• أتعرف كيف يتحكم الإنسان بمصيره؟

    «تحب أن تتخيل نفسك متحكمًّا في مصيرك، وتخطط بوعي لمسار حياتك بأفضل ما يمكنك. لكنك إلى حد كبير غير مدرك لمدى عمق سيطرة عواطفك عليك. تجعلك العواطف تنحرف نحو الأفكار التي تهدئ نفسك. تجعلك تبحث عن أدلة تؤكد ما تريد بالفعل تصديقه. إنها تجعلك ترى ما تريد أن تراه، اعتمادًا على حالتك المزاجية، وهذا الانفصال عن الواقع هو مصدر القرارات السيئة والأنماط السلبية التي تطارد حياتك. العقلانية هي القدرة على مواجهة هذه التأثيرات العاطفية، والتفكير بدلاً من ردة الفِعل، والتنبّه داخل عقلك على ما يحدث بالفعل، وذلك على عكس ما تشعر به. هذا الأمر لا يأتي بشكل طبيعي. إنها قوة يجب أن ننميها، بهذا السلوك نستطيع أن نعرف أقصى إمكانياتنا الحقيقية.»

    – روبرت جرين (قوانين الطبيعة البشرية).

    عندما نعتقد أن العقلانية تحارب العواطف دومًا، فنحن ربما لم ندرك الأمر بحجمه الحقيقي. فالوعي بـ«عقلانيتنا» هو الخطوة الأولى عند كل قرار نتخذه كان صغيرًا كان أم كبيرًا في يومنا. لا شيء يحدث بمجرد الإدراك دون عمل. التذكير وتنفيذ الاستمرار برفض قطعة السُكر التي أمامنا ليس خسارة.. بل كسب للمزيد من الصحة ولحظات إضافية بعيدين عن المرض والإدمان. قطعة السُكر تتحول وتتشكل لتكون ساعات نوم إضافية، وتأجيل، وكنبة بدلًا من الدراجة، نيتفليكس بدلًا من كتاب.

    كم هو صعب إخراج أقصى إمكاناتنا الحقيقية. الأصعب منه خذلان النفس بعد فوات الأوان بسبب العواطف. نشد الأزر قليلًا؟

  • لماذا يُحب الناس الأبيض والأسود فقط؟

    «لدى البشر غريزة درامية قوية تجاه التفكير الثنائي، دافع أساسي لتقسيم الأشياء إلى مجموعتين مختلفتين، مع وجود فجوة فارغة بينهما. نحن نحب التقسيم. جيد مقابل سيء. الأبطال مقابل الأشرار. بلدي مقابل البقية. إن تقسيم العالم إلى جانبين متميزين أمر بسيط وبديهي، وأيضًا درامي لأنه يتضمن صراعًا، ونحن نفعل ذلك دون تفكير طوال الوقت». يعلّق العالِم الراحل هانس روزلين، والذي يُصف نفسه إنسانًا واقعيًا بشكل مبالغ، أكثر من كونه إنسانًا متفائل كما عُرف عنه في كتابه (Factfulness).

    «فكر في العالم. حرب، عنف، كوارث طبيعية، كوارث من صنع الإنسان، فساد. الأشياء سيئة، ويبدو أنها تزداد سوءًا، أليس كذلك؟ الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرًا؛ وعدد الفقراء آخذ في الازدياد؛ وسوف تنفد الموارد قريبًا ما لم نفعل شيئًا جذريًا. على الأقل هذه هي الصورة التي يراها معظم الغربيين في وسائل الإعلام ويحملونها في رؤوسهم. أسميها النظرة الدرامية للعالم. إنها مرهقة ومضللة.

    في الواقع، تعيش الغالبية العظمى من سكان العالم في مكان ما في منتصف مقياس الدخل. ربما ليسوا كما نعتقد أنهم طبقة وسطى، لكنهم لا يعيشون في فقر مدقع. تذهب فتياتهم إلى المدرسة، ويتم تلقيح أطفالهم، ويعيشون في أسر مكونة من طفلين، ويريدون السفر إلى الخارج لقضاء عطلة، وليس كلاجئين. إن العالم آخذ في التحسن خطوة بخطوة، عاما بعد عام. ليس على كل مقياس واحد كل عام، ولكن كقاعدة عامة. على الرغم من أن العالم يواجه تحديات ضخمة، لقد أحرزنا تقدمًا هائلاً. هذه هي النظرة القائمة على الحقائق».

    من غير المجدي أحيانًا أن نُفكِر إن كان الحال بالغ السوء أو بالغ التحسُن. ذلك يحدُث لأن أغلب الناس يفضلون أن يشاهدوا العالم بأعُين سوداء أو بيضاء تامة، فهي أسهل على الفِهم، يستمتع الإنسان بهذه النظرات بإحساس نشوة الفِهم حتى وإن كانت سطيحة، لا يريد أحد أن يشعر بالغباء! ولذلك نعتقد أن الوقوف مع فريق ضد آخر أو موقف ضد نقيضه يضمن لنا مكانًا مع مجموعة، مجموعة تُعطينا درعًا ضد عدم الفِهم أو إحساس الغباء.

    المثير للمتابع أن كل العالم بكل تفاصيله الجغرافية والاجتماعية والسياسية والدينية، يقع في مكانٍ ما في الفجوة الفارغة (التي ذُكِرت بداية المقالة). لا شيء أسود ولا شيء أبيض. حتى علاقاتنا وحياتنا، فيها الكثير من عدم السواد والأبيض الملائكي.

    حبنا للدراما يجعلنا نقف على تلك الألوان ونهُمل ما تبقى.

  • المشكلة ليست في القرار.. بل في الاستمرار فيه

    الأكل الصحي والرياضة والاستيقاظ المبكر؛ في كل مرة يتخذ أحدهم القرار بالانضباط فيهم يكون أغلب الظن صادقًا مع نفسه، لحظتها على الأقل! فهو لا ينافق أحدًا ولا يحاول أن يستعرض أمام الآخرين بهذا الروح المفعمة للتغيير بقدر الاقتناع بأهميته.

    كذلك في عالم الادخار والاستثمار. تسأل أي متخصص مالي عن سر الثراء يُجيبك دون أن يخرج في كلامه عن نصيحة تقليدية وهي: ضرورة تبني عادة الادخار والاستثمار بشكل مستمر لفترات طويلة دون انقطاع، وإن كنت صغيرًا في السن ستكون فرصتك لتحمل المخاطر والتقلبات أعلى.

    المشكلة أن الإنسان يتغير مزاجه وأهدافه وردات فعله باستمرار، أحيانًا في اليوم الواحد عدة مرات.. «يحدث التقدم ببطء شديد بحيث لا يمكن ملاحظته، لكن الانتكاسات تحدث بسرعة كبيرة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها» يعلق مورجان هوسل في كتابه «سيكلوجيا المال». الانتكاسة هنا: تغير المزاج والأهداف وردات الفعل.

    ويُضيف هوسل: «يعرّف نابليون العبقرية العسكرية: هو ذلك الرجل الذي يمكنه فعل الشيء العادي عندما يصاب كل من حوله بالجنون.» والعبقرية هُنا في استحضار الهدف الأكبر وسط جنون البقية، وهو أن نبقي على الاستمرار فيما قررنا فيه.

    لكن ماذا إن كان الجنون هو جنون الأفكار داخلنا؟ عندما يقع مؤثر يبعدنا عن قرار الاستثمار أو الصحة أو عدم لمس علبة السجائر أو العمل على مشروعنا القادم؟ ماذا إن تعاملنا مع فكرة أننا مجانين عندما نفقد التركيز. ماذا إن كان التركيز هو فقط تعلّم قول كلمة لا.

    فبها نتقدم خطوة للاستمرار في القرار. وهنا لا يكون هناك مشكلة لا في القرار ولا في استمراريته.

  • علاج مقترح لإدمان القهوة

    لا أتحدث عن إدمان تصوير القهوة. بل عن شربها.

    يتطبع أي إنسان بِطباع المكان الذي يسكنه بعد فترة، وكانت القهوة الأميركية اليومية إحدى نتائج مكوثي لعامين تقريبًا في الولايات المتحدة.

    تستطيع شراء كيلو من بُن القهوة الأميركية بقرابة العشر دولارات من إحدى متاجر «كوستكو». هذه الكمية المدفوعة بسلوك استهلاكي أميريكي تقليدي تشجعك بشكلٍ غير مباشر في تعاطيها أكثر من الإنسان العادي خلال الشهر، ولا أنكر أن حبي للقهوة عمومًا لا يمانع الكميات الكبيرة، وخوفي من حصول الخفقان اليومي أجبرني على البحث عن حلول بديلة وبالطبع لم يكن الشاهي والأعشاب على طاولة الاقتراحات.

    كان الحل هو أن أشتري كيلو آخر من بُن القهوة منزوعة الكافيين، ليتم خلطهم كل صباح مع القهوة العادية.. لتكون النتيجة قهوة بكميات كبيرة مخففة الكافيين.

    شحنت هذه العادة معي عندما عُدت إلى جدة.

  • هناك أمور لا يحلها إلا الصبر

    عندما نتابع بعض أعظم العقول في التاريخ، سنجد أن الصبر وحده كان أحد أهم الأسلحة الأهم التي تصدوا به للكثير من العقبات، وأحيانًا يكون هو الأداة التي جعلتهم يحصلون أيضًا على الكثير من المكاسب.

    «في الواقع، نشعر بالحاجة إلى مزيد من المعلومات بسرعة أكبر.  يميل نفاد الصبر هذا إلى الامتداد إلى جوانب أخرى من حياتنا، مثل قراءة كتاب، ومشاهدة فيلم. يقل مدى انتباهنا، وكذلك تسامحنا مع أي عقبات في طريقنا.» يعلّق روبرت جرين في كتابه «طبيعة النفس البشرية».

    «انتظر يوم أو يومين قبل أن تتخذ أي قرار. ثانيًا: عندما نواجه تحديًا مهمًا في حياتنا، يجب أن نبقي أعيننا على الأهداف طويلة المدى حتى نصل إليها، يتطلب ذلك [في حال ارتباط التحدي مع أشخاص آخرين] أن نقيّم نقاط الضعف والقوة لديهم ونحاول استثمارها. هذه النظرة الواضحة تجعلنا مبتعدين عن التفاعل العاطفي غير المبرر… وأخيرًا، من المهم أن نملك إيمانًا بأن الوقت سيقف في صفنا وسيُديم الحال الأفضل».

    رأيت في حياتي محاولات سريعة ومكثّفة وممتدة من أشخاص لمعالجة أحزان شخص عزيز فقد أحد أحبته من خلال اقتراح خرجات وسفر وابتسامات واقتراحات لتجنب الحزن، وننسى أن الأيام وحدها كفيلة بتخفيضه.

    ينطبق ذلك على المرض، أو خسارة وظيفة أو مبلغًا من المال أو حتى انتهاء علاقة عزيزة. نتناسى أن الخسارة جزء أصيل من حياتنا. ولأننا مبرمجين على السرعة، أصبح الصبر مهمة أصعب من أي وقتٍ مضى. فهناك سيل من الأخبار والمستجدات والتغييرات كل يوم؛ توهمنا بأننا يجب أن نكون على نفس النهج حتى وإن كان مضمار حزن أو ألم.

    أصبحنا سريعين في تلقي الأخبار وسريعين في تناول وجباتنا، ونريد أن نكون سريعين في الترقيات ونبحث عن سرعة استجابة لطلباتنا وتوقعاتنا من أزواجنا، ونريد أن نكون سريعين في علاج أنفسنا من الألم والبؤس.

    ننتظر الحلول السريعة، وننسى أن الصبر هو الهدوء في ردة الفعل يتبعها هدوء في التركيز على الهدف الأكبر ليتبعها انتظار التغيير إلى حالٍ أفضل.

    الحال لا يتغير بسرعة، تغير أنت لحالٍ أفضل.

  • ركز في الجهود.. وليس النتائج

    نحن لا نتحكم بالنتائج، ولا نستطيع أن نُجبر الآخرين على التحكم بها لأجلنا.

    نحن نستطيع أن نركز على ما هو في اليد، الآن.. وكل يوم.

    نعرف كيف نُعلم أنفسنا المقاومة، وأن نرتكز على ما تبقى من أمل.. يومًا بيوم ودون توقف.

    نعرف كيف نعلم أنفسنا أننا المسؤولون الوحيدين عمّا نقوم به؛ كما نعرف أن النتائج هي المسؤولة عن نفسها.

    المزيد من المقاومة.. هي كل ما نحتاجه.

    وقبلها.. المزيد من تذكير النفس بأنها يجب أن تقاوم يومًا بيوم.

  • البديل الثالث للعلاقات العميقة والسطحية

    ليس كل علاقاتنا من المفترض بها أن تكون عميقة.

    بصراحة.. في هذا الزمن نحن بالكاد نجد الأوقات للمتاح في علاقاتنا بالأشياء والأشخاص.

    وأعتقد أن هناك بديلًا ثالثًا بين العُمق والسطحية: المصلحة.

    وعندما أقول مصلحة أنا لا أقصد النفاق أو الاستغلال بمعناهما السلبي.

    أن نملك شيء لا نحتاجه مع اقتناع لاحق بأننا لا يجب أن نقتنيه هو امتلاك سطحي، وأن نرتدي كل يوم نفس الساعة لسنوات طويلة يعتبر بمثابة العلاقة العميقة مع الشيء؛ ولكن هناك أشياء لا نبني معها علاقة إلا وقت حاجتنا لها بالجوار من فترة لأخرة (كأدوية الصداع).

    وبالنسبة للأشخاص -مع فارق التشبيه طبعًا- ربما من الأجدى أن نُركز على القريبين ثم الأبعد قليلًا من الأهل والأصدقاء، ونبقي الأخرين بالجوار يقفون معنا وقت الحاجة، ونقف معهم عندما يحتاجونا. بصدق.

    تزداد الحاجة للآخرين في الكم والعُمق المؤقت مثل وقت الأزمات (كالعزاء، والمرض، ونقص المال). والإنسان لا يستطيع أن يحول كل شخص يعرفه في حياته إلى إنسان يملك علاقة عميقة معه، لأنها لا يملك الوقت ولا الذهن ولا المساحة لذلك كما قلنا.

    شخصيًا لو كنت أملك تلك المساحة لتصادقت مع كل إنسان قرأ كتابًا لي، إلا إن الحدود تحدّنا مع الأسف، في الوقت الذي أحاول أن أكون فيه على أُهبة الاستعداد وقت المساعدة، مع تمني نفس الشيء.

    المعارف شيء جميل، يجب أن يحرص الإنسان في رأيي على توسيع دائرته فيها، إلا إن الشق الآخر من المعادلة يقول: ليس كل إنسان يجب نقضي وقتًا طويلًا معه.

    كذلك أدوية الصداع، تتحول إلى سموم إن تعاطيناها كل يوم.

  • نحن لا نشتري.. نحن نستعير الأشياء ثم نبقيها

    أهلًا بالقارئ الكريم.

    لم أكن أود أن أبدأ باعتذار أو بمشاركة مستجداتي الشخصية كما يقوم الكثير من المدونين الشباب، فمثل هذه المشاركات وإن كانت مقتضبة فهي -بالنسبي لي- مضيعة لوقت القارئ الكريم، والذي أرى أنه من الأولى له استثماره في قراءة الأفكار والأمور التي قد تُضيف شيئًا ما في حياته. مضى وقت طويل وأنا لم أمارس الامتنان لله سبحانه على قدرة التعبير من خلال الكلمات. مضى وقت طويل نسبيًا وأنا لم أكتب شيئًا قابل للمشاركة، وهنا يجب أن أُقسِّم الاعتذار لكل محب ينتظر، وبين نفسي التي عاهدتها بأن القلم لا يجب أن يتوقف حتى يوم أخذ الأمانة.

    أود أن أقول على استحياء إنني عُدت لجدة، وهذا سبب التوقف؛ أبحث عن بعض الاستقرار والكثير من الوقت المسروق.. وطبعًا البحث عن روتين جديد وطُرق نفسية لمحاربة الوزن الزائد والالتزام بنمط حياة صحي. هناك الكثير لأحكي عنه، فأتمنى أن تكون بالقرب.


    عندما نشتري الأشياء في حالات كثيرة، نحن في الواقع نستعيرها لتُظهِرنا بالشكل الذي نعتقد أنه الأمثل للـظهور، إلا أننا لا نقوم بإرجاعها.

    نحن نركز على الرمزية والإحساس أكثر من القيمة.

    تنخفض قيمة الأشياء كلما تضخّم الجوهر. فإن قام أحد الممثلين أو الكُتاب المعروفين أو بيل جيتس بالتأنق سيقول الجميع «ما شاء الله ثري وأنيق، من غيره يستطيع فعل ذلك؟»، وإن قرر أن يكون بسيطًا كما هو معروف عنه، فإننا نسمع «أغنى رجل في العالم يلبس ملابسًا بسيطة ما شاء الله». هذا المدح والتقدير يُعطى لبعض الناس في كل الأحوال بسبب وضوح الجوهر والمتمثل في الإنجاز. وأخشى أننا نحن والبقية نحاول تغليف الجوهر بالتأنق أو بإظهار ما لسنى عليه في الواقع. وأخشى إننا لذلك أيضًا ندفع الكثير من المال والجهد لنستعير رمزية الأشياء، فالكثير أيضًا يبحث عن وضعيات أمام الكاميرا لتعطي الآخرين الإيحاء بأن جوهرهم أعلى مما يبدون عليه في الواقع. فنستعير الصور لنخبر الآخرين إننا مثلهم.. مهمين ومحبوبين وموجودين. ونستعير الحاجيات من أجل تلك الصور وبعض المناسبات.

    وأخشى أن يُترك جوهرنا وحيدًا معنا يبحث عن قيمته.

  • السيجارة الأولى

    عندما يدخن المراهق سيجارته الأولى، تستطيع أن تلاحظ مدى الفوضى التي يمر بها هذا الإنسان. فهو إما يرجف من الخوف وينظر في كل اتجاه منتظرًا أباه ليكشفه، أو بالكاد يأخذ نَفسَه أو يحاول مسك سيجارته بطريقة لا تجعل الآخرين يضحكون عليه وعلى كحته.

    تحديات تقنية واجتماعية تواجهه وقتها؛ هو لا يريد أن يدو غبيًا أمام أصدقائه في عدم قدرته على تجويف السيجارة، وفي نفس الوقت لا يود أن يخبر أهله أنه مرحليًا في بداية الغباء. أجزاء متناثرة منه بين أهله وأصدقائه ومع نفسه ونَفَسِه، يتناسى تركيبته مع حماس التحدي الجديد الذي دخل حياته، هو مهتم للتجربة، يريد أن يتغير، يريد أن ينضم لنادٍ جديد غير النادي الذي اعتاد عليه.

    السيجارة الثانية تصبح أسهل مع بعض الإرشاد والنُصح.

    ومع العاشرة.. يبدأ المراهق بإعطاء الأخرين نصائح في اختيار نوع السجائر.

    هو في واقع الأمر يُلبي حزمة أحاسيس معقدة داخله.. الفضول، الكبرياء، التقليد، التجربة، والإثارة، والدسدسة.

    السيجارة الأولى كباقي شؤون الحياة، تبدو أصعب مما هي عليه.

    السيجارة الأخيرة كبعض شؤون الحياة أيضًا، البقاء معها أسهل من تركها.

    نفس الإنسان ونفس التربية والمجتمع، تتغير مناطق راحته وتتغير شؤون حياته، فما كان صعبًا في البداية أصبح صعبًا في تركه.

    إحساس الراحة يبدأ بمجاراة الآخرين، نعتاد عليه.. تمامًا مثل السيجارة الأخيرة. نكتشف أن منطقة الراحة الحقيقية هي تحدي الوضع الراهن لنغير أنفسنا ونبحث عن مناطق راحة حقيقية.

    نبحث عن سجائر جديدة لا تضر صحتنا.

  • حادث أمام منزلي

    عند عودتي إلى المنزل الأسبوع الماضي، وجدت سيارة قد اصطدمت بعنف أمام مرآب أحد الشقق. كان الاصطدام غريبًا في ممر ضيق للسيارات وشديدًا لدرجة جعلتني اقتنع أن السيارة قد انتهى أمرها مع خروج كل «الآيرباجات» من الجهة الأمامية، واعتقادي أن السائق قد انتهى أمره في البداية.

    ركنت السيارة في موقفي المخصص ونزلت لأتأكد عن حالة السائقة والتي كانت آنسة لاتينية شابة، ومع الأسف ليست في وعيها الكامل لأنها كانت تقود تحت تأثير الكحول. صرخت البنت صرخات هيستيرية تخبرني فيها أنها ليست بخير، خشيت أن تكون تحت تأثير إصابة جسدية دون أن تشعر بها. أخذتها إلى المنزل، وقامت زوجتي بتطبيب جراح سطحية على يدها. أخبرتها إنني سأتصل على ٩١١ كي أبلغهم بما حدث، إلا إنها أعادت الصراخ مرة أخرى تخبرنا -مع الأسف أيضًا- إنها قد تعرضت مرتين للاعتقال، وهذه المكالمة قد تقودها إلى طريق مظلم.

    تأكدت أنها أصبحت على ما يرام ولله الحمد، ثم طلبت منها مهاتفة أحد أصدقائها كي يقلها، إلا أنها فضّلت السير إلى منزلها والذي كان في نفس المجمّع، تركتنا على خير وقد أخبرتنا أن جهة ما ربما ستتولى موضوع السيارة التي لم تعد تريدها (بالمناسبة كانت من نوع ليكزس إي إس موديل ٢٠١٣ تقريبًا).

    تُركِت السيارة سادة للطريق لساعتين، مما اضطرني للتواصل مع ٩١١ نهاية المطاف.

    «ما هو عنوانك؟» كانت الجملة الأولى التي سألوني إياها فور ردّهم على الهاتف. أعطيتهم تفاصيل السيارة، وسألوني إن كان هناك أي حريق، أجبتهم بالنفي، وخلال ساعة قاموا بإزالة السيارة من مقر الحادث.

    تواصل معي قسم الشرطة بعد ثلاث ساعات وسألوني إن كُنت قد تعرّضت لإصابة، وأخبرتهم إنني مجرد قاطن في المجمع السكني وشاهد من بعيد بعد حصول الحادث، ولا شيء يخصني سوى رغبتي بإزالة السيارة عن الممر. شكروني وأغلقوا الخط.

    البارحة.. جاءني اتصال ثاني يبلغني المتصل إنني (حسب اعتقاده) إن كنت محتاجًا لأي تطبيب من أي نوع، فإن حكومة فلوريدا تعرض عليَ خدمات مجانية (ربما نفسية وجسدية) إلا إنني كررت إجابتي بأنني غير مشترك في الحادث، إنما مجرد ساكن. بالغ في شكره، وأبلغني أن اسمي سيُزال من البيانات كوني لستُ طرفًا في الحادث.

    أعجبني التفاعل. وقررت أن أخبركم بهذه القصة من باب توثيق الأحداث.

    كان تعليق معظم الأصدقاء أنه لم يكن علي المخاطرة بإدخالها إلى منزلي، إلا إنني والله الشاهد كان دافعي إنسانيًا، إلا أن التعليقات استمرت بأن هذا التصرف كان مخاطرة قد تنقلب عليَ (يهمني أن أسمع رأي القارئ الكريم هنا).

    عمومًا لو عادت بيَ الظروف ربما كنت سأتصرف نفس التصرف، آخذًا في الاعتبار احتمالية أن يكون أحد أحبتي مكانها، مما سيجعلني أتمنى نفس التعامل معها.

    الأمر الآخر، أن عدم تواصلي مع ٩١١ لم يكن منطقيًا، فهناك شخصٌ ما يجب أن يزيل السيارة.

    قصتي الثانية في مقالة قادمة، والتي كانت أشد قسوة مع الأسف مع إحدى صديقات العائلة، والتي انتهت على خير.

    كان الله في عون الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى