«إذا أردت لشيء ما أن يُنفذ، أعطه لإنسان مشغول»

– مثل إنجليزي

أو بتعبير آخر كما ذُكِر في صحيفة كينساس (١٨٨٤):

«لذلك غالبا ما يقال إذا كنت تريد القيام بإنجاز أي شيء، قم بطلبه من رجل مشغول. هو إنسان مشغول، مليء بالعمل، لأنه قادر وراغب في العمل. مثل النهر الذي يجري إلى المحيط. العاملين (أو المشغولين دائمًآ) هم القِلة.»[1]

دون كثير من اللغط حول هذه النقطة، جرب وكلِف مهمة بسيطة لكنها في نفس الوقت تتطلب بعضًا من الجهد غير المريح لثلاثة من معارفك. لنقل اثنتان ربات بيوت ليس لديهم أطفال أو مسؤوليات بعد، يملكون وقتًا كبير من الفراغ.  وخصص الثالثة لأحد أصدقائك، الذين لا يشغل وقتهم الكثير من المهام العملية اليومية. واعط نفس المهمة لشخص رابع مختلف، صديق عزيز، مشغول جدًا، لا يستطيع قبول المهمة، إلا أنك ستقنعه عن مدى أهمية تنفيذ هذه المهمة بأي شكل من الأشكال، حتى تتأكد أنه سيقوم بها.

النتيجة: هل ستفاجئك؟

سينفذ على الأغلب صديقك المشغول هذه المهمة بسرعة وبكفاءة عالية … ولن ينفذها على الأغلب صديقك الفارغ أو ربات البيوت، وإن نفذوها، ستكون العملية أغلب الظن مخلخلة.

ما الذي يحدث؟

شخصيًا، جربت هذا الأمر مع ثلاثة من معارفي في مناسبات مختلفة، يغلب عليهم بشكل من الأشكال فراغ الوقت في حياتهم، كانت أحد تلك المهام طلبي أكثر من أربعة مرات من أحدهم بالقيام بمكالمة هاتفية لجهة يعرفها أكثر مني، وفي كل مرة أطلب منه مكالمتهم، يقول لي: غدًا، اليوم، بعد الظهر (يجب أن أكون جاهزًا لمكالمتهم) وهكذا، حتى انتهى الأمر دون مكالمتهم.

انتهى إلحاحي بتهزيء هذا الصديق لدرجة أشعرتني بالذنب، الذي لم أستوعب سببه إلا بعد سنوات، والسبب خلف شعوري بالذنب عدم إدراكي بأنه إنسان (فاضي). وبطلبي البسيط آنذاك حتى وإن كان مكالمة هاتفية لن تستغرق سوى عشرة دقائق، فإنني أدفعه خارج منطقة الراحة الخاصة به. والتي سيفضل أن ينال تهزيئًا عليها أكثر من تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

منطقة الراحة بالنسبة للإنسان المشغول، هي الإنجاز.

لا يستطيع الإنسان المشغول أن يتكيف مع نفسه أو أن يشعر بالراحة دون عمل متواصل، يشغله طيلة الوقت وطوال اليوم. أعتبر هذا النوع من الانشغال مثل العضلة أو «شعلة الزخم» التي تستغرق وقتًا لإشعالها، ولا تنطفئ بعدها.

«عندما يُطلب منّا أي مهام مستعجلة وضرورية في العمل، لا أكلف بها إلا الإنسان الأكثر انشغالاً بين زملائي» يعلق أخي الأكبر إياد (وهو يرأس إحدى الإدارات في شركة الكهرباء) عندما ذكرت له المثل الإنجليزي في بداية المقال، وأضاف مؤكدًا «ذلك الموظف الذي نكلفه بالعمل الضروري هو الأكثر انشغالًا بين زملائه، لأنه الأكثر تميزًا، وهو الأكثر تميزًا لأنه مشغول طيلة الوقت بمحاولة إنجاز شيء في عمله. أما بالنسبة للبقية، فقد تعودوا على منطقة الراحة، ومن الصعب عليهم الخروج منها.»

تذكرني حالة الإنسان صاحب الفراغ الكبير، كثيرًا بحالة بعض أصدقائي العزّاب أيام الجامعة، تجد الواحد فيهم يستيقظ ببطء، يحتاج أن يشرب قهوته بهدوء مع سيجارته، تجد القُمامة في كل أنحاء البيت، ولا يمكن لك أن تدخل صالة الجلوس دون أن تجد أحد كراتين الطعام من الليلة السابقة. لباسه دائمًا غير مرتب وشعره دائمًا أشعث (إلا في الحالات التي يلتقي فيها مع صديقاته!). هذا الاستكنان المبالغ فيه يجعله طيلة الوقت تحت رحمة منطقة الراحة، وداخل خيمة الفوضى! .. لا تستطيع أن تفكر بأي شيء يمكن له أن يساعدك فيه أو يعمل عليه، وهو بهذا المنظر. أذكر أنني كُنت أدعو الله أن يتخرجوا من الجامعة فقط!

وقد قابلت عكس هذه الحالة تمامًا، وهي مثًلا السيدة الهندية العزوبية (التي أجرت لي بيتها في نيويورك عن طريق AirBnb) فهي رغم انشغالها التام وقضاءها معظم الوقت في شركتها (تعمل في شركة تطوير برمجي)، إلا أنني علمت لاحقًا أنها تحضر تمارين «يوجا» أسبوعيًا، وتكلف طباخة غلبانة بطبخ الأكل يوميًا لها بدلًا من أكل السوق. تعود بعد يوم عملها الطويل إلى البيت تأكل أكلها وتغسل الصحون وترتب البيت بسرعة متناهية وإتقان لا يحتمل الإعادة ثم تنام؛ لماذا؟ … لأنها مشغولة، وعليها إنجاز الأشياء بسرعة وبإتقان.

تستخدم التكنلوجيا في تسوقها وخدماتها كلها بكفاءة عالية لتخدمها في حياتها، لماذا؟ .. لأنها إنسانة مشغولة. ومسألة تعلم أي شيء جديد يجعلها أكثر إنتاجية في حياتها، ليس خيارًا بالنسبة لها.

عملت فترة طويلة في حياتي في مجال صناعة الثياب الرجالية، ومن أكثر الملاحظات التي استوقفتني، هي قلة أخطاء الخياطة في مواسم التفصيل (مثل شعبان ورمضان). كثرة طلبات الخياطة على الخياط تجعله تحت طورين من العمل، الأول: وهو العامل النفسي: حيث أن أي خطأ سيرتكبه في خياطته للثوب، سيكلفه التأخر عن الانتقال لخياطة الثوب الذي يليه، وبالتالي احتساب عدد ثياب أقل تم إنجازها، وبالتالي مكافئة أقل نهاية الموسم. وهنا سيكلف عدم التركيز والاتقان في الخياطة الكثير بالنسبة للخياط (والشركة ككل)، فتجد الواحد فيهم على وتيرة تركيز أعلى من الأيام العادية خارج الموسم.

الطور الثاني: وهو الزخم: مع جلوس الخياط طيلة اليوم على ماكينة الخياطة وتكرار عمله مرة بعد مرة، يطور عضلة الإتقان عنده، ليصبح إضافة إلى تركيزه شديد السرعة، تمامًا عكس الأيام العادية التي يستقبل فيها ثوب أو ثوبين في أيام متفرقة، تجعله يمارس عمله بهدوء دون الاكتراث لعامل الوقت أو الاتقان.

جرب أن تذهب في الأيام العادية إلى مطعم «البيك» الساعة الحادية عشر صباحًا، ستلاحظ أن عدد الطلبات القليلة في المطعم هو السبب الرئيسي في تأخر طلبك بمعدل يفوق انتظارك في أوقات الازدحام! … لماذا؟ لأنهم «فاضيين» في ذلك الوقت. ولا يقومون بقلي الدجاج إلا عندما يأتي من يطلبه، وليس مثل الأوقات العادية التي يكتفي فيها المطعم بتنسيق الطلبات مع الزبائن.

مطعم «البيك» في الساعة الحادية عشر صباحًا، يمثل إلى حدٍ كبير صديقي العزوبي (مع فارق التشبيه والتفاصيل)، و«البيك» فترة المساء يمثل السيدة الهندية شديدة الانشغال!

ما الذي أحاول قوله اليوم؟

أُقسِّم فكرة اليوم لشقين، الأول هو محاولة إقناعك بالوصول لأعلى مستوى من الانشغال في حياتك، خصوصًا إن كنت صغيرًا في السن أو غير مرتبط بأسرة!.. لأن هذه الفترة تمثل تهديدًا لضياع الجهد والذهن دون استفادة. وربما ستستوعب هذا الأمر في أحد الأيام عندما تزيد مسئولياتك وتحتاج لكفاءة أعلى في إدارة الوقت. والشق الثاني من الفكرة، هو تشجيعك على عدم استنزاف الوقت مع أصدقاء ومعارف يملكون الكثير الكثير من المساحات الفارغة من الوقت في حياتهم.

يعلم كل رجل مرتبط أن ساعات الفراغ الكبيرة في حياة شريكة حياته تمثل إلى حدٍ كبير ساعات شيطانية تنقلب بالنار عليه إن لم يتم استثمارها بشكل جيد، لأن الوقت يذهب بطبيعة الحال إلى اتجاه شيء إيجابي ومهم، أو لاتجاه شيء سلبي ومضيع للوقت. ولا يقف الوقت هكذا دون صرفه! … ومع شريكة الحياة الفاضية تمامًا، سوف لن يذهب الوقت على الأغلب لمصلحة الشريك المشغول والمنجز بأي شكل.

وتعليقي الإضافي على الشق الثاني، أن الحاجة للارتباط بأناس شديدي الانشغال في حياتهم، سيقودك لا شعوريًا بالتعلم منهم، ومقارنة حالتك معهم، وستصبح بعد بعض الوقت تسعى لأن تنجز شيئًا ما مثلهم، بل وأحيانًا ستجدهم يقفون مع مصلحتك أكثر من الوقوف مع مشاعرك. فالمنشغلين لا ينقصهم المزيد من الدراما في حياتهم، فإما تصبح مثلهم وتنسجم مع حياتهم، أو إما أن تنتقل بفضاوتك وحياتك مع الكليحين الآخرين.

وأخيرًا، لا أذكر شعورًا بالرضى النفسي كشعور يوم طويل صُرف على إنجاز العديد من المهام الشخصية والعملية فيه.