ذهبت يومها لزيارة إحدى أخواتي في منزلها قبل حوالي سنتين ، أبحث عن فرصة للهروب من ملل إحدى نهايات الأسبوع الروتينية ، جلست كعادتي في غرفة المعيشة التي كانت كعادتها تعج بصخب أطفالها و أحياناً أطفال جيرانها ، آملاً أن يكون قرار الزيارة  «  الغير موفق»و« الموفق » سيحرك هدوء ذلك اليوم الذي انهى بقدومه أحد أسابيع العمل الحافلة. وبعد انتهاء الأحاديث المتقاطعة التي شاغلها شغب الأطفال حماهم الله، لمحت في إحدى زواية الغرفة طاولة مخصصة لـ« القرنبع » ، عليها كتاب للمرحوم (د.غازي القصيبي بعنوان – حياة في الإدارة) سألت عنه، وكان رد أختي أن هذا الكتاب كان قد أتاهم الأسبوع الماضي هدية من أحد أقارب زوجها ، ولكن لكثرة إنشغالها وزوجها بمشاغل الحياة لم تسنح لهم الفرصة بقرائته ، وبطبيعة حال الملل « المؤقت » ألزمت نفسي بعدم الإستسلام لجو الصخب والقيام على الأقل بالإطلاع على بعض صفحات الكتاب الأولى لعل وعسى أجد ضالة ذلك اليوم، وهنا كانت المفاجئة

بعد قراءة إحدى تعليقات من قرأوا الكتاب مسبقا ً في الغلاف الخلفي وهو الإعلامي المعروف الأستاذ عرفان نظام الدين حين قال: (بدأت بقراءة هذا الكتاب بتمعن ، فوجدت نفسي ساهراً حتى ساعة متأخرة من الليل إلى أن قرأت آخر سطر بإعجاب واهتمام ودهشة) 

وفي حقيقة الأمر أن وصفه كان دقيقا ً لحالتي أيضاً،  بعد قراءة بعضا ً من الصفحات الأولى للكتاب والتي شدتني لأخذ الكتاب لإكماله في بيتي فيما بعد.

استغرقت في قراءة الكتاب حتى الفجر، وانتهيت منه في أقل من ٤٨ ساعة  تقريبا مع دهشة غريبة من نفسي تخالطت مع حزن الانتهاء من آخر صفحة في الكتاب.

وكنت في تلك الفترة حقيقة ً لأذكر إن كانت كتب الدراسة أم غيرها هي آخر ما قرأت ، لكن ما كنت اعيه تماماً أن آخر كتاب قرأته كان من فترة طويلة نسبيا ً، أدركت وقتها «  ووقتها بالذات» أن أحد الأسباب التي منعتني و منعت كثيرا ً لمن هم في عمري من الدخول في عالم القراءة، أن بعض كتب الدراسة  « المملة » كانت أحد الأسباب التي زرعت شعور عدم الراحة من  فكرة اقتناء كتاب جديد (ممل، ليزيد من الطين بلة) أو حسب تصريحات بعض الإخوة (خليني اتشطر و اقرا كتب الجامعة أول ) .

وبكل بساطة أدركت حينها أن قراءة المواضيع التي نحبها أو المثيرة بالنسبة لنا قد تكوم فواتح الشهية لمزيد من القراءات الجديدة، لفتتني بساطة الدكتور غازي في سرد روايته في عالم الإدارة مع الملكين فهد و خالد رحمهم الله ، بالإضافة لعدد كبير من المواقف المضحكة و الجدية المليئة بالإلهام و الدروس في مشاوره بتسلم حقيبتين وزارية مروراً بفترات تمثيله للمملكة خارجها كسفير، بالإضافة لدروس قيّمة لمشوار طويل في التفاصيل الإدارية « الحياتية » والعملية لُخصت في أقل من ٣٦٠ صفحة ! .

  أدركت أيضا ً وقتها حقيقة لم أستوعبها، أن الكتب هي عبارة عن عصارة خبرات لكُتابها و إن كانت ليست مفيدة أو مسلية بالضرورة ، ولكن مجرد التخيل أن لديك القدرة على الإطلاع على خبرات سنين لأناس ناجحين خلال « ساعات » تحصر فيها زبدة مشاوير ، ستكون دون شك فاتحة شهية لتكون يوما ً ما في صفهم .

بدأ مشوار القراءة منذ ذلك اليوم ، زاد معدل قراءآتي الشهرية ليصبح أسبوعية خصوصا في مجالي (المال والأعمال)  ليتحول شبه يومي ، ثم لتصبح هذه العادة جزء من حياتي اليومية التي أصبحت بعدها أشعر بشئ من النقص إن مر بي يوم دون قراءة أي مادة أو كتاب ، لغتي الإنجليزية طورت بشكل ملحوظ بعد إلزام نفسي أن تكون الكتب الإنجليزية هي الحيز الأكبر من القراءة،  وكان كل السر وراء هذا الحماس في الإختيارات !

انجرفت بشكل جميل نحو القراءة عندما انحصرت اختيارات القراءة على المواضيع التي تجذبني وتهمني، وذلك العكس تماما ً مقارنتة مع كتب الفيزياء و الرياضيات وغيرها ، ثم تحولت العادة لشبه إدمان استطعت أن أخالط بها كتب الدين و الرويات و بعض المجالات الأخرى و أصبحت زيارة مكتبة جرير و « فيرجين ميجا ستور »أحد اهم الزيارات الدورية، و أكاد أجزم أنني أحد أهم عملاء موقع أمازون.

ألتقيت في أحد المناسبات الأستاذ القدير عبدالله جمعة (مدير عام آرامكو سابقاً) و أحد ابرز من رسم طريق النجاح لهذه الشركة وبعد سؤاله عن سر الإنجازات و النجاحات عبر تاريخه الحافل وكانت المفاجئة بذكره أحد الأسباب الرئيسية بـ (لا تتردد تقرأ آي كتاب يجي فيدك أو أي مادة أو ورقة لعل وعسى تفيدك فيوم من الأيام و انت غير متوقع زي ما كانت تفيدني بشكل غير متوقع).

اقتراحي لك عزيز القارئ إن كنت تفتقد لهذا الشغف أو كانت لديك النية أن تضيف عادة القراءة في حياتك بأن تجرب القيام بزيارة سريعة لأحد المكتبات كبيرة ، وقرر وقتها أن تشتري كتاب أو إثنين في المواضيع التي تهمك و تجذبك فقط و ابدأ بها ، وستذكرني بكل خير إن شاء الله .

صورة