السنة: 2020

  • نحارب لأجل ما نرغب به وليس ما نحتاجه

    تأمل نفسك والآخرين، ستجد أن هذا الأمر بالغ الدقة. استوعبه نابليون منذ مئتي عام، ووظف هذا السلوك لخدمته، وخرج بمقولته الشهيرة «يحارب الرجل لرغباته أكثر من احتياجاته».

    يصرف الأمريكيين على تذاكر اليانصيب أكثر من صرفهم على الكتب والأفلام والمباريات والمسارح مجتمعين، حسب تعليق مورگان هوسل في كتابه «سيكولوجيا المال»، ٤١٢ دولار متوسط قيمة تذاكر اليانصيب الذي يشتريها الفرد الأمريكي (من ذوي الدخل المحدود) سنويًا، هو نفس المبلغ الذي يُنصح بتوفيره على جنب كتكلفة علاج الطوارئ.

    أربعين في المئة من الأمريكيين لا يملكون هذا المبلغ وقت الطوارئ. لكن يملكونه من أجل رغبتهم للحصول على فرصة «واحد من مليون» للفوز باليانصيب.

    نملك الذهن والوقت لكل شيء لا نحتاجه.

    نملك طاقة لا بأس بها للمجاملة، ولا نثابر من أجل من نحتاجهم حولنا.

    نملك المال من أجل رغباتنا، وعندما نحتاجه نقترض.

    نتطور مع هذه الرغبات ونبررها، تختلط الأمور، نعتقد أن الرغبات حاجة. نستيقظ في أحد الأيام ونراجع ما قمنا به، ونكتشف أننا لم نكن حكماء بما يكفي.

    مثلي عندما ذهبت لسوبر ماركت «كوستكو» قبل يومين. ثلثي الفاتورة كانت رغبات. ثلثي الفاتورة كان سببها أنني زرت المكان وأنا جائع.

    جوع الغرائز والعواطف يجعلنا أقل حكمة، عندما نُشبع أنفسنا وحاجاتنا وأحبابنا ووقتنا الثمين وشكلنا أمام المرآة سوف لن ننشغل بما نرغب، سوف نكتفي بما نحتاج.

  • نحن لا نريد أن نكون أقوياء طيلة الوقت

    كنت سابقًا أتحسس كثيرًا عندما تقوم والدتي بإعداد الإفطار أو القهوة لي أو عندما تخدمني في أي شيء. والدتي ولا أريد أن أُتعبها! اكتشفت مع الوقت أنني فهمت الموضوع بشكل خاطئ، الأمر ببساطة يشعرها بالسعادة، والدليل إصرارها المستميت لذلك. هي لا تقوم بنفس الفعل مع الآخرين، فقط مع أبنائها. ونحن الأبناء في المقابل لسنا «عويلين»، نعرف كيف نعد القهوة والإفطار وأشياء كثيرة.

    أن نتصالح مع فكرة أننا لسنا أقوياء طيلة الوقت أمر جيد، وأن نتصالح مع فكرة أنه لا بأس في قبول الخدمة والدلال دون تحسس كان غريبًا علي.

    هناك أصناف من البشر لا تعرف كيف تستقبل الدلال ولا تقبل – حتى مؤقتًا – الاعتراف أنهم في حاجة له.

    المرأة المستقلة قوية، لكنها لا تريد أن تكون قوية طيلة الوقت.

    الرجل قوي، لكنه يُفضل أن يُعامل مثل الأطفال.

    طبيعة البشر تجبرهم على استبدال الأدوار من وقت لآخر، تارة نعطي وأخرى نستقبل. نشعر بالقوة والمسؤولية في أوقات، ونستجلب الضعف والهوان والدلال. المسألة ليست عضلات، المسألة حاجات ورغبات مختلفة في أوقات مختلفة.

    عندما تعطي الأنثى لقمة الطعام لفم شريكها، هي لا تريد أن تخبره أنه ضعيف ولا يعرف كيف يأكل بنفسه، هي تريد أن تخبره أنها تشعر بالحنان تجاهه، وهو يقبلها لأنه يرغب بهذا الإحساس اللطيف.. الدلال.

    حاجتنا لإحساس عدم القوة مثل حاجتنا لأحاسيس كثيرة، تعطينا -نحن الرجال على وجه الخصوص- استراحات لمعارك كثيرة، فنحن لا نريد أن نكون أقوياء طيلة الوقت. ولا يجب.

    نحن نريد أن نكون ضعفاء بإرادتنا.

    وإن كان الضعف سيجلب بعض الدلال، فأهلاً وسهلاً.

  • التمرين: في الفنون

    قبل الدخول في التمرين، هنا مقالتين نشرتها خارج مدونتي، ستستحق اطلاعك.

    التمرين:

    1. استقرارك المالي أولاً، فنك ثانيًا، لن يصبح الثاني أولاً دون أن يكون الأول أولاً.
    2. ألا تفعل شيء أسوء من عمل نصف مكتمل.
    3. عكس العمل الرائع ليس السيء، بل العمل الجيد. تحتاج للكثير من العمل السيء.
    4. الكسل والخوف، لا يوجد سبب ثالث يمنعك.
    5. بهدوء، كل يوم. لا يوجد طريق مختصر.
    6. عمل سيء أفضل من لا شيء (مرة أخرى: لا تخف).
    7. ابدأ ثم انتظر الإلهام.
    8. لا تكترث للانتقاد، دائمًا هناك فائض منه سيطولك.
    9. الروتين الروتين الروتين.
    10. ما تشعر به، وليس ما يطلبه المستمعون.

    كان الله في عون الجميع.

  • عن الفقد

    كُنت أتعاطف مع كل إنسان عانى من الفقد، حتى جاء يوم ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠م.

    هبطت طائرتي في مطار واشنطن دالاس قادمًا من مدينة فورت لودارديل. من المفترض أن أمكث أربع ساعات في انتظار رحلتي التالية إلى جدة. والدي في العناية المركزة وتحت التخدير الكامل للتنفس الصناعي بعد أن عانى التهابًا في الرئة من فايروس كورونا لأسابيع.

    هكذا فجأة، تصبح الحياة سريعة تجاه القاع. وتذكرنا أن الباقِ وجهه الكريم.

    إنسان صحي متكامل فخور باعتنائه بنفسه وعدم احتياجه لعكاز.. إلى تخدير كامل، وكأنه لم يكن قبلها بأسبوعين يناقشني مناقشة مطولة عن موعد عودتي إلى جدة لنخطط سوية لإجازة الصيف القادمة بعد أن قررت السلطات فتح الأجواء عمّا قريب، لأطلب منه أن يمهلني يومين لأعود له بخطة كاملة برسالة واتساب. رسالة أُرسِلت له، لم تلقى الرد.

    يعلم بعض القراء المقرّبين أنني لا أميل أبدًا إلى ذكر تفاصيل حياتي الخاصة التي قد لا تُضيف لهم الكثير، إلا أنني اليوم أرغب بهذا الاستثناء.

    أنا أصغر إخوتي. هذا الامتياز أعطى والداي مساحة من التعامل معي بشكل أكثر ودية، ربما بسبب فارق العمر وبسبب قدومي كأخ لأخي الأكبر إياد وأربع أخوات، ووربما لطبيعة التربية كسلوك يتجنب من خلاله الآباء الكثير من الأخطاء والشدة مع الأبناء الأصغر ليعيشوا حياة أكثر مرونة وسعادة رغم قُصر فترة العِشرة، فأنا مع كتابة هذه السطور أبلغ من العُمر أربع وثلاثين عامًا؛ وإن خُير الإنسان بين حياة قصيرة مليئة بالحب والطفولة الرائعة وبين حياة طويلة صعبة، لربما سيكون الخيار الأول هو الدافع الأكبر للاستمرار في هذه الحياة وحيدًا دون أب باطمئنان وتوازن.

    يقول البعض أنني أخذت الكثير من صفات والدي الشخصية، وحتى وقتٍ قريب لا يميز الكثيرين بين أصواتنا على الهاتف. بالنسبة لي، شخصيته أقرب ما تكون إلى شخصية روائية، فهو إنسان شاعري من الطراز الأول، مليء بمغامرات السفر، يحب الجميع ويحبونه، وكان شديد الوسامة والتأنق معظم فترات حياته، حتى إن إحدى أخوالي خشيَ على والدتي من هذا الأمر عندما تقدم لخطبتها قبل ستين عامًا.

    كان كثيرًا ما يتهكم على الكِبار في السن وعلى فكرة أن الإنسان عاش أيامًا طيبة مع الطيبين، فهو دائمًا ما يرى أن الحاضر والمستقبل أجمل، والتطور كنمط حياة أفضل من تعاسة الماضي. يخاف من الموت ليس لتقصيره في هذه الحياة، بل لولعه بثروته التي امتلكها حسب وصفه.. ثروته من أبناء وأحفاد وأحباب.

    في المطار، وأنا واقف أنتظر العفش وأتابع المستجدات في حالته على الواتساب مع رسائل العمل من هنا وهناك، جاء الخبر من أخي وهو يكتب في قروب الواتساب عبارات مليئة بالأخطاء الإملائية، اعتقدت أن دموعه لم تعطه القدرة على التركيز.

    عندما يكون الإنسان في وسط الظلام والألم، لا يملك خيارًا سوى البحث عن بعض فتحات الضوء، وهنا حكمة الله في قوله «إن مع العسر يسرا..».

    بحثت عن هذا الضوء تاركًا الشنط المحملة بالهدايا والطلبات تأخذ لفتها التاسعة في ممر العفش. وأخبرت نفسي: لا بأس، أمامك أربع ساعات لوحدك، تستطيع أن تبكي وتئن كما تشاء، لن يقاطعك أحد، والمطار شبه ميت بسبب الظروف. وقد استوعبت بعد أن انتهيت أن الأغبياء وحدهم هم من يمنعون الآخرين من البكاء، رغم مقاومتي المستميتة للفكرة القديمة التي تقول: الرجال لا يبكون، فقط النساء والأطفال.

    اكتشفت أمرين غريبين عندما تأملت تلك اللحظات، الأول أن هناك مسافرين حولي والرسائل متدفقة بالتعازي والنِكات ومقاطع أهداف الدوري السعودي، والسماء مازالت زرقاء وما زال المايكروفون يصدع بصوته مع فراغ الصدى في كل أنحاء المطار وأمامي أم تطلب لابنتها شيئًا ما من المقهى، اكتشفت رغم صِغر العالم من ازدحام الحزن واللاقيمة لهذه الحياة مع هذا الخبر، أنها مستمرة!

    وسألت نفسي سؤالًا غريب وأنا جالسًا متأملًا الأرض بعد أن أشغلت نفسي بتحميل العفش، أليس هناك حُضن يُباع هنا؟ أو من يتبرع به دون أن أطلب؟

    استوعبت أن الإنسان شديد الحاجة لمن حوله، زعلت مؤقتًا لمن يسوقون فكرة أن تهتم بنفسك وتسعى لإرضائها دون الاكتراث لأي شيء آخر وأن الوِحدة شيء جميل ولا يجب أن نفرط به، استوعبت أكثر من أي وقت أن المواساة والأحضان والأحباب قيمتهم لا تقدّر بثمن، طلبت بيني وبين نفسي أن يقترب سُكان الكرة الأرضية ليكونوا معي ويقفون بجانبي. وتذكرت بعدها بأيام أن الاهتمام سيكون أحد القيم التي لا يجب أن تُفارقني.

    مضت الساعات، وجربت فيها إحساس عدم الإحساس. بدأ موظف المطار بمجادلتي حول أربع كيلوهات زائدة لرحلتي إلى جدة، أعطيته بطاقتي الائتمانية وأخبرته أن يأخذ ما يشاء منها ويتركني في حالي مع خبر وفاة والدي قبل لحظات، ليخبرني أنه آسف على هذه الخسارة ولكن النظام نظام وسيقتطع المقسوم من البطاقة.

    سارت كل الأمور على ما يُرام، مضت الأيام، وها أنا أسعى أن أُعيد ما تبقى من الأمل والطمأنينة والتوازن. وها أنا أُشغِل القارئ الكريم بمقالتي الأولى بعد انقطاعي الأطول عن الكتابة.

    آخر الأمر، أنني فخور به رحمة الله عليه، فخور به حتى بعد رحيله. ترك وصية من ثمان صفحات تعج بالحِكمة، وترك كلمات واسى بها نفسه، لربما تواسي غيره. أُشارك بها هنا.

    وما بعد الأمر الأخير.. أرجو أن تهتم بصدق بأحبابك.


    مناجاة …

    إلهي ذاك عمري ينقضي … وتلك حياتي تلملم الأذيالا

    أمسح عن عمري حب الحياة … والشوق إلى لقاءك يشدني والرضوانا

    ربيع عمري لم يعد زهرة وأفنانا … قلبي يخشع لجلال وجهك والمقلتان

    كم عاصيًا هديت … وتائبًا استقبلته بالغفرانا

    برحمته يا إلهي … أُفيض عليَ بالإحسان إحسانا

    حسرتي لماضٍ تولى … أندى من بسمة الإيمانا

    أي عُذرٍ أُقدمه مولاي … وأنت الغفور الرحيم سيد الأكوانَ

    تتهادى خُطى مسيرتي … على نعش من مساحيق الأردانَ

    يلفني الثرى في صمتٍ … ووحشة وعُقدة اللسانَ

    من لي سواك راحمًا … أرجوه في غمضة الأجفانَ

    ووحدة القبر … ولقاء المكانَ

    إلهي..!

    كيف حالي يوم ألقاكَ..

    وصدى العمر صدأ من ذنوب الزمانَ

    وتعرّى الجسم والقلبُ في سكون الندمانَ

    ذاك جسدي يُكفنه الصمت … ويُلقى به إلى النسيانَ

    فراق بلا وداع … وعهدي بك اللهمَ إنك الرؤوف.. الرحمن.. الرحيم.. العفو.. المنانَ

    – حسن

  • عندما يكون الزواج الثاني أسوء من الأول

    «في جيلي، عندما كانت النساء تعشن في المنزل حتى يتزوجوا، كنت أرى بعض الزيجات الفظيعة التي تقوم بها نساء رائعات، وهن شبه مرغمات عليها؛ لأنهم يعيشون في منازل سيئة.

    ولقد رأيت بعض الزيجات الثانية التعيسة، والتي تم فيها الارتباط لأنها تضمنت تحسينات طفيفة على زواج أول أسوأ».

    يصف تشارلي منگر إحدى تأملاته في محاضرته المطولة والشهيرة عام ١٩٩٥م بعنوان «سيكولوجيا سوء التقدير عند الإنسان» والتي يعتقد أنها ساهمت بجعل حياته أكثر هدوءً مصاحبة لثراء كبير كنائب لوورن بافيت رئيس مجلس إدارة شركة «بركشير هاثوي».

    يبلغ منگر من العمر ٩٨ عامًا، وهو لا يزال على رأس العمل حتى كتابة هذه السطور.

    «أنا مهتم جدًا بموضوع سوء التقدير البشري، ويعلم الله أنني استفدت كثيرًا منه» يعلق في افتتاحية المحاضرة.

    قررت أن أقرأ نص المحاضرة مكتوبًا، بسبب سوء جودة الصوت وقد استغرقت مني قرابة الثلاث ساعات لثقلها. من القراءات القليلة مؤخرًا التي أجبرتني على التوقف كثيرًا.

    لفتتني الأجزاء التي تحدث فيها عن القرارات الاجتماعية العاطفية المرتبطة بالآخرين، فسوء التقدير لدينا نحن البشر لا ينحصر في اختيار بيت غير ملائم أو سَفرة غير مناسبة، أو مطعم سيء. إنما يطول حتى أكثر القرارات المصيرية في حياتنا.

    «أسوء قرارات اتخذناها في حياتنا، كانت قرارات معقولة ومقبولة وقتها» يعلق مورجان هوسل في كتابه الساحر سيكولوجيا المال (والذي سأخصص له مقالة مطولة لاحقًا ربما).

    إلا أن منگر استوعب منذ سن مبكر أن معظم قرارات الإنسان المصيرية تتأثر بشكل جذري بمن حوله. وعندما يكتشف سوؤها، يكون قد فات الأوان، ليتأثر بها وحده، أو كما نقول بالعامية في الحجاز «يشجعك على الطلاق ولا يواسيك في الفراق».

    الناس عندما ينصحونا لا يشعرون بنا بدقة، ولا يفكرون بالعواقب مثلنا، ولا ينام أحدٌ فيهم جانبنا على السرير كل يوم ليتأمل أفكارنا ومخاوفنا.

    ويصف منگر تأثير الآخرين في قراراتنا «أدركت أن الإنسان «حيوان اجتماعي» يتأثر بشكل كبير وتلقائي بالسلوك الذي لاحظه في الآخرين من حوله. عرفت أيضًا أن الإنسان يعيش مثل الدواجن والقردة، في تسلسل هرمي محدود الحجم، حيث كان يميل إلى احترام السلطة وإبداء الإعجاب والتعاون مع أعضائه، ومع إظهار قدر كبير من عدم الثقة والكراهية تجاه الرجال المنافسين الذين ليسوا في التسلسل الهرمي الخاص به».

    نستوعب هنا أن العقلانية هي الاستثناء وليست الأساس. التأثر بكلام الآخرين شكل من أشكال عدم التعقّل.

    تصبح «الأنا» هي المُحرّك، وهي ما تخدم أشكالنا. ولا تخدم حياتنا.

    تختفي العقلانية أيضًا عندما نكون جائعين. فنتجه إلى القرارات التي تسكت جوع الآخرين!

    «لقد رأيت هذه اللاعقلانية بشكل نمطي، وهي متطرفة للغاية، ولم يكن لدي نظرية للتعامل معها، لذلك أنشأت نظام علم نفس خاصًّا بي…» يعلّق منگر. ويقترح حلًا ضمن ثلاثة نصائح.. «تحقق جيدًا أو لا تصدق، أو استبدل الكثير مما قيل لك، إلى الدرجة التي تبدو مناسبة بعد التفكير الموضوعي.»

    بهذا النهج، قد ينقلب الاندفاع العاطفي إلى هدوء موضوعي.

    «تتسبب الغيرة والكراهية أيضًا في سوء التقدير الناجم عن مجرد الارتباط. في مجال الأعمال التجارية، عادة ما أرى الناس يقللون من تقديرهم لكفاءة وأخلاق المنافسين الذين لا يحبونهم. هذا الأمر خطير، وعادة ما يكون بديهيًا لأنه بُنيَ على أساس غير واعي». التنافس واستشعار التهديد على «المكانة» ليس منحصرًا في الأعمال التجارية فحسب، بل أيضًا لدى البشر، ونحن لا نشكك من فكرة أن الاستشارات تأتينا بدافع صادق ومحب. حتى في الأمور التي لا تمس الآخرين بشكل مباشر. إلا أن سُنة الحياة وطبيعة البشر تجبرنا على ألا نستهين بالآراء غير الظاهرة من الآخرين.

    أحيانًا يأتي دور الناصح صادقًا وواضحًا، إلا أننا يجب أن نحزن لأن نصائحه تأتي بطعم الغيرة إن لم ننتبه.

  • هل أنا مدينة لك بالمال؟

    يتميز كل إنسان بتصرف أبله في سلوكه.

    شخصيًا لا أملك تصرفًا أبله، بل العشرات.

    وعندما تأملت حياتي، وجدت أن إحدى تخصصاتي غير المعلنة هي التصرف الخاطئ في المكان الخاطئ مع الأشخاص الخطأ. اعتدت أن أصافح النساء اللذين لا يصافحون الرجال، ولا أصافح من لا يملكن مشكلة في ذلك، فيظن المحافظين أنني متحرر والمتحررين أنني محافظ. أفتح السير الأكثر حساسية لدى الآخرين بالخطأ، وأحيانًا أُقلِّب كل الجروح والمواجع لدى الشخص الكريم الذي أمامي دون قصد. أتكلم حينما يجب أن أسكت، وأسكت حينما يجب أن أتكلم، أُحرِج المؤدبين، وأتغافل عن المتسلطين، حتى أستوعب كل ذلك في اليوم التالي، أو قبل النوم بدقائق.

    عمومًا إحدى هذه السلوكيات الغريبة مثلًا – بعد أن اشتكى بعض الأصدقاء عن ذلك – أنني عندما أريد أن أترك المكان وأودع الموجودين فيه، فإنني أقوم فورًا بذلك، دون مقدمات.

    حتى وُبخت من الجارة الكريمة السيدة مارينا على هذا الأمر مؤخرًا؛ «كيف تترك المكان هكذا فجأة والكل جالسين؟» علّقت، «هل أنا مدينة لك بالمال؟» وأخبرتها طبعًا أنها ليست مدينة بشيء، محاولًا أيضًا أن أفهم ما علاقة المال بهذا السلوك!

    ردت عليَ باعتقادها أنني ربما قد أتيت في المرتين السابقتين وكأني أنتظر أن تقوم لتعطيني شيء، وأن خروجي المفاجئ ما هو إلا ردّة فعل سلبية لعدم فهمها للموضوع، حتى قررت أن تنهي شكوكها بسؤالي مباشرةً «هل أنا مدينة لك؟ وإذا لا، لماذا تقول تصبحون على خير فجأة ودون مقدمات؟».

    وعدتها أنني سأكون حذرًا في المرة القادمة.

    وبهذه المناسبة، أود مشاركتكم أمرين، الأول: عندما تشعر بالريبة من سلوك صديقك، أقترح عليك أن تقوم بسؤاله مباشرة دون تضييع لوقتك وذهنك. والثاني: أنني أصبحت على قناعة صادقة أن الإنسان عندما يملك عيوبًا مضحكة، عليه بالحديث عنها أمام العلن، على الأقل بتهكّم، حتى لا تصبح هذه العيوب مصدرًا للحزن.

  • درسان من موزارت

    يحكي تشارلي مُنجر (٩٧ سنة) قصتين عن موزارت، الأولى:

    جاء شخص إليه وسأله: أريد أن أكتب نُوتات موسيقية، ماذا عليَ أن أفعل؟ رد عليه الملحن «كم عمرك؟» قال له: ثلاث وعشرون سنة. أخبره أنه ما زال صغيرًا على كتابة النوتات. تعجّب السائل وأردف بتعليق: «لكن أنت تكتب نوتات موسيقية منذ كان عمرك عشر سنوات!» قال نعم، لأني لم أكن أسأل الكِبار كيف أبدأ بكتابة نوتة موسيقية.

    الثانية:

    نفس الشخص الذي ملأ السمع والبصر بألحانه الخالدة، كان قد عاش حياة شديدة البؤس ومات صغيرًا في السن. وعندما تأمل مُنجر سيرته، وجد أن هناك أمرين كان من الممكن أن يتجنبهما الملحن ليعيش حياة كريمة؛ الأول: ألا يعيش حياةً باذخة (يصرف كل ما في حوزته) لأن هذا السلوك سيقود إلى الأمر الثاني وهو: أنك عندما تعتاد على ذلك، سيقودك هذا السلوك إلى نشوء الغيرة من الآخرين والاستياء من حالك. هذه الأمرين تقود إلى حياة بائسة.. وقد تموت صغيرًا (كما يعلّق مُنجر).

  • النجاح في تعريف وورن بافيت

    بعيدًا عن المال والثروة والأسهم.

    يؤمن بافيت أن النجاح يتلخص في وصول الإنسان لعمر متقدم وهو مُحاط بمن يحبونه.. بصدق.

    «تسمع دائمًا عن ذلك الرجل الذي يصل إلى الخامس والستين أو السبعين وهو منعزل في الدور العلوي …» يعلق.

    طبيعة الإنسان تتغير مع كِبر السن، يُصبح صعب المِراس والإرضاء، وقد يستأنِس بالانعزال، وتصعب مجاراتهم في كثير من تفاصيل الحياة، وبالنسبة للكِبار أنفسهم، تعتبر مقاومة هذه التغيُرات مع تعويد النفس على حب الحياة، والتسلُّح بالمرونة، وطولة البال تجاه الآخرين، أمور تجعل من الإنسان يعيش حياة كريمة (وناجحة).

    ما قيمة المال إن لم يطيقني الآخرون؟

    محبة الآخرين هي رأس المال. تتحول إلى ثروة حقيقية مع التقدم في السن.

  • مشكلة النباتيين

    هذه المقالة ليست انتقاد لنمط حياة النباتيين، إنما لمحاولة تحليل أحد الأمور التي يمرون بها من ناحية نفسية، مع الأخذ في الاعتبار أنها تعني بشكل أكبر الأشخاص الاجتماعيين.

    يعتقد راين هوليدي أن الأشخاص الذين يعيشون في مُدن شديدة الغلاء (مثل مدينة نيويورك) يعانون من أحد المشكلة التي يعاني منها النباتيين، وهي ما يُطلق عليها في علم النفس «نضوب الأنا» (Ego Depletion): وتعريفها المختصر:

    أن ضبط النفس أو قوة الإرادة تعتمد على مجموعة محدودة من الموارد العقلية التي يمكن استخدامها… وعندما تكون الطاقة اللازمة للنشاط العقلي منخفضة، فإن ضبط النفس عادة ما يكون ضعيفًا.

    [بمعنى؛ أن هذه الحالة] تُضعِف القدرة على التحكم في النفس لاحقًا في أمور غير مرتبطة [1].

    ولكي أحاول أن أشرح هذا الكلام العلمي بطريقة بلدية (مع ذكر الشاهد): فإن قدرة الإنسان في ضبط النفس ومقاومة المغريات ليعيش مجرد حياة عادية وبسيطة أمرًا ليس سهلًا في الأساس، ولذا، فإن النباتيين ومن يعيشون في مُدن غالية – حسب رأي هوليدي – يستنزفون معظم ما يمكن الحفاظ عليه أصلًا من موارد عقلية (ومالية) قبل أن يبدأوا في مجابهة مشاكل حياتهم التقليدية. خصوصًا الاجتماعيين.

    كأن تحضر الفتاة إلى دعوة عشاء وهي تتضور جوعًا لتكتشف أنه ليس هناك خيارات نباتية، أو كأن يضطر أن يدعوا الشاب صديقه الذي زاره من الخارج لمطعم وهو بالكاد يتحمل مصاريفه الغالية. يبدأون من هنا دون الحديث عن مشاكل العمل والأبناء والرياضة والقراءة والمشاريع الإبداعية الموجودة على الرف.

    محاولة تقليل الانضباطات النفسية أو تجنّب المواقف التي تصيبنا بالتوتر عمومًا، أمور تستحق أن نخطط لها ونتمرن عليها. ليس إشارة بالطبع لموضوع النباتية، ولكن في باقي شؤون الحياة.

    أي مهمة أو سلوك أو شخص يستنزف مخزوني من المقاومة أو قوة الإرادة، يجب أن يختفي، ولو بشكل جزئي.


    [1]: Friese, Malte; Loschelder, David D.; Gieseler, Karolin; Frankenbach, Julius; Inzlicht, Michael (29 March 2018). “Is Ego Depletion Real? An Analysis of Arguments”. Personality and Social Psychology Review.

  • أنت تعبان بس.. ولست غبي

    أكتب لكم اليوم بعد فرحتي لحضور أول حصة يوجا في حياتي. أعتقد أنني سأستمر فيه.

    قبل فترة قررت أن ألغي اشتراكي في نادي «الكروسفيت» بجانب منزلي بسبب إلزام القوانين لارتداء المتدربين للأقنعة وقت التدريب. ألغيت الاشتراك فورًا. لأن المدرب كان شديد الالتزام لدرجة أنه هلكنا في وسط التمرين بقوله «فوق أنفك.. فوق أنفك» محاربًا محاولاتنا المستميتة للشهيق.. أو للغش.

    أنا إنسان بالكاد أتنفس في الحياة الطبيعية، فكيف يريدونني أن أرتدي القناع وأنا أتدرب لمدة ساعة تدريبات شبه عسكرية! والمشكلة الأخرى في النوادي الرياضية هنا كما قال العزيز مهند ناصر «أن أي خرابة هنا يحولوها إلى نادي رياضي» وهذا تعبير دقيق، فمعظم النوادي عبارة عن قراج سيارات في مكان مهمل، يتم توضيبه بأقل التكاليف، ثم يقولوا لك تفضل، هذا نادي.

    على كل حال، أرسلت لهم رسالة معبرة أخبرتهم فيها أنني أريد أن ألغي الاشتراك، وهو ليس ذنبهم، لكن بسبب الظروف المذكورة فيما يخص القناع. وأصبحت أتصل عليهم كل أسبوع لأسألهم إن كان هناك أي تغيير في القوانين، وبالطبع لم يحصل، وفي المكالمة الأخيرة سألت الآنسة على الخط سؤالًا وضّحت قبلها مرتين أنه سؤال بيني وبينها؛ عن المدربين أو المدربات اللذين لا يدققون بشكل كبير على مسألة القناع لأحاول اقتناص أوقات حصصهم خلال اليوم، لتعطيني ردًا حازمًا بأنها القوانين وكل المدربين يملكون صورة واضحة عنها. شعرت أنها تريد أن تغلق السماعة في وجهي لكنني تداركت الموضوع وعدتها باتصال خلال أسبوعين وأقفلت الخط .

    وفجأة أمس، تذكرت موضوع اليوجا.

    كان الصديق فؤاد الفرحان قد افتتن وطار به مؤخرًا وأعلن عن ذلك في إحدى تغريداته. وقررت الساعة السادسة والنصف صباحًا البارحة أن أبحث عن «ستوديو يوجا» كما يحبون أن يلقبوا أنفسهم في مكان قريب، ومن حسن الحظ وجدت مكانًا يبعد عن منزلي أربع دقائق بالسيارة، وكان موعد الحصة التالية في تمام الساعة السابعة (بعد نصف ساعة). تحمست ولبست ملابس الرياضة العادية بسرعة وانطلقت.

    وصلت هناك قبل الحصة بعشر دقائق، وجدت أن المكان مرتب للغاية إضافًة للروائح اللطيفة وعدد لا محدود من النساء المسرعات يدخلون خلفي وكأن شيء ما يركض خلفهم. طبيعة البشر تجعلهم مستعجلين إن رأوا أشخاصًا آخرين مستعجلين، فأخبرت موظفة الاستقبال لحظتها أنني مستعجل وأود أن أجرب الانضمام للحصة الأولى التي سجلت فيها أونلاين قبل دقائق وسنتفاهم على كل التفاصيل المالية عند خروجي، إلا أنها اوقفني وقالت بما معناه «وين يالحبيب؟» نظرت إليها مستغربًا لتعلق «سيدي، يجب أن تحضر فرشة التدريب الخاصة بك ومنشفة يوجا غير قطنية، وقارورة ماء باردة لأن المكان حار.. نحن نقوم بتدريبات «يوجا حارة»، وننصحك بارتداء شبشب لأن ممارسة اليوجا لا تصلح وأنت ترتدي حذاءً رياضي، وأخيرًا؛ شكرًا لأنك ترتدي تي-شيرت رياضي وليست قطني لأنك ستتصبب عرقًا والملابس القطنية غير مناسبة لهذه المهمة. سيدي أقترح أن تأتي غدًا وسنكون بانتظارك».

    شعرت لحظتها بالتطبيق العملي للتعبير الحجازي المعروف دخلت عليهم وأنا «غشيم ومتعافي». ودّعتها بعد أن شكرتها، وأكدت عليَ أنني سأستمتع بحياتي معهم، وبأن القناع ضروري للأسف، إلا أن لحظات الغش مسموحة (بعد أن أخبرتها معاناتي مع منافسيهم).

    وها أنا اليوم بعد الحصة الأولى وبعد أن طلبت البارحة الأغراض متحمسًا من موقع أمازون الذي أوصلها في نفس اليوم.

    الحصة الأولى كانت جيدة، المدربة ممتازة والأجواء رائعة رغم أن التمارين غريبة بعض الشيء. أعي تمامًا أن بعض أهل اليوجا يغلب عليهم ما نسميه في عرفنا «التهيؤ» معتقدين أنهم أفضل من غيرهم لأنهم «يوجيين»، يحاكيهم طبعًا النباتيين، والنسويين، ورواد الأعمال الشباب، والكُتّاب، وعازفي الروك، وسائقي دراجات هارلي وغيرهم ممن يتبعون إحساس الانتماء المصاحب للامتياز والفخر، في الوقت الذي يقول فيه الواقع أحيانًا.. وأقول أحيانًا مع الأسف أنه «محد درى عنهم»، خصوصًا الكُتّاب الشباب.

    تنبأت لهذا الأمر وقررت أن ألتزم باليوجا مع قليل من حس السخرية تجنبًا للوقوع في مأزق التهيؤ.

    عمومًا، ها أنا الآن في المكتب نائم. لا أعلم لماذا أشعر بهذا الحجم المتخم من الإرهاق والصداع، رغم أنني تناولت إفطارًا صحي ونمت عددًا لا بأس به من الساعات، وشربت مثل كل يوم «ترمسًا» من القهوة السوداء.

    شعور التأنيب لأنني لم أكتب كلمة واحدة اليوم فيما يخص مشاريعي الكتابية قادني للإحساس أنني إنسان غبي ومهمل. قاومت ذلك الإحساس بإقناع نفسي أنني مرهق فقط ولستُ غبيًا. ولأثبت أن المسألة مسألة إرهاق لا أكثر، قررت أن أكتب مقالة تتطلب قدرًا غير كبير من الجهد الذهني (بدافع الالتزام بعدد الكلمات التي يجب أن أنجزها ككاتب يوميًا). وها أنا.

    شكرًا على وقتك.

    كان الله في عون الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى