في أحد الظهريات الحارة عام ٢٠١٥م، كنت قد زُرت جامعة أم القرى في مكة المكرمة لحضور اجتماع، صادف وقتها توقيت اختبارات. أوقفت السيارة في إحدى المواقف العامة التي كانت ممتلئة على عينها قبل انطلاقي مسافة سير عشر دقائق تحت لهيب الشمس إلى المبنى المقصود، وفجأة.. يخرج جيش من الطلاب على هيئة نمل، من عدة قاعات مختلفة، كلهم تقريبًا نفس الهيئة الشكلية مع اختلافات بسيطة. واعتقدت وقتها أن خروج هذا الكم المفزع من الطُلاب في وقت واحد كان بسبب أن القاعات الممتلئة بالاختبارات كانت قد انتهت في نفس اللحظات التي أوقف فيها العبد لله سيارته.

ولأنني أتيت مبكرًا، توقف للحظات متأملًاً هؤلاء الشباب.. وكل ثانية أقاطع نفسي وأقول «يا الله!.. ما كل هذا العدد؟ من يأكلهم ويشربهم؟ هل كلهم يأخذون مكافأة جامعية؟ كم هي ميزانية بقاءهم على قيد الحياة دون إشغالهم بأعمال ذات دوام جزئي كما يفضل معظم أهالي أبناء الناس؟» وعلى شاكلة هذه الأسئلة.

قمت بعمل بحث سطحي عن عدد الطلاب في هذه الجامعة وقست عليها المتبقي من الجامعات. علمت أننا نتحدث عن العشرات من الآلاف من الطلاب. منظر خروجهم كان كفيلًا بأن يجعلك تتأمل شيء تسمع عنه ولم تراه بهذا الوضوح. ورغم أنني خريج من جامعة الملك عبدالعزيز – انتساب، إلا أنني لم أفكر في هذا الأمر من قبل بصراحة.

الشاهد.. ربما أدعو  بعد هذا التأمل البسيط وبعد اطلاعي على مقالة في بلومبيرج عن نفس الشأن والتي أثار كاتبها موضوعًا مهم عنّون به مقالته: «قد يكون الدوام الجزئي للثانوية هو ما يحتاجه الطالب»، وأشدد أن الجامعة تستحق الحصول على نفس هذا التساؤل. بل أن الاقتصادي المعروف تيلر كوين كان قد أسرد مقالة مطولة يعتقد فيها أن الجامعات -بعد الجائحة – ستكون مهمتهم أصعب، عندما نستوعب أن عليهم إعطاء المزيد في مقابل حصولهم على أقل ما يمكن من التكاليف.

هذا التساؤل العبقري من وجهة نظري يحث المسؤولين إلى التفكير بأن كفاءة التدريس مع الجائحة واستيعاب الأهمية القصوى للوقت عند كل طالب أصبح لا يعادله شيء، حتى وإن كان هذا الشيء هو الجلوس في فصل دراسي أمام مدرس مادة قد يفوقه معظم طلابه ذكاءً. الاقتصادات المتقدمة – سويسرا كمثال – لا يدرس معظم أبنائها في تخصصات جامعية لا يعلمون لا هم ولا أبناءهم لما اختاروها كما تحاول عائلاتنا حتى العام ٢٠٢٠م في دفع أبنائها للقيام بذلك (بالمناسبة.. لدينا شابان في العائلة يدرسون سياحة وفندقة)، بل إن الخبرات والتخصصات النوعية هي التي تستحق التركيز.

أبحث عن شخص يحوّل النصوص العربية إلى مسودات كيندل وكتب إلكترونية منذ أكثر من عام، ولم أجد. أبحث عن مدقق لغوي ومحرر متطور يستخدم جهاز الماك، وهم شبه نادرين، وهنا قد يسأل سائل «ما بهم خريجو قسم اللغة العربية؟» وأقول إن ثلاث أرباعهم دخلوها كما دخل ولدينا السياحة والفندقة، والربع المتبقي ليس شغوفًا أو ممتلكًا لخبرة حقيقية في التدقيق والتحرير اللغوي، أو بالأحرى لم يدخل إلى هذا القسم بدافع الشغف المحض.

عمومًا تعقيبًا على كلام تيلور كوهين وتزامنًا مع اكتشاف نوع جديد من الكفاءة مع الجائحة، ربما أشجع شباب الجامعة للتفكير جديًا بالبحث عن وظائف جزئية أكثر من ذي قبل، لأنهم ببساطة قد قادتهم الجائحة لاستيعاب أن الوقت الطويل قبل وبعد الفصول الدراسية من أجل الفصول الدراسية لن يدفعهم إلي النمو مثل الخبرة العملية (حتى وإن كانت مؤقتًا براتب قليل أو دون راتب)، وأكثر من حرصهم على نيل الدرجات. وأنصح في مقابلها الأهل لدفع أبناءهم لذلك.. وفي الحقيقة، ليس لي رسالة للمسؤولين، لأنني أجد وبكل صراحة أن وزارة الموارد البشرية وصندوق تنمية الموارد يؤدون عملهم كما يجب في دفع الجميع لتحقيق أعلى مستويات للسعودة وتمكين المرأة وحفظ حقوق المقيمين. وبالنسبة للشركات، فهي تفضّل ألف مرة تعيين نصف خبرة على صاحب شهادة.

والله أعلم.