السنة: 2016

  • العلاقة بين «الكلام» و«العمل» | دعوة لحضور أمسية

    العلاقة الوحيدة بين «الكلام» و«العمل» هي أن يقتل إحداهما الآخر

    – رايان هوليدي

    كل ساعة نمضيها على قنوات التواصل الاجتماعي، تأخذ ساعة من العمل الجاد.

    النتيجة ليست هي الحاسمة دائماً .. إنما استمرار العمل الجاد .. كل يوم، ولبقية العمر.

    العمل الجاد هو العمل الذي يخلق الفرق .. يغير الآخرين وربما يغيرنا قبلها.

    العمل الجاد هو التركيز على المهمة الموجودة بين أيدينا .. وربما هو قضاء المزيد من الوقت مع أبناءنا، وهو الابتعاد عن الصخب، وعن الكثير من الكلام.

    إرسال الإيميل ليس عمل، مكالمة التلفون ليست عمل .. التركيز هو العمل، والاستمرار في التركيز هو العمل.


    [سأتحدث عن مفهوم ثورة الفن هذا الأحد (١-١-٢٠١٧م) باستضافة «وقف فني»، وعن ما اكتشفته في هذا الفرق ..

    كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون ..

    سيدير الحوار خالد يسلم، وإن كان يهمك الأمر .. ستُباع نُسخ موقعة من كتاب «ثورة الفن» .. أسعدوني بقدومكم].

    2016-12-28-PHOTO-00000016.jpg

    moke up ثورة الفن.png

  • مقالة ضيف| عن الكريسماس وتصدير ثقافة العيد

    هذه مقالة ضيف في المدونة: عمر عاشور.


    رأي في ظاهرة احتفال البعض -و الذي لا شك أراه من حقهم- بالكريسماس:

    أظن أن أحد أهم أسباب احتفال بَعضُنَا بالكريسماس هو أن واقع أعيادنا يفتقر إلى وسمة تميزها و افتقادها الى هيئة جمالية، و ملامح بهجة و احتفال على الأقل من الناحية الحضرية*. إن هذا النقص في رأيي يترك فراغاً يميل الناس إلى ملئه بالاحتفال بعيد/مناسبة جذابة بهيجة گ(الكريسماس) من باب التعويض إن صح التعبير، فمن من لا تشتهي نفسه الفرحة و الاحتفال؟

    فمن المؤسف مثلاً لا يمكن مقارنة واقع أعيادنا بظاهرة الفرح و الاحتفال الذي يصحب الكريسماس و التجهيزات التي تتم له قبل مجيئه.

    *حضرية: بمعنى زينة المدينة و العمران.

    أعياد مباركة على الجميع

  • ما هو تبرير الذكريات السيئة؟

    أكتب هذه الكلمات تزامناً مع ذهاب إبنتي سيرين (٤ سنوات) مع مدرستها، في رحلة للعب في قسم ألعاب «مول العرب»، بعد أن استلمنا البارحة رسالة من مدرستها تتضمن إبلاغنا بجدول رحلة اليوم، مع إخطار بعدم وجود أي شروط أو رسوم إضافية لهذه الرحلة.

    شريط سريع من الذكريات المضحكة والمحزنة كان قد ظهر أمامي. فقد أعطيت والدتي (قبل عشرين سنة على ما أعتقد) ورقة تُفيد بأننا سنذهب غداً في رحلة مدرسية، لا أذكر تماماً إلى أين اتجهت، مع اختلاف بسيط عن رحلة سيرين، بأن الرحلة (على ما أذكر كانت تتطلب رسوم ٥٠ ريال) وهذا ما جعل والدتي بطبيعة الحال تعطيني مبلغ ٥٠ ريال في يوم الرحلة، إضافةً لحماسي الشديد الذي جعلني أستيقظ مبكراً يومها، لألبس وأتشيك، في محاولة لإبهار أقراني من الأطفال.

    شاهدي الأول … أن جدول الرحلة كان قد تضمن وجبة غداء، إضافة للفعاليات التي لا أذكرها تماماً، بل أذكر بالتفصيل ما حصل بعدها.

    انتهت الرحلة، وقرر «العيال» أن وجبة الغداء المقدمة لا تُعجبهم، لينتهي بنا الأمر بعد إلحاح شديد بتناول وجبة الغداء في أحد فروع مطاعم «ماكدونالدز».

    دخلنا المطعم … بصحبة الأستاذ المشرف على الرحلة، اندفع كُل الطُلاب مثل المجانين لطلب وجبات الغداء، وبقيت أنا وبحوزتي خمسة ريالات قيمة المصروف اليومي، وربما أقل! والتي لم تأتي بي إلا بربع وجبة، في الوقت الذي كان فيه كُل الطلاب يطلبون وجبات تفوق حاجتهم، متحررين من رقابة الأهل.

    تكرر السؤال علي من أصدقائي في ذلك اليوم: «ليش ما طلبت؟»، لأرد أنني شبعان .. أو لا أُحب ماكدونالدز! .. والعكس تماماً هو الصحيح.

    انتهت الرحلة وعدت إلى المنزل، وأنا أتضور جوعاً .. تغديت مع أهلي، ولسبب ما لم أشتكي من هذا الموقف، ولم أعبر عن استيائي عن ما حصل معي، دون معرفة والدتي بالأمر، والتي كانت ستعطيني بطبيعة الحال إن طلبت منها أو أبلغتها مقدماً بما جرى.

    شاهدي الثاني … أن نفس الموقف كان قد تكرر معي في وقت لاحق بظروف مختلفة قليلاً، ومشكلتي الكبرى أنني كُنت «طفل» لا أجيد التعبير، ومتعة مثل تلك الرحلات قد يُغطي على مواقفها السلبية. ولو علمت والدتي بما واجهته في الرحلتين، بالتأكيد كانت ستتجنبه بإعطائي بعض المال الإضافي، والذي لا ألومها حتى اليوم بعدم إعطائه لي، والسبب أن المدرسة وعدت في الرحلتين أنها ستتحمل تكاليف وجبات الغداء، التي كان يرفضها الطُلاب!

    قادني هذا الأمر اليوم إلى محاولة شبه هستيرية، بإلإصرار على أم سيرين إعطاءها مبلغاً من المال في حوزتها، مثيراً بذلك استغراب المدرسة، وتساؤلاً آخر «كيف ستشتري بنت بعمر ٤ سنوات أي شيء؟» .. بالنسبة لي لا يهم … فلا أود أن تلتصق أي ذكريات متخلفة في عقل البنت.

    تبرير الذكريات السيئة -في رأيي- ينحصر في أمر واحد معظم الحالات، وهو عدم قدرتنا أو تعودنا عن التعبير عن ما بداخلنا عندما نكون أطفال، ليستمر هذا الأمر حتى نكبُر، ليقودنا أخيراً نحو مجتمعات تتأثر مرضياً بسبب ذكريات بسيطة، كان لها أن تُحسم (فقط) بالقدرة على التعبير المستمر.

  • كيف هي الحياة عندما تصل إلى الثلاثين؟

    (١)

    أعيش هذه الأيام أول أيامي في سن الثلاثين، تحمل كلماتي التالية الكثير من التناقض وبعض من الوساوس والكثير من الإدعاء بأنني تعلمت.

    إنشغلت والدتي لأكثر من إثني عشر ساعة مع صراع «طلق الولادة» مصاحباً لسكر الحمل قبل أن أخرج لهذه الحياة بشكل درامي في الرياض في ٢٢ نوڤمبر ١٩٨٦، كُنت أشعر بحبها لوجودي في الحياة في كل مرة تبتسم وتقول لي «أنت أكثر من تعبني في ولادتي بينكم أنتم الستة». وربما كان العزاء الآخر لقدومي (متأخراً وبالغلط كما تقول أختي) أنني وُلدتُ أخاً لأخي الكبير إياد مع وجود أربعة أخوات (إيمان وإلهام وإيناس وأروى)، وبطبيعة الحال أسموني أحمد (على ما أعتقد) على إسم طبيب الولادة المرحوم. أو ربما كانت أحد الأحلام التي تحسم أمر الأسماء لدينا في المجتمع.

    كان أمراً مضحكاً قدومي كطفل سمين، مما جعل إحدى الممرضات تقول لوالدتي «مدام … إنتي تروحي البيت، خلاص هذا البيبي يمشي على طول». ومن حظي أنني في تلك الأيام أصبحتُ خالاً لوجدان إبنة أختي والحفيدة الأكبر لوالدَي وأنا لم أتجاوز الشهرين، والتي ولدت بعكس مواصفاتي الفيزيائية تماماً، مما استدعى عدم إظهاري بجانبها في المناسبات خوفاً من العين!

    كانت حياتنا طبيعية إلى حدٍ كبير في «سكن وزارة المالية» في الرياض حتى وصلت إلى سن الخامسة ليحسم تقاعد والدي المبكر أمر هذه الحياة بالهجرة إلى مدينة جدة حيث تربيت بقية حياتي، كنت أخرج كل يوم بعد الغداء دون الاكتراث أو استيعاب درجة الحرارة، كان السكن يمتلئ بأطفال من عُمري، وكنت كل يوم أقابل أحد إخوتي إيناس وأروى وهم في مكان ما في أطراف السكن مع فتيات أُخريات يلعبون … زيارة سريعة للسوبر ماركت … زيارة سريعة أخرى لبيت أحد الأصدقاء … القليل من اللعب، لتأتي «ميري» خادمتنا المنزلية لتناديني إلى العشاء والنوم أخيراً.

    كل تلك الوصلات اليومية لسبب ما انحرمت منها إبنتي سيرين عندما كُنت في نفس عمرها اليوم، آيباد … ثم المزيد من الآيباد … وربما القليل من الفعاليات خارج الجدران الأربعة.

    انتهت ثلاثة أو أربعة قصص حب بالزواج في ذلك السكن، فمثلما كان لدي مجتمعي الصغير ومغامراتي الخاصة، كان للمراهقين والفئة الأكبر قليلاً مجتمعاتهم الخاصة. ناهيك عن الأجواء المصاحبة لذلك المكان كالنادي الثقافي والعزائم الدورية وشلل البلوت، والتي جعلت من والدتي الحجازية التي تعيش في مدينة صامتة تعلق دائمةً «أيام جميلة … عدت مثل الحلم»، وأقول اليوم، لم نكن نعيش في بلدي التي أعرفها!

    (٢)

    انتقلنا إلى جدة وعشت طفولتي المتبقية ومراهقتي وجامعتي التي انتقمت بها من أهلي حسب ما كانوا يعتقدوا في البداية، عندما حولت من طالب منتطم إلى منتسب في الجامعة ثم إلى العمل والحياة بشكلها التقليدي (والتي أيضاً انتقمت فيها من أهلي حسب ما يقول البعض، بعد أن تركت وظيفتي في البنك الأهلي والتي كُنت أتقاضى فيها راتباً يحلم به كل من في عمري، يتجاوز بقليل الـ ٦،٥٠٠ ريال وأنا لم أتجاوز الواحدة والعشرين) حتى بدأت في عملي الخاص منذ ذلك السن.

    مررت على Full Stop للدعاية والإعلان، ثم Subway أصنع الساندويتشات ثم شركة أخرى والبنك الأهلي. كان لكل مرحلة عواقبها وأفخاخها ودروسها التي أزعم أنني تشربتها حتى وصلت اليوم لأكتب لكم مدعياً أنني أحد الكُتاب المهتمين في أمر الشباب والمستقبل … ومعنى الحياة.

    كل مشاكلي كانت تدور وقتها حول طريقتي الخاصة في الملابس وشكلي الذي يغلب عليه شكل المراهق الأحمق، لتتغير اليوم وتصبح مشاكلي كلها متعلقة بالاقتصاد والكسب والثقافة والمعرفة وأمور أخرى أقل أهمية. والعنصر الأهم كان فيها رفقتي التي كونت شخصيتي وتكويني الذي وصلت عليه اليوم، ولا أعلم اليوم شيئاً يؤثر في نشأة الشاب مثل أصدقائه والمقربين من حوله.

    أيام عديدة صُرفت في صُحبة البلوت والشيشة … وطبعاً السهر والكثير من “الفلة”التي غالباً ما كانت تؤثر على يوم عملي التالي بالتأخر وعدم التركيز وعلى حياتي كلها، ولا زلت حتى اليوم أبحث عن الكثير من التركيز والعمل. أهون كثيراً على نفسي أنني استبدلت تلك الليالي ببعض القراءة ورفقة بناتي، وطبعاً بعض الأصدقاء المختارين بعناية.

    تأكدت في تلك الفترة أنني أملك موهبة لا بأس بها بتكوين أصدقاء جدد، وازداد هذا الأمر إتقاناً مع وجود مصالح مشتركة وأعمال تتطلب مني أن أكون ذلك الإنسان الاجتماعي الذي اختار مهنة الكتابة ليصفع نفسه بالوحدة أمام لوحة المفاتيح كل يوم لساعات. لا أعلم ما سيحمله المستقبل في ظل هذا التناقض الذي صنعته في الضياع بين نشأة تعودت على الحماس والسهر واللعب، وبين أعمال جدية يحاول أن يرسم بها الإنسان مستقبله مع ساعات طويلة أمام لوحة المفاتيح، على كل حال أجد أن حكمة الله اختارتني لهذه المهمة، ولا بأس بالنسبة لي على أيٍ حال طالما أنك ما زلت تقرأ هذه الكلمات يا عزيزي.

    عموماً … تتغير طبيعتك الاجتماعية بعد أن تستوعب (عند الثلاثين على ما أعتقد) أنك لا تحتاج بالضرورة أن تُصاحب الجميع لكي تُثبت لنفسك اجتماعيتك، وإن كُنت من الأشخاص الذين يفضلون الانعزال، ستعود لتكتشف أنها على كل حال كانت نمط الحياة الأفضل لك منذ وقت طويل.

    (٣)

    يخاف الكثيرين من عمر الخمسين وآخرين من الستين والأغلب من الأربعين، وكنت أخاف من هذا اليوم عندما أصل إلى الثلاثين، ربما لأنني خسرت أهم بطاقة كنت ألعب بها أمام المجتمع والاخرين عندما أعرف نفسي بأني صاحب عمل خاص (وبعض النجاحات التي أتمنى أن لا تكون مزيفة) وأنا في بداية العشرين إلى أن انتقلت فجأة إلى الثلاثين. أو ربما لأنني استوعبت اليوم أن الحياة ليست متعلقة بي وحدي من الآن وحتى آخر يوم في حياتي! … أو ربما لأني أصبحت جدياً أُلاحظ أن الآخرين يعاملونني كرجل! بعد أن كُنت أُعد أحد أبنائهم أو إخوتهم الصغار، ولا مشكلة في الأمر الأخير سوى أنني افتقدت ذلك الإحساس بوجود من هو أكبر مني، لأصبح -أيضاً فجأة – الأخ الكبير لآخرين!

    تستوعب أمر السن عندما تقول لك إحدى البنات أنها من مواليد ١٩٩٦، لتُصدم فجأة وتربط هذا التاريخ بادعائها أنها تبلغ العشرين! الكثير من الذكريات التي عشتها لا يستوعبها تماماً من لحقوك قليلاً في «موديل» الولادة، وعندما تشارك أهلك بالدفع عند أي خروج أو مشاريع ترفيهية تستوعب أنك بالفعل لم تصبح ذلك الإبن أو الأخ الصغير أو أي شيء آخر غير الرجل المسؤول.

    أصبحت اليوم لا أحب أن أتحدث كثيراً عن عمري، ولم أُحب في يوم من الأيام الاحتفال بعيد ميلادي التي تذكرني بانتهاء سنة من عمري في هذه الحياة. ورغم ذلك أجد أنني سعيد رغم المخاوف التي عشتها، تماماً كغيري من الكثيرين الذين ينسجمون بطبيعة الحال مع أياً من المراحل العمرية التي يصلون لها، وربما سأعطي نفسي ذلك الحق بأن أدعي أن قلقي من الثلاثين كان مجرد وهم، فالحياة أصبحت أجمل، والقدرة على التعايش أصبحت أفضل.

    استوعبت اليوم أن الأيام (يوم بيوم) … المتبقية ستشكل حياتنا كيفما نحب أن نصرفها فيها، أو كما قالت آن ديلاري “أيامك التي تصرف وقتك فيها، ستكون حياتك التي عشتها”.

    (٤)

    سأعترف لك بأن الزواج ربما يجعل منك إنساناً أكثر انتاجية حتى وإن لم تكن بغاية الاستقرار بطبيعة الحال، وتجعل لك الحياة الأسرية أكثر حباً للطموح، وسيزيد منك الأبناء حباً للمزيد من الحياة. ولكن الأهم من ذلك … أن تعرف ابتداءاً من هذا العمر كيف تقضي يومك، وكيف ستقضي يومك حتى تصل إلى الستين، وربما أنصحك بتأخير الزواج قليلاً إلى الثلاثين حتى تستوعب عيوبك وتناقضاتك وسخافاتك لتجنبها أهلك وكل من حولك، ومهما حاولت … لن تستطيع تغيير نشأتك وخياراتك التي عشتها، وبالنسبة للثلاثين أجدها كأفضل مرحلة عمرية تستطيع فيها (ربما) أن تعيش الحياة التي اخترتها لنفسك، متجنباً كل عيوب الماضي، فلا زلت بلغة الأرقام صغير السن، وبلغة الخبرة تملك البعض منها.

    تعلمت أن الحياة لن تسير كما يجب إن لم يكن هناك من تستشيره في أمور عملك وحياتك، وكلما أوليت هذا الاهتمام للفضفضة والمعرفة، ستختصر على نفسك الطريق إلى الحياة التي فعلاً  تريد أن تنجح فيها لأنك اخترتها لنفسك. فلا تملك في النهاية إلا بعض الخيارات في مستقبلك، ومن الأفضل لك أن تكون خيارات جيدة.

    كثرة السفر أثرت في تكويني مع هذا العمر، فقد أكرمني الإله بوالد يحب السفر -حتى رغم مروره في بعض السنوات في الماضي بتحديات مالية ليقوم بحسمها ببيع أصول أو مقتنيات مقتنعاً أن الحياة يجب أن يستمتع بها الإنسان رغم سوء الظروف-. يذكرك السفر دوماً أن الحياة أكبر مما تتخيل، وأفضل مما تعتقد، ويذكرك أحياناً أنك لا تعيش حياة طبيعية. كل سفرة مهما كانت قصيرة في حياتك ستضيف في عقلك الباطن الكثير من الأمور التي قد لا تستوعب أنها أصبحت تشكل جزءاً من شخصيتك، مع الكثير من الذكريات والكثير من الإجبار على الخروج من منطقة الراحة التي قد تحولك لـ”تنبل”يمشي على الأرض إن اعتدت عليها.

    الحياة في الثلاثين تملأها روح الشباب والرجولة، والكثير من المراهقة أيضاً، فقد تستوعب مثلي أن الحياة مهما كانت جدية، فإنها جدية من أجل الحصول على المزيد من اللعب، ومهما كانت خانقة، فهي خانفة لكي تتنفس بشكل أفضل فيما بعد، بل ستستوعب أن كل السنوات التي مضت كانت مرحلة تسخين لما هو أكثر إثارة. تعلمت أن الجدية المطلقة تجلب نتائج جدية بالفعل، مصاحبة ببعض الملل، ولا يزال التوازن في كل أمر هو الأمثل كما أعتقد، فلسنا آلات، ولسنا ألعاب ڤيديو مهمتها في الحياة التسلية.

    الحياة عندما تصل إلى الثلاثين … ستعطيك بعض الطمأنينة بأنه بالفعل لكل مشكلة حل، ومن حسن الحظ أن هذا الشعور سيستمر معك حتى الثمانين كما قال المرحوم عابد خزندار. يمكن لأي شخص أن يخبرك ما تريد سماعه في هذا العمر، ويمكن لك أن تصل إلى ما تحتاج إلى سماعه بالإنصات لقلبك، وأن تتقبل أن الحقيقة ليست مطلقة كما تظن في بعض أمورها، أعتقد أن الحقيقة ستظل تختفي طالما أنك مازلت على قد الحياة تستشعر أهمية البحث عنها، وربما ستصل إلى جزء منها لكن ستظل تختفي حتى تقنع نفسك أن ما تختاره هو حقيقتك فقط. الحياة حتى تصل إلى الثلاثين مميزة … وما سيتبعها أكثر تميزاً كما أعتقد.

  • أنا لا أحترم رأيك

    يقول قائل: “كل من يجعل زوجته/إبنته تعمل في مستشفى فهو ديوث”، كيف لي أن أحترم هذا الرأي؟

    الرأي لا يُحترم بالضرورة كما يقول لي صديقي عمر، وإنما الحق في التعبير هو الذي يُحترم.

    الحُرية “أم القيم” فليس هناك قيمة مُحققة أو فضيلة يمكن لها أن تكون، دون وجود الحرية كما قال الكاتب أنس زاهد.

    حق التعبير شيء، والتعبير شيء آخر.

    النسبية ليست في الحق و لا في الحرية، فالحق حق مطلق هو الله والحرية حق مطلق لكل البشر

    – هشام علي حافظ

  • إذاً لا تعجبك الوظيفة؟ ولكن يعجبك الراتب!

    «إذا لا تعجبك الوظيفة؟ … ولا يعجبك تأدية العمل … لكن يُعجبك الراتب!؟»

    كان هذا تعليق صديقي عبدالرحمن الذي يعمل في أحد المطاعم في جدة بكل شغف وحب، على حالة أغلب من حوله من أصدقاء وأقارب … لأنه أصبح يجدهم كما يقول يؤدون مهمة ثقيلة، ولا يعملون بحب في عمل اختاروه.

    يقضي عبدالرحمن أكثر من ١٠ ساعات يومياً في عمله دون أن يشعر بالوقت كما يُعلق، ويُضيف: «قد لا يكون الراتب هو الراتب الذي يطمح له أي شاب سعودي طموح، لكن جمال العمل وتحدياته وتحمل المسؤولية وحل المشاكل التي تظهر كُل يوم دون أن تخطر على البال … هي القيمة الحقيقية التي استمتع بوجودها».

    ميزة العمل في المطاعم -وخصوصاً إن كُنت أحد المسؤولين عن إدارة الصالة- أنك تتحول كل ساعة إلى صاحب مهمة جديدة، فمرة تكون فيها في خدمة العملاء، ومرة أخصائي اجتماعي يُعالج مشاكل الزملاء، ومرة سبّاك يحاول إصلاح ماسورة الماء المكسورة … وفي حالات، عضو مجلس إدارة يُناقش مستقبل المطعم مع المُلاك!.

    «لدي إثنين من الزملاء السعوديين لنُشكل نحن الثلاثة السعوديين الوحيدين الذين نعمل في مواجهة الجمهور لدى المطعم، أجمل مافي زملائي أنهم بالعفل «شغيلين» ويتحملون المسؤولية، وليس الحال كما كُنت أعتقد أو أسمع عنّا نحن السعوديين، خصوصاً في السنوات الخمسة الأخيرة التي عشت فيها في الولايات المتحدة، حقيقاً لقد تغير الحال».

    يلاحظ المقربون من عبدالرحمن بعض التغيرات اللطيفة التي حدثت في شخصيته، أصبح أكثر صلابة من قبل، ولا يشغله اليوم سوى المستقبل -وربما إبنة الحلال-، استخرج سيارة جيدة في أسرع وقت، ويحرص على اختيار ملابسه والاعتناء بنفسه بأفضل وسيلة (سريعة ومختصرة) لأنه منشغل تماماً في فنه، ولا يريد للأمور«المادية» أن تشغل المزيد من حيز الوقت.

    أخبرته حقيقاً أنه بالفعل يعمل كفنان في وظيفته، ليخبرني بكل ود أنه تلقى مؤخراً عرض الترقية (المتوقع) من مُلاك المطعم، والمثير للدهشة بالنسبة لي أن همه الأول ليس العمل أو الراتب أو حتى الخبرة بالضرورة، إنما شيء آخر … «لا يسعدني أي إحساس مثل دخول زبون لأول مرة في المطعم، ليشكرني بحرارة عند خروجه، ولأراه بعد يومين يأتي برفقة زبون جديد … إحساس لا يوصف».

    خجلت من إعطاء أي اقتراحات له فيما يخص مستقبله لتأكدي شبه التام أنه يسير على الطريق الصحيح … ولكن قررت أن أعطيه على استحياء نصيحة واحدة وكانت … «حاول أن تصرف وقتك في المزيد من العمل غير المطلوب منك في المطعم، أو بلغة أخرى طبق معادلة ٦٠٪ عمل غير مطلوب منك، و ٤٠٪ عمل يومي مطلوب منك»، ورد علي: «صدقني أعمل أكثر من ٧٠٪ أعمالاً ليست مكتوبة في وصف وظيفتي».

    وهنا سلمت عليه … وتمنيت له ليلة سعيدة بعد إقفال المطعم آخر ليلة الخميس الماضي.


    [عبدالرحمن الكالي، يعمل مساعداً لمدير أحد فروع سلسلة مطاعم Wagamama العالمية، فرع جدة: مجرى السيل. تكرموا علي بزيارته، وربما سيكون من اللطيف إخباره أنكم سمعتم عنه مني].

  • مشكلة الأمور المهمة في حياتنا!

    مشكلة الأمور الأهم في حياتنا، أنها لا تظهر طيلة الوقت. أو بلغة أخرى، تفاصيل الأمور الأهم هي التي لا تُذكر كثيراً.

    القناعات … الأحلام … الأهداف الحقيقة و «الأنا» وما نُريد أن نكون عليه في الواقع يختبئ دوماً داخل يومنا بين زحام العمل والحياة، حتى يختفي.

    في حالات … نخبئها من أجل أن لا نُحاكم أمام الآخرين، وربما بسبب الكسل، أو عدم وجود الشجاعة الكافية!

    ما هو الأمر الأهم في حياتك والذي تريد أن تُصرح به؟ أو تعمل فيه … أو أن تعيشه؟

  • لماذا يجب أن تبحث لنفسك عن مستشار؟

    المستشار أو الـ Coach أو الـ Mentor مع اختلاف مهام ومسميات كل واحد فيهم، والتي سأختزلها مؤقتاً تحت لقب المستشار، أدعوك بدعوة العديد منهم ليتواجدوا في حياتك.

    مستشار أسري … أو مستشار مالي … أو مستشار في العمل أو كلهم مجتمعين، لهم أهمية قُصوى لن تستوعبها إلا بعد تواجدهم والرجوع إليهم في مرات ومواقف عديدة.

    تعريف المستشار: هو شخص نجح في أمرٍ ما خلال وقتٍ ما، وصل لنتيجة تُريد الوصول إليها أنت في حياتك.

    وظيفته: أن تستعين به ليوصلك للنتيجة التي وصل إليها.

    فبحثك وإقرارك أن “فلان”هو مستشارك في الشؤون الأسرية مثلاً، سيعني بالضرورة أنه إنسان ناجح في هذا الشأن (وقد يكون فاشلاً في الأمور الأخرى)، ويُسقط هذا الأمر في كل جانب من جوانب حياتك مع المستشارين الآخرين.

    لماذا يهمني وجوده (أو وجودهم) في حياتي؟

    أولاً: لأن قيمة وجود شخص يفكر في إحدى مشاكلي ويبحث لها عن حل، لا تقدر بثمن.

    ثانياً: أن المستشار بطبعه لا يهتم بمخاوفك أو طمعك أو أي أحاسيس أخرى تجاه قراراتك. مهمته إعطائك النصيحة مجردة من أي تأثير، ولأنك حريص على طلب النُصح منه سيعطيك إياها بصدق.

    وهنا كما آعتدت أن أتفلسف على جميع معارفي … أضيف لك أن النصيحة إن أتتك إرفضها. واطلب نصائحك دوماً من مستشاريك (أو مِن مَن تعدهم في مقامهم).

    النصيحة تُطلب، ولا تُستقبل!

  • هل فعلاً يعاني ٩٠٪ من السعوديين مشاكل نفسية؟

    ولدت فكرة هذا التساؤل بعد أن قامت والدتي بسؤالي قبل أيام «هل سمعت مؤخراً عن الرجل الذي طعن والديه حتى الموت؟ .. رأيت تقريراً عنه في MBC» وعندما أجبت بالنفي، أكملت: «يقولون في التقرير أن أكثر من ٣٠٪ من السعوديين يعانون من أمراض نفسية بمستويات مختلفة … وهذا القاتل أحدهم!»، وبنوع من التهكم قررت أن أقفل التعليق بردي أنه ربما يوجد أكثر من ٥٠٪ من أفراد المجتمع لديه «مشاكل نفسية» دون أي محاولة للفلسفة أو القيام بتحليل منطقي أو علمي على إجابتي أو سؤالها.

    ليس المكان هنا لأستعرض مشاكل الشارع التقليدية مع الآخرين والتي يعرفها القارئ الكريم سلفاً، وربما يواجهها بشكل يومي في حياته مع مختلف أطياف المجتمع. بل أود أن أحاول البحث عن إجابة لهذا التساؤل من زاوية مختلفة وواقعية إلى حدٍ ما، ربما تصور مكان الخلل لتعطي مساحة للتفكير على كل التصرفات التي تجعل البعض مقتنعين أن البقية يعانون فعلاً مشاكل نفسية، فأنا وأهلي وأحبائي وأصدقائي نمثل جزء من هذا المجتمع، الذي يشكل بدوره مجموعات كبيرة من الدوائر المغلقة مثل دائرتي، وبطبيعة الحال لن يسرني أن يتهمني أي شخص أنني ببساطة أعاني من مشكلة نفسية … أو بأنني مريض -لا قدر الله- مع العلم أنني أقدر وأحترم وأحب فكرة اللجوء لمستشاريين نفسيين وأسريين من أجل البحث عن بعض الحلول المبهمة في حياتنا.

    على كل حال، سأنتقل إلى صلب الموضوع بقصة خيالية لم تحدث بجميع تفاصيلها كما سأحكيها…

    يدخل أحمد على بعض الأصدقاء في المقهى (عددهم ٥)، يُسلم عليهم ويرتجل بالحديث حول بعض مستجدات حياته.

    يبدأ مع الموقف الأول الذي واجهه أثناء إجازته في اسطنبول.

    – أحمد: يا شباب حصل شيء غريب في رحلتي الذهاب والعودة، كان يوجد هناك نساء متغطيين بالكامل (عبائة + نقاب) مع أزواجهم وعائلاتهم أثناء الرحلة، كُنت أذكر أن «المتغطيين» كانوا حوالي عشرة نساء، لكن عندما وصلنا لاحظت أنهم تحولوا إلى إثنتين فقط! .. وانقسم معظم النساء البقية إلى نساء غير محجبات مع ملابس عادية مثل الأجانب، وبالطبع هناك بعض النساء الأخريات الذين التزموا بحجابهم العادي قبل وأثناء وعند وصول الرحلة. شيء غريب … لا أفهم هذا التناقض! … لماذا يغطون بالكامل عن رجالنا، وعندما يصلون هناك يكشفون تماماً أمام رجال الأجانب؟ … وبالنسبة للأجانب، هل من المنطقي أن يذهب هؤلاء المنقبين إلى خارج المملكة حاملين معهم عاداتهم ولباسهم الملفت؟ … أرى أن الشعب يعاني من عقدة التناقض، وبعض المشاكل النفسية الأخرى!… على كل حال لا يوجد مثل أهلي، فهم يلبسون نفس لباس الحجاب أثناء الرحلة وعند الوصول … وأحمد الله أنهم لا يعانون نفس هذه المشاكل النفسية /الاجتماعية التي لدى بقية المجتمع!. (ليقتنع أحمد أنه وأهله هم الأصلح في هذا المجتمع)

    يرتبك الصديق رقم «٥» و«٢» من هذه القصة، ليقوم رقم ٥ بالرد … «يا أخي شعبنا مريض، ولا يصدق أن يرى إمرأة «كاشفة» حتى يقوم بأذيتها أو تجاوز الحدود تجاهها، وربما بالنسبة لبعض النساء … أجدهم يتخذون السفر كفرصة ليعيشوا حياتهم كما يريدون بعيداً عن ضغوط وقوالب المجتمع الذي فرض عليهم مسألة الكشف والغطى، وأجد أن هذا الأمر عبارة عن حرية شخصية لدى كل الفئات من النساء وعوائلهم التي ذكرتهم». وينهي بذلك التعليق.

    رقم ٥ و٢ من الأصدقاء كانوا في الحقيقة أزواجاً للفئة الأولى المذكورة (لكن في رحلات أخرى إلى أوروبا) ولا يمانعون أن تكشف زوجاتهم شعرهم طالما أنهم خارج البلد، وقد ساهم هذا الأمر بارتباكهم قليلاً لشعورهم بالهجوم أثناء دخول أحمد، ولحرجهم بعلم الصديقين رقم «٤» و«٣» لهذه المعلومة المتعلقة بالكشف والغطاء عن زوجاتهم دون فهم وجهة نظرهم في الموضوع. على كل حال يذهب الصديقين ٥ و٢ إلى البيت بعد الإنتهاء من جلسة المقهى ليخبروا زوجاتهم أن أحمد لديه مشكلة نفسية (ويبالغ رقم ٢ باتهام أحمد أنه شخص ديوث لما يفعله بترك زوجته وإخوته بكشف وجووهم أو شعورهم في بعض الحالات) وأن أحمد يراقب ما يقوم به الآخرون أثناء سفرهم دون تركه ما لا يعنيه في إجازته.

    نعود بسيناريو آخر لبداية القصة عندما دخل أحمد على أصدقائه، ونبدل الأحداث إلى موقف آخر وهو سرده لحكاية ابتعاث إبنة أخته لوحدها وهي إبنة الـ٢٣ عاماً إلى الولايات المتحدة بمفردها بغرض دراسة الماجستير، ليقوم الصديق رقم «٣» بالتعليق: «ليس لدينا بنات يسافرون لوحدهم … كيف تتركون يا أخي إبنة صغيرة تسافر لوحدها دون محرم؟ .. فهذا غير مقبول شرعاً … إضافةً إلى وجود عدة احتمالات غير سارة قد تحدث للبنت أثناء رحلتها، مثل تعرضها للتحرش أو استسلامها للملهيات هناك دون رقيب!» ليرد أحمد أنه متأكد من حُسن تربية أخته لإبنتها. بل بالعكس .. يرى أنها فرصة حقيقية لجعل البنت تعتمد بشكل أكبر على نفسها في حياتها ودراستها. ينتهي تعليق الصديق رقم ٣ … بـ «الله يوفقها ويحميلكم هيا»، وليعود الأخير إلى بيته بعد انتهاء الجلسة ويحكي لأهله جنون صديقه أحمد الذي لم يمانع تصرف أخته بترك إبنتها تُبتعث بمفردها … ويخبرهم أنه شخص «جُن في عقله» ولا يمكن له أن يرسل إبنته ريم وهي بنفس العمر إلى أي مكان دون محرم.

    شاهدي من القصتين الخيالية … أن أحمد يرى اعتراضات الأصدقاء عبارة عن مشاكل وتراكمات نفسية دينية غير مبررة قد تكونت مع السنين حتى وصلنا إلى عام ٢٠١٦، ويرون في المقابل ببساطة أن أحمد ليس إنساناً واقعياً في قصصه وليس واقعياً باستيعابه لمشاكل المجتمع، بل أنه في بعض الأمور لا يعطي أي اعتبارات للدين وللروابط الاجتماعية. سيعلق أحد المراقبين للقصص أن هذه التصرفات ما هي إلا إحدى العديد من التصرفات الأخرى التي ينقسم اتجاهها أبناء المجتمع بين موافق ومعارض أو «موافق بشدة ومعارض بشدة» مع حمل كل واحدٍ فيهم لتبريراته الخاصة.

    يمكن إسقاط سيناريو ثالث يدور حول رغبة أحمد بدعوة أصدقائه مع زوجاتهم إلى مطعم جديد على العشاء، مع عدم تقبلهم (أو بعضهم) للفكرة.

    ويمكن إسقاط سيناريو رابع حول تعامل السعوديين القاسي مع الخادمات في المنزل، ليعترض الصديق رقم «١» بأن هذه الجنسيات لا يفلح معها شيء سوى التعامل القاسي، مستشهداً بالعديد من القصص القديمة حول ذبح الخادمات لأبناء مكفوليهم، وأنهم يعانون من مشاكل نفسية منذ قدومهم من بلدانهم، لا يمكن السيطرة عليها إلا بالقوة.

    أترك للقارى الكريم بعض المساحة من الإبداع ليقوم بحبكاته الدرامية حول أي قصة أو موقف أو قناعة دينية أو اجتماعية قد يطرحها أحمد على طاولة المقهى، ولرد الآخرين المتوقع حسب قناعاتهم أو في بعض الحالات غير المعلن والمكتفي بصمت الأصدقاء.

    سفر البنت بمفردها … تعامل الخادمات … الكشف والغطاء .. مصادقة الكُفار … قيادة المرأة … رفض المبتعثة السعودية محادثة زميلها السعودي … وغيرها المئات من القضاية والاختلافات التقليدية التي تحتمل الكثير من الإبداع عندما نحاول أن نتخيلها في سيناريو مثل السيناريوهات المذكورة مع ردود أفعالها التي غالباً ما يصاحبها الكثير من الهجمات والمحركات الإيمانية أو مجرد قناعات.

    وشاهدي من هذا الكلام هو … دعنا نتخيل صديقي العزيز أن الأشخاص الذين في المقهى هم من جنسية أخرى -لنقل أنهم من الإخوة اللبنانين مثلاً – هل تعتقد أن مثل هذه الأطروحات والردود ستكون نفسها؟ بل هل ستكون هناك مشاكل أصلاً في تفاصيلها… وهل سيدعي أحدهم أننا شعب ذو صبغة اجتماعية ودينية خاصة؟ … الله أعلم. لا أبالغ إن قلت أن الكل سينظر للآخر (في السيناريوهات المذكورة) أنه شخص يعاني من مشكلة نفسية (أو دينية أو اجتماعية) في حال تبنيه لأي قناعة لم يعتد عليها المجتمع. لتتكرر مثل دائرة أحمد وأصدقائه في جميع مناطق المملكة بمستويات مختلفة ويبقى شغف المراقبة والحكم على الآخرين هو المحرك الأول لدى جميع الأطياف تقريباً. وبمجرد اقتناعنا بهذا الأمر ربما سنبتعد عن ترديد الكلمة البديهية «يا أخي لا تعمم!» لنصل إلى صلب الموضوع حقاً … عبر التركيز أولاً بعدم المراقبة والحكم.

    يتعدى مفهوم المراقبة والحكم على الآخرين إلى سهولة اتخاذ أي فرد يعيش معنا بأحقية التدخل وإبداء النصيحة تحت مفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» حتى وأن لم يكن للموضوع صلة بالدين ويكون تحت قناعة أن «النصيحة واجبة من منطلق المحبة والمعزة» متناسياً أن الآخرين كِبار وواعيين وربما يفوقونه بالعلم والمعرفة، بل ويظل المتابعين الاخرين داخل اقتناعهم أن لا يوجد مشكلة حقيقة من النصح أصلاً أو التدخل طالما فيه نية صلاح.

    ويلفتني شخصياً أن أحد أهم الأمور وهو إعجابنا بالمجتمعات الغربية عندما نعلق عليهم بـ «أنهم  لا يتدخلون في شؤون الغير»، مع أن هذا الإعجاب سهلاً في ذكره، وصعب جداً في تطبيقه حتى على أقصى الأشخاص وعياً وإعجاباً به، لأننا ببساطة نحارب شيئاً أصبح غريزياً فينا وهو «النشأة» … فقد نشأ المجتمع على المراقبة والحكم على الاخرين، بمختلف ثقافاته، ومهما حاولت دفع هذا الأمر، ستكتشف أن محاولاتك بآت بالفشل، لينتهي الأمر بحكم أخيرعلى الآخرين لا تستطيع أن تغيره داخلك  … مع اقتناعك في بعض الحالات أن لديهم مشاكل نفسية، ويرون هم بدورهم أن لديك أنت أصلاً مشكلة نفسية في أمر ما …

    وسيكون صمت أحمد عن أي قصص أو مواقف هو الأصلح، ليتفرغ بانتقاد الشركات والمنشآت الحكومية وفرق الكورة عوضاً عنها كمحل للنقاش.

    ويصبح المجتمع بنسبة ٩٠٪ يرى بعضه البعض أصحاب مشاكل نفسية إن قرر أحمد استكمال النقاشات المثيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  • الإسقاط اللغوي

    في ظل حب الكثيرين من الكُتاب العرب -خصوصاً الشباب منهم- اتخاذ السجع والوعظ كأسلوب للكتابة، يملك آخرين إبداعاً مُنقطع النظير في استخدام الإسقاطات اللغوية على الأحداث، يغلب على معظمها السخرية والتنكيت … إلا أنها شديدة العمق في إيصال الفكرة.

    أذكر إحدى أجمل الإسقاطات عندما تزامنت خسارة منتخب مصر للكورة في أحد التصفيات، مع دخول رئيسها الأسبق «محمد مرسي للسجن» بعد الثورة الأخيرة التي أطاحت به لصالح الرئيس السيسي، عندما قال أحد المغردين معلقاً على خسارة منتخب مصر للكورة (وفي نفس الوقت دخول مُرسي للسجن قبل تعيين السيسي):

    «طالما المُنتخب مسجون … عمره الفريق مش راح يكسب!»

    وفي مهاجمة ساخرة لأحد الحسابات في قنوات التواصل الإجتماعي على سلوك المستهلكين، قال أحدهم:

    «لكي تعلم أننا مجتمع لا يندم على أخطائه .. تأمل ازدحام كنتاكي!»

    ليكون المعنى في بطن الكلام كما يقولون أهل اللُغة.

    لا يصل المغرد أو الكاتب في نظري لمثل هذه الإسقاطات إلا عندما يقرأ الكثير من الكتابات العميقة، ويدرب نفسه على استشعار الأحداث .. والأهم تيقنه بوعي القارئ دوماً.

    وحتى تمتلئ كتاباتنا بإسقاطات ملفتة … ربما ننسجم مع السجع والوعظ لفترة مطولة قادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى