تخطى الى المحتوى

المدوّنة والحرب

رسالة نور من غزّة: عن شكل الحياة، وقت الفراغ، والحُب الذي يُسبب لنا الأحزان.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
2 دقائق قراءة
المدوّنة والحرب
Photo by Patrick Fore / Unsplash

هنا رسالة قارئة كريمة من غزة، بقلم المهندسة/ نور عبد اللطيف.

ترد نور على مقالات المدوّنة وتشاركني من فترة لأخرى شكل أيامها، وبعض أفكارها وتأملاتها. وها هي أحلّت مشكورة على بريدي الإلكتروني، وكتبت لي هذه الرسالة الكريمة، والتي استأذنت في نشرها لقراء المدونة.

شكرًا نور!


مرحبا أ. أحمد،

قرأت مقالاتك كالعادة تباعًا، والتي كنت قد ادخرتها أيضًا وحملتها لأستطيع قراءتها في وقت لاحق. وصلت لمقال «لماذا نقع في الحب رغم الأحزان التي يسببها»، وتذكرت غزة، ولماذا أحبها رغم القهر والحزن الذي تسببه، ولكن كما ذكرت في مقالك: (… هو مجرد مسألة تحديد نوع من البؤس يمكننا تحمله).

آمنت وصدقت بذلك خاصةً هذه الأيام. عندما أريد الذهاب لأقضي أمرًا واحدًا من احتياجاتي، يستغرق ذلك نهارًا كاملًا إن استطعت قضاءه؛ كل شيء مجهول هنا! هل سأجد مواصلات؟ وفي النهاية، هل حقًا سأعود مشيًا على الأقدام؟ هل سأستطيع الشراء نقدًا أم أن البيع أونلاين هو الحل إن كان موجودًا أصلًا؟ وهذه قصة وحدها لمن ليس له حساب بنكي قبل الحرب، وأنا التي كنت أقضي جميع أموري سابقًا عبر التسوق الإلكتروني.

وفي غالب الأحيان أمنع نفسي من البكاء من شدة التعب، وأعود مرغمة مشيًا على الأقدام، وأقسم ألا أخرج مرة أخرى، ولكن هل باليد حيلة؟ سنخرج ونرى ما لا يتحمله حجر. يوميًا أنظر للبيوت التي وكأنها دخلت في خلاط، ليس لها معالم، وشوارع أصبحت طينية تختلط بها مياه المطر مع مياه الصرف الصحي التي ستغض الطرف عنها وتمشي فوقها وتقول: إلنا الجنة يارب.

وعند الوصول لمقال «الاستفادة القصوى من وقت الفراغ»، وكتبت في نهايته: "لعنة الله على مقاطع الريلز"… تخيل عامين وشهرين وأنا أسترق الإنترنت استراقًا فقط لقضاء أمور مهمة سريعًا، وجدت أنه لا أهمية لأي شيء من هذه الدوامة التي يسحبوننا إليها. حتى الآراء والأفكار التي يتم تداولها تسقط أهميتها بسبب وجودها في منصات الترفيه هذه. تخيل أنني كنت قبل أكتوبر ٢٠٢٣ أعاني من ضياع الوقت، وأحيانًا عندما أفكر بالموضوع: ألم تكن هناك طريقة أخرى للتخلص منها سوى قطع الإنترنت؟ ليتني كنت أكثر حزمًا مع نفسي، ولكن هي الحرب، كما لها مساوئ لها محاسن أيضًا.

وعند ذكري لمحاسن الحرب، أتذكر جيدًا لما ضاقت بنا الأمور جدًا بعد مرور عام تقريبًا من الحرب، فاجتمعت بنا "ماما"، وكان العدد الإجمالي في الشقة ٣٠ شخصًا - بين بالغين وأطفال - وقالت: سنجلس ونذكر محاسن ومساوئ الحرب. كتبت نقاط عديدة لنجد أن هناك محاسن للحرب، وهذه المحاسن ليست بالأمور الهينة التي يمكن الحصول عليها بسهولة، كأنها دورة مكثفة لتصقل شخصياتنا وتُقوّم طباعنا، لنرى الدنيا على حقيقتها ونشعر بمعانٍ لو عرفها الآخرون لدفعوا الأموال ليشعروا بها. آسفة على الإسهاب بالشرح 😉.

كنت قد كتبت الكثير بعقلي وأنا أقرأ المقالات تباعًا وأعلق عليها شفهيًا، ووعدت نفسي أن أدون لاحقًا ما تبادر لذهني وأرسله لكم، ولكن للأسف تبخر؛ في المرة القادمة سأدون سريعًا حتى لا يتبخر ما أود قوله.

أكتب اليوم هذا الإيميل ولدي خبر مفرح جدًا، حيث تم اليوم تشغيل غسالة الملابس الأوتوماتيك لأول مرة منذ بداية الحرب، وهذه لحظة يجب أن توثق. ومن المضحك في الموضوع أن أولاد إخوتي قد وُلدوا بداية الحرب ولا يعرفون الغسالة؛ وقفوا أمامها، أحدهم صار يقفز وكله حماس، والأخرى خافت أن تقترب وكادت أن تبكي.

اللهم عوضنا عوض خير عن كل ما فقدناه.

ودمتم بخير وأفضل حال.

نور عبد اللطيف - غزة، فلسطين

شؤون اجتماعية

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

أن تنصت لوالديك؛ وتُتقِن فن الكذب بالنسبة لمارك توين

من خطابه الذي ألقاه عام ١٨٨٢م.

أن تنصت لوالديك؛ وتُتقِن فن الكذب بالنسبة لمارك توين
للأعضاء عام

أزمة منتصف العُمر شكل من أشكال الكوميديا السوداء

مقالة ساخرة عن العرض والطلب

أزمة منتصف العُمر شكل من أشكال الكوميديا السوداء
للأعضاء عام

مارسيل بروست والحُب

إن من المحزن أن نرى كيف يمكن للرجل الذكي الذي يُحِب أن يصبح غبيًا أمام امرأة قد لا تملك أي صفة تميزها سوى أنها لا تحبه.

مارسيل بروست والحُب