في أدب الاعترافات

سمعت عن مصطلح «أدب الاعترافات» للمرة الأولى من أخي العزيز أحمد رويحل، عندما كنّا نتجول سويًة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو يحكي لي عن نجاح بعض الكُتاب بعد أن انتهجوا هذا النوع (أو التصنيف) من الكتابة الأدبية. مصطلح أدب الاعترافات يشعل حماسي بشكل كبير، عندما يأتي إلى ذهني وأنا أشرع في كتابة شيء ما أو قراءة شيءٍ ما.

لماذا كل ذلك؟

لأن الاعتراف يتضمن على الأغلب المرحلة الثانية من الحقيقة التي نحرص على إخفائها دائمًا حتى وإن كانت لأسباب غير واضحة. الاعتراف عكس الفضيحة مثلًا، والتي يخشى كل إنسان الوقوع فيها. الفضيحة تعني كشف المستور رغمًا عن رغبة الساتر، أمام الملأ. أما الاعتراف فهو «كلام يُدلي به الشخص على سبيل الاعتراف عن بعض الحقائق الشخصية التي يفضل الشخص إخفاءها»[1]. وهي بالنسبة لي شكلًا من أشكال الشجاعة، والتطور الإنساني للإنسان أمام نفسه. فلن يعترف شخص أمامك بخطأ أو بتصرف أحمق إلا إن امتلك جزءًا من الشجاعة أو رغبة لتغيير شيء ما، أو حتى إبراز قدرة عالية على مراجعة النفس. وكلها سلوكيات إيجابية من زاوية.

يقود الاعتراف «لأكشن» أو لخطوة تالية تحمل بعض المخاطر أو التحديات. فإن اعترفت مثلًا أنني «لا أطيق فلانًا من الناس» على الملأ، فهذا يعني أنني يجب أن أتحمل تبعات هذا الاعتراف -ولو أنني لا أميل مع قلة الأدب في معظم جوانب الحياة- إلا أن الاعترافات تتطلب قدرًا عالي ليس من قلة الأدب، إنما من كبح مجاملة أو مداراة أو شعور لا نرغب في الكشف عنه، وهذا بالطبع أيضًا شيء إيجابي آخر.

أدب الاعترافات .. أو هذا التصنيف من الغريب في الكتابة أو غيرها، يعالج في نظري مشكلة نفسية عويصة داخل الكاتب. فالكاتب دون غيره لديه عمومًا فرصة أفضل بتفريخ ما يدور في عقله على الورق. وإن صاحب هذا الأمر «اعترافات»، فإنها بالتأكيد ستكون مثيرة إلى حدٍ كبير للمتلقي، ومعالجة مطوِرة للكاتب، وطبعًا ترفيه ذو سقف عالي للقارئ.

مشكلة أدب الاعترافات (كمفهوم) في مجتمعنا، أن مجرد الحديث عنه، سيشعر (ربما) البعض بعدم الراحة! فماذا لو كانت الاعترافات بالفعل بالغة الحساسية؟ ماذا إن تضمنت تجارب إنسانية حساسة (جنسية، اختلاس، كذبة كبيرة إلخ.). سيستقبلها المحافظون أنها نوع من المجاهرة بالمعصية، وسيستقبلها الكُتاب الآخرين أنها نوع من الابتذال، وسيستقبلها المنفتحين بعدة أشكال مختلفة أخرى بطبيعة الحال. ولن يقبلها إلا القليلين.

ولكي أكمل ادعائي أن المجتمع بالفعل لا يقبل الحقائق والوقائع دومًَا طالع حجم كتابات الخواطر المرعب والتي لا تقترب بأي شكل من الأشكال لأي أدب اعترافات أو أي قيمة أخرى. بل لخيالات خيالية مُضّيعة للوقت والانتباه والورق.

إذاً .. تخيل العكس! .. تخيل أن كل الأشخاص الذين يكتبون أو يشاركون الآخرين بأي شكل من أشكال المحتوى، لا يقولون سوى الحقيقة، والكثير من الاعترافات التي يرون أنها تستحق المشاركة، بدلًا من القليل من العواطف والخيالات التي تستثير المُطلِع عليها دون قيمة حقيقية مؤثرة. كيف سيكون الحال؟ …

وأجد أن الاعترافات تُحل أزمات داخلية في الإنسان العادي أيضًا، فإن كان الاعتراف بشيء قديم العهد ببساطة وعفوية، فقد تكون علامة واضحة بأن الإنسان قد تخلص من أزمة هذا الأمر، وإلا لما اعترف به. وإن اعترف بشيء حديث العهد، فهذا الأمر هو الآخر علامة واضحة بأن الإنسان لا يريد أن يتحمل عبء ليس له داعي، فيقوم بالاعتراف بالتخلص بجزء منه، وربما باعترافه للآخرين سيجد معالجة لهذا العبء.

الاعترافات (أو أدب الاعترافات) وسيلة رائعة للتخلص من الأفكار والأمور التي سنكتشف معها مع الوقت أنها كانت تستحق الاعتراف منذ زمن طويل.