في سنواته الأخيرة، إستذكر حدث ولادته بندم …

«بإمكاننا اعتبار حياتنا حلقة مزعجة لا نفع منها ضمن السكون المبهج لفراغ!». ويؤكد: «لا بد أن الوجود البشري نوع من الخطأ؛ قد يقال عنه، إنه سيء اليوم وسيزداد سوؤه يوميًا، إلى أن يحدث الأسوأ على الإطلاق».

لم يُبدي والد آرتور شوبنهاور، هاينريش، وهو رجل أعمال ثري، ووالدته يوهانا وهي سيدة بارزة في المجتمع، وأصغر من زوجها بعشرين عاماً اهتماماً كبير بإبنهما الذي أصبح أحد أعظم التشاؤميين في تاريخ الفلسفة (وربما في العالم).

«حين كُنت طفلاً في السادسة، وجدني والداي في حالة من اليأس العميق بعد عودتهما من نزهتهما أحد المساءات».

١٨٠٣ – ١٨٠٥م: بعد انتحار والده (الذي اكتشف جثته طافية في قناة قرب مستودع منزل العائلة)، ورث الفتى شوبنهاور ذو السبعة عشر عاماً ثروةً ستضمن عدم اضطراره إلى العمل أبداً. لم تُسهم هذه الفكرة بأدنى درجة من درجات الراحة. إذ يستذكر لاحقاً: «حين كُنت في السابعة عشر، دون تعليم مدرسي نظامي، جذبني بؤس الحياة كما جذب بوذا في شبابه حين شهد المرض والشيخوخة، والألم، والموت».

أُرسل شوبنهاور إلى لندن ليتعلم اللغة الإنجليزية في مدرسة داخلية (إيغل هاوس في ويمبلدون)، وقد أرسل في تلك الفترة رسالة لصديقه «لورنز ماير» يصف بها الحياة في لندن. وقد نكتفي برد صديقه على رسالته لنفهم ما كان فيها:

«آسف لأن إقامتك في إنجلترا جعلتك تكره الأمة بأسرها».

وبرغم تلك الكراهية، تمكن من إتقان اللغة الإنجليزية على نحو تام، وغالباً ما كانوا يظنونه إنجليزياً أثناء الحديث.

كانت أم شوبنهاور تتذمر من ولع إبنها بـ «التفكّر بالبؤس البشري».

١٨٠٩ – ١٨١١م: درس شوبنهاور في جامعة «غوتنغن» وقرر أن يُصبح فيلسوفاً …

«الحياة عمل مؤسف، وقد توصلت إلى قرارً بوجوب التأمل فيها». وفي أحد النزهات إلى الريف، اقترح صديق عليهما محاولة لقاء امرأة. طرد شوبنهاور الفكرة محججاً أن: «الحياة شديدة القُصر والإرباك وسريعة الزوال، ولا تستحق عناء القيام بمجهود كبير (كمحاولة التعرف على امرأة)».

١٨١٣م: يزور والدته في مدينة فايمر، كانت يوهانا (والدته) قد صادقت المقيم الأشهر في المدينة «يوهان غوته» الذي كان يزورها بانتظام. بعد لقاءٍ أول، وصف شوبنهاور «غوته» بكونه … «هادئاً، اجتماعياً، لطيفاً، ودوداً: فليمُجد إسمه إلى الأبد وأكثر!».

لم تكن مشاعر شوبنهاور تجاه الكاتب موحدة على الدوام … ولم يكن معجباً بذلك، إذ أدرج اقتباساً من شامفور إلى جانب نصيحة غوته (في محاولة للملمة المشاعر غير الموحدة) في دفتره تقول: «من الأفضل تقبل الناس كما هم، لا أن ترى فيهم ما ليسوا عليه».

١٨١٤ – ١٨١٥م: يرحل شوبنهاور إلى دردسن، ويكتب أطروحته (عن الجذر الرباعي لمبدأ العلة الكافية). كان قليل الأصدقاء، ويدخل في الحوارات دون سقف توقعات عالٍ: «أحياناً أتحدث إلى الرجال والنساء كما تتحدث البنت الصغيرة إلى دميتها؛ هي تعرف طبعاً أن الدمية لن تفهمها، ولكنها تخلق لنفسها متعة التواصل عبر خداعٍ ذاتي واعً ومبهج».

١٨١٨م: ينهي كتابة كتاب «العالم إرادة وتمثلاً» الذي يعلم أنه تحفة فنية (وهو حقيقةً كذلك). ويفسر في الكتاب نُدرة أصدقائه بقول:

«بالكاد يمكن للعبقري أن يكون اجتماعياً، إذ ما الحوارات التي يمكن أن تكون شديدة الذكاء والإمتاع فعلياً، ما هي إلا مونولوغاته (مسرحية من شخص واحد) الخاصة».

١٨١٨ – ١٨١٩م: يسافر إلى إيطاليا للاحتفاء بإنهاء كتابه. يستمتع بالفن والطبيعة والمناخ برغم استمرارية هشاشة مزاجه …

«لا بد أن نكون مدركين دوماً أن الإنسان ليس شديد البُعد عن الحالة التي يمسك فيها سلاحاً أو سُم ليقتل نفسه؛ أما البعيدون عن تصديق هذا، سرعان ما سيقتنعون بالعكس. عند حادث، أو مرض، أو تغيُر قاسي في الحظ – أو الطقس!».

أُصدر أخيراً في ١٨١٩م الكتاب الذي احتفل بكتابته. وبيع منه مع الأسف ٢٣٠ نسخة فقط.

وعبر بجملة شديدة السوداوية على تلك النتيجة «كل تاريخ حياة؛ هو تاريخ معاناة»؛ «لو كان بوسعي التخلص من وهم اعتبار جيل الخبثاء والحمقى مساوين لي، سيكون ذلك مصدر عون كبير لي».

١٨٢٠م: يحاول شوبنهاور الحصول على منصب جامعي في قسم الفلسفة في برلين. يلقي محاضرة يحضرها خمسة طلاب فقط. فيما كان يُسمع في المبنى المجاور منافسه هيجل، وهو يحاضر لجمهور يصل إلى الثلاثمئة.

يقوده هذا الأمر إلى تقييمه لفلسفة هيجل بقوله:

«أفكاره الأساسية هي الوهم الأسخف، عالم مقلوب رأساً على عقب، تهريج فلفسي … أما مضامينها فهي التمظهر الأجوف، والأشد خواءً للكلمات حين ينطق بها المغفلون، وتمثلاتها … هي الهراء الفارغ، والأشد تنفيراً الذي يُماثل تشدق المعتوه!».

١٨٢١م: يقع شوبنهاور في غرام كارولين ميدون، وهي مطربة في التاسعة عشر من العمر. استمرت علاقته معها عشرة سنوات بشكل متقطع، ولكن دون وجود أي نية من شوبنهاور بجعل ذلك الارتباط رسمياً:

«أن تتزوج يعني فعل كلّ ما يمكن ليصبح كل طرفٍ موضع اشمئزاز للآخر».

ومع ذلك؛ كان مغرماً بفكرة تعدد الزوجات ويعلل السبب: «من بين المزايا الكثيرة لتعدد الزوجات، هو أن الزوج لن يعقد صِلات شديدة القُرب مع أهل زوجته. وهذا هو العامل الذي يشكل مصدر خوف حاليًا يكبح انتشار الزواج. فيصبح المتزوج يحمل عشرة حمولات بدلاً من واحدة!».

١٨٢٥م: يفسر حياته اليومية شديدة اليقظة، ولحسن الحظ كان بإمكانه الاعتماد على إحساس مريح بشأن قيمته في اللحظات القاسية: «كم ينبغي علي أن أتعلم؛ أن روحي وعقلي في مسائل الحياة اليومية، يبدوان كتلسكوب في صالة أوبرا أو مدفع أثناء صيد الأرانب».

١٨٢٨م: يبلغ سن الأربعين. كان يُعزي نفسه:

«بعد بلوغ سن الأربعين، بالكاد سيكون أي رجل كفؤ … متحرراً من مسحٍة ما من بُغض البشر».

١٨٣١م: في الثالثة والأربعين الآن، مقيماً في برلين، يفكر شوبنهاور في الزواج مرة أخرى، يحول أنظاره إلى «فلورا فايس» وهي فتاة جميلة مفعمة بالحيوية، كانت قد بلغت السابعة عشرة للتو. وخلال حفلة على قارب، وفي محاولة لاجتذابها، يبتسم ويقدم لها بعض العنب الأبيض. تبوح فلورا لاحقاً في مذكراتها «لم أكن راغبة في حبات العنب الأبيض، شعرت باشمئزاز لأن العجوز شوبنهاور قد لمسها، ولذا تركتها تنزلق بلطف، نحو المياه خلفي».

يغادر في ذلك العام برلين على عجل، ويصف حياته وقتها: «ليس للحياة قيمة جوهرية أصيلة، لكنها تستمر بفعل الرغبة والوهم».

١٨٣٣م: يستقر في شقة متواضعة في فرانكفورت عند نهر الماين، وقد كانت المدينة تضم حوالي ٥٠ ألف نسمة من السكان. يصف المدينة (وهي المركز المصرفي في أوروبا الكوتنتالية): «أمة صغيرة من المتحمسين، صارمة، فظّة من الداخل، مزهوة باستقلالها الإداري، وفخورة بمزارعيها الذين لا أحب الاقتراب منهم».

كان الفيلسوف يتبع روتيناً يومياً صارماً. كان يكتب ثلاثة ساعات في الصباح، ثم يعزف الفلوت لساعة، ثم يضع ربطة عنق بيضاء لتناول الغداء في مطعم إنجليزي في ساحة «روكسمارت» بفرانكفورت. كان ذا شهية هائلة للطعام. كان يدس منديلاً أبيض كبير في ياقته (وعرف عنه تنظيفه المستمر لأسنانه بالمنديل قبل وبعد أي وجبة طعام).

كان يرفض التعرف على الزبائن الآخرين آثناء تناول الطعام، ولكن كان يشارك في محادثات أحياناً على فنجان قهوة. يصفه أحدهم بكونه «ساخطاً على نحو هزلي، ولكنه في الواقع رجلٌ فظ، حسن الطباع لا يؤذي أحداً».

[التتمة في الجزء الثاني إن رغب البعض معرفة بقية القصة …].


المصادر (بتصرف): دو بوتون أ. عزاءات الفلسفة: كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة، دار التنوير٢٠١٧، ص. ٢١٣ – ٢٢٣