• البديل الثالث للعلاقات العميقة والسطحية

    ليس كل علاقاتنا من المفترض بها أن تكون عميقة.

    بصراحة.. في هذا الزمن نحن بالكاد نجد الأوقات للمتاح في علاقاتنا بالأشياء والأشخاص.

    وأعتقد أن هناك بديلًا ثالثًا بين العُمق والسطحية: المصلحة.

    وعندما أقول مصلحة أنا لا أقصد النفاق أو الاستغلال بمعناهما السلبي.

    أن نملك شيء لا نحتاجه مع اقتناع لاحق بأننا لا يجب أن نقتنيه هو امتلاك سطحي، وأن نرتدي كل يوم نفس الساعة لسنوات طويلة يعتبر بمثابة العلاقة العميقة مع الشيء؛ ولكن هناك أشياء لا نبني معها علاقة إلا وقت حاجتنا لها بالجوار من فترة لأخرة (كأدوية الصداع).

    وبالنسبة للأشخاص -مع فارق التشبيه طبعًا- ربما من الأجدى أن نُركز على القريبين ثم الأبعد قليلًا من الأهل والأصدقاء، ونبقي الأخرين بالجوار يقفون معنا وقت الحاجة، ونقف معهم عندما يحتاجونا. بصدق.

    تزداد الحاجة للآخرين في الكم والعُمق المؤقت مثل وقت الأزمات (كالعزاء، والمرض، ونقص المال). والإنسان لا يستطيع أن يحول كل شخص يعرفه في حياته إلى إنسان يملك علاقة عميقة معه، لأنها لا يملك الوقت ولا الذهن ولا المساحة لذلك كما قلنا.

    شخصيًا لو كنت أملك تلك المساحة لتصادقت مع كل إنسان قرأ كتابًا لي، إلا إن الحدود تحدّنا مع الأسف، في الوقت الذي أحاول أن أكون فيه على أُهبة الاستعداد وقت المساعدة، مع تمني نفس الشيء.

    المعارف شيء جميل، يجب أن يحرص الإنسان في رأيي على توسيع دائرته فيها، إلا إن الشق الآخر من المعادلة يقول: ليس كل إنسان يجب نقضي وقتًا طويلًا معه.

    كذلك أدوية الصداع، تتحول إلى سموم إن تعاطيناها كل يوم.

  • نحن لا نشتري.. نحن نستعير الأشياء ثم نبقيها

    أهلًا بالقارئ الكريم.

    لم أكن أود أن أبدأ باعتذار أو بمشاركة مستجداتي الشخصية كما يقوم الكثير من المدونين الشباب، فمثل هذه المشاركات وإن كانت مقتضبة فهي -بالنسبي لي- مضيعة لوقت القارئ الكريم، والذي أرى أنه من الأولى له استثماره في قراءة الأفكار والأمور التي قد تُضيف شيئًا ما في حياته. مضى وقت طويل وأنا لم أمارس الامتنان لله سبحانه على قدرة التعبير من خلال الكلمات. مضى وقت طويل نسبيًا وأنا لم أكتب شيئًا قابل للمشاركة، وهنا يجب أن أُقسِّم الاعتذار لكل محب ينتظر، وبين نفسي التي عاهدتها بأن القلم لا يجب أن يتوقف حتى يوم أخذ الأمانة.

    أود أن أقول على استحياء إنني عُدت لجدة، وهذا سبب التوقف؛ أبحث عن بعض الاستقرار والكثير من الوقت المسروق.. وطبعًا البحث عن روتين جديد وطُرق نفسية لمحاربة الوزن الزائد والالتزام بنمط حياة صحي. هناك الكثير لأحكي عنه، فأتمنى أن تكون بالقرب.


    عندما نشتري الأشياء في حالات كثيرة، نحن في الواقع نستعيرها لتُظهِرنا بالشكل الذي نعتقد أنه الأمثل للـظهور، إلا أننا لا نقوم بإرجاعها.

    نحن نركز على الرمزية والإحساس أكثر من القيمة.

    تنخفض قيمة الأشياء كلما تضخّم الجوهر. فإن قام أحد الممثلين أو الكُتاب المعروفين أو بيل جيتس بالتأنق سيقول الجميع «ما شاء الله ثري وأنيق، من غيره يستطيع فعل ذلك؟»، وإن قرر أن يكون بسيطًا كما هو معروف عنه، فإننا نسمع «أغنى رجل في العالم يلبس ملابسًا بسيطة ما شاء الله». هذا المدح والتقدير يُعطى لبعض الناس في كل الأحوال بسبب وضوح الجوهر والمتمثل في الإنجاز. وأخشى أننا نحن والبقية نحاول تغليف الجوهر بالتأنق أو بإظهار ما لسنى عليه في الواقع. وأخشى إننا لذلك أيضًا ندفع الكثير من المال والجهد لنستعير رمزية الأشياء، فالكثير أيضًا يبحث عن وضعيات أمام الكاميرا لتعطي الآخرين الإيحاء بأن جوهرهم أعلى مما يبدون عليه في الواقع. فنستعير الصور لنخبر الآخرين إننا مثلهم.. مهمين ومحبوبين وموجودين. ونستعير الحاجيات من أجل تلك الصور وبعض المناسبات.

    وأخشى أن يُترك جوهرنا وحيدًا معنا يبحث عن قيمته.

  • السيجارة الأولى

    عندما يدخن المراهق سيجارته الأولى، تستطيع أن تلاحظ مدى الفوضى التي يمر بها هذا الإنسان. فهو إما يرجف من الخوف وينظر في كل اتجاه منتظرًا أباه ليكشفه، أو بالكاد يأخذ نَفسَه أو يحاول مسك سيجارته بطريقة لا تجعل الآخرين يضحكون عليه وعلى كحته.

    تحديات تقنية واجتماعية تواجهه وقتها؛ هو لا يريد أن يدو غبيًا أمام أصدقائه في عدم قدرته على تجويف السيجارة، وفي نفس الوقت لا يود أن يخبر أهله أنه مرحليًا في بداية الغباء. أجزاء متناثرة منه بين أهله وأصدقائه ومع نفسه ونَفَسِه، يتناسى تركيبته مع حماس التحدي الجديد الذي دخل حياته، هو مهتم للتجربة، يريد أن يتغير، يريد أن ينضم لنادٍ جديد غير النادي الذي اعتاد عليه.

    السيجارة الثانية تصبح أسهل مع بعض الإرشاد والنُصح.

    ومع العاشرة.. يبدأ المراهق بإعطاء الأخرين نصائح في اختيار نوع السجائر.

    هو في واقع الأمر يُلبي حزمة أحاسيس معقدة داخله.. الفضول، الكبرياء، التقليد، التجربة، والإثارة، والدسدسة.

    السيجارة الأولى كباقي شؤون الحياة، تبدو أصعب مما هي عليه.

    السيجارة الأخيرة كبعض شؤون الحياة أيضًا، البقاء معها أسهل من تركها.

    نفس الإنسان ونفس التربية والمجتمع، تتغير مناطق راحته وتتغير شؤون حياته، فما كان صعبًا في البداية أصبح صعبًا في تركه.

    إحساس الراحة يبدأ بمجاراة الآخرين، نعتاد عليه.. تمامًا مثل السيجارة الأخيرة. نكتشف أن منطقة الراحة الحقيقية هي تحدي الوضع الراهن لنغير أنفسنا ونبحث عن مناطق راحة حقيقية.

    نبحث عن سجائر جديدة لا تضر صحتنا.

  • حادث أمام منزلي

    عند عودتي إلى المنزل الأسبوع الماضي، وجدت سيارة قد اصطدمت بعنف أمام مرآب أحد الشقق. كان الاصطدام غريبًا في ممر ضيق للسيارات وشديدًا لدرجة جعلتني اقتنع أن السيارة قد انتهى أمرها مع خروج كل «الآيرباجات» من الجهة الأمامية، واعتقادي أن السائق قد انتهى أمره في البداية.

    ركنت السيارة في موقفي المخصص ونزلت لأتأكد عن حالة السائقة والتي كانت آنسة لاتينية شابة، ومع الأسف ليست في وعيها الكامل لأنها كانت تقود تحت تأثير الكحول. صرخت البنت صرخات هيستيرية تخبرني فيها أنها ليست بخير، خشيت أن تكون تحت تأثير إصابة جسدية دون أن تشعر بها. أخذتها إلى المنزل، وقامت زوجتي بتطبيب جراح سطحية على يدها. أخبرتها إنني سأتصل على ٩١١ كي أبلغهم بما حدث، إلا إنها أعادت الصراخ مرة أخرى تخبرنا -مع الأسف أيضًا- إنها قد تعرضت مرتين للاعتقال، وهذه المكالمة قد تقودها إلى طريق مظلم.

    تأكدت أنها أصبحت على ما يرام ولله الحمد، ثم طلبت منها مهاتفة أحد أصدقائها كي يقلها، إلا أنها فضّلت السير إلى منزلها والذي كان في نفس المجمّع، تركتنا على خير وقد أخبرتنا أن جهة ما ربما ستتولى موضوع السيارة التي لم تعد تريدها (بالمناسبة كانت من نوع ليكزس إي إس موديل ٢٠١٣ تقريبًا).

    تُركِت السيارة سادة للطريق لساعتين، مما اضطرني للتواصل مع ٩١١ نهاية المطاف.

    «ما هو عنوانك؟» كانت الجملة الأولى التي سألوني إياها فور ردّهم على الهاتف. أعطيتهم تفاصيل السيارة، وسألوني إن كان هناك أي حريق، أجبتهم بالنفي، وخلال ساعة قاموا بإزالة السيارة من مقر الحادث.

    تواصل معي قسم الشرطة بعد ثلاث ساعات وسألوني إن كُنت قد تعرّضت لإصابة، وأخبرتهم إنني مجرد قاطن في المجمع السكني وشاهد من بعيد بعد حصول الحادث، ولا شيء يخصني سوى رغبتي بإزالة السيارة عن الممر. شكروني وأغلقوا الخط.

    البارحة.. جاءني اتصال ثاني يبلغني المتصل إنني (حسب اعتقاده) إن كنت محتاجًا لأي تطبيب من أي نوع، فإن حكومة فلوريدا تعرض عليَ خدمات مجانية (ربما نفسية وجسدية) إلا إنني كررت إجابتي بأنني غير مشترك في الحادث، إنما مجرد ساكن. بالغ في شكره، وأبلغني أن اسمي سيُزال من البيانات كوني لستُ طرفًا في الحادث.

    أعجبني التفاعل. وقررت أن أخبركم بهذه القصة من باب توثيق الأحداث.

    كان تعليق معظم الأصدقاء أنه لم يكن علي المخاطرة بإدخالها إلى منزلي، إلا إنني والله الشاهد كان دافعي إنسانيًا، إلا أن التعليقات استمرت بأن هذا التصرف كان مخاطرة قد تنقلب عليَ (يهمني أن أسمع رأي القارئ الكريم هنا).

    عمومًا لو عادت بيَ الظروف ربما كنت سأتصرف نفس التصرف، آخذًا في الاعتبار احتمالية أن يكون أحد أحبتي مكانها، مما سيجعلني أتمنى نفس التعامل معها.

    الأمر الآخر، أن عدم تواصلي مع ٩١١ لم يكن منطقيًا، فهناك شخصٌ ما يجب أن يزيل السيارة.

    قصتي الثانية في مقالة قادمة، والتي كانت أشد قسوة مع الأسف مع إحدى صديقات العائلة، والتي انتهت على خير.

    كان الله في عون الجميع.

  • أن تشعر بالغباء أمر.. وأن تبقى غبي أمر آخر

    «قد تشعر بالغباء عندما تطرح الأسئلة، لكنك تبدو غبيًا عندما لا تفهم ولا تطرح الأسئلة». كلمة السر هنا «تشعر».

    هذا الاقتباس العظيم اختصر لي أكثر من خمسمئة كلمة كنت أنوي كتاباتها لكي أقنع القارئ الكريم بأهمية تبني سلوك طرح الأسئلة والبحث عن إجابات وطلب المساعدة. أقصد بكلمة سلوك شيئًا مستمرًا وغير متوقف، أمرًا أصيل نعتاد عليه ولا يكون طارئًا في مواقف معدودة في حياتنا.

    • عندما تود التعلّم أو التعرّف على أمرٍ ما، سيكون إزعاج أسئلتك الكثيرة أقل ضررًا من احتمالية البقاء جاهلًا، ولذلك دائمًا ما أُشجع فكرة المبالغة في الأسئلة عند أي موضوع جديد، بل أسأل أحيانًا عن المخاطر والاحتمالات والمشاعر «ما هي احتمالية أن لا أستمتع في المكان المقصود للزيارة؟ هل لو عاد بك الزمن تتخذ نفس القرارات والخطوات؟ ما هي الأمور التي يجب عليَ الانتباه لها؟ هل هناك أمور لم تتوقع حصولها قد حصلت في تجربتك؟»
    • لا يوجد شيء اسمه إحراج أو «إيش يقول عني؟»، الناس تشعر بتعزّز «الأنا» عندما يسألهم الآخرين عن تخصصاتهم أو عندما يطلبون استشارة منهم، ولا أقصد هنا الاستشارات المهنية المطولة، فهذا أمر مختلف. عدم السؤال بحجة الإحراج مجرد وهم.
    • يميل الناس لمساعدة بعضهم البعض أكثر من ميلهم للتطنيش: بشرط أن يبادر الآخرين طلب المساعدة منهم. وكل من يعاتب على الآخرين تواصلهم بسبب الاعتقاد أنه «مصلحة»، يعانون في رأيي من شيء أسميه «تضخّم الكرامة».
    • بل أعتبر التواصل في أوقات المصلحة فيه حسنٌ ظن بي أكثر من اعتقادي بأنني سأكون مُستغلًّا.

    أن تشعر بالغباء أمر.. وأن تبقى غبي أمر آخر.

  • حياة حية وحياة ميتة

    يشير في أكثر من موضع الكاتب المعروف روبرت جرين بأن كل إنسان يعيش حياتين، حياة ميتة وحياة حية.

    الحياة الحية هي في انتظار شيء ما تالي سيحصل أو سيقوم بإنجازه الإنسان. إتمام إجراءات دراسة الجدوى، المذاكرة من أجل الاختبار القادم، التمرن على منافسة قادمة، إتمام مهمة صغيرة في العمل، تقطيع الفواكه لابنتي، أو الوصول لمعلومة جديدة لم أكن أعرف عنها شيء في كتابي الذي أقرأه. الحياة الحية هي التي يتقدم الإنسان فيها خطوة واحدة كل يوم، ينجز فيها شيء واحد فقط ليبحث بعدها عن شيء آخر بعدها. نتيجة هذه الحياة قد تكون أحيانًا بعد الممات، يعيش الإنسان حياته الحياة من أجل حاضره ومن أجل بقاءه في هذه الحياة بعد الممات.

    الحياة الميتة هي الانتظار. الانتظار لتتغير تفاصيل الحياة لتصبح أفضل، عندما نتأمل المجهول ونستسلم للكسل ونعطي الوهم حقًا أكبر. الجلوس في البيت دون البحث عن عمل: حياة ميتة، التأمل في فكرة لم يتم العمل ولو بخطوة عليها تساهم بالتقدم في الحياة الميتة.

    خطوة واحدة.. تحدي الوضع الراهن.. هي كل ما تطلبه الحياة الحية.

    لا تنتظر الحال ليتغير، تغير أنت لحال أفضل.

  • الاعتذار بأدب

    طابت أوقاتكم..

    هذه المقالة تحمل هدفين:

    الأول: الاعتذار بأدب لكل قارئ كريم مهتم في قراءة ما يكتبه العبد لله. نظرًا للانقطاع بسبب عدة ظروف مجتمعة، آخرها كان صيانة كُبرى على الموقع الإلكتروني.

    والثاني: أن يشارك العبد لله قارئه الكريم خاطرة بديهية وغريبة في عدم تطبيق الأغلبية لها. وهي أن الاعتذار بأدب عن استقبال أو تلبية دعوات الآخرين، أو أي أمر مرتبط بالمجاملة وعدم قدرتنا عن الاعتذار بأدب.


    إياك أن تجامل على حساب نفسك، وبالطبع إياك أن تُسيء أو تجرح لحساب نفسك.

    اكتشفت أن الكثيرين لا يؤمنون بالمناطق الرمادية في التعامل الاجتماعي، فإما المجاملة المطلقة وإما الغلظة. هناك خيار ثالث لا نركز فيه كثيرًا، وهو أن نكون صريحين مع أقصى درجات اللطف.

    السر ليس فيما تقوله طبعًا، بل في الكيفية.

    يريد صديقك أن يزورك في المنزل، ولا تشعر أنك مستعد لاستقباله؟

    اقترح أن تخبره بكل لطف أنك بالفعل لا تمانع استقباله؛ إلا أن الوقت اليوم غير مناسب، لأنك تشعر بالإرهاق، سيريحك ويرتاح.

    تشعر بأن شيئًا ما يضايقك من شخصٍ ما.. اقترح أن تنطق به، بأدب. السكوت هنا لن يعلمه أنك متضايق، وستعتاد أن تضيق على نفسك، والأهم ستتناسى أن المواجهات اللطيفة وغير اللطيفة تحتاج إلي تمرين. أقترح التمرن عليها.

    السؤال دومًا ليس «هل يجب أن أقول أو لا؟» السؤال «كيف سأقول ما أود قوله؟».

  • أنت مختلف؟ لا يعني أنك أفضل

    عندما يقرر ابن الناس أن يدرس تخصصًا تقليدي، ويقرر بعد تخرّجه أن يبحث عن عمل في شركة أو جهة حكومية ما، ثم يبدأ الحديث مع والدته بخصوص زوجة المستقبل، ثم يتزوج، ويبدأ بالشروع بعدها في الحديث مع زوجته عن حلمهم المشترك في بيت العمر، ثم تمر السنوات، ينجبون الأطفال وتسير حياتهم حتى مرحلة التقاعد. ثم يموتون.

    هل هناك شيء خاطئ في هذه القصة؟

    نعم يوجد.

    الأمر الخاطئ هنا قناعة الشخص المختلف بأن ابن الناس يجب أن يكون مثله.. مختلف.

    أصحاب الحياة المفعمة بالتحديات والمغامرات أو بعضًا من ريادي الأعمال من الشباب، أو الرحّالين أو من قرروا عدم الزواج أو عدم الانجاب أو النباتيين، أو الفنانين المسخَّرين تمامًا لفنونهم، أو كل من يعتقد أن حياته مميزة بشكلٍ ما عن غيره باختلافها، عرضة لهذا الفخ.

    ابن الناس الذي قرر أن يعيش حياته العادية قد لا يواجه اعتراضًا مِمْن حوله، فحياته عقلانية مباشرة تليق بقدراته ومدعومة بمن حوله. بينما قد يحارب المختلف كل شيء وكل من حوله فقط لاعتقاده أنه إنسان مختلف.

    يتمسك المختلف بقناعته التي تخبره أن سيكون أفضل من غيره في المستقبل، ويحارب بضراوة من حوله ليقبلوا اختلافه. هو سلوك مُرهق طبعًآ.

    «عندما تكون هناك أسباب خلف رأيٍ ما» يعلّق برنارد راسل (١٩٢٨م) «يكون الناس راضين عن طرحها وانتظارها حتى تُثبت نفسها. في مثل هذه الحالات، لا يتمسك الناس بآرائهم بشغف؛ يحتفظون بها بهدوء ويوضحون أسبابهم بهدوء».

    وعلى العكس: «الآراء التي يتم تبنيها بشغف هي دائمًا تلك الآراء التي لا توجد لها أرضية جيدة؛ في الواقع. الشغف هو مقياس لافتقار العقلانية.»

    تتحول القناعات الحادة والمغايرة إلى شغف، وقد يتحول هذا الشغف إلى نمط حياة يحاول الإنسان جاهدًا التمسّك به والمحاربة من أجله. سبب هذا التمسك وهذه الحرب (كما يعتقد راسل) هو عدم وجود أرضية عقلانية تدعمها. تمامًا مثل ما كنّا نتمسّك بآراء دينية قديمة لا قيمة لها. تمامًا مثلما نتمسك بعشيقاتنا المكروهات ممن حولنا. تمامًا عندما ندافع أمام والدينا بصرامة عن مجال عملنا التقني الذي لا يعطينا أي دخل مادي على المدى القصير.

    نتحول مع تشوّش العقل إلى مدافعين مستميتين. وليس مدافعين عقلانيين.

    وكلما أصاب العقل بعضًا من الضبابية، كلما تحول حالنا إلى ضراوة أكبر. وعندما يكون الإنسان مختلفًا فهو مختلف فقط وليس بالضرورة إنسان أفضل أو أسعد.

    بعيدًا عن نمط الحياة، يظهر هذا الأمر جليًا في الأمور الأكثر تعقيدًا؛ مثل أسواق المال.

    كتب الاقتصادي المخضرم والمعروف «جيسون زويج» مقالته على صحيفة «الوول ستريت جورنال» التي يحذّر فيها بعضًا من الجوانب السلبية في الاستثمار في عملة «البتكوين»، ليستلم صباح اليوم التالي عشرات الرسائل التي وصفته بالجاهل، والأحمق، والكاتب السيء، وغيرها الكثير من الأوصاف.

    يعتقد «زويج» أن تحرّك البشر شديد العداوة ضد من يختلف عنه نابعًا من عدم وضوح معالم المستقبل لهم، فالواثق من دربه عمومًا لا يهتز بضجيج الآخرين.

    «الغضب الخام، والعنف الموجه للمشككين، غالبًا ما يكون هو المرحلة الأخيرة قبل الانفجار [يشير إلى الفقاعات المالية]» آخذًا هذا الرأي من كتاب «أوهام الحشود: لماذا يصاب الناس بالجنون في المجموعات» للمؤرخ ويليام برينستاين.

    ويعتقد أيضًا أن العداوة إن حدثت ضد المختلفين هي نابعة من شعور أصيل وواضح بعدم الإحساس بالأمان، وقبلها عدم وجود المعرفة الكافية، فمستثمر البيتكوين لا يريد أن يسمع في يومٍ ما أن استثماراته قد خسرت، ولا يريد المغامر والمختلف أن يكتشف في نهاية المطاف أن ابن عمه الإنسان العادي يعيش حياة مستقرة وهادئة وسعيدة، في وقت معاناته. فيستبدل النقاش العقلاني مع من حوله بحرب دفاعية أو هجومية يعزز فيها خياراته ونمط حياته. ويحارب أي محاولات اختلاف من صوت الضمير لحماية «الأنا» التي كشفها للآخرين.

    يرتبط إحساس عدم الأمان دومًا بعدم المعرفة. فيخفض صوت المسجّل من يدخل بسيارته إلى حارة مظلمة لأنه لا يعرف ماذا سيجابه.

    صوت المسجّل يحاكي صوت القلب على العقل. فأنا أعرف كل تضاريس حارتي ومعظم الجيران، ولذلك لا أقوم بخفض صوت المسجل عندما أعود إلى منزل آخر الليل.

    أنا أعلم إنني لو اخترت تخصصًا معروف وادخرت مالي واخترت ابنة الحلال التي تتواكب مع طِباع أهلي فإن حياتي ستكون (على الأقل كما أتوقع منها) ليست سهلة.. لكن أسهل.

    القرارات والحياة المختلفة والتي يحارب فيها الإنسان من حوله باسم الشغف والتي لا يعرف ما سيواجهه فيها، قد تكون مثل ذلك الرجل عندما يدخل الحي بسيارته رافعًا صوت المسجل، ويتوقف أمام أحد سكان الحي ينزل إليه ويسأله عن البيت الذي أتى إلى زيارته وصوت المسجل خلفه في السيارة يصدع عاليًا، لا هو يستطيع سماع ما يقوله الرجل ولا هو مستمتع بالأغنية. ولا هو بهذه الفوضى قد يصل إلى وجهته.

    الاختلاف – حتى الجذري منه – يظل من حق أي إنسان، إلا أن المعرفة والتعقل والاستزادة من حكمة الاخرين يجب أن يتوازى ليكون بنفس الحق كي يعيش الإنسان حياة كريمة.

    استيعاب الإنسان العادي لحياته ومعرفته التامة بكل جوانبها قد تزيده قناعة بها، وتجعل منه أكثر هدوءً، وأكثر قيمة لمن حوله من أقرانه الذين جعلوا من أنفسهم مختلفين؛ مختلفين من أجل الاختلاف أحيانًا أكثر من محاولة البحث عن السكينة. أو كما يشرح الكاتب سكوت بيركن: «إن كسب ثروة شخصية هائلة أو تحوّلك إلى نجمًا رياضيًا لا يجعلك شخصًا جيدًا بالضرورة، خاصةً إذا كان نجاحك على حساب الآخرين. هناك العديد من الأمثلة على الإنجازات المفرطة الذين كانوا فظيعين لعائلاتهم وأصدقائهم، حيث أن هوسهم بأن يصبحوا مختلفين أعماهم بسبب قوتهم المختلطة بنرجسيتهم. بالنسبة للآخرين، من الأفضل أن تكون متواضعًا في فعل الأشياء الصحيحة بدلاً من أن تكون استثنائيًا في فعل الأشياء الخاطئة. لا بأس أن تكون عاديًا إذا كنت تستخدم (حالك العادي) للأفضل».

    مهما كُنت مختلفَا، تذكر دائمًا أنك تحتاج لتُنصت للعاديين حولك. وتذكّر أن الاختلاف المتطرف لا يدوم، ستصل في يوم من الأيام لأن تكون عاديًا، على الأقل في مقاييسك.

  • لا تطلب النصيحة ابحث عن شيء آخر

    نطلب رأي شخص نثق فيه بعد إنجاز العمل مثلًا.

    تُطلب النصيحة غالبًا قبل اتخاد القرارات. بالنسبة للقرارات المصيرية فطلب النصيحة أمر لا يحتمل الإهمال فهي التي قد تُسعفنا وتُجنبنا مصائب محتملة؛ أما في تأدية العمل وتجربة شيء جديد، هي قد تسبب لنا العطلة والتكاسل، ويؤسفني إن قلت إن معظمنا يطلبها من الأشخاص الخطأ في الظروف الخطأ.

    نجرب أن نقوم بالعمل أولًا ونسأل عن الآراء والانتقادات من أشخاص نثق فيهم.

  • أفضل وسيلة حقيقية لمساعدة الآخرين

    … هي في عدم التدخل لمساعدتهم.

    لكن هل تعلم عن أفضل ثاني وسيلة حقيقية لمساعدة الآخرين؟

    أن تكون متاحًا دائمًا عندما يحتاجوك.

    يوجد دائمًا ذلك الشخص حولك الذي ترى بوضوح احتياجه للمساعدة. مساعدة مالية، عملية، تربوية، صحية، إلخ. تشعر أنك تريد أن تقفز وتُخبره بنصيحة تكاد تقع من فمك من تلقاء نفسها، في الحقيقة هو ببساطة لا يبحث عن المساعدة. هو لا يريد أن يبحث عن المساعدة، وإن نطقت بما تريد قوله سيجاملك ويريك أنه طبّق ما حاولت مساعدته به مؤقتًا ليتجنبك لاحقًا، أو إن كان ذو شخصية قوية سوف يُسكِتُك ويقفل هذا الباب، أو سيُبدي إنصاته لك في أحسن تقدير مُخرجًا كلامه من الأُذن الأخرى.

    لا أتحدث هنا عن المراهقين ومن هم أصغر، هذه الفئة لا تعلم أصلا ما تُريده من حياتها وقد تكون أفضل وسيلة لمساعدتهم -والله أعلم- بالمراقبة الحثيثة والتوجيه غير المتوقف، وطبعًا طول البال. أما الفئة الثانية، وهي فئة الأصدقاء القريبين؛ قد يستحق الأمر أن تُعطي نفسك حق التدخل مرة واحدة فقط.. أقول هنا مرة واحدة فقط ولا أكثر، وإن لم يستجب الصديق، اترك وذكره أنك دائمًا مُتاح للمساعدة، سيعود لك عندما يكون مستعدًا. هذه هي الاستثناءات، وغير ذلك من الأفضل للجميع أن نعيش بسلام وهدوء مع اختلاف الآخرين وعدم محاولة تغيير سكان الكرة الأرضية (يا مِسلمين).

    [مارك مانسون لديه ڤيديو ممتاز عن هذا الأمر بالمناسبة]

زر الذهاب إلى الأعلى