هناك مقامين لأي فنان هذا العالم، المقام المهني: والذي يخرج به أمام الآخرين من خلال انتاجاته (ظهوره في فيلم، أغنية، مسرحية، مسلسل. ومن خلال أعماله: كتاباته، لوحاته، منحوتاته موسيقاه، إلخ.)

وهناك المقام الشخصي (أو الفنان بصفته الشخصية دون مؤثرات): كظهوره على قنوات التواصل الاجتماعي وتصويره ليومياته، لقاءاته مع جمهوره على أرض الواقع، انتشار صوره من خلال الصحفيين المتلصصين «الپاباراتزي»، إلخ.

يجلس المخرج وودي آلن، ٨٤ عام، على آلته الكاتبة في تمام الساعة الثامنة صباحًا ليكتب جزءً من نص فيلمه القادم حتى الثانية عشر ظهرًا. ويعلق على ذلك «٨٠٪ من الإنجاز يكمن في الظهور للقيام بالعمل». يكمل بعدها شؤون حياته. يستيقظ في اليوم التالي ليكمل ما كتبه في اليوم الأول، يكرر الفعلة في اليوم الذي بعده، واليوم الذي يليه.. ثم الذي يليه، ثم الذي يليه.

تستغرق منه كتابة نص الفيلم من ثلاثة إلى ستة أشهر، ينتهي من النص، يبدأ في اليوم التالي مباشرًة بالعمل على نص الفيلم التالي. وفي تلك الأثناء يقوم بالشروع باتصالاته لإخراج الفيلم الذي أتمم كتابته. على الأغلب سيكلم أحد المنتجين ويحاول إقناعه بقصة أو فكرة الفيلم ليموله، ثم سيتصل بالممثلة سكارليت جوهانسون، برادلي كوپر، بينيلوبي كروز، جينيفر لورنس، أوين ويلسون وغيرهم. سيشرح لكل ممثل منهم (إن كان متاحًا ومقتنعًا بالدور) مهامه وصفات شخصيته التي سيمثلها. وقد أتخيل أنه سيتواصل مع الفنيين كونه المخرج.. فنيي الإضاءة، فنيي الكاميرات، مهندسي الصوت، المنتج المنفذ، ملحنين أو ثلاثة، أخصائية ملابس.. مسؤولة الحجوزات، مساعدة مخرج أو اثنينتين، شبكتين إعلامية أو ثلاثة.. والقائمة لا تنتهي.

المخرج المخضرم مستمر على هذا الروتين منذ خمسين عامًَا. لديه طاولة صغيرة وآلة كاتبة اشتراها في الستينات، لا زال يكتب عليها حتى اليوم.. كانت الأداة لكل إنتاجاته، نصوص كوميديا، سيناريوهات، كُتب، وغيرها.

وودي آلن ليس كاتب سيناريو ومخرج (وأحيانًا ممثل) فحسب، إنما عازف جاز من الطراز الأول، وستاند أب كوميدي، ورجل كسول. حصل على واحد وستين ترشّح لجوائز عالمية لأفلامه، منها ثلاث وعشرون ترشح «أكاديمي أوورد» فاز بأربعة منها. كان بالقوة يحضر لمناسبات التتويج، لأن ظهوره فيها واستلامه للجائزة -كما يعتقد- ليس بتلك الأهمية أو الضرورة.

أتحدث هنا عن شخص صرف جهود كبيرة على كتابة وإخراج عشرات الأفلام السينمائية طوال خمسين سنة ماضية. يراجع مع فريق عمله مرة واثنان وثلاثة وعشر مرات فيلمه قبل أن يخرج للجمهور.

يركز كل جهوده على إنتاج العمل، ويهمل الأضواء ووقت استلام الجوائز.. يفعل بالضبط عكس ما نفعله تمامًا.

هذا مثال واحد. قد يساعدك على تخيُل كيف يخرج مغنيك المفضل بأغانيه للجمهور. قائمة طويلة من الالتزامات وفرق العمل، التي تصرف ساعات وساعات من وقتها لكي تحاول أن تبهرك أو تسليك أو تغير حياتك.

لا يستطيع الكاتب الذي يحترم نفسه وقارئه مثلًا بأن يخرج بكتاب متكامل في أيام قليلة. فالأمر يحتاج إلى صبر وانضباط لكي ينجز النص كخطوة أولى، وبعد النص تأتي عدة مراحل أخرى، كالتفاوض مع دور النشر وإقناعهم، وإيجاد أفضل مدقق لغوي ومصمم لغلاف الكتاب، وطبعًا عشرات المراجعات للتأكد من خلو النص من الأخطاء (ولا يخلو).

إن تابعت أحد أبطالك أو أحد فنانيك المفضلين على التواصل الاجتماعي (في مقامهم الشخصي)، فقد تتفاجئ بأنهم مجرد بشر عاديين يشاركون يومياتهم التي لن تضيف لأحد أي قيمة، بل قد تجدهم تافهين إلى حدٍ ما! ولا يجب عليك استنكار هذا الأمر، فهم أصبحوا فنانين بسبب المشقة التي صرفوها في أعمالهم وليس بسبب تواجدهم على انستجرام وتويتر وفيسبوك. أو كما يقول التسويقي المعروف سيث جودين متهكمًا «إن أشهر لوحة على الإنترنت هي للموناليزا.. الموناليزا ليس لديها حساب في انستجرام». وجود الفنانين الناجحين على قنوات التواصل بمثابة الـ «وسيلة» «لغاية». وجودهم قد يكون للتنفيس أو للتسلية المحضة، أو للهروب من جدية الأعمال التي صرفوا أوقاتًا كبيرة عليها.. وقد تكون حساباتهم موجودة هكذا فقط دون سبب يهمك.

إن قررت اليوم أن تحذف حساب كريستسانو رونالدو (الأكثر متابعة في العالم) من الانستجرام بمتابعيه المئتين وإحدى عشر مليون، سوف لن ينقص من إنجازاته شيء، ولن ينقص هدف واحد سجّله في تاريخ، وبالطبع ستبقى الكرات الذهبية وكأس أوروبا محفورًا عليها اسمه. وعلى الأغلب، لا يود المعجبين متابعة وجباته وسفرياته وحبيبته وهي مرتمية في حضنه، بقدر حرصهم على متابعة مبارياته وأهدافه التي تخطف الألباب. بل أنك قد لا تلاحظ أنه اختفى من التواصل الاجتماعي!

مثل هذه الحسابات الضخمة تصبح إلى حدٍ كبير ملك المسوقين، وليس المؤثر نفسه.

شاهدي أن قيمة الكاتب الحقيقية في كتابه. والمخرج في فيلمه. والطّباخ في أكلته. والمغني في أغنيته. والمعلّم في إخلاصه لطلابه. واللاعب داخل الملعب. قيمتهم الحقيقية في المجهود الذي يصرفونه خلف الكواليس وقبل الظهور، فإن كان الجهد في الظهور أكثر من قيمة المجهود قبله، فستكون النتيجة بائسة، محزنة وسطحية ومؤقتة.

ما يحاول المؤثرين فعله في مجتمعاتنا هي تحويل يومياتهم إلى فنون.

اليوميات لا تمر على فلاتر ومدققين وجهود مكثفة، ليس هناك أحد يطّلع على السخافات والأخطاء سوى المؤثر وحده. وسرعة الانتشار تنقلب أحيانًا مثل النار على الهشيم.. تأكل كل شيء تم بناءه.

اليوميات -حتى وإن أكسبت صاحبها الكثير من المتابعين- هي لن تعطي صاحبها ذلك الزخم الذي يستطيع من خلاله أن يغير حياة الآخرين، فإن اختفى المؤثر أو المشهور.. قد لا يتذكره أحد. تعطيه ذلك الوهم بأهميته، وهو مسكين. أما الفنون والأعمال الحقيقية فهي تبقى، وقيمتها تستمر بقدر ما صُرِف عليها من مجهود.

لا قيمة لستيفن كينج وعمرو دياب في نطنطاتهم المستمرة على التواصل الاجتماعي. قيمة الأول هناك، داخل غرفته وهو يكتب ويرسم لنا خيالاتنا.. وقيمة الثاني في الذكريات عندما يغنيها.. هناك داخل الاستوديو.

كان الله في عون الجميع.