يعلم المتابعين لكتاباتي ولعي الشديد بإنجازات الكاتب الأمريكي الراحل إسحاق آسيموڤ. فقد تناولت سيرته في مواضع مختلفة في مقالاتي وكتاب ثورة الفن. إسحاق آسيموڤ توفي عام ١٩٩٢ وقد تجاوزت مؤلفاته الـ ٥٠٠ مؤلف خلال الخمسين سنة الماضية، وقد حصل على ١٤ شهادة دكتوراة فخرية من جهات مختلفة، إضافةً إلى حصوله على دكتوراة في مجال الكيمياء (والتي لم يكتب عنها أبداً في أياً من كُتبه حسب ما صرح في أحد لقاءاته).

أتحدث اليوم عن نقطة واحدة في تاريخ كتاباته وهي «الغزارة» … آسيموڤ رجل شديد الإنضباط وشديد الإيمان بما يفعله. ويعتبر باختصار الكاتب الأكثر غزارة والأكثر تنوعاً في الولايات المتحدة خلال القرنين الماضية، بغض النظر عن جودة أو نسبة نجاح كُتبه التي سخر حياته من أجل كتابتها.

«خلال الستة أشهر الماضية نشرت ١٥ كتاب!! … كيف فعلتها؟» يسأله تشارلي روز في أحد لقاءاته التلفزيونية في الثمانينات. ويجيب آسيموڤ «لأنني ببساطة لا أفعل شيء غير الكتابة!».

يذكر آسيموف في سيرته الذاتية مفاتيحه الخاصة للغزارة في الكتابة ويقول: «أكتب في المتوسط ١٣ كتاب خلال العام، وأعرف أنني الكاتب الأمريكي الأكثر غزارة على الإطلاق … وأرجوك تفهّم أنني إنسان متواضع وأشعر بالخجل لأنني أقول لك هذا الكلام، لكن في المقابل أن لا أقول كلاماً كذباً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يصبح الشخص فعلاً غزير الكتابة؟

أول ما يتبادر إلى ذهني أن المطلب الأول لتحقيق ذلك هو أن تملك الشغف لعملية الكتابة نفسها، ولا أقصد بذلك مجرد تخيلك أنك ستكتب! ولا بتخيلك أنك كتبت! … بل أقصد التركيز على شغفك اتجاه عملية الكتابة فقط، وعندما أقول الكتابة فقط أقصد المرحلة ما بين فكرة الكتاب وانتهائك منه تماماً. شغفك يجب أن يوُجه اتجاه جلستك أمام الورقة والقلم، أو الآلة الكاتبة أو برنامج الكتابة على الكمبيوتر … لا يهمني التقنية التي تستخدمها للكتابة، كل ما يهمني هو الكتابة نفسها، وعلى العقل أن يعلم أنك تكتب لمجرد الكتابة، وليس لكي تصبح كاتباً، أو كاتباً عظيماً بطبيعة الحال».

ويضيف مفتاحاً آخر: «الكاتب العادي يركز دائماً على تعديل وتنقيح … وتغيير ما كتبه، ولن يصبح أبداً راضياً بما كتب. وهذه الطريقة تبعدك تماماً عن الغزارة والمزيد من الكتابة. ولا يمكن للكاتب الغزير [والناجح] أن يراجع نفسه ويتسائل ما إن كان ما كتبه جيد أم لا، بل يجب أن يحب ما يكتُب طيلة الوقت».

أتقن الممثل شون كونري دوره الرائع في فيلم Finding Forrster عندما قدم نصيحة الكتابة للطالب الذي جائه بحثاً عن مصدر للإلهام، ورد عليه بصرامة … «اكتب» … ليصمت الشاب ويقول «ماذا أكتب؟ … إنني أفكر». ويعلق الكاتب فورستر (شون كونري) لا … اكتب فقط التفكير سيأتيك لاحقاً.