تأمل أي تجمعات في أي مناسبة اجتماعية حول أحد العازفين الجيدين لأي آلة موسيقية -وصاحب صوت جميل- خصوصًا آلة «العود». ستجد التالي:

  • سيغني العازف (أو المغني) ثلاثة أو أربعة أغاني خليجية «أيقونية» مثل: «قالوا ترى» أو «دنيا الوله» أو «من بعد مزح ولعب» وغيرها من الأغاني القديمة المعروفة.
  • سيتوقف لدقائق بعدها، ويسأل من حوله: «ماذا تريدون أن تسمعوا أيضًا؟»، ليقوم أحدهم بمحاولة تغيير الموجة إلى «سواح» و«أغاني فيروز» وأحيانًا بعض الأغاني الطربية باللغة الفصحى مثل «مُضناك» أو «هل عندكِ شك» … وإن حالف الحظ بعض أصحاب الذوق الأجنبي فسيغني لهم بالتأكيد «هوتيل كاليفورنيا».
  • سيستمر التصفيق بعد كل أغنية، ويردد أحدهم «طرب .. طرب!».
  • بعد انتهاء الجلسة، سيُقر معظم الحضور بأن العازف «فنان» وقد أبدع في هذه الليلة. وسيتناول البعض الاخر حال مستقبل هذا الشاب المبدع.

سألت أحد الشباب الرائعين في العزف مؤخرًا: «أين أغانيك أنت؟ .. أريد أن أسمع فنك، وليس عزفك!» .. وأخبرني بتردد أنه اشتغل على أحد الأغاني مع قريبته (كتابًة وتلحينًا) ولكنها ليست جاهزة ١٠٠٪ بعد. وقد وعدني أنه سيحاول غناءها في هذه الليلة، والتي انتهت مع الأسف دون غناءها.

وددت بصدق تشجيعه على تجربة أدائها أمام الناس حتى وإن لم تكن جاهزة ١٠٠٪، والسبب ببساطة أن الفنون هكذا، لا تتحمل أن تكون جاهزة ومتقنة دائمًا. فالإتقان التام عدو الإبداع. أمّا تِكرار ما قام به الاخرون فبالتأكيد أضمن، وأسهل، وأقل مخاطرة. ولا يحتاج لطاقة كبيرة من التضحية النفسية.

العازف، الذي لا يود أن يتحدى الوضع الراهن أو نفسه أو فنه. يمنعه أحد أمرين: الكسل بالطبع أو الخوف. وهما لا يتواجدان أثناء تأدية الأغاني الأيقونية المعروفة والمحبوبة مسبقًا.

يوجد في مدينة جدة على الأقل أكثر من ثلاثين عازف على آلة العود، معظمهم أصحاب أصوات لا بأس بها. لكن القليل، والقليل جدًا من توقف منهم ليقول للآخرين: «تفضلوا، هذا عمل حاولت أن أبدع فيه.. ربما فيه بعض الأخطاء، لكنه في النهاية عمل صادق. وإن لم ينجح، سأحاول مرة أخرى».

الفرق بين الكثيرين والقليل منهم: هو «الإبداع».

الإبداع والذي إن استمر، سيحق لصاحبه أن يقول لنفسه أنه «فنان».

العازف مختلف.

العازف «مؤدٍ للعمل» .. يعرف مسبقًا ماذا يجب أن يلحن أو يغني. لأنه الخيار الأسهل، والأكثر أمانًا أمام الآخرين. وهو مع الأسف لا يقوى أن يخرج من نظرة الاخرين بسهولة.

تمامًا مثل مؤدي العمل خلف المكتب، تمامًَا مثل الرسام الذي يرسم الأشياء التي لا يرغب أن يتحدى نفسه بعيدًا عنها ليخلق شيء من العدم. تمامًَا مثل الذي ينتظر طلبات رئيسه قبل أن يبدأ بالعمل!

جمعة «الشاليهات» واللقاءات الاجتماعية، هي المدير. مدير العازف.

ينتهي أمر العزف كإبرة مهدئ للمشاعر لكل المتفرجين.

أما الإبداع، فيستمر (ربما).

الإبداع لا يصاحبه الأمان، ولا يصاحبه الكسل. يصاحبه المحاولة المتواصلة.