الفن

  • اكتب وكأن شخص ما يركض خلفك

    ثاني أهم نصيحة تلقيتها في مهنة الكتابة، ربما أجدها تستحق المشاركة.

    «أكتب بسرعة … بسرعة جداً» وكأن شخص ما يقف على رأسك، أو يركض خلفك.

    ستخرج الكلمات الحقيقية، وأول كلمة ستأتي في عقلك هي الأصح دوماً … من الحدس، دون تحذلق.

    عندما تكتب أي شيء، ستكون مهمتك الكتابة! … وليس الرسم.

    والمراجعة والتدقيق شيء آخر.

  • عن المزاج وقت العمل

    كانت لدي نية جدية البارحة بأن أستغل يوم السبت للذهاب إلى المكتب وإنجاز العديد من المهام المُعلقة والتي لا تود أن تنتهي وسط الأسبوع. استيقظت مبكراً نسبياً مع نيةً الذهاب، لأرى رسالة جوال صغيرة وصلتني، كان الهدف الواضح منها «سم البدن» كما نقول في اللهجة الدارجة.

    انحبست هذه الرسالة في مزاجي، لآخذها معي إلى المكتب. وصلت هناك … وجلست لمدة ساعة على الكرسي دون أن أتحرك، ودون أن أفعل شيء له علاقة بالنسبة للنية التي ذكرتها في السطر الأول.

    انتهت الساعة الأولى … ثم الساعة الثانية، وأنا ما زلت أنظر إلى الجِدار مع بعض التسويف، وبعض التجرع لسُم البدن من خلال رسالة لم تتجاوز ٢٠ كلمة.

    استوعبت قليلاً أن الإنسان ضعيف … ضعيف جداً لدرجة أن شخص مثلي قد ينقلب كيانه من رسالة قد لا يحرص صاحبها على فِعل شيءً سيء النية تجاهك. استوعبت أيضاً أنني عندما تحدثت وترجمت مقالة «أحب قدرك» كان الهدف الحقيقي منها كتاباتها لنفسي وليس للآخرين، فلم أجد لحظتها أن هناك شيء يمكن فعلياً أن أهرب منه سوى كتابة بعض الكلمات التي – ربما – تملك نفس سحر التأثير على الاخرين؛ بالتأثير على نفسي … تماماً مثل الرسالة.

    المزاج شعور … والعمل سلوك.

    يراهن القرآن على السلوك ولا يراهن على المشاعر (وجعلنا بينهم مودة ورحمة …)

    وتراهن الحياة على السلوك أيضاً، ولا تراهن على المشاعر.

    فإن كان مزاجك لا يساعدك، فهي نفس اللحظة التي سيساعدك سلوكك فيها للعمل وللتعايش. وإن اعتمدت على المزاج في حياتك، فلن تصنع شيء كما تقول الروائية «بيرل بُك» وتضيف … «يجب أن يعلم العقل أن عليه أن يعمل».

    المزاج شعور … والعمل والتعايش سلوك.

    وأخبر نفسي اليوم معكم، أن السلوك هو الأولى.

    التسويف مزاج!

  • إذاً لا تعجبك الوظيفة؟ ولكن يعجبك الراتب!

    «إذا لا تعجبك الوظيفة؟ … ولا يعجبك تأدية العمل … لكن يُعجبك الراتب!؟»

    كان هذا تعليق صديقي عبدالرحمن الذي يعمل في أحد المطاعم في جدة بكل شغف وحب، على حالة أغلب من حوله من أصدقاء وأقارب … لأنه أصبح يجدهم كما يقول يؤدون مهمة ثقيلة، ولا يعملون بحب في عمل اختاروه.

    يقضي عبدالرحمن أكثر من ١٠ ساعات يومياً في عمله دون أن يشعر بالوقت كما يُعلق، ويُضيف: «قد لا يكون الراتب هو الراتب الذي يطمح له أي شاب سعودي طموح، لكن جمال العمل وتحدياته وتحمل المسؤولية وحل المشاكل التي تظهر كُل يوم دون أن تخطر على البال … هي القيمة الحقيقية التي استمتع بوجودها».

    ميزة العمل في المطاعم -وخصوصاً إن كُنت أحد المسؤولين عن إدارة الصالة- أنك تتحول كل ساعة إلى صاحب مهمة جديدة، فمرة تكون فيها في خدمة العملاء، ومرة أخصائي اجتماعي يُعالج مشاكل الزملاء، ومرة سبّاك يحاول إصلاح ماسورة الماء المكسورة … وفي حالات، عضو مجلس إدارة يُناقش مستقبل المطعم مع المُلاك!.

    «لدي إثنين من الزملاء السعوديين لنُشكل نحن الثلاثة السعوديين الوحيدين الذين نعمل في مواجهة الجمهور لدى المطعم، أجمل مافي زملائي أنهم بالعفل «شغيلين» ويتحملون المسؤولية، وليس الحال كما كُنت أعتقد أو أسمع عنّا نحن السعوديين، خصوصاً في السنوات الخمسة الأخيرة التي عشت فيها في الولايات المتحدة، حقيقاً لقد تغير الحال».

    يلاحظ المقربون من عبدالرحمن بعض التغيرات اللطيفة التي حدثت في شخصيته، أصبح أكثر صلابة من قبل، ولا يشغله اليوم سوى المستقبل -وربما إبنة الحلال-، استخرج سيارة جيدة في أسرع وقت، ويحرص على اختيار ملابسه والاعتناء بنفسه بأفضل وسيلة (سريعة ومختصرة) لأنه منشغل تماماً في فنه، ولا يريد للأمور«المادية» أن تشغل المزيد من حيز الوقت.

    أخبرته حقيقاً أنه بالفعل يعمل كفنان في وظيفته، ليخبرني بكل ود أنه تلقى مؤخراً عرض الترقية (المتوقع) من مُلاك المطعم، والمثير للدهشة بالنسبة لي أن همه الأول ليس العمل أو الراتب أو حتى الخبرة بالضرورة، إنما شيء آخر … «لا يسعدني أي إحساس مثل دخول زبون لأول مرة في المطعم، ليشكرني بحرارة عند خروجه، ولأراه بعد يومين يأتي برفقة زبون جديد … إحساس لا يوصف».

    خجلت من إعطاء أي اقتراحات له فيما يخص مستقبله لتأكدي شبه التام أنه يسير على الطريق الصحيح … ولكن قررت أن أعطيه على استحياء نصيحة واحدة وكانت … «حاول أن تصرف وقتك في المزيد من العمل غير المطلوب منك في المطعم، أو بلغة أخرى طبق معادلة ٦٠٪ عمل غير مطلوب منك، و ٤٠٪ عمل يومي مطلوب منك»، ورد علي: «صدقني أعمل أكثر من ٧٠٪ أعمالاً ليست مكتوبة في وصف وظيفتي».

    وهنا سلمت عليه … وتمنيت له ليلة سعيدة بعد إقفال المطعم آخر ليلة الخميس الماضي.


    [عبدالرحمن الكالي، يعمل مساعداً لمدير أحد فروع سلسلة مطاعم Wagamama العالمية، فرع جدة: مجرى السيل. تكرموا علي بزيارته، وربما سيكون من اللطيف إخباره أنكم سمعتم عنه مني].

  • لماذا نحتاج أن نكون فنانين!

    وهل يندرج وصف الفن تحت الرسم والتلحين والنحت؟ … بالطبع لا!

    لأن الفن ليس نتيجة يصل إليها الإنسان، بل هو سلوك ينتج أعمالاً خاصة بكل فرد.

    لا يضمن الفنان نجاح عمله، ولا يتأكد أي فنان عندما يعمل بأن أعماله ستغير شيءً ما أو شخص ما، فالفنان يعمل فقط.

    «الوظيفة» … وظيفة.

    والفن عمل … العمل على تحدي الوضع الراهن وتغيير شيئاً ما.

    يمارس الفنان عمله دوماً ولفترات طويلة، ولا ينتهي به الأمر باستلام راتب أو نتيجة حقيقية بالنسبة ملموسة على الأقل بالنسبة للآخرين. كل ما يصبّر به الفنان نفسه هو حبه لعمله، وتحمل كل شيء آخر ليستمر في عمله.

    في سنة من سنوات عمره … عمل فان جوخ على أكثر من ٥٠٠ لوحة، وعرف أخيراً في التاريخ بعد أن انتهى من العمل على أكثر من ثلاثة آلاف لوحة ليُنشر بعضها في متحفه، وقد لا يعرف آخرين أين انتهى الحال بالأعمال الأخرى.

    ولم يكن سيصل الكاتب ستيفن كينج على الأوسكار من كتابة قصته القصيرة في فيلم «سجن شاوشنك – The Shawshank Redemption» إلا بعد أن تجاوزت أعماله (غير مضمونة النجاح) إلى أكثر من خمسين عمل، مثلهم مثل تيسلا ونيوتن وجوبز وبيكاسو …

    الكثير من العمل الشاق والكثير والكثير من عدم ضمان النجاح، وأخيراً ربما نتائج إستثنائية تُسجل أسمائهم في صفحات التاريخ.

    لماذا نحتاج أن نكون فنانين؟

    لأن عكس هذا الأمر سيكون بالعمل على تلبية طلبات الآخرين فقط، مع البحث عن نتائج «عادية» دون مخاطرة، سنكون موظفين مؤديين للعمل … ولن تكون هناك جائزة لأفضل من ينجز للآخرين طلباتهم!

    عندما نؤدي العمل المطلوب في أي وظيفة فإننا نتحول مع الوقت إلى آلات إنسانية، لا نستخدم أفضل نعم الله علينا … لا نستخدم عقولنا.

    نبتعد عن قدرة الإنسان على التكيف أمام الإنتقاد ولا نأخذ خطوات أكثر مجازفة، لنكتفي أخيراً بما تم العمل عليه ولا نبحث عن ما هو أصعب وأجمل.

    الفن هو العمل على تحمل المسؤولية، وتحدي الوضع الراهن وأن نغير شيئاً ما وشخص ما … مهما كان الفن صغير، مع الوقت يصبح الفن مجموعة أعمال صغيرة قد تخلق لنا النجاح.

    المزيد من اللوحات … المزيد من الأعمال … المزيد من الصبر … والكثير من عدم ضمان نجاح الفنون هو الذي يجعل من الإنسان فناناً، وليس غير ذلك.

    الكثير من إنشاء شركات تفشل هي فنون رجال الأعمال التي تقودهم للنجاح، والكثير من الصور المجانية العادية هي التي تصنع من المصور مصوراً ناجحاً مع الوقت، والكثير من المحاولات الفاشلة هي التي خرجت إلينا بالنور مع توماس أديسون.

    الكثير من العمل هو الفن … مع الكثير من الإنسانية وتحمل المخاطر واستخدام العقول.

    الكثير من تأدية الوظيفة المطلوبة من الآخرين ليست فناً!

    [هذه المقالة نُشرت على مدونة موقع: artistia.com]

  • البيض والحب

    أقوم منذ بضعة أيام بتجهيز فطور إبنتي سيرين قبل ذهابها إلى الروضة.

    لا تتخيل حجم الدقة المتناهية التي أعيشها في صنع البيض، أغسل يدي جيداً وأُعد البيض أو الساندويتش لها بكل الحواس.

    سمعت من صديقي العزيز د. باسل الخضراء كلمة لطيفة يقولها لموظف ستاربكس عندما يطلب منه القهوة: «أريد القهوة الفلانية، بالحجم الفلاني … ولا تنسى إضافة لمسة حب في صنعها». ليبتسم الموظف ويقول له: تفضل قهوتك.

    أؤومن أن الإحساس يظهر في العمل على أي شيء، وفيما يخص إبنتي، أحرص أن أضيف كل حواسي اتجاه ما تلبسه أو تأكله أو تعيشه مثلي مثل أي أب آخر.

    المضحك هنا أن آخر مرة صنعت فيها البيض لإبنتي عاد الطبق من الروضة كما هو، وقالت لي زوجتي أنها فضلت شيئاً آخر على البيض الذي صنعته لها.

    والسؤال: هل أجبرها على الأكل مع كل تلك الأحاسيس؟

    خطأ … ليس هذا هو السؤال.

    بل هل يهم أن يكون الحب في المعادلة؟ …  نعم، دائماً وأبداً.

    لولا الحب، ربما لن يكون هناك صبر في أي عمل.

  • ما هي الحقيقة خلف كل كاتب؟

    … أنهم أشخاص قرروا أن يكتبوا … فقط.

    كل إنسان يستطيع الكتابة في هذا العالم، وتختلف الأساليب والمواضيع ويختلف حجم اهتمام الآخرين اتجاه ما يكتب أي كاتب.

    سمُي الكاتب كاتب لآنه يكتب، وسمي الرسام رسام لأنه يرسم وسمي المغني مغني لأنه يغني، والشيء المشترك في الصفات المذكورة أننا بالضرورة جميعاً نكتب وليس بالضرورة أننا نُغني!

    لا أرى أن هُناك أي اهتمام خاص يجب أن يدور حول أي شخص يكتب وبالتالي تسميته بالضرورة «كاتب» بصيغة محترفة، بل وإن دققت مثلاً في تفاصيل حياة أي فتاة مراهقة ستجد أن قدرتها على كتابة ما يمليه عليها عقلها على الوتساب وتعليقات إنستجرام أكثر بكثير في بعض الأحيان مما يمكن لأي كاتب محترف إنجازه من كتابة.

    الكتابة قرار … ومعظم مجتمعنا البسيط للأسف يصرف الكثير من الجهد في التحذلق لتوثيق الأفكار عندما يقرر أن يكتب، فتجد أن الصبغة الشعرية تغلب على فكرة ما يجب أن يتم كتابته.

    الكاتب في رأيي يجب أن يكتب ما يمليه عليه عقله وأفكاره، تماماً كما نكتب رسائلنا وإيميلاتنا للاخرين … تماماً كما نتكلم. وفي رأيي أيضاً أن كل شخص يجب أن يكتب لأنه يجب أن يكتب وليس لأنه لم يؤطر نفسه تحت مسمى «الكاتب فلان» أمام الآخرين. هنري كيسينجر، مارجريت تاتشر وآرنولد ودونالد ترامب وآندريه آغاسي وآليكس فيرجسون … اجتمعوا باقتناعهم لضرورة توثيق أفكارهم وآرائهم وتجاربهم في هذه الحياة قبل أن يموتوا فخرجت العديد من الكتب التي تحمل أسمائهم ومن تأليفهم، واختلفو جميعاً في تخصصاتهم التي لا تمت كل واحدة فيهم للأخرى بصلة … بل أنهم أبعد ما يكونون عن مُسمى «كُتاب» في مفهومنا العربي البسيط.

    أنت تكتب لأنك يجب أن تكتب، ومن حق الآخرين عليك إن اهتميت لأمرهم أن تكتب لهم … لأنك صاحب فكرة وتجربة وهذا يكفي.

  • بعد أن كتب ونشر أكثر من ٥٠٠ كتاب – إسحاق آسيموف عن الكتابة

    Photo source: Murphy Art. Elliott
    Photo source: Murphy Art. Elliott

    «كيف يمكن للإنسان أن يكون غزير الكتابة؟ أول احتياجاته ليصل إلى هذا الأمر هو شغفه لمراحل الكتابة.

    أقصد على المرء أن يكون شغوفاً للمرحلة التي بين أفكاره وإنهاء كتابه».

    ويؤمن غيره الكثير من الكُتاب أن أحد عيوب الكتابة هي: أن الكتاب لا يُكتب من تلقاء نفسه! الشغف لما بين النشر ووجود الفكرة هي المرحلة الأكثر تعاسة في حياة الكاتب. فهي مجرد عمل متواصل قد يتلقى مقابله الكثير من الصفعات قبل المديح.

    ويضيف آسيموف:

    «الكتابة بالنسة لي هي ببساطة أن أفكر من خلال أصابعي»

    «وفوق كل شيء … لا تفكر أبداً أنك لست جيداً بما يكفي، على الرجل أن لا يفكر بهذه الطريقة، إيماني في هذه الحياة بأن الآخرين يعاملون الرجل حسب تقديره لنفسه»

    «تعليم الذات بالنسبة لي … هو التعليم الوحيد الموجود»

    «لا أؤمن بخلود الإنسان; ولكن الطريقة الوحيدة لأخلق بعضاً من هذا الأمر هي من خلال كُتبي»

    «أرى أن هُناك نوعين من الكُتاب الأول: هو من ينزف بشدة من ألم التعليقات السلبية، والثاني: من ينزف بشدة من ألم التعليقات السلبية بشكل سري.»

    «أنا أكتب لنفس السبب الذي يجعلني أعيش … أكتب لكي أتنفس، فإن توقفت عن الكتابة سأموت»

  • الفن سلوك وليس وظيفة …

    … يبدأ بتكرم الفنان بعمل شيء غير مطلوب منه.

    لا يضمن نجاح هذا العمل … وبالتالي لا يتوقع مقابل.

    يتحمل المسؤلية، يتحدى الوضع الراهن ليغير شيئاً ما في نفسه أو في حياة الآخرين.

    أهم مميزات الفنان هي الكرم المستمر … والعمل المستمر … والتعلم المستمر.

    ومن أصعب تحدياته: محاربة اللاشيء … والمقاومة لإداء العمل … والطاقة السلبية لدى الآخرين.

    الفن سلوك … وليس وظيفة.

  • ماذا سيحصل إن اقتنعت أن الجميع أغبياء؟

    إن اقتنعت أن الجميع أغبياء، ستصرف عمرك تنتج أعمالاً غبية
    – جورج لويس

    وهذا ما يتعارض كثيراً مع القناعات حول إنتاج الأعمال الإبداعية.

    لاحظ أن أكثر الأمور تشويقاً في العالم هي الأمور المعروفة ببساطتها!

    كرة القدم وآبل استطاعوا أن يسحروا الجميع بجمال البساطة، ولأن البساطة كانت هي الأرض الخصبة للعمل فقد ولدت أنواعاً مختلفة من الإبداعات.

    لا تُعقد الأمر أكثر من اللازم … ركز على البساطة. والأهم … المزيد من العمل.

  • رسالتي لصديقتي: في العيش كالفنانين – أو الغنم

    صديقتي الغالية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكِ بكل خير.

    أصعب ما في الكتابة شيئان: أولها أن هذه المهنة شديدة الوحدة، فيظل الكاتب يبحث ويكتب لفترة … (وفي حالتي) يدقق ويشرف على نشر الكتاب دون أن يعلم ماذا سيفعل القارئ بما كتبه في نهاية الأمر. هل سيتقبل القارئ ما كتبه الكاتب؟ أو سيركُن الكتاب في طرف الطاولة مع كُتب أخرى؟ … والسؤال الأهم: هل سيستفيد بالفعل بما كُتب؟

    ثانيها: أن الكتاب حجة على الكاتب قبل أن يكون شرفاً أو إدعاء يحق له أن يستخدمه ليُلقب نفسه: الكاتب فُلان. ولذا أجد أن أهم ما في الكتابة هي الصراحة والصدق المتناهيين، وإلا سيشعر القارئ بكل سهولة أن الكاتب لا يعني ما يقول.

    سعادتي لا توصف عندما أستلم رسالة تحمل كل هذا الشغف والتأثر العميقين كاللذي حملته كلماتك اتجاه ما كَتبَت. 

    بالطبع يجب أن نعيش حياتنا كفنانين! … لكن دعيني أقول لكي أن القناعة شيء وأفعالنا على أرض الواقع شيئاً آخر. أعلم يقيناً أن قناعاتنا ستحدد طريقة تفكيرنا ومن ثم ستحدد طريقة أفعالنا كما يقولون دائماً. وحتى ينتهي بنا الحال كفنانين فإننا سنواجه في الطريق عدة أمور منها مقاومة المجتمع … والكسل … ونقص الإرادة والتضحيات التي سنكتشف لاحقاً أنها لم تستحق أن تكون تضحيات … وربما ينتهي العمر لنعترف أننا لم نعمل (أو نفعل) ما كُنا نُريد أن نعمله طيلة تلك السنوات، كما تحدث جوزيف كامبل طيلة حياته الثمانينية حول هذا الشأن ليختم في إحدى مقابلاته: “هؤلاء لم يتبعوا بركتهم التي أعطاهم هيا الله”.

    تعلمت يا صديقتي أن الفنان يصل في حالات كثيرة للهدف الذي عاش لأجله من خلال فنه وليس من خلال تكرار ما يفعله الآخرون، وفي حالات أكثر يصل بعد موته لأهدافه التي لم يستطع الوصول إليها في حياته.

    تعلمت أنه ليس هُناك جائزة لأفضل من يسمع كلام الآخرين في العالم، ولكن في المقابل يوجد تاريخ سيتذكر ماذا فعلتِ كفنانة … ويوجد رضىً نفسي -لا يُقدّر بثمن- عن حياتك التي صرفتيها بالعمل كالفنانين.

    وتعلمت أيضاً يا صديقتي أن الكثير الكثير منّا اختاروا أن يعيشوا حياتهم كالغنمة! … نعم أنا آسف كالغنمة: تأكل وتشرب وتنام وتصرف حياتها بأن تكون مُسالمة وضمن القطيع. يُلغون أفضل نِعم الله عليهم بتجاهل العقل … ويلغون أفضل ثاني نعم الله عليها بتجاهل الحرية.

    أرجو أن تستمري في كل تفاصيل حياتك كما فعلتي حتى وصلتي إلى ما وصلتي إليه الآن، وأعلم يقيناً أنكِ ستكوني أحد أهم من عاش حياته التي اختارها لنفسه.

    يقول سقراط: “إن خيرني الله بأن أصل إلى النجاح الكامل، أو القدرة على التحمل المتواصل حتى أصل إلى النجاح … سأختار الثانية”.

    دمتي بخير وسعادة

    وشكراً جزيلاً لكِ.

    أحمد

زر الذهاب إلى الأعلى