مدخل: لسببٍ أجهله، استنزفت مني هذا المقالة الكثير من الجهد النفسي، وشعرت بالإرهاق قبل وأثناء وعند الانتهاء من كتاباتها، وهي حالة نادرة بالنسبة لي!


عندما سؤلت الروائية المعروفة إليزابيث جيلبيرت عن سلوكها في تقبل الانتقاد تجاه أعمالها، كانت إجابتها اللطيفة قد لامستني:

«أتجنب النقد الموجّه لي ليس لأنني لا أهتم بما يقوله الناس عني، أتجنب النقد لأنني فعلًا أهتم. أنا حساسة ومعرضة للشعور بالألم بسهولة. وأعلم أن الكلمات الانتقادية يمكن أن تؤذيني، وأنا لستُ في مجال إيذاء نفسي بشكلٍ مقصود».

شعرت مع هذه الكلمات للمرة الأولى توصيف بعض القراء الأفاضل بقولهم: «أننا نعبّر عن أنفسنا من خلال كلمات الكُتّاب».

وقبل أن أدخل إلى صُلب الموضوع، أود أن أخذ بعض الوقت لاستعراض اختلاف حالة الفنانين في حرصهم على أخذ التعليقات تجاه أعمالهم وأنفسهم.

هناك صِنف يحفز نفسه من خلال البحث عن التعليقات الإيجابية مع كل خطوة إنجاز يقوم بها في مشروعه الفني، وغالبًا ما يكون المُعطي للتعليقات هنا أحد المقرّبين الذين يغلب عليهم صفتين أو إحداها: المجاملة.. أو عدم فِهمه لفن الفنان. وغالبًا ما يكون هذا الفنان مبتدأ في عمله من الأساس.

صنف آخر يتميز (بالشطحان) في أعماله الفنية، وهو مستعد أصلًا قبل الشروع في العمل لتقبّل الانتقاد، بل يتغذا عليه. ولا يستاء كثيرًا من وجوده في حياته، بل يملك لياقة ذهنية عالية تجعل قابليته شديدة المرونة للدخول في صراعات بيزنطية. وهذا صنف نادر حسب اطلاعي.

ورغم أن هناك العديد من التصنيفات غير المذكورة، إلا أنني أود أن أتطرق إلى الصنف (ربما الأكثر شيوعًا) وأعتبر نفسي أحدهم. وهو صنف غير المتأكدين من عملهم وغير الواثقين من إنجازهم والمفتخرين كثيرًا مع كل نقطة مدح.

هذا الصنف الذي يقع عليه قول الإمام علي «ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح».

الفنون بشكل عام تحتاج لمثابرة وانضباط مستمرين، وقد تطرقت بإسهاب عن هذا المفهوم في كتابي الأول (ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون) ويعيب الفنون انخراط الحِس العاطفي مع العملي فيها بشكل كبير، فإن كان الفنان محبطًا فقد ينعكس بسهولة هذا الشعور على أعماله، والعكس صحيح.

أكبر تحدٍ يواجه الفنان من وجهة نظري هو محاولة إقناع نفسه بضرورة الالتزام بالعمل على القطعة الفنية التالية، مهما كانت نتائج ما سبق. يجب على الفنان أن يخبر نفسه طيلة الوقت أنه سيقوم اليوم لاستكمال عمله الفني الحالي.. ثم يقون بنفس الشيء اليوم التالي.. واليوم الذي يليه.

وإن كان عمله الفني السابق سيء، فيجب أن يقنع نفسه بأن القطعة الفنية التالية ستكون أفضل، وإن كانت رائعة وأعجبت المتلقيين لها.. فهذا أمر جيد، إذًا عليه أن يكرره.

هذا التحدِ الكبير الذي يواجه الفنان لا يدور أبدًا حول جودة العمل، إنما مرحلة تسبق موضوع الجودة؛ أسميها محاولة الإخلاص في العمل. أو كما تقول الكاتبة دوروثي باركر في حِرفتها «الكتابة.. هي فن وضع المؤخرة على الكرسي».

الإخلاص في العمل هو استحضار جدية الفن الذي يعمل فيه الفنان، وجدية المتلقي وصرف أكبر قدر من المجهود أثناء العمل، وليس كما يفعله الكثيرين.. في صرف المجهود الأكبر في التسويق للعمل عوضًا عن العمل نفسه.

أحاول في كتاباتي أن أخرج بأفضل ما يمكن الخروج به، ليس ادعاءً للكمال بقدر حِرصي على احترام القارئ الكريم، فليست مشكلته إن لم أستطع إيجاد مصمم محترف لأغلفة كُتبي، وليس من اللائق أن أكتب له عن العديد من الأمور المفاهيمية والعلمية دون ذِكر المصادر.

المعادلة الفنية ببساطة: هي الإخلاص في العمل، ومحاولة الاستمرار عليه دون توقف. أما النتائج فليست مسؤولية الفنان أبدًا.. أكرر.. ليست مسؤولية الفنان أبدًا.

عن الانتقاد:

كتبت القارئة والمدونة «ستاشيا كين» على مدونتها مقالة جميلة عن حالة تتبُّع الكُتاب للتعليقات ولخّصت النقطة الأهم بقولها: «أيها الكُتّاب، التعليقات عن الكُتب ليست لكم.. التعليقات عن الكُتب ليست لكم!».

وفي تدوينة عميقة كتبت «شاونتا جريمز» واصفةً ما ننشره في حياتنا بالدرس الذي يجب أن نتعلمه: «عند إصدار عملك سواءً كان كتاب، وثائقي، تغريدة، أو عرض تقديمي تنشره على لينكداين – لم يعد يصبح بعدها ما نشرته ملكًا لك. فقد أصبح ملكًا للمتلقي». هذا الدرس على بساطته وسطحيته، لم أكن مستوعبًا له سابقًا، ولم أراه بهذا الشكل.. ولكنني أجده حقيقة مطلقة مع الأسف. فإن كنت لا أستطيع أن أتقبّل فكرة أن منشوراتي أو أعمالي معرضة للتجريح من الجميع (وبالأخص أصحاب الشخصيات الوهمية على مختلف التواصل الاجتماعي) فإنني هنا أمام خيارين الأولى: عدم الظهور من الأساس، أو الثاني: عدم الحِرص على الاطلاع على الردود والتعليقات كما تفعل إليزيبيث جيلبيرت.

التعليقات السلبية لعامة الفنانين تصيبهم في مقتل.. فهي جارحة جدًا، حتى وإن كانت موضوعية.

شخصيًا كنت لا أنام الليل عندما يمر عليَ تعليق سلبي على Goodreads تجاه أحد كتبي، حتى توقفت تمامًا عن متابعة التعليقات هناك. (أو شبه تمامًا لأكون صادقًا). توقفت عن المتابعة لأنني اهتم.

وقد يقول قائل أنني أبالغ في ردة فعلي، ولكنني أرجح أن سبب التأثر الكبير عائد لحجم المجهود المبذول والتوقعات في الضفة الأخرى.

حزمة التعليقات الإيجابية تشعرني بالطمأنينة، تنكسر هذه الطمأنينة بتعليق واحد سلبي فقط، وفكرة هذا التعليق الوحيد هي التي جعلت أحد أشهر وأنجح كُتاب القرن العشرين «ايرنيست هيمينجواي» يكره النقاد، ويبالغ في الشكوى منهم في رسائله وفضفضاته لأصدقائه.

مهمة الفنان -أو الكاتب في حالتي- يجب أن تنصب على شيء واحد: وهو الاستمرارية في العمل، فالفنان بالكاد يدفع نفسه ليجعل فنه أحد الأولويات في حياته إلى جانب عائلته والأمور الأخرى التي تجلب له المال.. الفنان بالكاد يقنع نفسه أنه يسير على الطريق الصحيح في حياته.. بالكاد يحارب ليقنع من حوله أنه لا يضيع وقته.. وبالكاد يبحث عما يواسيه في خلوته مع فنونه. وفي وسط زحام كل هذه المشاعر السلبية، لا يجب أن يكون هناك مكان للانتقاد.. بكل صراحة.

لا أود أن أعطي ذلك الانطباع السلبي إن قلت إنني منذ زمن كبير ألغيت خانة التعليقات على مقالاتي التي كنت دومًا أحاول أن أجتهد في إنجازها، بدلاً من انتظار تعليقات سلبية أو إيجابية تعطيني أحاسيسًا مؤقتة لا تخدم الهدف الأكبر في الاستمرارية والعمل الدؤوب. وربما يحق لي اليوم الاعتراف بأنني عندما أقابل شخص يشرع في انتقاد أي كتاب كتبته فإنني أتهيأ لحالة إدخال الكلام من أذن وإخراجه من الأذن الأخرى مع هزة رأس مستمرة تقديرًا لصاحب الكلام (أستثني هنا الاختلافات الفكرية الدقيقة عن محتوى الكتاب التي تحتاج إلى شرح).

والانتقادات بعمومها إن كانت جدية بما يكفي، ستعرف كيف تصل إليك.. من خلال الإيميل، أو من خلال لقاء أو عن طريق صديق. أما التعليقات والانتقادات السطحية، فتظل وقتية لا يأبه صاحبها بإعطائها لك في الوقت الذي قد تؤثر فيك كفنان بشكل كبير.

أود أن ألخص هذه المقالة في جملة واحدة «احمِ نفسك من التعليقات (أو الانتقادات)» فهي بالفعل لن تضيف لك بقدر ضررها عليك.

وإن كان هناك طريقة واحدة.. واحدة فقط أشجعها في شأن الانتقاد. فهي كالتالي:

١. عند الانتهاء من إنجازك لأي عمل وقبل خروجه للعامة، قم باختيار عشر أشخاص تثق جدًا في رأيهم، اعطهم عملك واطلب منهم بكل رحابة صدر أن ينتقدوه.. وانصت لهم بعناية فائقة. فكل شيء قابل للتعديل قبل الخروج للعامة.

٢. عدّل ما يمكن لك تعديله من انتقادات.

٣. انشر العمل واقفل أُذنك للانتقاد.

[خطوة إضافية غير مهمة]: إن شككت.. أعد الخطوة الأولى.

وكان الله في عون الجميع.