أقوم هذه الأيام بحملة مقاطعة مؤقتة لمدة ثلاثين يومًا لقنوات التواصل الاجتماعي، تحديدًا فيسبوك وتويتر وانستجرام.

لدي العديد من الأهداف خلف هذه الخطوة، أولها كبح جِماح الإدمان الذي عانيت منه، فأنا من الشخصيات الضعيفة أمام قنوات التواصل الاجتماعي بصراحة، تشدني الأخبار التافهة أكثر من المهمة، وأصبحت تغريني التغريدات الفارغة أكثر من الكُتب، وبالطبع التركيز المستمر والدقيق أصبح مهمة في غاية الصعوبة لشخص يحب أن يكتب ويحتاج لتركيز صلب كالحجر.

حجم الضغط كان كبيرًا عندما ضغطت على خيار «إيقاف الحساب مؤقتًا». قلقت من عدم وصول المقالات أو ما أود قوله للأعزاء القُرّاء، في الوقت الذي كنت أجد فيه نفسي لا أحرص للظهور بشكل منتظم وأخبر الآخرين أنني موجود، دون أن أُقدّم لهم مقالة أو تغريدة وجدت أنها بالفعل تستحق المشاركة.

بلغة أخرى، لستُ مدمنًا على الظهور قدر إدماني على المتابعة.

رِهاني خلال هذه الفترة هو صرف المزيد من الطاقة الذهنية على الكتابة والقراءة وإنجاز المعلقات من مهام عملية، ورهاني الآخر هو اعتمادي عليك. أنت عزيزي القارئ لمقالاتي متأملًا نشرك للمقالات التي أكتبها مع من تُحبهم. بدلًا من التركيز على البحث عن شخص سيعطيني بعضًا من وقته المنتشر على التغريدات ومشاركات التواصل الاجتماعي الأخرى.

يملك القارئ اللبيب لهذه المقالة خلفية جيدة عن ضرر قنوات التواصل الاجتماعي في تعزيز «الأنا» والسطحية، وتضييع الوقت أو الذهن. ولن أغامر بإقناعه حول هذا الأمر أو تذكيره بأن هناك جوانب إيجابية أخرى بالطبع. لكن، المشكلة تتشكل في حالتي؛ بأن صنعة البحث والقراءة والكتابة بطبيعتها لا تحتاج إلا لوقت طويل غير منقطع وبشكل يومي، وهو أمر مختلف قليلًا عن بقية الوظائف والتخصصات الأخرى، وبالتالي أصبحت الأحوج لها.

العالم لا يحتاج لرسامين أو رجال أعمال أو لكُتّاب يشاركون صور أبناءهم أو أطعمتهم أو تغريدة تبحث عن البحث عن التقدير مثل «مرحبًا…..» أو «كيف أصبحتم؟». العالم في نظري يحتاج للمزيد ممن يحاولون صُنع محتوى حقيقي. يغير شيء ما في مكانٍ ما.

جرب مراجعة حسابات الفنانين أو الكُتاب المهمين في حياتك في قنوات التواصل الاجتماعي. ستجد دون شك أن مشاركاتهم (السطحية) لا توازي حجم أعمالهم العميقة والكبيرة التي جعلتك من الأساس مهتمًا بهم ومتابعًا لهم.

عندما تقرأ إحدى كُتب ستيفن كينج وتقارن محتواها بما كتبه لمدة سنة كاملة على قنوات التواصل الاجتماعي، ستجد أن الكتاب الذي كتبه يحمل قدرًا عاليًا من دقة المحتوى والإبداع والخيال، ونقصًا واضح في الأخطاء المطبعية. بينما يتمثل العكس في التغريدات التي لا تكف عن مهاجمة ترمب وسخرياته من فترة لأخرى بآخرين، ناهيك عن تصوير كلبه بشكل منتظم على الانستجرام؛ وإن حالفك الحظ، ستجد إعلانًا لكتاب جديد بين هذا الهراء.

ينطبق هذا الأمر على معظم من تابعتهم من الفنانين اللطيفين بالنسبة لي. فلن تُسعدني رؤية عمرو دياب وهو ينشر صور حفلاته مؤخرًا، قدر انسعادي بسماع أغنيته «من كم سنة وأنا ميال ميال» التي تعب على إخراجها قبل أكثر من عشرين سنة. وهذا مؤشر بسيط لما أحاول لفت النظر إليه.

الفن عمل حقيقي. والظهور عمل سطحي.

أعلم مثلكم جيدًا حجم الفائدة من وجود التواصل الاجتماعي، إلا أن الفائدة قد غُطت تمامًا بالنسبة لي لتتحول لإدمان مزعج، أجده أحد أهم الأسباب التي جعلتني أعاني حتى في نومي بسبب الشاشة المُشعة وأنا على السرير.

وهنا لن أغامر بالقطيعة تمامًا، قدر محاولتي للسيطرة.

ويشرح أحد أهم المناصرين لفكرة إنقاص دور التواصل الاجتماعي، الكاتب «كال نيوبورت» في كتابه الأخير «Digital Minimalism» الطريقة المثلة في حياتنا عن كيفية التعامل مع التواصل الاجتماعي بنقاطه:

أولًا: يجب عليك التخلص من الإدمان، بمقاطعتك لمدة ثلاثين يومًا للتطبيقات المسببة لك حالة من الإدمان.

ثانيًا: بعد تلك الفترة يجب عليك العودة تدريجيًا محمِّلًا في ذهنك القيمة المباشرة التي سيعطيها لك كل تطبيق تواصل، عوضًا عن الانكباب عليها دون وعي كما كنت قبل الثلاثين يوم.

وبالطبع يشرح بالتفصيل آلية هذه الخطوات. ولكن أكثر ما لفت انتباهي في منهجه هو الاعتقاد الجازم بأن المقاطعة في حقيقتها أمرًا ليس سهلًا إطلاقًا، فستجد نفسك في الأسبوع الأول ممسكًا بهاتفك طيلة الوقت للبحث عن شيء ما. وبهذا، اقترح «كال» التخطيط المسبق لما ستفعله بهذا الفراغ المفاجئ الذي سيصيب عقلك. وخطتي كانت بسيطة: كتاب. أينما كنت، وطيلة الوقت.

وسأعترف باعترافات مهمة تخص هذه المقاطعة..

أولًا: عندما أستقبل أحد الإيميلات اللطيفة من القراء الأعزاء، ليشكرني على مقالة ما أو كتاب ما، فهو يذكرني بالوقت الكبير، شديد التركيز، الذي صرفته على كتابة المقالة أو ذلك الكتاب، فبالتأكيد لم يكونوا سيُتعبون أنفسهم ويكتبون لي إن صرفت وقتها وقتًا أطول على التواصل الاجتماعي؛ فالكتب والمقالات لا تُنجز بنصف عقل مع الأسف، ولا تكتب نفسها بنفسها وأنا منشغل في قراءة خبر عن نانسي عجرم وحفلتها الصاخبة في جدة أو عن ابنة محمد صلاح التي أدخلت هدفًا في المرمى.

في الحقيقة، أُحب نفسي أكثر وأنا أكثر إنتاجية وتركيز، وأعتقد جديًا أن القراء يحبونني أكثر وأنا أكثر إنتاجية وتركيز. في الوقت الذي عاهدت نفسي بأن تكون مهنة الكتابة هي المحرك الأهم لي على هذا الكوكب.

إذًا.. لماذا كل هذا الإسراف في الوقت والذهن الصافي؟

ثانيًا: سيقول قائل بأن هناك العديد من الأشخاص شديدي الانتاجية في محيطنا وهم في نفس الوقت شديدي الغزارة في تواجدهم على التواصل الاجتماعي، وهذا أمر صحيح بلا شك. إلا أنني أعترف مع الأسف أنني لست مثلهم، ولا أمانع أن قلت إنني أضعف منهم قليلًا في السيطرة على انتباهي الغلبان.

عند مراقبتي لذاتي وجدت أن ادعاء كوني إنسانًا اجتماعي من الطراز الأول حقيقة، وكوني إنسانًا عاطفي حقيقة أيضًا، وهذه التركيبة هي التركيبة الأكثر تأثرًا سلبيًا بما تقدمه قنوات التواصل الاجتماعي. فهناك الكثير من الأخبار الساخنة، وبالطبع الكثير من الأصدقاء وأنصاف الأصدقاء والبشر الذين يحاولون إخبارك أنهم موجودين لتشاهد صورهم وأسفارهم.

بينما أكون في المقابل في قمة صدقي وعطائي وفائدتي للآخرين ولنفسي، عندما أنشغل أكثر على صفحة «وورد» البيضاء لأكتب شيء ذو قيمة.

ثالثًا: أعترف أن قنوات التواصل بالفعل كانت ذات فائدة عظيمة في حياتي، خصوصًا تحويل العديد من أصدقاء تويتر وفيسبوك وانستجرام لأصدقاء حقيقيين على أرض الواقع، وهذا أمر لا يقدر بثمن. إلا أن المشكلة تتمثل في انشغالي أكثر وأكثر عن الأصدقاء الحقيقيين واجتماعي بهم، طالما هناك فرصة للاجتماع بهم ومعرفة آخر مستجداتهم من خلال التواصل الاجتماعي!

لازلت في أسبوعي الأول من المقاطعة، إلا أنني شبه متأكد بأن استشعاري بالالتقاء وجهًا لوجه مع أصدقائي سيكون ذو تأثير أكبر وأجمل إن ضغطت على نفسي ليكون هذا الأمر بديلًا عن المزيد من الوقت على شاشة الجوال. فما بالك ببناتي. ونومي. وعلاقاتي الاجتماعية الأخرى؟

هناك العديد من فئات المدمنين على التواصل الاجتماعي، وأُعتبر إلى حدٍ ما أقلهم إدمانًا بصراحة، إلا أنني ما زلت في طور معاناة الإدمان. أُعزي نفسي بأنني لا أحب تصوير نفسي كثيرًا أو تصوير أكلي بشكل منتظم مثل حالة الدرجات المتطورة -في رأيي- من الأحبة أصحاب المعاناة الأكبر.

وأخيرًا.. أجد أن التركيز على الإنتاج والإنجاز في القراءة والكتابة حتى وإن حرمني هذا الأمر من مشاركة ما أكتبه على التواصل الاجتماعي، سيعود عليَ بالنفع.

والبركة فيك عزيزي وعزيزتي القارئة بتعزيز هذه الخطوة ومشاركة هذه المقالة وغيرها من المقالات العديدة التي كتبتها بصدق وتركيز حقيقي مع أحبائك في جروبات الواتساب وغيرها من القنوات المختلفة.