التقيت به للمرة الأولى عام ٢٠٠٦م في مكتبه الصغير في مركز بيوتات الأعمال في طريق الملك. كُنت أعمل وقتها في وظيفة استقبال/خدمة عملاء في إحدى شركات التمويل العقاري، أذكر أنني ذهبت إليه ومعي بعض الأوراق المرسولة من مديري آنذاك الأخ أيمن جمال لتسليمه إياها. أدخلني السكرتير إلى مكتبه، استقبلني بحرارة ولُطف، شعرت أن هذا الرجل -الذي يُعد تقريبًا في مكانة والدي- لم يهتم كثيرًا بوظيفتي الصغيرة أو عمري، وهذا بالتحديد ما جعل منه بالنسبة لي شخصًا مثيرًا للاهتمام، فمثلي وقتها يتجنب بطبيعة الحال أصحاب المناصب.. ويتجنبونه، خصوصًا بعد أن علِمت أنه كان رئيسًا سابقًا لمديري.

أعطيته الأوراق، وبقيت خمسة دقائق تحدثنا فيها عن الحياة والعمل والمستقبل، سلّمت عليه وودعته. لفتتني جدًا أناقته وأسلوبه في الحديث وعلمه الغزير، ولفتني أكثر لطفه الغامر.

ثم التقيته مرة أخرى عام ٢٠١٠م بهدف العمل على مشروع معين، لكن لم تشأ الأقدار أن تتم الموضوع. ودون تفاصيل، عادت بنا الأيام عام ٢٠١٤م لأعمل معه في بعض المشاريع الصغيرة، وقد كنت قبلها في بداية ممارسة حِرفة الكتابة بشكلٍ منتظم، حتى عرضت عليه فكرة توثيق تجربته وأفكاره في كتاب، ليرد عليَ بردٍ سلبي وثّقته لاحقًا.

في كل مرة أسأله سؤال عن شأن يخص العمل أو الحياة أو السياسة أو الدين، كُنت أفاجأ من ردوده غير المألوفة أو المتوقعة، فهو لا يميل كثيرًا إلى الرأي السائد، وعلمت أنه يبحث دومًا عن إجابات من مصادر مختلفة. مما قادني إلى المزيد من الفضول تجاهه، حتى اقتنع أخيرًا بإعطاء فكرة توثيق تجربته في الحياة والعمل حقّها، ليدعوني إلى منزله لأبدأ بأسئلتي وجهاز التسجيل بين يدي.. ويبدأ هو بالإجابة.

باشرت بوضع خريطة طريق لتوثيق الكتاب عنه، لاحظت أنه كان يتأمل كثيرًا التحولات الغريبة التي حدثت في حياته منذ طفولته التي تخللت وفاة والده إلى الأحداث التي مرّ بها في مرحلة الجامعة حتى عمله ثم تأسيسه «الخبير المالية» والتي كانت عبارة عن مكتبٍ صغير في طريق الملك حينما زرته لأول مرة.

كان هناك هدف شخصي غير معلن من هذا المشروع، وهو قضاء أكبر وقت ممكن مع الأستاذ عمّار وسؤاله بأكبر قدر ممكن من الأسئلة، ولن يقبل بطبيعة الحال أي شخص مشغول أن أقضي ساعات متواصلة معه بشكل دوري دون وجود مشروع مشترك يبرر هذا الوقت، وكانت فكرة الكتاب هي الحجّة.

كتاب «مئة تحتر الصفر: عمار أحمد شطا.. تحولاته ودروسه وعن مستقبل الأجيال» كان النتيجة النهائية من هدفي غير المعلن، والذي أصبح معلنًا بين يدي القارئ الكريم الآن.

أصبح الكتاب متوفرًا في المكتبات بعد حجمٍ كبير من التنقيحات والتعديلات والتغييرات التي صاحبته، وساعات التسجيل التي تجاوزت عشرون ساعة متفرقة، أصبحت كفيلة بأن تجعل هذا المشروع أحد أهم المشاريع في حياتي العملية حتى الآن، وبكل تواضع أقول أيضًا أنني راضٍ به إلى حدٍ كبير. أذكر أنه رفض إكمال المشروع فجأة في أحد الأيام عام ٢٠١٦م لعدم اقتناعه بالطريقة أو بالأسلوب أو لشيء آخر لا أذكره. لكننا بفضل الله استمرينا وها هو الآن متاح للبيع.

يقال دومًا أن النقيض للعمل الفني «العظيم» ليس العمل الفني «السيء» كما نعتقد، بل أن العدو الأول يُختزل في كلمة «جيد». فكثير من الفنون لا تخرج من أصحابها لاعتقادهم أنها «جيدة» في بحثهم عن إنتاج شيء «عظيم». كان الهدف منذ الشروع في كتابة هذا العمل أن يكون «عظيمًا» قدر المستطاع، ولا أستطيع اليوم إلا الاعتراف بأن كل جهد كان يجب أن يُصرف في هذا الكتاب كان قد صُرف ليخرج بشكله الحالي.

كما لا يفوتني شكر كل من عمل على تطوير هذا العمل ليخرج بشكله الحالي، ومنهم المصور والصديق: محمد اسكندراني الذي التقط صورة الأستاذ عمار على الغلافة، والآنسة ضحى الشريف التي أهدتنا جهدها ووقتها الثمينين لتدقيق محتوى الكتاب، والأخ المصمم كريم آدم الذي أشرف على تصميم غلاف الكتاب.

أتمنى بصدق أن تعطيني الفرصة بالاطلاع عليه، وتشاركني ما استفدته منه. فهذا الكتاب قد نُشر من أجلك.. قارئي الكريم.

قراءة ممتعة.

IMG 4394 2

الصورة بعدسة صفوان القريوتي