إن قمت بزيارة الموقع الإلكتروني للروائي المعروف وصاحب الكُتب الأكثر مبيعاً «نيل ستيفينسون»، سوف لن تجد في أي خانة من خانات الموقع عنواناً بريدي له. وقد يفهم الزائر لموقعه مهمة الكاتب من خلال مقالة (أيضاً منشورة على نفس الموقع) يتحدث فيها عن عدم حرصه على إظهار عنوانه الإلكتروني، تحت عنوان «لماذا أن لستُ مستجيباً جيد»، ترجمت أهم الأجزاء فيها وقد كتب:

«الكُتاب الذين لا يسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا متاحين طيلة الوقت للآخرين عادة ما يُطلق عليهم باستمرار «غير مهتمين». في حين أنني لا أعتبر نفسي إنساناً «غير مهتم»، ولذلك، فقد وجدت أنه من المهم أن أضع بعض الحدود على تواصلي مع القُراء الأفراد. هذه الحدود تتحول مع الوقت غالباً لإلهاءات ترسل على شكل بريد إلكتروني، أو عندما أقبل باستمرار الانضمام كمتحدث رسمي في المحافل. وهذه المقالة تشرح بشكل كافي لماذا اتخذت نهج عدم السماح لنفسي بالاستجابة للآخرين بشكل مستمر.

عندما أقرأ رواية تعجبني جداً، أشعر بشكل جدي بتواصلي المباشر مع كاتبها، وأشعر أننا على نفس الوتيرة العقلية والاندماج تجاه بعضنا البعض. وقد يقودنا هذا الأمر لفتح نقاشات مثيرة، أو قد نكون أصدقاء، إن سمحت الظروف بالتقاءنا. عندما توشك الرواية الجميلة التي أقرأها على الإنتهاء أشعر ببعض الإحباط، ويقودني هذا الشعور إلى الحرص على محاولة استمرار علاقتي مع الكاتب، علاقتي المباشرة بالتواصل معه بشكل مباشر من خلال كتاباته الأخرى.

… الرواية تمثل سنوات من العمل الشاق والذي يتلخص في بضع مئات من الصفحات، مع كل (أو على الأقل معظم) الأفكار السيئة التي حُذفت وألقيت بعيدًا قبلها، إضافةً إلى الإبقاء على الأفكار الجيدة والتي صُقِلت وتكررت قدر الإمكان فيها. التفاعل المثالي مع المؤلف لا يوازيه شيء أفضل كقراءة روايته.

تنتهي غالباً فرصة الحصول على لقاء المؤلف وجهاً لوجه، بعدم الشعور بالرضى الكامل عنه، بل وربما يُصاب القارئ بخيبة أمل كبيرة من هذا اللقاء.

المؤلفون في العادة يشاركون في الندوات التي تجمع بين شخصيات مثقفة مختلفة، ولذلك يبدو من المنطقي أن يتوقفوا من وقت لآخر عن كتاباتهم الابداعية لبضع ساعات أو أيام، ليحضروا هذه المناسبات مثل الاتفاقيات وحفلات التوقيع، وورش العمل، وما إلى ذلك، حيث ينبغي أن تتبادل الأفكار مع المؤلفين الآخرين ومع أعضاء المجتمع الآخرين بشكلٍ عام. ولذلك، فإن المؤلفين مثلي في كثير من الأحيان يتلقون دعوات باستمرار لمثل هذه المناسبات.

قد تبدو الرسائل أو الإيميلات من القُرّاء، والدعوات كمتحدث رسمي أمام العامة، أشياء مختلفة جدًا عمّا نقوم بها. وهي في الواقع نقاط متصلة، وكثيرة الشيوع.

رسالة الإيميل من القارئ والدعوة للتحدث في مؤتمر ما، على حد سواء طلبات (في معظم الحالات، هي طلبات مهذبة ومنطقية) بالنسبة للمؤلف من أجل التفاعل بشكل مباشرة مع القُرّاء… وبالنسبة لبعض المؤلفين هذا الأمر بسيط ومناسب لهم، ولكن في حالتي، فإنه ليس كذلك.

هناك ربما القليل أو «لا شيء» أستطيع تقديمه لقرائي عوضاً عمّا قدمته في كتاباتي المنشورة. ويترتب بناءً على ذلك بأن أبذل، ما أستطيع من جهود لكتابة المزيد من الكتابات القابلة للنشر، بدلاً من إنفاق بضع دقائق هنا، ويوم هناك، والرد على رسائل الإيميل، أو الذهاب إلى المؤتمرات.

كتابة الروايات أمر صعب. ويتطلب أوقاتاً واسعة وغير متقطعة من الزمن. أربعة ساعات هادئة هي التي يمكنني في العادة وضعها موضع التنفيذ لكي أُنجِز. قد أستطيع تقسيم الوقت على فترتين لتكون كل فترة ساعتين، خلال اليوم ولكنها ليست ذات إنتاجية مثل الأربعة ساعات غير المتقطعة.

إذ أنني لو عرفت مسبقاً أن شيئاً ما سيقاطعني خلالها، لن أستطيع التركيز، وإن ظهر شيئاً ما سيقاطعني خلالها، سأتوقف، ولا أستطيع أن أفعل أي شيء على الإطلاق.

ومع هذا المثال، أستطيع إنجاز فصلًا محترمًا من الكتاب القادم من خلال عدة أيام متتالية مع فترات زمنية مدتها أربع ساعات، ولكن نفس هذا العدد من الساعات إن انتشر خلال بضعة أسابيع، مع انقطاعات بينهما، يصبح الأمر تقريباً غير مُجدي.

معادلة الإنتاجية هي ليست خطاً واحد مستقيم ومعروف، وأقصد بذلك، أن هذا هو السبب الذي يجعلني أقول «لماذا أنا لستُ مستجيباً جيد». ولماذا أصبحت نادرًا جداً ما أقبل دعوات عامة، أو محافل من هذا النوع.فإذا كنت ملتزماً بتنظيم حياتي بالطريقة التي وجدتها فعّالة معي فأنا بذلك أحصل على الكثير من الوقت الطويل والمستمر، دون انقطاعات،وبذلك أستطيع أن أكتب الروايات. ولكن الإلهاءات والانقطاعات المستمرة لهذا الحجم الكبير من الوقت المُركز. ستُقلل إنتاجيتي كروائي بشكل كبير.  والسؤال: مالذي الذي سيحل محل هذا الوقت المُهدر؟ بدلاً من الرواية التي سوف تكون موجودة لفترات طويلة.

وإن كُنت محظوظاً، فسيقرأها الكثير من الناس.

أرسلت مجموعة كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني إلى أفراد، وعدد قليل من المحاضرات التي أعطيتها في مناسبات عِدة، ولا أقول أن المحصلة منها كانت سيئة؛ لكن لا يوجد في إحداها ما يمكن أن أقول عنه أنه كان في غاية الروعة.لذلك بالنسبة لي فإنني قررت أن أختار أحد أمرين: يمكنني أنشر كتابات من سيئة إلى متوسطة الجودة إلى عدد قليل من الناس، أو أن أنشر المواد ذات جودة أعلى لمزيد من الناس، ولا أستطيع أن أفعل كلا الأمرين سويةً. فالأول قد يطمس جهد الثاني.

عامل آخر في هذا الاختيار هو أن كتابة الخيال كل يوم يبدو أمراً جيدا للحفاظ على صحتي العقلية. فإن مُنِعت من كتابة الخيال، قد أُصاب بالإكتئاب وأُصبِح مصدر تعاسة لمن حولي. وطالما لازلت أكتب، مع كوني شخصاً مناسب يتفاعل مع من حوله إلى حدٍ ما، فقد وجدت أن كل الحوافز تشير في اتجاه تكريس كل الساعات المتاحة لكتابة الخيال.

أنا لست فخور حقيقةً بأن بعض من رسائلي الإلكترونية قد لا يُرَد عليها نتيجة لذلك. ليس في نيتي أبداً أن يكون وقحًا أو أعطي إنطباعاً بأنني إنسان بارد أو غير مهتم.

وإذا كنت صاحب الكُتب الأكثر مبيعاً، سيكون لدي ما يكفي من المال لاستئجار موظفين للاهتمام برسائلي الإلكترونية. وفي الحقيق، يتم شراء كتبي من قِبل ما يكفي من الناس الذين يعطيني نمط حياة ضمن الطبقة المتوسطة مادياً، ولكن ليس لما يكفي لتوظيف موظفين. ولذا فإنني أواجه خيارًا صعباً بين كوني مستجيباً سيئ وكوني روائي جيد. وفي الحقيقة، أحاول أن أكون روائي جيد، وآمل أن يغفر لي الناس لكوني مستجيب سيء».