعد أن قضى عدة سنوات في العمل نتجت بإدخاره مبلغاً من المال، قرر أن يشتري أرضاً في هذه المدينة الساحلية على حدود الكويت كاستثمار طويل الأمد. ولأن تلك الفترة لم تصل بعد لتضخم الطفرة، فقد سَهُل له الأمر في إيجاد أرض مساحتها أكثر من ١١ كم٢، بسعر رخيص نسبياً.

ومن هنا قرر بدء رحلة البحث عن شخص يثق بأمانته ليشتري هذه الأرض بإسمه أو يشاركه فيها بأي نسبة.

وقع اختيار العم جمعة على زميله الغلبان “عم مطفِر” الذي كان في مثل سنه أو أكبر قليلاً. وقد كان العم مُطفر إنساناً يحب الله ورسوله، وأول العاملين الذين يحرصون على أداء الفريضة (جماعة) في بيئة عمل تعُج بالكفار!، بل عُرف عنه حسن السيرة والسلوك، وشعبيته عند زملائه البعيدين قبل القريبين.

كانت أحد الأسباب أيضاً التي أدت لاختيار العم جمعة لهذا الرجل، هي وظيفته المتواضعة في مطبخ الشركة كصبي يشرف على تقديم القهوة والشاي لزملائه (Tea Boy). بل تأكد العم جمعة من حُسن اختياره لهذا الشخص بعد أن أقترح عليه العم مطفِر أن يشاركه بنسبة (١٠٪) من قيمة الأرض وهي كل ما يملك في هذه الدنيا، لعلها وعسى أن تتكاثر وتصبح شيئاً كبير في يوم من الأيام.

اتفق الإثنان على شراء الأرض بما نسبته: ٩٠٪ لصالح العم جمعة، و١٠٪ لصالح العم مطفِر، وبالطبع يدفع الإثنين التكلفة حسب النسبة، مع وضع ملكية الأرض تحت إسم الأخير لأنه من أبناء البلد.

– ٢ –

تم تنفيذ الإتفاق وشراء الأرض، لكن الموضوع لم ينته هناك بل أن المشكلة بدأت هناك … لأن العم مطفِر قرر أن ينقلب بين ليلة وضحاها ويبرر لنفسه امتلاك الأرض كلها وإنكار العم جمعة وحلاله في الأرض.

ولأن  هذا “الأجنبي” في نظر العم مطفِر لا يستحق حلال أولاد بلده وعياله، فليس هناك داعٍ للشك في ذمته أو محبته لله ورسوله! فهذا شيء وهذا شيء آخر تماماً.

استسلم العم جمعة للواقع … وعرف أن القانون أو الوسطات أو أي محاولة جدية أخرى لن تُحرك في جدية نزع امتلاك مطفر للأرض. ليقرر إكمال مسيرة حياته مع هذا الجرح.

عدت الأيام … وتقاعد العم جمعة بعد انقضاء فترة عمل زادت عن ٣٠ عاماً في السعودية، وذهب لبلده ليكمل ما تبقى من عمره في أي أمور تقليدية تُشغل كل من في سنه.

وفي أحد الأيام …

تلقى العم جمعة اتصالاً من السعودية.

– مرحباً: كيف حالك يا أخ جمعة؟

– بخير الحمدلله، مين حضرتك؟

– أنا مطفِر يا جمعة.

– مين مطفر؟ ما أعرف أحد بهذا الإسم؟

– أنا اللي أخذت منك أرض الخفجي قبل ٤٠ سنة يا جمعة.

–  ……

– سامحني يا جمعة …. والله أنا آسف، ليت يعود الزمن لورى، وارجع الحقوق لأصحابها، وأنا أعرف أن هذه الأرض ملكك، لكن أمري لله، عموماً … أنا ودي أصلح غلطي بهالإتصال.

– خير يا مطفر، شلون بدك تصلح هالغلط وأنا ناسي إسمك أصلا … والموضوع له ٤٠ سنة!!

– يا جمعة … أنا بعت الأرض أيام الطفرة وصرت إنسان غني ولله الحمد، واشتريت محلات وبنيت تجارة محترمة في الكويت والسعودية، وأملك عمائر وأراضي واسعة ولله الحمد، ودي أعطيك نسبة من كل ذا.

– خير إن شاء الله يا مطفر، عموماً شلون ومتى؟

– عندي زيارة كشفية بعد يومين لألمانيا وحقضي هناك كم يوم، وإن شاء الله أرجع بعدها وانسق معاك، يا أجيك يا تجيني السعودية ونصفي الأمور.

انتهت المحادثة.

ذُهل العم جمعة من حال هذه البشر، وكيف لها أن تتذكر أو أن تعيش كل هذه الأعوام دون تأنيب حقيقي يُذهب النوم من عيونهم، كيف قضى مطفر شبابه وربى أولاده على مال حرام؟ والسؤال الأهم … لماذا استذكرني بعد ٤٠ سنة؟ شيء غريب حقاً!

مضى أسبوعين على مكالمة مطفر للعم جمعة دون الحصول على موعد لقاء حسب الإتفاق، وتذكر العم جمعة أن مطفر قال أنه يريد زيارة ألمانيا لغرض طبي، وكم خشي – لا قدر الله – أن يحصل له مكروه أو أن يموت في هذه الزيارة.

وكما هي فطرة الإنسان … بنى العم جمعة بعض الأحلام الوردية خلال هذه الأسبوعين: بيوت لأبناءه، سيارة جديدة، سفرة مع زوجته إلخ. وقرر أن يعيش واقعه أخيراً بعد أن كلف إبنه بمحاولة التواصل مع مطفِر لعله عاد من هناك على خير إن شاء الله، وقد حصل ذك بالفعل.

– ألو … مرحباً عم مطفر، أنا محمد ولد جمعة.

– أهلا … أيش تبغى يا محمد؟

– أبداً … الوالد كان بيسأل إن شاء الله أنك رجعت بالسلامة، وإن شاء الله إنك على وعدك بزيارتنا بخصوص حقوقه المادية.

– اسمع يا محمد … بلغ الوالد إني كِنت تعبان وشفت الموت بعيوني، وقررت أردله حقوقه وحقوق كل شخص، لكن يوم طلعت ألمانيا وطمنوني إن بخير رجعت وغيرت رأيي. الله يعوضكم.

انتهت المكالمة.