السنة: 2018

  • قول الحمد لله

    تدربت مؤخرًا على جملة إيجابية (أصبحت لاحقًا ذات إسقاط تهكمي) وأستخدمها -لا شعوريًا- مع كل المقرّبين من حولي طيلة الوقت وعند أي ظرف، حتى امتعضوا وأبلغوني صراحًة أنها أصبحت مزعجة.

    الجملة باختصار هي «قول الحمدلله، في ناس لا يملكون كذا أو كذا..» ولكي أوضح استخدامها، عندما يسألني صديق «لماذا لم تأتي إليَ بالماء الذي طلبته منك؟»، لأرد مباشرًة: «قول الحمدلله أنني نسيت فقط، فهناك أُناس لا يملكون مصدرًا للماء أصلًا» أو عندما يسألني «ألا تعتقد أن ديكور المحل سيء؟» لأرد: «قول الحمدلله، فهناك أناس لا يوجد عندهم ديكور، وآخرين لا يملكون سقفًا فوق رؤوسهم».. وهكذا.

    مثل إسقاط وترديد هذه الجملة الكريمة (والتي يفترض بها أن تكون مُطلقة الإيجابية)، وسماعها باستمرار منذ سنٍ صغير من الأهالي أو الكِبار عمومًا قد يقود متلقيها إلى الشعور أولاً بالذنب لأنه لم يحمد الله المستحق للحمد كما يجب، أو الأمر الثاني وهو الأخطر.. بعدم استشعار مفهوم الامتنان والحمد والشكر بعد فترة من تكرار الاستماع لها، لتتحول كلمة «قول الحمدلله» لإيقاع سلبي كثير التردد، دون طعم.

    العجيب في الأمر، أنني في كل مرة كُنت استخدمها للرد على أي شيء لأحدٍ من حولي، أُفاجئ بأن الشخص الآخر لا يملك أي تعليق أو ردًا مباشر، ليكتفي بالصمت، وكأن موقفًا سلبيًا قديم قد عاد إلى ذاكرته فجأة، وليُصبح فجأة تذكيري لمن حولي بأُناس آخرين في مكانٍ ما في هذا العالم أقل منهم؛ وسيلة للإسكات عوضًا عن محاولة التبرير أو الإقناع.

    شاهدي، أن الامتنان والحمد نِعم حقيقية إن تواجدت ضمن سلوك الإنسان اليومي، وإن تدرب عليها ودرب عليها من حوله بشكلٍ فعّال، فقد يستشعر أن الحمد لله مُستحق ووسيلة حقيقية للصبر على تعاسة الأمور في الحياة، لأن هناك أشخاص فعلًا أقلّ منّا أو يصاحبون مشاكل أصعب من مشاكلنا.

    حرصنا على إشعار الآخرين بالذنب مضيعة للوقت، وذا تأثير مؤقت، حتى وإن اقترنت بتذكيرٍ مستمر إيجابي كدعوتهم لشكر الله. لأن الله مستحقٌ للشكر والحمد دائمًا وأبدًا بشكلٍ بديهي. بل أن لدي صديق عزيز، حاول في المرة الأخيرة إقناع إبنه، ٦ سنوات، بأن يكمل وجبته لأن هناك أُشخاص جائعين يتمنون هذه الوجبة، ليرد عليه الصغير «بابا!.. محاولة قديمة، حاول أن تقنعني بشيء جديد».

    الجملة بالتأكيد ليست مزعجة، لكن التكرار هو المزعج.

    أدام الله نعمكم.. وأدام الله امتنانكم لنعمه.

  • الرِهان في حياتنا.. على ماذا؟

    ما نراهن عليه، هو ما نملكه، أو ما نحنُ متأكدين من عدم فقدانه. على الأقل في المدى القصير.

    عندما أقول الرهان، أعني بذلك ما نقايض به أمام الاخرين لنأخذ مقابلًا به. وكلمة الرهان مختزلة على شبه التأكد من نجاح ما نقايض به.

    عندما نحرص على إخبار الآخرين من خلال صورٍ منتظمة ومستمرة بأننا اشترينا شيئًا أو سافرنا إلى مكانٍ ما أو حضرنا حفلًا ما.. فإننا نراهن على (أو نُظهِر) أهمية مكانتنا، أو هو انعكاسًا للحرص على الإخبار أننا متميزين بشكلٍ ما، وإلا لما حرصنا على إظهار ما قمنا به بشكل مستمر، وهنا نخبر أنفسنا أننا نراهن بأن هذه الصور ستعطينا المزيد من التقدير والحب والاحترام والمكانة.

    صور حضورنا تعني أننا هنا.. ننتظر منكم التعليق والمديح (أو انتظار الحب والتقدير والاحترام).

    عندما قام الأخ العزيز بتصوير سيارته الفارهة عشرين صورة لينشرها.. فهو يقول بلُغة أخرى، هذا ما أملكه، وهذا ما أراهن عليه أمامكم، لذا.. أعطوني بعض التقدير رجاءً.

    كذلك الآنسة التي لا تملك إلا شكلها ومكياجها.. وكذلك مثلنا نحن من ننشر صور أطفالنا كُل يوم، دون أن نسأل لماذا نقوم بذلك؟ ..لأن الأطفال محبوبين من الجميع، وفرصة الحصول على تعليق إيجابي يحفز هرمون السعادة أكثر بكثير مع الأطفال عنها مع نشر صورٍ أخرى، ربما.

    الرهان إن كان يجب أن يقع على شيء.. فهو الأثر. أو التأثير. أو محاولة حقيقية جادة بخلق عملٍ ما يساهم بتغيير شخصٍ ما في مكانٍ ما في هذا العالم.

  • الفرق الحقيقي بين الهاوي والمتخصص

    في نقاشٍ ثري مع أخي العزيز عمر عاشور قبل يومين، توصلنا إلى قراءة حول مفهوم التخصص:

    1. عندما نستعرض سيرة العُظماء في التاريخ (الإسلامي على وجه الخصوص) ربما لا يسعنا إنكار التميز الحقيقي الذي صاحب الكثيرين منهم من زاوية ابتعادهم عن التخصص، والذي نُنادي به في زمنٍ يمكن للإنسان فيه أن يكون شديد الاطلاع وغزير العِلم مع وجود الموارد غير المحدودة. فتجد أن تقديرنا (وأحيانًا تقديسنا) للكثير من الشخصيات القديمة يصاحبها تناسيًا واضح بأنهم لم يكونوا أصحاب تخصصات حقيقية، وربما أول ما يتبادر إلى ذهني هي سيرة الإمام أبو حنيفة، الذي عُرف عن أنه تاجر ناجح قبل أن يكون فقيهًا. وفي ٢٠١٨م تجد نفسك عند أول اصطدام نقاشي مع شخص آخر حول فكرة ما، سيقوده الحوار إلى ذِكر «أنت لا تملك العِلم الكافي، أو لست صاحب تخصص» ولسان حاله يقول «أقول.. خلك ساكت بس!»، كرد مقولب جاهز يحمل إقصاءً لمحاولاتك الفكرية أو البحثية أو حتى مجرد محاولات النقاش، أو للدفاع. (أذكر في حادثة طريفة عندما التقيت بمدير إحدى الجامعات لأقنعه بمفهوم العمل كفنان مع محاولات لمشاركتهم كتاباتي ومفاهيمي البحثية في هذا الشأن، كان رده المباشر: «لماذا أحتاجك ولدينا عشرات الدكاترة في اللغة العربية والأكاديميين المتخصصين؟»)
    2. ابن رشد كان طبيبًا وفيلسوفًا وقاضي وفلكي وفيزيائي.. وقبل ذلك كله كان إنسانًا شديد الفضول، يوجد منه نُسخًا عديدة شابة تعيش اليوم، يتم إقصاءها بحجة عدم التخصص، وبالتالي عدم وجود داعٍ أو فرصة للكلام أو النقاش كما قلنا. (اقترح أن تأخذ بعض الوقت لاستكشاف عشرات الأسماء الأخرى لعلماء عرب ومسلمين لم يحملوا عِدة تخصصات أو اهتمامات كانوا قد ساهموا بالتغيير).
    3. عندما تسترجع سيرة السير «ونستون تشيرشل» ستجد أن تخليده للأثر وحصوله على جائزة نوبل للآداب عام١٩٥٣م، لم يكن بسبب إنجازاته الساحقة في إنقاذه لوطنه من الحرب العالمية الثانية مع حلفائه ضد «هيتلر»، وليس بالطبع من إنجازه للوحاته التي رسمها (رسم في إحدى السنوات أكثر من أربعين لوحة)، وليس لمئات المقالات التي كتبها منذ شبابه حتى توفي في الثمانينات من عمره أو إدمانه للكحول والمقامرة. بل أن نوبل قد سُلِّمت له تقديرًا لجهوده الأدبية والتي تمثّلت في المجلدات ذات الستة أجزاء عن الحرب العالمية الثانية (جرب وحاول أن تبحث عن شهاداته التخصصية).
    4. هل أقترح اليوم بعدم الاكتراث للتخصص؟ بالطبع لا؛ لكن أود لفت النظر بأن الاكتراث للفضول وتساؤلات العقل مهما كان تخصصك يستحق ألا تقف موقف المدافع والكسول الذي يخبر نفسه والآخرين «أنه ليس صاحب تخصص». بل أن النقطة التي أثارت اهتمامي في النقاش كان في رأي أخي عمر عندما قال وغرد لاحقًا بها «الهاوي لا يعرف قيود التخصص، ولذلك معظم التغيير من فجر الزمان كان على أيدي الهواة»، وهذا الكلام صحيح إلى حدٍ بعيد. جرب واختار مجموعة من الأفكار التي غيرت التاريخ، وأكرر أنك ربما ستتفاجأ بأن الكثير منها لم يكن قد خرج بالضرورة من أشخاص متخصصين.
    5. قضيتي مع التخصص البحت واتباع الشغف الأوحد في حياتنا العملية، أنه لا يقود الإنسان للركض خلف فضوله وأفكاره التي تشاغب عقله –كما ذكرت في مقالة سابقة-، إلا أن الإنسان من وجهة نظري يجب أن تستجيب رغباته وأبحاثه للسعي خلف الحقيقة بعيدًا الاعتقاد أن التخصصات دائمًا وأبدًا هي التي تُعطي الحق للآخر في إقصائنا. ويجدر الذِكر هنا أن الإفتاء دون عِلم لا أعتبره أبدًا نوعًا من عدم التخصص بقدر ما هو جهلٌ مركب، قد يشعر صاحبه بوهم إنجاز أو اعتقاد راسخ بأنه شخص فهيم. والعكس صحيح.. الفضول دائمًا ما يتوقف كخصم لمحاولات التفلسف والإفتاء، أو حتى التسليم الراسخ لما قاله شخص ما آخر في مكان ما قبل مئات السنين.
    6. الفضول عندما يوجد.. يجب أن يتصاحب مع البحث والتقصي والوصول للحقيقة أو القناعة، إن كُنّا أصحاب تخصص أو لا.
  • الأهداف مع الغير

    حسنًًا، هناك معادلة سهلة وصعبة في نفس الوقت، تقول: إن لم تتضمن أهدافك وجود الآخرين، فيجب أن تراجعها.

    وربما هنا يتحقق مفهوم الأثر، لأن المشكلة في النجاحات والطموحات أنها -من خلال البرمجة- ترتبط بنا نحن.. بي أنا.. بالـ«الأنا».. وكلما اقتربت أكثر من ذلك، كلما أصابتنا الحاجة للمزيد، ومشكلة الحاجة للمزيد أن النفس لا تكتفي.

    المزيد من التأثير على الآخرين، ووجودهم ضمن الأهداف.. حتى وإن كان هوسًا، فسيظل هوسًا صحي.

    المزيد من الإنتاج.. المزيد من الفن.. والمزيد من الكُتب.. والمزيد من الأعمال التي تؤثر على الآخرين أفضل من: سيارة أخرى ومنزل آخر، ورصيد أعلى لي.. لي أنا وحدي.

    فكّر في الآخرين عندما تضع هدفًا لك!

    هذا ما خرجت به من حل المعادلة.

  • وتلك الأيام نداولها بين الناس

    .. أو بمنطق الحياة الحقيقية، إن كانت لغيرك لما وصلت إليك.

    نسعى في حياتنا للإبقاء على ما نملك، ونحاول الحصول على المزيد.

    لا نركز كثيرًا على خلق ما يمكن أن يبقى للآخرين للأبد.. دون أن يتركهم.

    الأثر، الكلمة الطيبة والفِعل الصادق. لا يختفون. ربما.

    إن أعطيت المال.. سينتهي. وإن أعطيت الفكرة ستبقى.

    المال والممتلكات والمناصب خُلقوا للتداول.

    الأثر خُلِق ليبقى.

    الأثر والاقتناع به.. هي ما تجعل إنسانًا يجلس في مكتبه فوق مطعم الشاورما ليحاول من أجل الآخرين.

    يحاول كل يوم!

  • عن ردّة الفِعل في العزائم المفاجئة

    تذكرت قصة بسيطة حصلت قبل سنوات، عندما كُنت واقفًا في محل «دانكن» وقمت بطلب (دونات وقهوة)، لأُفاجئ أنني لم أكن أملك كاش، ووقتها بالطبع لم يكن يملكون آلة الدفع بالبطائق. تكرّم علي الأخ الذي كان يقف خلفي بدفع الحساب ودعوتي وقتها، وقد شعرت بشكلٍ جدي أنه كان مُستعجلًا ويُريد «الفكة»؛ إلا أن الأمر من زاويتي يعتبر لطيفًا طبعًا، وقد شكرته على لُطفه وكرمه وودعته.

    ما حصل أنني اكتشفت أن الأخ العزيز أحمد كعكي، كان صديقًا لصديقي المُقرّب محمد حافظ عندما التقيته أول مرة في مدينة دبي. ذكّرته بذلك اليوم عندما قام بدعوتي في «دانكن»، ومن حسن الحظ أنه لم يتذكره أبدًا. وقلت له صراحًة أنني لو كُنت مكانه لفعلت نفس الشيء بهدف شراء الوقت.

    تمضي الأيام، ويتكرر نفس الموقف لي مع آنسة أُخرى في صيدلية النهدي -إن لم تخني الذاكرة- حيث كانت آلة البطاقة معلقة ولم تعمل، لأستذكر دعوة الأخ أحمد لي.. وأقوم مباشرة بدفع ثمن حاجياتها الزهيد، مؤمنًا أن الناس يُسخرها الله لبعضها. وربما كانت ستكون صدفة مضحكة إن كانت هذه الآنسة من قريبات الأخ أحمد.

    على العموم، لا أجد اليوم أي حرج (كُنت قد تبرمجت عليه في السابق) عند مثل هذه المواقف. وأجد جديًا أن الدعوات المفاجئة غير المُكلفة تعطي للجميع طاقة إيجابية هائلة. وهنا، ربما لا أنصح برفض قاطع عندما نواجهها، والعكس.. نعرضها من حين لآخر.

    حصل أيضًا في رمضان الماضي أنني كُنت واقفًا في طابور مكون من خمسين نسمة في محل «معصوب القادري» قبل آذان المغرب، لأفاجئ من بعيد أن أخي العزيز عثمان برناوي -الذي لم آراه منذ فترة طويلة- كاد أن يصل دوره.. سلّم عليَ بالإشارة، وسألني عن طلباتي، وبالطبع لم أتردد ثانية مع وجود الجيش الذي يقف أمامي في الصف، أخبرته مباشرًة بطلباتي، واعتذرت عن هذا الغِش لبقية الطابور. وكما كان متوقعًا مع لُطفه، رفض عثمان أن يأخذ قيمة الطلبات، ولذا شرعت مباشرًة بأن أبادله الوِد وأشكره على قبول إعطائه نسخ موقعة من كُتبي قبل أن يذهب كلانا لإفطاره.

    الوِد سلوك لطيف، يظل يشعرنا أن الدنيا لا زالت بخير، ولا أعتقد أنه سلوك يستحق أن نُضحي به.

  • ماذا يحصل في عقل من يحاول أن يكتب؟

    سأحاول أن أشرح..

    ربما ما يحصل في عقله إحدى حالتين: حالة الكتابة والتعبير عن الأفكار والخيالات والعُقد والعواطف والتعبير عن الذات، والحالة الأخرى: هي التفكير في الحالة الأولى.

    ما هي مشكلته هنا؟

    في الحقيقة، هي ليست مشكلة.. بل هي مجموعة من التحديات الغريبة؛ منها.. عدم الاستقرار بكل أنواعه، ومحاولات مستمرة في البحث عن طريقة يقول فيها حقيقًة ما دون أن يحاسبه غبيٌ ما أو يحكم عليه جاهل، إضافًة إلى محاولات مستمرة بالالتفاف على الأفكار التي تستحق أن تُكتب دون التفكير في الخوف أو الخجل.

    ما يحصل أحيانًا في عقله -عندما يحاول أن يكتب نصًّا ما- أنه يشعر بحالة مؤقتة وغريبة من الوِحدة.. وِحدة بشكل لا أعرف كيف أُفسره..

    يعيش داخل عقله مع حالة اجتماعية ما.. تحليل ما.. فكرة ما.. يعيش في تأمل شخصٍ ما أو موقف ما. المهم أنه يعيش مع شيء ما داخل عقله، أكثر من واقعه.

    التحليل يدفعه لمحاولة صياغة فِكرة واضحة ومباشرة.. وقبل أن يكتبها، يقلق على القارئ من عدم فِهمه.

    يشعر أحيانًا أنه يحب علاقاته بالآخرين جدًا، ولكنه يتعب معهم.. يعامل المجتمع كابنه المشاغب، يفتقده ويحبه ويعلم أنه جزءٌ منه، لكن في نفس الوقت هناك جزءٌ غير مُعلن داخله يمل الالتصاق به. لماذا؟.. لأن الفكرة التي تشكّلت في عقل تدفعه لعدم الاقتراب أكثر!

    هذه ما أعرفه حتى اللحظة، وربما سيكون للحديث بقية.

  • بين الجنس والأمومة والبقاء على قيد الحياة

    يميل الرجل للخوف من الارتباط طويل الأمد.

    تعليل هذا الأمر هو الذُعر من المسؤولية أكثر من أي أمر أخر، فعندما يفكر بالارتباط فهو يُذكِّر نفسه بوجود رعاية جديدة ستنضم إلى حياته، وفتح بيت ومصاريف لم يتم حسابهم بدقة من قبل، وبالطبع فرصة الحصول على شخصيات من العدم تزيد من أعبائه.

    يكتشف بعد مُدّة أنه يحتاج لهذا الارتباط.. ويبدأ بالبحث عن شريكة العُمر، ويكون المُحرِك على الأغلب إمّا ديني أو ضغط اجتماعي.. أو مجرد الشعور بنقصٍ ما، وبالطبع ليس الدافع هو الاستقرار بشكلٍ مجرد أو غريزة الأبوة؛ بقدر ما هو البحث عن أمرٍ غير مُعلن بنسبة كبيرة يُسمى «الاحتياج العاطفي» أو بلغة أكثر وضوحًا: الحاجة إلى الجنس.

    وبالطبع لكل قاعدة شواذ.

    يكتشف بعد الارتباط أن الأمر لم يكن بالذعر الذي رسمه لنفسه، يبدأ في ترديد تلك الخاطرة التي تقول: «أوه!.. أستطيع أن أدير هذا الأمر، ليست المسؤولية سهلة صحيح.. لكنها ليست قاتلة.. وفي الحقيقة لا بأس بها»، لتبدأ حياته بالتحول إلى استقرار نسبي -إن كان الارتباط قد حصل مع شخص مناسب-.

    يميل الرجل (السوي) بعد الارتباط إلى وضوح شبه مُطلَق في نمط حياته، سيرغب على التركيز على عمله وحياته وهواياته، جلسات الشباب، تناول طبخ البيت، وبالطبع.. سيرغب أن تتركه شريكته في حاله إن كان يعيش حالة من الفوضى الحسية، والأهم.. سيرغب طيلة الوقت بالحصول على أعلى قدر من الإشباع العاطفي والجنسي، ولا نتناسى أن الأمر الأخير هو المحفز الأهم أصلًا منذ البداية لهذا المشروع كله.

    يتحول الرجل إلى طفلٍ كبير.. يبحث عن الرعاية، ويقترب خطوة من إحساس الأنانية من أجل الحصول عليها، وإن حالفه الحظ ورُزق بأطفال، ستبدأ غريزة الأبوة بالعمل فجأة.. سيحب أطفاله أكثر من أي شيء آخر، وتنقلب أهدافه لأهداف مستقبلية من أجلهم، وسيُصاب بنوع من التناقض الغريب ربما؛ أهداف سامية من أجل الأسرة والأبناء، والبحث غرائزه الحيوانية المادية. ورغم كل ذلك، تظل أحاسيسه ومتطلباته في هذه الحياة غاية في الوضوح.. يعلم تمامًا ماذا يريد منها. تتشكل المشكلة أن هذا الوضوح سيصبح وضوحًا مرعب، لا يستطيع رغم بداهته أن ينظر إلى أي أمرٍ آخر غيره، ولن يبحث عن أساليب وتضحيات من أجل عدم الحصول عليها.

    باختصار.. إن كان الرجل قد امتلك ميزة في تركيبته النفسية بعد الارتباط، فهي الوضوح في طلباته ورغباته وطموحاته. عكس التشوش الذي أصابه قبلها.

    المرأة موضوعها مختلف قليلًا، تمتلك نفس نسبة الوضوح، لكن قبل الارتباط، تبحث (على الأغلب) على رجل مثالي، وإن تقدم بها العمر قليلًا، سأغامر برأي مفاده: إنها ستقبل بالموجود أيًا كان. فهي واضحة.. تريد الارتباط.. وتريد الاستقرار العاطفي، وبلغة أخرى: تريد إحساس الأمان وفرصة الحصول على طِفل.

    وإن كان هناك تشوش في حياتها فقد يصيبها بعد الارتباط، ولسان حالها يقول: «هل هو هذا الرجل الذي كنت أحلم له؟.. هل هو الأب المثالي لأبنائي؟.. ماذا عن دراستي وعملي ومستقبلي؟.. إلخ.»

    عندما تبدأ المرأة في حياتها في استقبال إحساسي (الأمان وفرصة وجود الطفل).. ستعطي الرجل ما يريد: «حسنًا تريد إشباعًا عاطفيًا وجنسيًا؟.. اثبت لي (ولو بشكل غير معلن) أنك ستعطيني إحساس الأمان وتلك الفرصة مع طفل المستقبل. وسأعطيك ما تريد»، بهارات هذه الأحاسيس هي «الحب».. وثلاجتها التي تحافظ عليها هي «المودة والرحمة».

    يتحرك الرجل تجاه تلبية رغباته -غير المسيطر عليها- بتقديم مئات الاقتراحات والوعود والكلام المعسول وغيره.. وفي مراحل أخرى يضطر إلى تقديم الكثير من العروض، حتى يأخذ ما يريد، لتبدأ بعدها هي بإعطائه ما يريد.. ليعود ويعطيها ما تريد.. وبالطبع يأخذ ما يريد، وهنا تستمر الحياة مثل الدائرة، فإن توقف أحدهم على إعطاء الآخر ما يريد.. انتهت العلاقة. ببساطة ودون إفتاء.

    كل ما قلته.. قراءة شخصية، وليس حقائق علمية دقيقة.

    لكن السؤال الذي تولد قبل كتابة المقالة: هل المحرك الأصل في كل هذا المشروع هو وجود غريزة الأمومة؟.. وأقصد بذلك، هل غريزة البقاء البشري كانت قد قُسِّمت جيلًا بعد جيل بين حرص المرأة على الحصول على طفل (وهو الأساس وهو سؤالي) وبين جشع الرجل تجاه الجنس؟.. الله أعلم!

    لكن ما أعرفه، أن المرأة لرجل واحد. والرجل -لا أريد أن أقول لمرأة واحدة بالضرورة أو العكس- تتمثل حالته في حرصه على إبقاء عامل الأنانية والحفاظ على غريزته بالاستمرار، فهو الذي يملك القدرة على إصدار مئات الآلاف من الحيوانات المنوية من أجل ضمان بقاءه على هذا الكوكب، وإن كان نفس الرجل يملك تلك السيطرة المُطلقة على أحاسيسه وغرائزه، فهو بالتأكيد لن يحرص على الحصول على أطفال إن لم يكن هناك دوافع أخرى تُسمى دوافع اجتماعية، ببساطة لأنه لا يملك ما يُسمى «غريزة الأبوة» إلا بعد مشاهدته لطفله أمامه.. يستطيع أن يلمسه ويشمه ويسمّيه، ولا يستوعب الرجل إحساس الابن إلا بعد أن يعيش فيه، عكس الأم، فتلك الأم هي كل النساء.

    عمومًا خرجت بمحصلتي التالية: أن أسمى غريزة في هذا الكوكب هي غريزة الأمومة، فهي التي تبقينا على قيد الحياة وتضمن استمرارنا، وبالطبع.. تشمل بذلك السيطرة على سلوك الرجل الحيواني.

    ومن قراءة اجتماعية أخرى غريبة بالنسبة لي، يظل الرجل مرتبطًا بهذا الإحساس الغريب حتى موته، فهو يستذكر أمه، ويبحث عن أم أخرى من شريكته، وعندما يكبر.. يتوقع وجود أم أخرى في ابنته. وإن توقفنا قليلًا وتأملنا المرأة، فستجدها هي من تعطي، وتستمر حتى موتها بالعطاء، تكون أم دومًا.. أمًا وهي ابنة وشريكة وأم حقيقية.

    قادني نقاش مع شخصيتين في هذا الأسبوع لتأمل هذه التركيبة وتدوينها اليوم، الأولى أم اقتربت من الخمسين أنكرت وجود ما يُسمى غريزة الأمومة بشكل مُطلق، لتخبرني أنها مجرد برمجة اجتماعية.. ونقاش آخر أو بالأصح سؤال سأله صديقي العزيز عبد الرحمن البارحة: كيف ستكون هذه الحياة دون وجود نساء؟.. أم، أخت، ابنة، زوجة.. وحتى زميلة عمل.

    وأجاب على نفسه بعد أن قال «كم هي حياة صعبة وجافة».

    وأقول للسيدة الأولى: أحمد الله على وجود غريزة الأمومة!

  • إيمانويل كانط والحياة الكاملة

    إيمانويل كانط كان واحدًا من أهم المفكرين والمؤثرين في التاريخ الحديث. فعل الكثير لتوجيه وتغيير العالم من شقته الصغيرة في «بروسيا».. أكثر مما فعله معظم الملوك والجيوش من قبل.

    لأكثر من أربعين عامًا، كان يستيقظ كل صباح الساعة الخامسة يكتب لمدة ثلاث ساعات بالضبط. ثم يحاضر في نفس الجامعة لمدة أربع ساعات. يتابع يومه مع تناول الغداء في المطعم نفسه كل يوم. وبعد ذلك في فترة ما بعد الظهر، كان يمضي وقته في نزهة طويلة في نفس الحديقة، على نفس الطريق، ليعود إلى المنزل في نفس الوقت كل يوم.

    ربما يُخيل للبعض أن هذا النمط من الحياة مُملًا أكثر من كونه مثيرًا وشديد الإنتاجية والانضباط، ولكن في المقابل [tweet_dis]عندما نستوعب أن هذا الروتين قد ساهم بتغيير البشرية ليحول صاحبه لأهم فيلسوف قد وُجِد على هذه الأرض في المبادئ الأخلاقية، قد يتغير حُكمنا قليلًا[/tweet_dis]، مع العلم أيضًا أنه لم يترك في حياته أبدًا مدينته «كونيكسبيرج» في بروسيا، ولم يهتم بفكرة قُرب البحر بضعة كيلومترات من منزله ليستمتع به. كان كل التركيز على أفكاره وتوثيقها والتأمل بها، حتى أثرت ما أثّرت به.

    [tweet_dis]«إذا كنت تعيش في مجتمع ديمقراطي يحمي الحقوق الفردية، فيجب أن تشكر كانط على هذا الأمر» يعلق مارك مانسون[/tweet_dis]، «لقد كان أول شخص يتصور على الإطلاق وجود هيئة حاكمة عالمية يمكن أن تضمن السلام عبر معظم أنحاء العالم [وربما تعتبر نسبيًا الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان نِتاجًا لهذا الفِكر]. وقد وصف الفضاء والوقت بطريقة استلهم منها آينشتاين نظرية النسبية.

    توصل إلى فكرة أن الحيوانات يمكن أن يكون لها حقوق، وقد اخترع للبشر فلسفة الجماليات والجمال (Aesthetics and Beauty)، وحسم نقاشات فلسفية كان عمرها أكثر من مئتي عام تجاوز محتواها مئات الصفحات. أعاد اختراع الفلسفة الأخلاقية من القمة إلى القاع، وقد أطاح بالأفكار التي كانت أساس الحضارة الغربية منذ أرسطو.

    هذه المقدمة هي مدخل بسيط لشخص تناول مفهوم «الغاية والوسيلة» لمستوًا جديد قد يغير حياة من يقرأه للأبد.

    فلسفة كانط الأخلاقية فريدة ومتناقضة، فهو يعتقد أن الشيء الجيد، يجب أن يكون جيدًا في كل العالم (تحت أي حضارة ودين وفي كل مكان)، أي أنه لا يمكن أن يكون «صحيحًا» في وقتٍ أو مكانٍ ما، وغير صحيح في آخر.

    ونأخذ الكذب على سبيل المثال.. فإن كان الكذب خطأ؛ فهو خطأ طيلة الوقت، وهو خطأ جماعي ومتراكم عندما يفعل الجميع ذلك، هذا باختصار.

    إذًا.. فإن أي سلوك إن لم يكن بشكلٍ دائم صحيحًا أو خطأ، فلا يمكن اعتباره مبدأ أخلاقي صحيح.

    وهنا نأتي لقلب ما أريد لفت النظر إليه في أحد أهم اقتباساته:

    «تصرف دومًا مستخدمًا حِس الإنسانية، سواء مع نفسك أو في تعاملك مع شخصٍ آخر كطرف في المعادلة، وليس مجرد وسيلة.»

    بمعنى.. أنك عندما تريد مصلحة من شخصٍ ما، تواصل معه وأطلب المصلحة مباشرًة دون تحذلق أو مقدمات أو دعوات للغداء.. لا تجعله «وسيلة» لـ «غاية».

    يرى كانط أن حياتنا تسير بشكل كبير في فُلك «الوسيلة» و«الغاية»، ويجد أن اتخاذ الإنسان للآخر كوسيلة لغايات خاصة تصرُف «لا أخلاقي».

    أختصِر هذه الفكرة بالوصف التالي وهو: أهمية وجود الوعي الكامل تجاه أنفسنا واتجاه الآخرين في كل تصرف.

    مهلًا، سأحاول التبسيط..

    يرى كانط أن الشيء الوحيد الذي يميزنا عن بقية المخلوقات في هذا الكون هو قدرتنا على معالجة المعلومات والتصرف بوعي. وهذا الأمر بالنسبة له، مميز.. بل ومميز جدًا!

    يجد أننا نحن (البشر) الوحيدين الذين يملكون قدرة التنظيم الذاتي المعتمد على الذكاء والعقل، لذلك، يجب أن نتعامل مع هذا الأمر بجدية قصوة، وبالتالي فإن العقلانية وحماية الخيار الواعي يجب أن يكونا الأساس لكل منطقنا الأخلاقي.

    بمعنى.. أنك يجب أن تدرك أنك إنسان ذو عقل وذكي وتستطيع اتخاذ القرارات من أجل حياة أفضل، وبعد أن تدرك هذا الأمر.. حاول أن تحميه وتحافظ عليه.

    نعود لموضوع الغاية والوسيلة..

    [tweet_dis]يقول كانط: «يجب ألا يتم التعامل مع كل شخص على أنه وسيلة لطرف آخر، بل يجب معاملته أيضًا كغاية بحد ذاتها.»[/tweet_dis]

    الترجمة العملية.. عندما تقرر أن تخرج مع صديق، فإن الغاية يجب أن تكون الخروج معه والاستمتاع برفقته. لكن إن قررت أن تخرج معه من أجل غاية (مصلحة) وإذا احتجنا منه لمساعدة فيجب إعلامه فورًا أن تواصلك معه لغاية من أجل هدف أكبر.

    الوعي وتنويه الطرف الآخر مطلب أخلاقي هنا حسب مدرسة كانط.

    وربما يصح القول كتعليق.. أن مجاملة الآخرين مثلًا واعتبارهم جسر عبور (أو وسيلة) من أجل غايات أخرى، يعتبر شكلًا من أشكال التصرفات اللاأخلاقية تجاههم واتجاه أنفسنا. فإن كان هناك رغبة جدية بعدم المجاملة.. ببساطة لا يجب أن نجامل!

    ماذا يعني هذا الأمر؟.. يعني أنك عندما تفعل شيء بكامل قواك العقلية برضاك ورضى الطرف الآخر بشكلٍ كامل.. فإن هذا الفِعل أخلاقي (آخذين في عين الاعتبار فكرة القبول العالمي لهذا الفِعل).

    لكن ماذا عن التعامل مع أنفسنا دون وجود أطراف خارجية؟.. ماذا عن المبدأ الأخلاقي تجاه أنفسنا؟

    يعتقد كانط أن علينا جميعًا واجبٌ أخلاقي، وهو بذل قصارى جهدنا في جميع الأوقات، لكنه لم يشير في حياته أن بذل قُصارى الجهد يجب أن ينبُع بسبب احترام الذات أو من أجل الحصول على الاحترام من قِبل الآخرين أو تحقق المنفعة الشخصية أو المساهمة في المجتمع أو أي شيء آخر. بل ذهب أبعد من ذلك بكثير!.. وجادل بأنك كإنسان أخلاقي يجب أن تبذل قصارى جهدك في تأديتك لعملٍ ما أو محاولتك لإنجاز شيءٍ ما، لأن أي شيء أقل من هذا الجُهد هو تعامل واضح مع أنفسنا كـ«وسيلة» وليس «غاية».

    وأقصد.. [tweet_dis]أنك عندما تكون على يقين عالٍ بقدرتك على فِعل شيء ما، ولا تلتزم بالإحسان والاتقان فيه، فإنك قد تصرفت تصرفًا لا أخلاقي تجاه نفسك.[/tweet_dis]

    تدعو أيضًا مدرسة كانط إلى فكرة مفادها: أن كل إنسان لكي يعيش حياة سوية (وربما ناجحة)؛ فإنه يجب عليه أن يحاول طيلة الوقت بأن يقوم بأعماله أو سلوكه أو محاولاته وتقديم خدماته على أكمل وجه، دون اتخاذ النفس والآخرين كوسائل مؤقتة.. وبالتالي فإن تحقق هذا الأمر؛ فسيتحقق معها تطبيقًا مبدأ الأخلاق بشكل أسهل.

    بالبلدي.. إن كان اسمي أحمد وأنا أُحب الكتابة، وأعلم يقينًا أنني أستطيع إنجاز كتابة خمسمئة كلمة كل يوم، وأعلم يقينًا أن الكتابة من أهم الأمور في حياتي، وهي مصدر التأثير والسعادة، ولكنني أصبحت أستيقظ دون الاكتراث لإنجاز هذا العمل.. فإنني بذلك لستُ أخلاقيًا تجاه نفسي. لماذا؟.. لأنني اتخذت عقلي وجسدي كوسيلة لغاية تتعارض مع أهدافي وطموحاتي!.. وهي: الكسل.

    الوضوح والالتزام وبذل مجهود منتظم.. والابتعاد عن اتخاذ الآخرين وأنفسنا كوسائل لا نرضى غاياتها وأهدافها لأنفسنا.. عمل غير أخلاقي.

    كانط.. يشجع على مفهوم الحياة الكاملة، الحياة ذات المعنى التي تحدث عنها «ڤيكتور فرانكل» بعده بمئتي سنة. يشجع باختصار أن تكون غاياتنا (وقبلها أهدافنا) سامية.. وبوضوحها.. ستسُهل الوسائل، وسيرضى الآخرين بأن يساهموا في تحقيق هذا الأمر.

    وبالطبع.. سيقتنع الإنسان مع نفسه أن عمله ومجهوده وسيلة لغاية أسمى.


    * جزء كبير من هذه المقالة مستلهم ومنقول (بتصرّف) من مقالة بعنوان: The One Rule of Life للكاتب مارك مانسون.

  • أعياد الميلاد ليست غبية

    الطبيعة السوية للإنسان تجبره على التغيُر والتطور بنِسب متفاوتة مع الوقت.
    القناعات.. الأفكار.. التصرفات والظروف كلها قابلة للتغيُر، إلا المبادئ. وفي الحقيقة كُنت (وربما لا زلت جزئيًا) أملك تلك القناعة التي تقول إن أعياد الميلاد ليست أمرًا يجب أن يحتفل به الإنسان.. ومنطقي خلفها هو: كيف نحتفل بنُقصان سنة من حياة شخصٍ ما؟.. ولعل هذا المنطق وإن كان شديد السلبية ويُقرّبنا سنة نحو ما نخاف أن نتذكره، إلا أن العديد من النقاشات الجدلية (التي أصبحت لسببٍ ما أستمتع بها مؤخرًا) قد تسلحتُ بها للدفاع، ولم أستسلم بشكلٍ مُطلق لمن يشجعون بشكلٍ جدي للاحتفال بأعياد الميلاد، حتى جاء يوم المحادثة الكريمة مع أخي وصديقي العزيز د. عبد الكريم الجهني، عندما أخذ مني رصيدًا عالي من الاقتناع بقوله: «أن أعياد الميلاد، هي إعطاء تقدير حقيقي لطفل واحد.. طفل واحد فقط يستحق هذا التقدير إنسانيًا في يوم ميلاده.. وليس تقديرًا عامًا مع آخرين» وكأن الرأي خلف هذا التقدير هو: نود اليوم أن نكون ممتنين لوجودك (يا صاحب عيد الميلاد) في هذه الحياة.
    ذلك الطفل الذي يبحث عن الحب والتقدير لوحده.. هو كل الرجال.
    كُنت لسنوات طويلة أشعر بغرابة غريبة عندما يهاتفني شخص ويقول لي «كل سنة وإنت طيب».. ربما لأن القناعة لازالت مترسبة كقناعات عديدة أخرى، وأكتفي مع كل تواصل بالردود البديهية. بل أنني لا أتذكر بدقة متى احتفلت بعيد ميلادي أو احتفل بي شخصٌ ما، أقصد بالاحتفال معناه الحرفي.. غناء وهدايا وبعض الصراخ اللطيف.
    حصل وأن كُنت برفقة زوجتي وابنتي سيرين عام ٢٠١٤م في مدينة «آنتورپ» في بلجيكا يوم ميلادي، لتُفاجئني زوجتي بتعليق سريع ونحن في وسط المدينة في المساء «اليوم ميلادك، كل عام وأنت بخير.. إيش تبغا هدية؟» ليشتغل عقل الرجل الانتهازي فجأة، وأقوم بالتأشير على محل Bose للسماعات والذي كان أمامنا بالضبط لحظتها، وأقول: «من هنا.. أريد سماعات عازلة للصوت» لتشتريها لي مباشرًة خلال دقائق، لها كل الشكر.. (وبالمناسبة لهذه السماعات قصة طريفة أخرى تستحق أن تُكتب في يومٍ ما).
    بالنسبة لبعض الرجال.. تقديرهم يتمثل في الأمور المادية، وبالنسبة للآخرين (وأدّعي أنني منهم) يتمثل بالاكتفاء بوجود من يحبوهم في الجوار في ذلك اليوم بالتحديد، وبقية أيام السنة.
    استيعاب الامتنان والنِعم واحتواءها وتذكرها أكبر هدية يجب أن نستشعرها ربما. فكلها تُذكّرنا أنا الدنيا مهما كانت شاقة.. فستكون سعيدة وبخير بعدها بمن هم حولنا.
    أيام أعياد الميلاد.. تفتح نوافذ للود، حتى وإن كانت تُذكرنا بنقصان عام من حياتنا.
    واليوم لعلني أقول لنفسي.. كل عام وأنا بخير بوجودكم.

زر الذهاب إلى الأعلى