يعتقد نسيم نيكولاس طالب (مؤلف الكتاب الشهير: البجعة السوداء) بأن أحد الاستراتيجيات التي تجعلنا أصحاب تاريخ مهني (غير قابل للكسر) هي في عدم البحث عن خيارات وظيفية متوسطة المردود والكفاءة العقلية. «يجب أن يكون للكتاب الأدبيين وظيفة وضيعة أو (إن أمكن) سهلة المهام، وأن يكتبوا في أوقات فراغهم. وإلا فإن الكتابة من أجل لقمة العيش وفقًا لمعايير الآخرين تحط من قدر أدبهم. نفس الشيء بالنسبة للفنانين. لم يكن أفضل الفلاسفة أكاديميين، لكن كان لديهم وظيفة أخرى، لذلك لم تفسد فلسفتهم المهنية».

شخصيًا أتفق مع هذا الرأي جدًا، سأشرح من زاويتي لماذا:

  1. إن كنت فنّانًا بالكاد تجد مصروف يومك، فإنك ببساطة لن تستطيع أن تبدع في إنجازك أيًا كان ما تمارسه. العمل والاستقرار المالي هنا قد يشغل وقتك، لكنه في المقابل يعطيك مساحة ذهنية أفضل. تصبح بعدها المسألة بالنسبة لك مسألة تنظيم جدول من أجل فنّك، وليس حمل هموم مالية.
  2. التضحيات تكون بعيدًا عن الأمور الأهم في حياتك؛ أن تضحي بقبولك بساعات عمل إضافية أفضل من أن تضحي بتسويق شيء لا تؤمن به من خلال فنّك من أجل الحصول على بعض المال. الأخ الكريم ماهر موصلي تحدث عن هذا الأمر في لقائه الأخير الرائع.
  3. الوظيفة/العمل بشكل عام يجعلنا أكثر انضباطًا، عكس الفنون عندما تسيطر بشكل كام على حياتنا، فهي تدفعنا للكسل أكثر من النشاط. الفنان النشيط والغزير استثناء.

أميل للاعتقاد بأن ما يفعله الكثير من الشباب الفنانين أو الموظفين الجزئيين (Freelancers)، جيد إن كان يحقق ثلاث أشياء في حياتهم: أولًا: عدم اضطرارهم للبحث عن سُلف من الآخرين (فهنا لم يعد نمط حياتهم حرًّا كما يعتقدون). وثانيًا: قدرتهم على تعليم ذواتهم الانضباط في الاستثمار أو الادخار. وثالثًا: ممارسة العمل بشكل شبه ذاتي، وليس مُقادًا بكلمة نسميها مجازًا «شغف».. وأُلصق هنا أهمية تغطية المصاريف والاحتياجات الأساسية، إلى جانب القليل من الترفيه.