9780812968255

السؤال الأول: كيف لهذه المذكرات أن تعيش وتُتداول كل هذه السنين؟ والسؤال الثاني: كيف لإنسان أن يؤتى الحكمة أثناء حديثه مع نفسه، عن نفسه، دون وجود أعيُن الآخرين حوله.

احترت بين وضع الكتاب في خانة الأربعة نجمات أو الخمسة، فالكتب ذات الخمسة نجمات هي بالعادة الكتب التي تساهم بهز حياتي بشكلٍ كبير أو بسبب وقعها الاستثنائي على حالتي النفسية أو المزاجية، أما الأربعة فهي من نصيب الكتب التي استمتعت بقراءتها.

هذا الكتاب استحق الخمسة نجوم في رأيي لعدة أسباب، أهمها أنه كتاب تشعر بصدق وعمق محتواه في تأملات الإمبراطور الروماني ماركوس اوريليوس (١٢١ – ١٨٠م) رغم مضي أكثر من ألف سنة على كتابته (والذي لم يسعى إلى نشر مذكراته، إن صح نقل محتواها ١٠٠٪؜). وثانيها، أن كل تأمل وخاطرة تقرأها في الكتاب تجعلك تتوقف عندها للحظات وتراجع نفسك وفِكرك، وربما تشجعك على التأمل في حياتك وتقليم جهودك وعلاقاتك وأسرتك واهتماماتك لدرجة جديدة. بل حتى علاقتك مع الله سبحانه وتعالى.

التحدي الأكبر الذي واجهني مع هذا الكتاب هو صعوبة اللغة، رغم أنني حرصت على شراء النسخة المترجمة للإنجليزية الأسهل والأكثر تنقيحًا (ترجمة Gregory Hays)، حسب آراء بعض المُطلعين. ورغم صِغر حجم الكتاب نسبيًا (٢٥٦ صفحة) إلا أن محتواه كاد أن يكون بمثابة ٧٠٠ صفحة.

يقودك الكتاب إلى نقطة لطالما ادعيتها في حياتي الكتابية -حتى وإن لم تكتب نصيًا- بأن الصدق مع الذات هو ما يجعل الحروف والكلمات يتنفسون ويملكون روحًا للحديث مع من يقرأها. «توقف عن السماح لعقلك بأن يكون عبداً، وأن تعطيه النبضات الأنانية، اجعله يقاوم المصير والحاضر، وأن يثق في المستقبل»، يخبر نفسه الإمبراطور كيف عليه أن يتعامل مع عقله «ركز كل دقيقة مثل الرجل الروماني، ركِّز على فعل ما هو أمامك بجدية دقيقة وحقيقية، بإخلاص، عن طيب خاطر، وكن عادلًا فيما تفعله. واعمل على تحرير نفسك من جميع ما يُحرِفُك عن طريقك من الأمور الأخرى. نعم، يمكنك ذلك، إذا كنت تفعل كل شيء، فافعله كما لو كان آخر شيء تفعله في حياتك، وتوقف عن أن تكون بلا هدف، وتوقف عن ترك عواطفك لتتجاهل ما يخبرك به عقلك، وتوقف عن أن تكون منافقًا، ومتمركزًا في ذاتك، توقف عن سرعة الغضب».

وعن مكانة الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين «الجميع يحصل على حياة واحدة. يتم استخدمت كلها تقريبًا، وبدلاً من أن تقرر أن تعامل نفسك باحترام، فقد أوكلت سعادتك إلى أرواح الآخرين.» ويضيف «هل الأشياء الخارجية تُلهيك؟ خصص وقتًا لتتعلم شيئًا يستحق العناء؛ توقف عن السماح لنفسك بالانجراف في جميع الاتجاهات.» ويكمل في موضعٍ آخر «ليس هناك ما هو أكثر إثارة للشفقة من الأشخاص الذين يركضون في دوائر، (الخوض في الأشياء التي تكمن داخلها) وإجراء تحقيقات في أرواح الناس من حولهم، ولا يدركون أبدًا أن كل ما عليهم فعله هو أن يكونوا منتبهين للقوة بداخلهم وأن يكونوا عبيدًا لها بصدق. [كيف نكون عبيدًا لها؟] من خلال منعها من التشوش والاضطراب، وتصبح بلا هدف وغير راضية عن الطبيعة، طبيعة [خلق الإله] والطبيعة الإنسانية».

640px Marcus Aurelius bust Istanbul Archaeological Museum   inv. 5129 T

وعن تأمله في سير الحياة.. «حتى لو كنت ستعيش ثلاثة آلاف سنة أخرى، أو عشرة أضعاف ذلك، تذكر: لا يمكنك أن تفقد حياة أخرى غير تلك التي تعيشها الآن، أو تعيش حياة أخرى غير تلك التي تخسرها. أطول الأعمار هي نفسها الأعمار القصيرة. الحاضر هو نفسه للجميع. الخسارة هي نفسها الخسارة بالنسبة للجميع… أنت لا تستطيع أن تخسر الماضي أو المستقبل؛ كيف يمكنك أن تفقد ما لم يكن لديك؟» وفي استكماله للتأمل «لا تضيع بقية وقتك هنا تقلق بشأن الآخرين، إلا إذا كانت تؤثر مباشرًة على المصلحة العامة. القلق بشأن الآخرين سوف يمنعك من القيام بأي شيء مفيد. ستكون مهتمًا جدًا بما تفعله بشكلٍ مختلف: وماذا تفعل، ولماذا، وماذا يقولون، وماذا يفكرون فيه، وماذا يفعلون، وكل الأشياء الأخرى التي تُلهيك وتمنعك من التركيز على عقلك».

وعن مقاومة لذة المكانة «أي شيء على الإطلاق: كتصفيق الحشد أو المنصب الرفيع أو الثروة أو الانغماس في النفس. قد يبدو كل منهم متوافقًا معنا، لكن لفترة من الوقت. لكنهم فجأة يسيطرون علينا ويسحبوننا إلى الأسفل. لذلك حدد اختيارك بشكل مباشر، مرة واحدة وإلى الأبد، تمسّك بما اخترت. اختر الأفضل. الأفضل لي هو ما يفيدني».

قمت بمشاركة ملاحظاتي التي تجاوزت المئة ملاحظة على هذا الكتاب وفتحها للجميع في صفحتي على Goodreads.com ويمكن لكم الاطلاع عليها كلها من خلال هذا الرابط.

هذا الكتاب، من الكُتب العشرة التي يجب أن تُقرأ في حياة كل إنسان من وجهة نظري.