• تذكير باستشعار نِعم التكنلوجيا

    قرأت اليوم اقتباسًا عظيم:

    «أي تكنولوجيا متقدمة بما فيه الكفاية لا يمكن تمييزها عن السحر».

    – آرثر سي كلارك

    تعلّمت – بما فيه الكفاية – في حياتي، أن حجم المُسلّمات من النِعم في عقولنا، أكثر بكثير من حجم ما نعتقد أننا من الممكن أن نخسره. التكنلوجيا علي الأقل.

    أنا كبيرٌ بما يكفي لأستشعر حجم التغييرات في حياتي اليومية عمّا كانت عليه قبل عشرين سنة. الحجز، والطلب، والاستماع للموسيقى، ومشاهدة المسلسل المفضّل، والانترنت المتاح في معظم أماكن هذا الكوكب، والتواصل شبه المجّاني مع الأحبة، وإنجاز الكثير والكثير من المهام عبر الجوال. أصبحت كلها أمور عادية ومُسلمٌ بها، في حين كانت تطلب جهودًا ووقتًا مضاعفين في الماضي القريب.

    ربما سنتعلّم استحضار الكثير من النِعم عندما نعلم كيف كان أباطرة الكرة الأرضية والأرستقراطيين يقضون حاجاتهم – أعزّكم الله – في حمّامات مفتوحة على بعضها. وربما، سيكون من المنصف أن نستذكر عبئ التفاصيل الصغيرة في يومنا، دون وجود تقنيات تجعلها أسهل قليلًا؛ مثل حمل هاتفٍ ضخم نتعامل معه أنه «هاتف جوال».

    التكنلوجيا كالسحر. لا تكشف معها حجم تطور الإنسان وتقدمه عقليًا، بل سحرها قد يطول ليهدد قناعاتنا اليومية، أن ما وصلنا إليه أصبح من المسلمات.

    استحضار النِعم وشكر المولى عليها. شيءٌ من الامتنان، الذي قد يُبقيها.

  • التعليق على رأي نوال السعداوي تجاه الشرف

    شاهدت مقطعًا متداول مؤخرًا للراحلة الدكتورة نوال السعداوي، تتحدّث فيه عن مفهوم الشرف، ولا يُمكن له أن يُربط «بقطرة الدم» وإبعاده عن «القيم الأخلاقية». (رابط المقطع).

    وكوني لا أُحبِّذ الرد على أشخاص توفاهم الله لاعتبارات كثيرة، أحدها أن هذه الشخصيات إن كانت تملك الرغبة للتعليق، فهي لا تستطيع، لأن نفسهم ذهبت لأرحم الراحمين. إلا إنني قررت اليوم تسجيل موقفي، لاعتبارات أخرى، ترتبط بمن سوّقوا للمقطع ونشروه ومن آمنوا بالفكرة مما دفعهم لإعادة النشر، وأيضًا، محاولة إعطاء الفكرة المطروحة سياقًا موضوعيًا، بعيدًا عن التشخيص والتجريح.

    لا أملك موقفًا شخصي مع أو ضد الراحلة، إلا إنني أملك بطبيعة الحال موقفًا تجاه الفكرة.

    وهنا تعليقات دوّنتها قبل شهر، ولم أنشرها، عندما شاهدت المقطع المتداول عند أكثر من حساب.

    والله من وراء القصد.


    التعليق على مقطع نوال السعداوي:

    ٢٩ مارس ٢٠٢٤م.

     أتفق واختلف في حزمة من النقاط:

    1. أتفق: أن الشرف بالطبع لا يملك صفات عضوية (بيولوجية)، وأختلف: حول فكرة القفز لمفهوم الشرف وربطه بقطرة دم، فهذا أمرٌ غير دقيق. ومما لا شك فيه أن الشرف مفهوم أخلاقي نِسبي يتأثر بالبيئة والأعراف … إلخ، فكما هو مرتبط بقطرات الدم في مجتمعات، نرى في مجتمعات أخرى الشرف مرتبط بحسن السلوك، ومكارم الأخلاق، والصراط المستقيم، ولا أنفي أن الجانب البيولوجي مجرّد رمز لشيء آخر أخلاقي سامي.

    2. لازلت على رأي قديم، أن أي إقصاء لرمزية دينية (إسلامية وغير إسلامية) فيه نوع من الكسل، بل قد يصل للتطرّف! فليس عدلًا أن يقول شخص غير مسلم مثلًا: «أن المسلمين أغبياء لأنهم يدورون حول مكعّب أسود». فنحن كمسلمين، نمارس هذه الشعيرة بناءً على خلفية دينية، وإيمانًا عميقاً بديننا واستشعارًا لتأثيرها على النفس والرُوح، ولا يمكن اختزال ذلك في عيون غير المسلمين بأنه عمل فيزيائي محض (لف حول الكعبة). كما أنه ليس من الخُلق أن يطلق المسلم على غير المسلم نفس النوع من الأحكام، الموضوع أعمق طبعًا!

    3. لا أستطيع أن أقول أن «الحجاب» ضد «الشرف» في غرفة مليئة بالمتحجّبات، أو في مجتمع إسلامي، أو مجتمع محافظ عمومًا؛ فهذا نوع من الإقصاء الذي أخشى أن يكون فيه أيضًا الكثير من التكاسُل في البحث عن السياق، فالسياق ملك الموقف! ورمزية الحجاب في الإسلام – في رأيي – ليست لغطاء الرأس بشكلٍ مجرّد. بل هو رمز «للحشمة أمام العوام لدفع الأذى المجتمعي»، وكما أن لكل مقام مقال، أجد أن ذلك ينسحب على الملبس أيضاً؛ فالذكر – ليس كالأنثى – من ناحية التأثُّر العضوي بالنظر إلى امرأة متكشّفة، فيظهر لي أن الذكر كائن بصري أكثر من الأنثى بشكل عام، بينما أجد المرأة تتأثر بما تسمع أكثر من الذكر، ولذلك وُجِد مفهوم الحشمة، وارتبط بالدين للحفاظ على النسيج الاجتماعي، من الاختلالات في التواصل.

    4. تاريخيًا: قطرة الدم تعتبر رمزية لنقاء الأنثى من أيّ علاقات (جسدية) سابقة، وهذا أمرٌ لا طالما بحث عنه الرجل (في معظم الحضارات والديانات) عند المرأة. والسبب خلفه في الحقيقة، عضوي بحت: لأن المرأة الواحدة إن تم تلقيحها، فإن حياتها ستتغير إلى الأبد، ولا يحبذ الرجل (إن أتيح له الخَيار) أن يرتبط بامرأة تم تلقيحها من قِبل رجل/رجال آخر/آخرين، والعكس ليس صحيح.. فرغم ذلك، (في كثير من الأديان والحضارات) قد لا تُمانع المرأة الارتباط برجل قام بتلقيح عدة إناث أخريات قبلها.

    5. بالطبع الذكر لا يملك غشاء بكارة، لكنه سيكون «رجلًا» بمفهوم الرجولة كما وصفه المرحوم غازي القصيبي: إن تحمّل المسؤولية، ووقف على مصالحه ومصالح عمله وأصدقائه، وأسرته، ومجتمعه، ووطنه. وربما يتقاطع هنا وصف الرجل «الشريف» بالصفات المذكورة وهي «الرجولة».

    أخشى أن خلط السيدة نوال بالمفاهيم أضر أكثر مما نفع.

    والله أعلم.


    شكرًا لأخي وصديقي عُمر وليد عاشور، الذي أثرى هذه المقالة بتحريره وتصرّفه في كثير من الأجزاء.

  • يا صديقي لا أحد يهتم بك حبًا فيك

    في الأعمال: لا يكترث الآخرون في الحقيقة بك أو بمشاعرك أو بحسن نواياك، بنفس القدر الذي يكترثون فيه لمصالحهم الشخصية. هذا أمرٌ طبيعي، وإنكاره ضربٌ من الوهم.

    سيجاملك الاخرون إن طلبت الدعم مرة واحدة، وسيستمرون – دون مجاملة – إن أقرنت هذا الدعم بالمصلحة.

    من النادر أن تجد شخصًا يشتري جهاز آبل عشقًا للعلامة التجارية. بل لأن مصالحه وأعماله مرتبطة مع هذا الجهاز، وقد كان ستيف جوبز واعيًا لهذا الأمر، وهذا ما جعله يخلق حلولًا للمبدعين أكثر من التسويق لهم.

    لا أحد يشتري كتابك حبًا فيك، بل أنهم رأوا قيمة فيه لهم. لا أحد يستمر بالطلب من مطعمك حبًا فيك، بل لأن قيمة أكله مقابل السعر الذي تفرضه عليهم متوازنة. لا أحد يستمر في شراكته معك حبًا فيك، بل أنك مستمرٌ في تغطية نواقصه، كما أن لا أحدًا يحاول التقرّب منك بحثًا عن الأجر، بل لأن وجودك بالجوار يشعرهم بالأمان، أو بحصولهم على علمٍ أو خبرة لا يجدونها بالسهل من آخرين.

    لا أحد يهتم بك إلا أمك، حبًّا فيك. أما البقية فهم – دون عيب – يبحثون عن المقابل. المقابل الذي يجعل حياتهم أفضل قليلًا.

  • إن سألت الرجل عن طموحاته

    إن أخذنا أي رجل يمشي في الشارع، وسألناه عن عمله، وعن طموحاته، وعن تعليمه، وأجاب أنه لا يملك أيًا منها. لن يكون هناك حافز حقيقي لبناء علاقة طويلة الأمد بأي شكل تجاهه. في حين إن سألنا أي امرأة نفس الأسئلة، وأجابت بنفس الإجابة، سيكون الحال مختلفًا.

    قيمة الأُنثى محفوظة في أنوثتها وأمومتها ورغبتها وقدرتها على العطاء العاطفي والاحتواء على كل من حولها. تزداد قيمتها إن توّجتها بالطموح والتعليم والعمل. ولهذا، فإنه قد يكون من المعيب أن يختار الرجل لنفسه نمط حياة لا يتّسم بالعمل الدؤوب والطموح غير المتوقف، واستحضار الإحساس العميق بالمسؤولية. الرجل ببساطة لا يملك شيء إن لم يملك ما يصبو إليه في حياته.

    بيئة الرجل إن اتسمت ببعض التنافسية، وبعض الأخطار، فإنها ستزيده رفعة وحكمة مع الوقت. يستطيع الاستزادة بهذه المعطيات مع كل عام يكبر فيه، وعندما يكتمل نضجه وعقله فإن قيمته ستكون متعدية من دائرته الصغيرة إلى دائرة مجتمعية أكبر.

    يصف روبرت جرين نوعية حياة الناس بصفتين «حياة ميتة»: وهي في حال الإنسان الذي لا يملك ما يطمح إلى إنجازه في المستقبل: شهادة، ترقية، زواج، شراء بيت، إلخ. و«حياة حية»: وهي ما يحيا الإنسان من أجله كل يوم؛ وهو أخذ خطوة تالية تجاه شيء أكبر، وبحث دؤوب للرقي بالنفس.

    الرجل يجب أن يحيا حياة حية.

  • جرب وأن تترك معظم دفة النقاش لصديقك مرة واحدة

    ستتفاجأ أن سعادته برفقتك ليست كالمعتاد. الناس تعشق من تنصت إليها. والأصدقاء يزدادون حبًا وامتنانًا عندما يجدون صديقهم ينصت لهم أكثر مما يتحدّث إليهم. تجربة هذا الأمر مرة واحدة كل فترة، سيعطيك الكثير من المردود الإيجابي دون أن تشعر.

    الإنصات صعب، ولكن يسهُل إن كنّا واعيين لضرورة تطبيقه قبل أي لقاء، مع الأصدقاء ومع غيرهم.

    ولأنه أمرٌ صعب، فإنه سلوك ثمين، يقدّره القريبين قبل البعيدين.

  • أكبر ثروة يمتلكها الإنسان المعاصر

    هي قدرته على التحكّم في وقته، كما يُشير مورجان هوسل في الكثير من كتاباته الاقتصادية.

    لا يجب أن يركّز الإنسان على بناء ثروة، أو البحث عن إمكانية شراء أشياء استهلاكية جديدة. بل على إمكانية خلق نمط حياة يستطيع فيها إدارة وقته؛ يومًا بيوم، كما يشاء.

    هذه الثروة إن تأملها الإنسان، سيستوعب أن الكثير من الأموال والأعمال لا تعني بالضرورة الكثير من الوقت المتاح، ولا راحة البال الفائضة. ولا تعني أيضًا، أنه سيمتلك ما يريد من مساحات وقتية لتجربة شيء جديد، أو هواية مؤجّلة، أو المزيد من الوقت مع الأحباء والأصدقاء.

    الثروة الحقيقة للإنسان المعاصر (أو المزحوم بكل شيء) هو امتلاكه لقدرة عالية من التحكّم بساعات وشكل يومه، وليس فائضًا من المال والأشياء.

    هل يستحق هذا الأمر التأمل من إعادة التفكير فيه؟ والأهم.. هل يستحق أن نعمل لنصل إليه؟

  • دعوة للاهتمام بفترة التجربة

    بغض النظر عن المدة التي قد تستغرقها تجربة الأشياء والمهام والوظائف، وحتى العلاقات الجديدة (سواء الرومنسية أو المهنية)، فإنها ستكشف عن بعض الاختلافات بين الأفراد. هذه الاختلافات مهما حاول كل الأطراف إخفاءها، سوف تتجلى في التعبير عن أعماق الذات، التي قد لا تكون بالضرورة سلبية، بل متنوعة.

    فترة التجربة، هي ليست لتجربة الأشخاص، إنما لاختبار التوقعات.

    تستحق فترات التجربة أن يأخذها الإنسان بجدٍ أكبر. فهي تترك باب الخروج مفتوحًا للجميع.

    عندما جرّبت الرسم قبل بضع سنوات، اكتشفت أن هذا الشغف (الذي اعتقدت أنه شغف جديد في طور التشكل) سيكون جزءًا من نمط حياتي المستقبلي. ومع ذلك، عندما بدأت بالتقاط فرشاة الرسم واللوحة، بحلول الجلسة الثالثة، أدركت أن الأمر لم يكن له صدى حقيقي بداخلي. لم يكن هناك أي خطأ في ذلك، لكنه لم يكن «الألم المناسب» الذي أردت اختياره لنفسي. وعلى عكس الكلمات المكتوبة، التي أجد نفسي على استعداد لتحمل رتابتها، وطولها، وساعات الوحدة التي تأتي معها، وجدت أنها ليست مثل كثير من الهوايات. لا يتطلب الأمر استثمارًا ضخمًا أو أدوات عديدة إلى جانب الكمبيوتر، وبعض الوقت، والكثير من أحلام اليقظة، ولمسة من التفلسف على الآخرين.

    فترة التجربة، يقتنع بضرورتها أصحاب التجارب. الذين يعرفون أنها الخطوة الأولى لعلاقات طويلة الأمد مع الأشياء والأخرين. إن زانت، فقد زان الشيء الكثير بعدها.

  • في الحفاظ على العلاقات الجديدة

    أملك الكثير من نقاط الضعف في حياتي الاجتماعية والمهنية. وإن كُنت أملك نعمة واحدة فقط، فهي القدرة على تكوين أصدقاء جدد في أي مكان، وعند أي ظرف في العالم، يعتبرني البعض اجتماعيًا إلى حدٍ لا بأس به، وربما يعود السبب في هذا الأمر إنني دوما ما أشعر إنني أحب الناس أكثر مما يحبونني.

    ثم إنَّ لدي حلمًا قديم، بأن أكتب كتابًا عن تأملاتي في سير العلاقات؛ العلاقات المهنية، والاجتماعية، والرومنسية، وعلاقات «المعارف» التي تدخل ضمن الصداقات، ولكنها ليست حميمية مثلها. سبب عدم تحقيق الحلم بصراحة، هو خوفي من الوقوع في فخ القصص شديدة الخصوصية، التي لا أحب التطرّق لها أمام العوام.

    يستطيع الإنسان أن يكتشف أن نقاط تحوّل كبيرة كانت قد حصلت له في حياته، من خلال علاقاته مع أشخاص ليسوا قريبين جدًا، وقد تحدّث السيد القدير محمد الحجي عن هذا الأمر في حلقة رائعة في بودكاست آدم بعنوان «كيف تحدد العلاقات الضعيفة مسار حياتنا؟» حيث ذكر أن هناك نسبة كبيرة الأشخاص الذين حصلوا على وظائف جديدة في حياتهم، كانت من خلال معرفتهم بأشخاص بالكاد دخلوا ضمن إطار الصداقة، أو بالكاد عُرِفوا عن قُرب.

    أجد أن أحد أهم المعوقات لكسب علاقات جديدة ذات جودة عالية في فترة التعارف، هي افتراض إمكانية الحصول على مصلحة مباشرة من هذه العلاقة. فعندما يضع الإنسان مصلحته الخاصة والمباشرة لحظة التعارف فإن الأطراف الأخرى – على أقل تقدير – تشعر بهذا الأمر، مما يجعلها لا تحرص على أخذ العلاقة إلى مستوى جديد.

    خُضت نقاشًا بهذا الخصوص مع أحد الأساتذة في حياتي، ليخبرني أن مشكلة، وسِمة لقاءات الشباب في مع معارف جُدد هي التركيز على ما فيه مصلحة مباشرة لهم. أكثر من التركيز عن إمكانية خدمة الناس، وهذا ما يجعل مهمة الحفاظ على العلاقات الجديدة لا تسير كما يجب.

    «عليك أن تسأل بصدق: كيف لي أن أُساعد هذا الإنسان في حياته؟» هو السؤال الذي يستحق الانتباه كما أخبرني، وليس «كيف أستفيد من هذا الشخص في حياتي؟». لأن نجاحك بالإجابة على السؤال الأول، سيضمن استمرار العلاقة على أقل تقدير، أما الثاني، سيضمن بنفس القدر هروب الطرف الآخر منك ربما.

  • استراتيجيات جديدة في التدوين

    هذه المقالة خاصة للأحباء القدماء المخلصين بوقتهم وذهنهم لما يُكتب في هذه المدونة منذ أكثر من عشر سنوات.

    أود أن أعطي نفسي الحق بتجديد اعترافي اليوم، أن المهمة الأصعب في التدوين ليس إيجاد الأفكار أو الإلهام أو البحث عن موضوعات تستحق الكتابة عنها، بل على العكس، أُواجه تحديًا كبيرًا معظم حياتي الكتابية يتشكّل في أن مخزون الأفكار والموضوعات المؤجّلة، أكبر بكثير من الوقت المتاح والجّهد الذي يمكن تخصيصه للكتابة عنها. ولذلك، أصبحت أعتذر منذ مدة طويلة عن قبول أي أفكار جديدة من أطراف خارجية، أو فرص تعاون كتابي مع أشخاص آخرين.

    ولأنني وقّعت على ثلاثة التزامات كتابية طويلة الأمد (أخشى ألا أندم على هذا الاعتراف، وهذا الالتزام) فإن نصيب القارئ الكريم لهذه المدونة سوف يكون محدودًا. ولذلك، قررت تجربة شيء جديد، وهو أن أكتب عن حزمة موضوعات أود التطرّق لها في نهاية كل أسبوع، على أن تُجدول خلال أيام الأسبوع التالي بعد الكتابة.

    وهنا بعض الملاحظات عن هذه الاستراتيجية:

    1. لن يتعطّل خط سير الأفكار الخاص بالكُتب. فعندما يترك الكاتب الكتاب الذي يكتبه لفترة طويلة تصبح فيه الأحداث والشخصيات «أحداثًا وشخصيات، بدلًا من أُناس حقيقيين وأحداث واقعية» كما يُشير الروائي ستيفن كينج. وهنا سيكون التركيز كل يوم على الكتاب القادم، باستثناء اليوم المخصص للمقالات.

    2. سيتبرمج العقل أن هناك يومًا ووقتًا محدداً خاصاً بالتدوين، وتغطية الموضوعات التي أود الكتابة عنها، بعيدًا عن الالتزامات الأخرى. لأن ذهن الكاتب هو أغلى ما يملكه، فإنه من الصعب عليه أن ينتقل من موضوع إلى موضوع كتابي آخر في اليوم نفسه، وهو الأمر الذي كُنت عليه طوال العشر سنوات الماضية، وهو في الحقيقة شيءٌ مرهق، لم أستوعبه إلا مؤخرًا، ولذلك قررت تجربة «الاستراتيجية الجديدة في التدوين».

    3. لن أغيب على القارئ الكريم للمدونة. الذي أعده صاحب الأولوية القصوى لكل ما أكتب، لأنه يعاصر لحظات التفكير والأخطاء والتطور، كما يمكنه مناقشتي عبر الرد على القائمة البريدية، التي تعلّمت معها ألا أترك أي رسالة دون رد (قدر المستطاع).

    4. كتابة المقالات هي مكافأة الكاتب المنضبط. هذا ما كُنت أحمس نفسي عليه طوال سنوات طويلة. لأن كتابة المقالات فيها تواصل سريع ومباشر مع القارئ، دون محاولة تنافس شرسة تجاه الكُتب الأخرى عندما أكتب الكتاب، وطبعًا تنوع الأفكار في التدوين يعطي نوعًا من الحماس غير الظاهر للقارئ. فكتابة الكُتب تعد في أصالتها ليست خطًا حماسيًا طويل المدى، فتمر كتابة الكُتب بلحظات ملل، أكثر بكثير من لحظات الحماس واللهفة على كتابة فصل أو جزء ما، كتابة الكُتب محدودة الموضوعات، أما التدوينات، فهي استجابة لأحداث الحياة.

    5. التدوين مثل تمارين الاستطالة واليوجا. ليست بنفس القدر بأهمية تمارين القوى. إلا إنها مفيدة لتجهيز العضلات للسباقات والبطولات والتمارين الصعبة الأخرى. التدوين تمارين استطالة للمفردات والجُمل، والتركيز الطويل غير المنقطع.

    عمومًا، أعتقد إنني وصلت لمرحلة مع قرّائي الأحباء إنني لا أخفي إلا الأمور الشخصية القليلة في حياتي، وما دون ذلك، فإنه يعرف ما يُخفي العقل والقلب من خلال الكلمات. والقناعات كانت قد تناثرت لفترات طويلة، أزعجت البعض، وأفرحت آخرين.

  • في البحث عن أصدقاء جُدد

    من عُمر الخامسة والثلاثين فما بعد، يجد الأشخاص صعوبة في بناء علاقات جديدة. بنفس القدر يجدون صعوبة في الحفاظ على استمرارية التواصل مع العلاقات القديمة الحميمة (مثل أصدقاء الطفولة أو أصدقاء مرحلة الجامعة). يعزّينا مارك مانسون في إحدى مقاطعه الرائعة بهذا الخصوص أن هذا الأمر طبيعي.

    تتشابه ظروف وأوقات الأصدقاء إلى حدٍ كبير في بداية العشرينات؛ الكل مفلس، والكل يملك الكثير من الوقت، والكل لا يعرف ماذا سيفعل خلال الخمس سنوات القادمة، والكل غير ملتزم تجاه أسرة يعيلها، أو مسؤوليات مهنية كُبرى. في حين أن الالتزامات، والتخصصات، والاهتمامات، وتفاوت الظروف الاجتماعية بين الأصدقاء يصل إلى أقصى حدوده بعد سن الخامسة والثلاثين، ومعها يقل الوقت المخصص للأصدقاء، ويزداد معدل الانتباه للأمور الأخرى.

    يتحول التواصل ما بين الأصدقاء (على الأغلب) إلى واجب اجتماعي، وضرورة تقف في إحدى المراتب المتأخرة في سُلّم الأولويات، عكس النمط السائد الذي يضع الأصدقاء والتواصل معهم في أعلى قائمة المهام التي يجب تنفيذها منذ الاستيقاظ وحتى نهاية اليوم، في فترة المراهقة حتى بداية العشرينات.

    الجزء المُشرِق في هذه المعادلة، أن نسبة اقتراب الأصدقاء مع أصدقائهم العزيزين تُصبح أكبر مع التقدّم في السن؛ بالطبع ليس من ناحية الوقت، وإنما من ناحية الإيمان الحقيقي بأن الدقائق التي تُصرف بالقرب منهم ستكون ثمينة. إضافة على ذلك، قلة التقاطعات المهنية أو التقاطعات الحساسة، مما يضمن استمرار مودة أكبر لوقتٍ أطول مع مسافات متوازنة. فلا أود أن أتحدث مع صديقي الأعز عن التحديات المهنية وفرص الشراكة، بنفس القدر الذي أرغب فيه بالجلوس والاستئناس به أو السفر معه.

    وبالنسبة للصداقات الجديدة، ربما يتحتم على الإنسان أن يحرص على هذا الأمر كلما سنحت له الفرصة، البعض من أصحاب الجودة العالية والاهتمامات والقيم المشتركة، خيرٌ من الازدحام الذي لا يوُصلنا إلى المرحلة التالية.

زر الذهاب إلى الأعلى