Personal photo Thumbnail

أحمد حسن مشرف

Personal photo Thumbnail
أحمد حسن مشرف

عن العمل والفن وسيكولوجيا الإنسان

أكتب لك الحقيقة دون توقف…اسعدني بإشتراكك

لماذا يُعتبر معظمنا كُتّاب سيئين؟

.. لأن الكتابة أمر بسيط، وكل أمر بسيط يتم تطنيشه في العادة.

«تبدو الكتابة مهارة بسيطة، لذلك يسهل على الأشخاص في المجالات الفنية تجاهلها. ولكن في كل مجال يفوز صاحب أفضل قصة. ليست الفكرة الأفضل، أو الإجابة الصحيحة، أو الحل الأكثر فائدة. فقط من يروي القصة الأكثر إقناعًا. يتم قتل الكثير من الأفكار الجيدة بسبب الكتابة السيئة.» كما يقول مورجان هوسل في ملاحظاته عن الكتابة.

ولذلك قد نجد بالضرورة أشخاصًا كثيرين أذكياء حولنا، إلا أن عدم قدرتهم على تحويل ذكائهم وحججهم إلى قصص مشوّقة يجعل منهم أذكياء.. لكن مملين، وفي حالات، غير مرغوب الاستقبال منهم.

القصة هي التي تعطي للأفكار قيمة أعلى وليس حقيقتها. الإنسان كائن عاطفي بالدرجة الأولى، ينجذب ويتأثر بالقصص، وعندما نعي هذا الأمر، سنحاول أن نحكي قصصًا بسيطة ومباشرة دون تحذلق أو تنميق أو استعراض لعضلات لغوية.

لديك قصة لطيفة؟ أخبرها كم هي بعقلك لحظتها عندما تكتب، على الأغلب ستعجب الآخرين.

ولكن في اللحظة التي ستحاول أن تكون كاتبًا جيد، ستصبح كاتبًا سيء.

في اللحظة التي ستحاول أن تُبهر القارئ، سيهرب منك.

هناك فرق بين محاولة أن أخبر الآخرين ما يدور في رأسي، وبين أن أخبرهم أنني كاتب جيد.

الأول يخص الآخرين، والثاني أمر يخص «الأنا» الخاصة بي.

ما لا يُتعبُك لا يُفيدُك

«لا أعتقد أن أي شيء يمكن لأي شخص عادي القيام به بسهولة على الأرجح أن يكون مفيدًا.»

– تشارلي مُنگر

هل تعلم ماذا أقصد؟ نعم.. أقصد ذلك الأمر الذي تقوم به كل يوم وأنت تعلم أنه لا يُفيدك، ومع ذلك تستمر بالقيام به.

أنا مثلك وأكثر.

تشارلي العظيم شرحها ببساطة؛ أي عمل يستطيع أي شخص القيام به بسهولة لن يكون مفيدًا بالشكل الذي تتوقعه. على الأقل على المدى الطويل. مشكلة الإنسان أنه يميل للأسهل وما في متناول اليد، ويظل اختيار الأمر الأصعب تحديًا قائمًا كل يوم، يتشكّل بمجموعة قرارات صغيرة نقف عندها ونتأمل شكلنا التائه.

هل أترك الجوال وأُمسك الكتاب؟ هل أترك الجوال وأجلس مع ابنتي؟ (أو) هل أستطيع أن أُنصت فقط لخمس دقائق ما تقوله هذه المخلوقة الصغيرة أمامي؟ هل أستطيع أن أكتفي بحلقة واحدة اليوم.. حلقة واحدة بس؟ هل أُجري تلك المكالمة المؤجلة بدلًا من تصوير نفسي؟

إن توقفنا وحسبنا عدد الـ «هل» في اليوم سوف نُصدم. سنجد أن الأمور السهلة غير ذات القيمة تسيطر على أطراف كثيرة هنا وهناك.

هل أقوم بممارسة الرياضة اليوم؟ أم سأكتفي باختراع شيء جديد أهم منه.

ذنب اللقمة أسهل من الامتناع عن حلى الأوريو.. نحن نقول ذلك، لأننا لم نتدرب على شعور الانتصار العظيم بعد أن نمتنع، لم نتدرب عليه.. لأنه صعب.

الأمور الأصعب أصبحت صعبة لسبب؛ لأنها الطريق الوحيد الذي يخلق من أنفُسنا نُسخًا أفضل، هي الأمور الوحيدة التي تجعلنا فخورين عندما ننظر إلى المرآة. فهي أمور صعبة.. مرهقة.. ولا يريد الآخرين أن يُكلفوا أنفسهم عناء القيام بها، ولذلك ليس كل الآخرين قدوات، لذلك ليس الجميع أبطال.

لا تُقارن نفسك بالآخرين؛ قارن نفسك بمن كنت عليه سابقًا كما يقول جوردن بيترسون.

ولكن.. بعد القيام بأمور كانت صعبة عليك.

كان الله في عون الجميع.

الكلمة الأولى: تظل هي الأصح

… في عالم الكتابة والتعبير والفضفضة وفي أغلب الأوقات.

من حق الكلمة الأولى أن تخرج، ومن حق الآخرين أن يسمعوها بلُطف، وطبعًا من حقك أن تعبر عمّا تشاء. السكوت علامة ضعف. وعندما يسكت شخصٌ ما في الوقت الذي يشعر فيه أنه يجب أن يتكلم، فإنه قد خلق حالة ظُلم! فإما أن يكون قد ظلم نفسه، أو ظلم من يفترض به أن ينصت.

تحدثت سابقًا عن «الصراحة المُطلقة» والتي لاحظت في نفسي مؤخرًا أنني كثيرًا ما أتفلسف بها على من حولي، إلا أن عزائي الوحيد في محاولتي لتطبيقها كل يوم. الصراحة والكلمة الأولى لا تشغلك عن الأمر المهم وتقرّبك كثيرًا لما فيه مصلحة منك. ومشكلتنا أننا لم نتربى على استيعاب هذا الأمر.

لم نفهم أن الكلمات الأولى التي تظهر كل يوم في عقلنا هي التي يفترض بها أن تخرج للعائلة والزملاء والأصدقاء وكل من نتواصل معهم، أو على الأقل الكلمة الأكثر لطافة وقرب منها.

أما عن السؤال: هل أقول ما أُفكر به الآن وفورًا؟

إياك أن تسأل نفسك هذا السؤال. قل الكلمة الأصح. الكلمة الأولى.

وإن لم تستطع ابحث عن أقرب كلمة لها.

كان الله في عون الجميع.

الاصطبار

لا يمكن الحصول على طفل فورًا، بجعل تسع سيدات حوامل.

– وورن بافيت.

كثير من الأمور في الحياة لكي نُحسن إنجازها فإننا نحتاج معها إلى الصبر.

أقول هنا «نُحسن» ولا أقصد الإنجاز وحده. لاحظت هذا الأمر حتى مع الطبخ! فكل مرة أكون فيها مستعجلًا وغير هادئ، أستطيع إنجاز الطبخة.. وهي مخبوصة، أو على الأقل غير مرضية.

بل ولاحظت أن انعدام الصبر يؤثر على مستويات أكبر وأعقد. تعليم الأطفال الحمّام، والتربية بشكلٍ عام.

في الاستثمار والكتابة والقراءة وبناء الشركة.. وبناء العلاقات.

كلما استحضر الإنسان الصبر والبطء وعدم الاستعجال على النتائج، كلما كانت أفضل.

الرهان على الصبر، رهان يقرّبنا خطوة إلى إنجاز محترم.

هو القيام بخطوات ثابتة.. هادئة.. يومًا بعد يوم، بينما ينشغل الجميع بزحمة الإلهاءات والجنون.

نحن نفهم معنى الصبر، لكن بشكل واعي ودقيق نحن لا نطبقه. نحن نعي أهميته لكننا لا نستطيع أن نجلس راكزين نستحضر الانتظار والبطء والوقت.

نريد كل النتائج بسرعة.. ولذلك امتلأت المكتبات بكُتب لا قيمة لها، لأن أصحابها استعجلوا على أنفسهم. يريدون أن يُصبحوا كُتّاب ولا يريدون قرّاء. نملك شخص واحد على الأقل في محيطنا قد خسر في استثمار كان الوعد منه عائد سريع للأسف.

كثرة المشاهير أيضًا مؤشر جيد على عدم الصبر. فالناس تميل للسرعة أكثر من القيمة.. «أنا أريد أن أستمتع الان وفورًا، ولا أريد أن أفهم أكثر».

مشكلة عدم الاصطبار يجعلنا لا نستمتع بالحياة على المدى الطويل. يربطنا بالتوتر أكثر من الهدوء، ويجعلنا أحيانًا لا نحتمل حتى أنفسنا. ويصبح فجأة الصبر هو الاستثناء وليس الأساس.

عندما نُيقن بأن الصبر هو المفتاح. ستصبح الحياة فجأة أسهل ١٠٪.

كان الله في عون الجميع.

لماذا يجب اعتبار عادة القراءة واجب أخلاقي؟

عندما كان جورج راڤلينج مدرب كرة السلة المعروف صغيرًا في السن؛ سألته جدّته سؤالًا يعتقد أنه غير حياته للأبد: «لماذا كان قديمًا أصحاب المنزل يخبؤون أموالهم بين صفحات الكُتب؟».

بعدما ابدى عدم معرفته، أخبرته «لأنهم يعرفون بأن العبيد الذين يعملون في المنزل لن يفتحوها».

هذه القصة – وإن افترضنا رمزيتها – والتي قادت المدرب وهو في أواسط الثمانين من عمره ليصبح شديد التعلق بالكُتب ومشاركة قراءاته المستمرة على موقعه مع جمهوره، إلا أن لها جانبًا مظلم آخر. فلم يكن تعليم العبيد القراءة والكتابة في الولايات المتحدة مرفوضًا اجتماعيًا فحسب، بل كان غير قانوني في الفترة ما قبل ١٨٣٠م.

«هناك سبب وجيه لهذا الأمر» كما يعتقد رايان هوليدي «وهناك سبب وجيه يجعل كل المحتلين يحرصون على حرق الكُتب عندما يدخلون أي مدينة».

فإلى جانب ما اعتدنا سماعه عن قيمة وفائدة القراءة كعادة يفترض بها منافسة عادة اضطرارية قديمة وغير مستحب كالمذاكرة، إلا أنها لا تزال إحدى العادات التي تُعطي «أفضل قيمة مقابل السعر / الوقت». تتشابه مع الرياضة، والجلوس ساعات مع قدوتنا. ومهما ارتفع سعر الكُتب، تظل رخيصة إن قارّنا سعة مردودها الثقافي مقابل المال المدفوع من قِبل الأفراد والحكومات على التعليم الأكاديمي.

تظل الكُتب تمثّل الوسط الذي يُخزّن فيه كل تفاصيل العلوم والمعرفة من جيل لجيل ومن مثقف لمثقف ومن أكاديمي لأكاديمي ومن طُلاب لمدرسين، وهي الوسط الذي خُزن فيه كل تفاصيل التاريخ التي نعرفها في يومنا هذا.

إلا أن شيء كبير يعيب الكُتب وعادة القراءة بشكل عام: الوقت.

يفتح الطالب الكتاب أو البحث، ليس حبًا بقدر ما هي «مهمة عمل» يجب أن تُنجز.

وعندما نرغب نحن البالغين العاقلين بجعل عادة القراءة جزءً من حياتنا، فإننا لا نستطيع ذلك، لأنها غير مربوطة بمهمة عمل رسمية، ولأنها تحتاج إلى الكثير من الوقت، وتحتاج لبعض التضحيات الكبيرة في حياتنا اليومية: مثل تطنيش التلفزيون أو الجوال، ومحاولة الحصول على بعض التركيز.

لا يستطيع أن يأخذ بنا المتحدثين والرفقاء يمينًا وشمالًا في موضوع صرفنا ساعات طوال بالقراءة عنه. نتحول تدريجيًا إلى شخصيات قوية، ولبقة، ومؤدبة، ومتحدثة، وبائعة إن كنّا قراء.

نتحول إلى نُسخة أقوى من أنفسنا معها.

بل ليس من العدل أن أعترض على فكرة أو نقاشًا بعنف وارتجال إن لم أُكلّف نفسي عناء القراءة عنه.

وليس من العدل أن نكرر أخطاءنا في تربية من نحب بسبب عدم رغبتنا لقراءة مقالة أو كتاب يعلمنا كيف نتعامل مع مشاكلهم.

ليس من العدل أن نخسر كل مرة أموالنا ولا نعرف كيف ندّخر، وهناك آلاف الكُتب والمقالات التي نجح مؤلفيها بشرحهم كيف صنعوا ما صنعوه في ثرواتهم.

تصبح القراءة واجب أخلاقي عندما نعي تمامًا بأننا مستأمنون على عقولنا وأحباءنا ومستقبلنا. وعندما نعرف كيف نخلق سبيلًا لجعلها وسيلة ترفيه أكثر من كونها مهمة عمل.

«لا أحب القراءة» أو «لا أجد نفسي فيها» أو «لا أستطيع التركيز» يستطيع أن يكتفي بقولها أي إنسان. أستطيع أيضًا أن أكتفي بقول «لا أستطيع أن أُنقِص وزني» أو «لا أستطيع أن أقلع عن التدخين» أو «لا أستطيع أن أستيقظ مبكرًا».

كلنا نستطيع أن نكتفي بقول ما نريد. لأنا الكلام دومًا أسهل من الفعل، والاستسلام عمومًا أسهل من المثابرة. والاكتفاء بالقول أسهل من المحاولة.

يحكي المستثمر المعروف وورن بافيت في أكثر من موضع بأن أحد أهم العادات التي صنعت منه رجل في قمة نجاحه قدرته على أن يُصبح «آلة تعلم» بصرفه من خمس لست ساعات في القراءة يوميًا.

مثله أيضًا المستثمر ورائد الأعمال المعروف مارك كيوبن الذي يقضي يوميًا ثلاث ساعات في القراءة. وإيلون مسك، وبيل جيتس.

بل وحتى الملك، لم يُعرف عنه حرصه على إعطاء نصيحة للشباب بقدر حرصه على تشجيعهم بأن يقرأوا «القراءة.. القراءة.. القراءة.. إن قرأ الإنسان ثم قرأ سيتعود عليها، وسيتعلم عن شتّى البحوث والمجالات، ولذلك أنصح أبناءنا بأن يكرموا القراءة ويعمّقوها، حتى تتسع أفكارهم..»

ويضيف.. «الإنسان قد يقرأ كتاب في أيام، لكن الذي كتبه قد قضى وقت طويلًا في كتابته وتجميعه لكي نستفيد منه».

تصبح القراءة واجبًا أخلاقي إن استوعبنا أن عدم القراءة خيار، تمامًا مثل خيار أن ننزل إلى المكتبة ونشتري الكُتب لكي نمسك بها ونقرأها، فغير القارئ وغير المطلع يقترب كل يوم من الذي لا يملك قدرة على القراءة.


[أُفكر بأن أقوم بعمل ڤيديو (لايف) لأول مرة، عن هذا الموضوع ولتغطية جوانبه الأخرى، سأبلغكم].

الناجحون لا يعملون أكثر من غيرهم

العُمال البسطاء، والخدم، وعاملي المناجم، والكثير من المغتربين عن أهاليهم، هم من يعملون بجهد، إن تكلمنا عنه كنسبة وتناسب.

بالنسبة للناجحين، هم فقط لا يضيعون وقتهم في أمور سيعرفون لاحقًا أنها كانت مضيعة للوقت.

لسيث جودين كتاب عظيم في هذا الشأن (The Dip)، يُشجع فيه القارئ للإجابة على سؤال: متى يجب أن يترك ومتى يجب أن يستمر، فالناجحين يعرفون تمامًا متى ينسحبون ومتى يُكملون.

أما من يقول لك بأن الانسحاب للضعفاء، فهو إنسان قد يملك احتمالية أن يكون مغفلًا.

أو كما قالت بريانا ويست:

«الأشخاص الناجحون لا يعملون بجهد (تلك الكلمة «بجهد» لها دلالة خاطئة).

الناجحون لا يبذلون الجهد في أمور من الواضح أن نهاياتها ميتة.

كما أنهم لا يمارسون ما هو غير قابل للتطبيق أو غير فعّال أو ببساطة لا ينجح. إنهم يعملون باستمرار حيث يرون معظم النتائج، والسبب في قدرتهم على العمل كثيرًا – عادة أكثر بكثير من أقرانهم – هو أن العمل يأتي إليهم بشكل طبيعي إلى حد ما. إذا لم يحصل هذا الأمر، فسيكونون منهكين ومرهقين ويتركون العمل بأقل قدر من النتائج».

شخصيًا، أعتبر أن مهمة الإنسان في حياته العملية هي المحاولة بأقصى درجة لكي يصل إلى المعادلة التي يُصبح فيها تأدية العمل اليومي أشبه ما يكون أمرٌ طبيعي، مثله مثلما يمارس الفنان فنه، لا يستأذِن من أحد قبل الجلوس على لوحته، أو كتابة مقالته، أو.. أو..

هو أمرٌ طبيعي يقوم به، لأنه أصبح أمرًا طبيعي.

ينحصر الضغط ليولد إحساس الانضباط في حياته فقط، وليس ليعيش إحساس الذنب بعدم الإنجاز. والأهم، أن هذا الانضباط لا يسبب له نوعًا من التعاسة.

الحياة قصيرة.

النتيجة لا تهم؛ ما تحاول القيام به هذه اللحظة هو الأهم

ما تحاول القيام به هذه اللحظة هو الشيء الوحيد الذي تملك السيطرة عليه.

 لا تستطيع أن تقنع الجميع بأن يقرؤوا ما كتبت، أو أن يشاهدوا لوحتك، أو أن يسمعوا لمعزوفتك، أو الإنصات لفكرة مشروعك الجديدة.

وإن أقنعتهم.. لا تستطيع أن تجبرهم على حُب ومتابعة ما تنجزه.

الناس تميل فقط لمن يغير شيء ما في حياتها. نفسياتهم أو سلوكهم ربما.

«إما أن تُضحكهم، أو تُلفت نظرهم لشيء حقيقي» كما قال صديق جوردن بيترسون له عندما وصف التركيبة التي تجعل الآخرين ينصتون لما يقوله.

النتيجة هي ما تقوم به كل يوم. وليس ما ستراه لاحقًا.

النتيجة هي رحلتك.. الرحلة التي وعدت نفسك بالسير فيها. وإن التزمت بوعدك، سيظهر من يشكرك لوجودك في هذه الحياة.

النتيجة لا تهم، حاول أن تبذل جهدك فيما تفعله الآن، كل يوم. وسيحدث شيء كبير لاحقًا.

أعدك.

لماذا من الصعب أن تكون مؤدبًا؟

بعد أن قال «مرحبًا سيدي» في مساء ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٠م، أردف قائلًا «كُنت فقط أود أن أقول لك عيد ميلادٍ وسنة سعيدة» بلكنة أفريقية أميركية فاخرة، يستقبلني بها هذا الفقير الجالس على جنب أمام متجر محطة «سيڤين إليڤين».

تأملت حال الرجل وأنا آخذ أغراضي، وجدته من أسلوبه وجلسته نجمًا سينمائيًا مع وقف التنفيذ. من سوء الحظ بأن الكلمات المكتوبة لا تصف بدقة الأسلوب الملفت ونبرة الصوت التي وجدتها فيه. لا يبدو عليه أبدًا نقص المال إلا إن دققت قليلًا في ملابسه الرثّة، فهو جالس على الرصيف المرتفع بهدوء مُلفت واضعًا قدمه فوق الأُخرى، يدخن سيجارته بالحركة البطيئة، يستقبلني أنا وغيري بنفس الطريقة، يبدو عليه أنه في الخمسينات من العمر.

موقف سبق تلك القصة بعامين عندما وصلت وحدي مساء أحد أيام مايو ٢٠١٨م لميامي لاستكشف المكان قبل استقرار أسرتي. استيقظت صباح اليوم التالي واتجهت لأحد فروع «متجر آبل» والذي كُنت قد حجزت فيه موعدًا وأنا في جدة. يقع المتجر في إحدى مولات مدينة «فورت لودارديل» البعيدة نسبيًا عني آنذاك، وعندما أوقفت السيارة في المواقف السُفلية ومن باب الاستعجال، قررت أن أسأل سيدة كبيرة في السن (صادف أيضًا أنها أميركية من أصول أفريقية) عن موقع المتجر داخل السوق. كانت تلك السيدة أول إنسان غريب ألتقي به وأتحدث معه رسميًا منذ وصولي:

“Hey, my dear, I will walk you there. It will be an excellent chance for me to have such a handsome man walking with me in front of others.”

«أهلًا عزيزي، سأقودك إلى المحل، وستكون فرصة ممتازة لي كي أمشي مع رجل وسيم مثلك أمام الآخرين».

بالطبع لستُ وسيمًا، لكن كانت خفة الدم واللطف ملفتين جدًا لي، فأنا قادم من بيئة لا يرتاحون فيها النساء كثيرًا برد السلام على الرجال لأسباب واختلافات يطول شرحها هنا.

اعتقدت بأن موقف هذه السيدة كان بمثابة «حظ المبتدئين» لي، وأصبح اعتقادي خاطئًا تمامًا فيما بعد، ولذلك ذكرت قصة رجل المحطة (الأقرب في التوقيت لليوم) مع السيدة التي قابلتني في زيارتي الأولى.

كُنت محظوظًا في حياتي بالحصول على فرصة معاشرة الكثير من الجنسيات الأجنبية، بعضها معاشرة قريبة جدًا، وبعضها مجرد وقفات عابرة. وفي الحقيقة، كل من قابلتهم من جنسيات في حياتي في كفة، والإنسان الأميركي في كفة أخرى. لم أجد في حياتي أدبًا وخلقًا متناهيين في السلوك العام لشعب مثلهم.

كنت محظوظًا أيضًا بزيارة ما يقارب عشر ولايات. الألفاظ الخلوقة والأدب العام يكاد يكون فيها جميعًا دون مبالغة. وللأحبة الذين يعرفون الولايات المتحدة عن كثب سيوافقونني الرأي على الأغلب.

أصبحت أحرص على خفض السماعات من أُذني كل يوم عندما أمارس هواية المشي عند كل لحظة التقاء بشخص، فعلى الأغلب سيسلمون سلامًا حار مع سؤال «How is it going?»  (كيف الحال؟).

شكرًا، أسف، مرحبًا..  (كمعدّل يومي) سمعتها أكثر مرة في حياتي في هذه البلد.

على كل حال ليس هذا شاهدي، فقد أستطيع أن أكتب عشر صفحات تالية عن المواقف والأخلاق العامة التي يتميز بها الأميركيين.. وعيوبهم طبعًا!

إلا أنني أود اليوم محاولة الإجابة على السؤال العام: لماذا من الصعب أن تكون مؤدبًا؟

الإجابة المختصرة: لأن التأدب يحتاج إلى جهد.

فمن الأسهل لك إن تضايقت بأن تهزئ موظف خدمة العملاء، وموظف التوصيل، والعمال البسطاء في تقصيرهم، وأن تمثّل أنك لم تراني، وأن تسير في طريقك دون أن تقف لأن تسأل عن حالي، وغيرها.

ومن الصعب أن تستحضر التأدب ومراعاة الظروف، وأن تهدأ قليلًا.

التأدب أصعب من قلة الأدب.

«فشة الخلق» أسهل من استحضار الأدب واستجلاب الصبر والتأدب.

التأدب يتطلب قدرًا عالٍ من الانضباط في استخدام مفردات مميزة ولطيفة، كأن توجّه الكلام للكبير في السن بـ «أنتم، حضرتك، حضرتكم»، بدلًا من «اسمه حاف» أو «إنتَ» أو «أبوك» (… بدلًا من السيد الوالد أو أبو فلان، أو عم فلان).

هذا الانضباط في الاستخدام يحتاج إلى ممارسة مستمرة، والممارسة لا تتحقق إن لم يتمرن الإنسان عليها من الطفولة، ولا تتركز في عقل الأطفال إلا إن كان المربين أصلًا مؤمنين إيمانًا صادق بما يُسمى «الذكاء العاطفي» و«الذكاء الاجتماعي».

أختزل الذكاء العاطفي بأن أُفهِم المتلقي بأننا نعيش مع أُناس آخرين. ولذلك يجب أن نختار المفردات بعناية حماية لعواطف الجميع.

وأختزل الذكاء الاجتماعي في إفهام المتلقي بأنك إن كنت ذكيًا اجتماعيًا أصلًا، فستكون حياتك مع الآخرين أكثر مرونة وسهولة، وسيسهل عليهم وعليك حصولكم على ما تريدونه من بعض.

شخصيًا أعتبر أن طبيعة الإنسان (العادي) تميل «للحيونة» أكثر منها للإنسانية المطلقة، فالإنسانية المطلقة تستدعي الكثير من الجهد الذي قلناه من ناحية، وصعوبة إعمال العقل والعاطفة سويًا بأقصى درجاتهم لكي تُخرِج شفاهنا كلمات لطيفة وحساسة وظريفة للآخرين. أتحدث هنا عن الظروف العادية، ولم أشمل أوقات الزعل والخصام والتقصير.

يهاجم الحيوان الآخرين عندما لا يشعر بالارتياح.

يهاجم الإنسان الآخرين عندما لا يشعر بالارتياح.

لا يهاجم الإنسان الآخرين إن كان حليمًا ومؤدبًا.

يُسلم، ويرد السلام، ويشكر، ويعتذر، ويُسلّم، الإنسان المؤدب والحليم على لآخرين طيلة الوقت.

عندما لا يشعر الإنسان بالارتياح ويهاجم الآخرين (أو لا يكون مؤدبًا) هذا لا يعني أنه على صواب. ولا يعني أنه يجب أن يُعذر بالضرورة.

لماذا لا ترد الفتاة (أو الرجل) على السلام أو الشكر عندنا؟

ببساطة لأنها لا تشعر بالارتياح، هي أو هو يشعرون بتهديد خفيف وغير معلن، وضف على ذلك، هي لم ترى كل من حولها يقابلون اللطف باللطف طيلة الوقت على فترات طويلة وممتدة مع الغرباء، ولم يقل لها أحد بأن استمرار استخدام المفردات غاية اللطف، تحتاج إلى تمرين. كما تمرن عليها الشعب الأميركي على ما يبدو منذ صغره.

مهمتنا كمربيين تحتاج إلى بعض من الجهد الإضافي اليوم. بأن نعلمهم كيف يستحضرون الأدب والخُلق في تعاملاتهم، وبالنسبة لاختيار المفردات، لم أجد في حياتي أمرًا مساعدًا مثل الحرص على القراءة المنتظمة في حياتنا.

[لا أعلم إن كان كلامي واضحًا اليوم، إلا إنني مؤخرًا بدأت أشعر بفجوة فِهم أخشى أن تزداد بيني وبين أحبتي من يقرأون لي].

كان الله في عون الجميع.

درسٌ مُستفاد في ٢٠٢٠: الحال وإن كان سيتغير لا تنتظره

هذه المقالة نُشرت على مدونات آراجيك.

لا نحتاج للمزيد من الدراما لكي نصف ٢٠٢٠م، فكل إنسان كان يملك تحديات قبلها، وسيملك تحدياته المتجددة بعدها.

إلا أن تحديات ذلك العام أظهرت ما لا نود إن يكون فينا، أو ما كان فينا ولا نود منه أن يظهر.

عدد الاتصالات على ٩١١ في الولايات المتحدة ازداد بشكلٍ هائل، بسبب حالات العنف الأسري. وغيرها في الكثير من الدول. معظم من حاول الاتصال، كانوا يعلمون يقينًا أن تلك القشة التي ستقصم ظهرهم من المعنِّف كانت ستأتيهم في يوم من الأيام. إلا أنهم فضّلوا الانتظار، والابتعاد عن رؤية المشكلة ومعالجتها، ولا نقول فضّلوا الصبر، لأن الصبر هو قدرة الإنسان على الاستجابة بشكل إيجابي وقت الأزمات.

القُساة يزدادون قسوة وقت الأزمات. والطيبين تظهر طيبتهم أكثر. عندما نحتاجها.

المثابرين لا يتوقفون عن البحث عن الحلول وعن التعلم وعن البحث عن الذات في وقت الأزمات، مهما شدّت الأزمات رباطها علينا. أعلم اليوم يقينًا أن شخصية الإنسان وتطوره لا يكونا إلا بالممارسة «فالحلم بالتحلّم.. والعلم بالتعلم» كما ورد عن النبي الكريم ﷺ.

«الوجه البشري، بعد كل شيء، ليس أكثر ولا أقل من قناع». كما تقول أجاثا كريستي. وفي وقت الأزمات يُنزع ذلك القناع.

أود أن أتحدث اليوم عن نوع جديد من الأقنعة، قناع الحِلم واستجلاب الصبر.. قناع «وجه الپوكر» تجاه الأذى، والذي نرتديه فوق طبائعنا التي يجب أن تستحضر الطيبة والإنسانية والمثابرة والحرص على النمو في هذه الحياة من الأساس وفي كل وقت. فلولا قدرة الإنسان على التطور والتكيف المستمر، لما عاش وتكاثر حتى اليوم بعد هذا الكم الهائل من الحروب والأوبئة التي صاحبت البشرية من مئات السنين.

ربما قد تغير معظمنا في ٢٠٢٠ صحيح.. لكن سرعة التغير كانت أكبر في إظهار ما لا نريد في أنفسنا.

  • الملول ممل مع نفسه في الأساس، والممتعض أصبح أكثر امتعاضًا:

هنا بعض القسوة (والحقيقة ربما) تجاه من يشعر دائمًا بالملل. أعتذر، لكن بالنسبة لي أصبحت حقيقة أكثر من أي وقتٍ مضى. أساس الرتابة والملل في هذه الحياة في نظري يعود لعدم قدرة (ورغبة) الشخص على البحث عن تجارب وهوايات جديدة. طبيعة الإنسان تتصارع بين البحث عن الاستقرار وبين فضول لا ينضب. يختار الإنسان الملول في العادة ميله للاستقرار الزائد عن الحد. الاستقرار الذي يصاب بشرخ، ثم بكسر، ليتحول إلى ألمٍ كبير عند أي أزمة.

من كان يشتكي «معظم» أوقات ٢٠٢٠ .. كان يشتكي ويهرب من «نصف» أوقات العام الذي سبقه.

لكي ننمو – حتى في تفاصيل عشرتنا للآخرين – نحن نستحق أن نكون مع من يبحث عن المزيد من التجارب والمزيد من الحياة والتطور والتعلم والتصالح المتجدد، وفي وقت الأزمة، نبحث على من يملك الرغبة في البحث بنصف طاقة على المزيد من الحياة على الأقل.

قبل الأزمة، لم نكن نشعر بأننا مملين وملولين، وبعدها أصبحنا نشعر بذلك بوضوح، لأننا جلسنا مع الإنسان الأكثر مللًا في حياتنا. نحن.

وعندما يجد الإنسان ما يتوق له في حياته سوف لن يصبح بعدها باحثًا عمّا يثريها، كما يشير جان جاك روسو. «لكي نكون أثرياء [بأنفسنا] لا يتطلب هذا الأمر امتلاكنا لأشياء كثيرة، وبدلًا من ذلك، فإنه يتطلب امتلاك المرء لما يتوق إليه في حياته».

يستطيع الإنسان أن يرقى بنفسه – ربما – إن استوعب (دون أن يهز رأسه فقط) بأن دوام الحال من المحال، ولا باقٍ إلا وجهه الكريم. وعندما يستوعب هذا الأمر بصدق، سيصرف كل يوم محاولًا أن يجعل يومه التالي أفضل.

سيجرب كل شيء يستطيع تجربته، سوف تظهر عدة أمور يتوق لها في حياتها.. وفي خلوته مع نفسه، وبعدها سيقل الامتعاض والملل، وسيعي من حوله أنه بالفعل أصبح إنسانًا خفيف المعشر. وأما بالنسبة للعنيفين في بداية المقالة، فإن ما يتوقون له هو الشعور بالقوة والسيطرة حتى وإن كانت مزيفة، وفي الأزمة.. لا تظهر هذه الأمور إلا مع القريبين.

  • تخيل أن أسوء شيء حصل لك، ماذا بعد؟:

أو كما يعلق الكاتب الشاب «ريان هوليدي» في وصفه لـ«كاتو» أحد أهم الفلاسفة الرواقيين، «كان يتجول حافي القدمين وبملابس قليلة، في الحرارة والبرد. كان يدرب نفسه على حياة قد يواجه فيها الفقر. كان بالطبع أرستقراطيًا رومانيًا. ربما لن يصبح مفلسًا أبدًا. لكنه لم يكن يريد أن يخشى ذلك على الإطلاق، لذلك عاش، بتعبير سطحي وجيز، حياة مفلسة.

وقد منحه هذا التمرين البسيط قوة غير مألوفة على التجربة والاستعداد والتفكير في مشكلة سلبت تأثيرها البالغ عليه.» ويعقّب «عندما تتمكن من الدراسة والتعلم مما فشل في الماضي، أو الاستعداد لما قد يفشل في المستقبل، فإنك تقلل من خوفك.»

بالنسبة لي، حاولت.. حاولت بصدق منذ سنوات، بأن أتخيل أسوء ما قد يحصل لي، تخيلته بوضوح، بتفاصيله الكثيرة. وقد حصل في ٢٠٢٠م، تحديدًا في الخامس والعشرين من أكتوبر، يوم وفاة الإنسان الأعز على قلبي: والدي.

كان جزء من المخاوف قد تبخر عندما تخيلت في الماضي هذا اليوم، وجزء آخر لا بأس به اختفى عندما عبرت له ولغيره «عن الفقد».

والجزء الأكبر والباقي يأتي كل يوم ليذكرني بأن الحياة مؤلمة. وكل يوم أذكّر نفسي بأن هذا الألم جزء منها. يأتي الألم على شكل موقف قديم وذكرى جميلة ومقطع فيديو وصور، تذكرني بأن الحياة قبل اليوم الذي حصل «أسوء شيء فيه» كانت بخير، وتردد في أُذني قول الحنّان «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، لأبحث كما ذكرت سابقًا على فتحات الضوء في تلك العتمة. تذكّرت أنني في نفس هذا العام العسير استوعبت أن هناك نِعم حقيقية لا تُعد، أخشى أن أشعر بالخجل من نفسي إن عددتها واحدة واحدة، ومن يعلم إن كان مصاب الفقد كان قد أتى هذا العام ليذكرني بأن الاستقرار حتى وإن كان في الوقت الذي لم يكن فيه أحدٌ مستقر.. فهو غير دائم. أو ربما ليعطينا استراحات لسنوات قادمة نتأمل فيها نِعمنا أكثر.

ولكن، ماذا بعد؟

هي لا تريد أن تستقيم. لم تقرر نيابة عن أي أحد بأنها ستسير بخط مستقيم. هكذا هي الحياة.

نعالجها بما نتوق إليه في حياتنا، ونبحث باستمرار عما نحبه فيها، ومن نريد أن نكون معه في الحب والعسر واليسر.

إن كنت ستنتظر الحال لكي يتغير، أرجوك لا تفعل.

تغير أنت لحالٍ أفضل.

لا تتزوج فنانة

… إن كُنت فنّان.

رسالة لا تحمل معنيين.

المال يقود أجزاءً كبيرة من دفة الحياة؛ لأنك مع نقصه ستنشغل بالهموم أكثر من فنك، وستشغلها معك أكثر.

الفن ثانيًا، الطعام والشراب والملبس والحياة الكريمة أولًا. الحياة الكريمة عندما تستخدم المال، ولا يستخدمك.

عندما يستخدمك المال وأنت في فنك، سوف تكون مؤدٍ للعمل، وليس فنان.

الشغف «فخ» كبير. نعتبره غاية، وهو لا يتعدى كونه وسيلة للعمل. ثم الاستمرار في العمل. إياك وأن تنصت لمن يقول لك «اتبع شغفك».

لا عيب في أن تكون مرتاحًا. «الدوام» قد يكون مجهدًا، لكنه مصدرًا لراحة البال، وعفة اليد.

راحة البال دائمًا هي الأهم.

لا تتزوج فنانة.. لأن الفنون لا تستقر إلا بالكثير من العمل والصبر والمثابرة، بعدها (ربما) ستتعلم كيف تبدع. وعندما تبدع، سيأتيك شخصًا ما يدفع لك المال مقابل أن يحصل على إبداعك، ووقتها فقط، فكر في أمر الدوام. وقبلها، فكر فكيف تدخر وتستثمر.

الادخار والاستثمار أول وسيلتين لراحة البال بعد الدوام (وتوفيق الله قبلهم).

لن تستطيع أن تصبر وتعمل وتثابر إن كنت وإياها تحاولون أن تبدعوا في فنونكم، المسألة مسألة وقت، الوقت لن يجلب لكم الأكل والملبس.

هناك فرق بين تنسيق الوقت.. وطرد الهموم.

تستطيع أن تدير يومك، يومًا بيوم.. تضع فنك في وقته المناسب.

لكن الهموم.. لن تختفي وحدها.

نقص المال من أصعب الهموم.

لا تتزوج فنانة.. إلا إن كنت مرتاحًا (قبل أن تكون فنانًا). أو اترك فنك حبًا لها! .. أو تدري! .. تزوج أي إنسانة ليست فنانة.

هذا ما أعرفه.

كان الله في عون الجميع.

نحارب لأجل ما نرغب به وليس ما نحتاجه

تأمل نفسك والآخرين، ستجد أن هذا الأمر بالغ الدقة. استوعبه نابليون منذ مئتي عام، ووظف هذا السلوك لخدمته، وخرج بمقولته الشهيرة «يحارب الرجل لرغباته أكثر من احتياجاته».

يصرف الأمريكيين على تذاكر اليانصيب أكثر من صرفهم على الكتب والأفلام والمباريات والمسارح مجتمعين، حسب تعليق مورگان هوسل في كتابه «سيكولوجيا المال»، ٤١٢ دولار متوسط قيمة تذاكر اليانصيب الذي يشتريها الفرد الأمريكي (من ذوي الدخل المحدود) سنويًا، هو نفس المبلغ الذي يُنصح بتوفيره على جنب كتكلفة علاج الطوارئ.

أربعين في المئة من الأمريكيين لا يملكون هذا المبلغ وقت الطوارئ. لكن يملكونه من أجل رغبتهم للحصول على فرصة «واحد من مليون» للفوز باليانصيب.

نملك الذهن والوقت لكل شيء لا نحتاجه.

نملك طاقة لا بأس بها للمجاملة، ولا نثابر من أجل من نحتاجهم حولنا.

نملك المال من أجل رغباتنا، وعندما نحتاجه نقترض.

نتطور مع هذه الرغبات ونبررها، تختلط الأمور، نعتقد أن الرغبات حاجة. نستيقظ في أحد الأيام ونراجع ما قمنا به، ونكتشف أننا لم نكن حكماء بما يكفي.

مثلي عندما ذهبت لسوبر ماركت «كوستكو» قبل يومين. ثلثي الفاتورة كانت رغبات. ثلثي الفاتورة كان سببها أنني زرت المكان وأنا جائع.

جوع الغرائز والعواطف يجعلنا أقل حكمة، عندما نُشبع أنفسنا وحاجاتنا وأحبابنا ووقتنا الثمين وشكلنا أمام المرآة سوف لن ننشغل بما نرغب، سوف نكتفي بما نحتاج.

نحن لا نريد أن نكون أقوياء طيلة الوقت

كنت سابقًا أتحسس كثيرًا عندما تقوم والدتي بإعداد الإفطار أو القهوة لي أو عندما تخدمني في أي شيء. والدتي ولا أريد أن أُتعبها! اكتشفت مع الوقت أنني فهمت الموضوع بشكل خاطئ، الأمر ببساطة يشعرها بالسعادة، والدليل إصرارها المستميت لذلك. هي لا تقوم بنفس الفعل مع الآخرين، فقط مع أبنائها. ونحن الأبناء في المقابل لسنا «عويلين»، نعرف كيف نعد القهوة والإفطار وأشياء كثيرة.

أن نتصالح مع فكرة أننا لسنا أقوياء طيلة الوقت أمر جيد، وأن نتصالح مع فكرة أنه لا بأس في قبول الخدمة والدلال دون تحسس كان غريبًا علي.

هناك أصناف من البشر لا تعرف كيف تستقبل الدلال ولا تقبل – حتى مؤقتًا – الاعتراف أنهم في حاجة له.

المرأة المستقلة قوية، لكنها لا تريد أن تكون قوية طيلة الوقت.

الرجل قوي، لكنه يُفضل أن يُعامل مثل الأطفال.

طبيعة البشر تجبرهم على استبدال الأدوار من وقت لآخر، تارة نعطي وأخرى نستقبل. نشعر بالقوة والمسؤولية في أوقات، ونستجلب الضعف والهوان والدلال. المسألة ليست عضلات، المسألة حاجات ورغبات مختلفة في أوقات مختلفة.

عندما تعطي الأنثى لقمة الطعام لفم شريكها، هي لا تريد أن تخبره أنه ضعيف ولا يعرف كيف يأكل بنفسه، هي تريد أن تخبره أنها تشعر بالحنان تجاهه، وهو يقبلها لأنه يرغب بهذا الإحساس اللطيف.. الدلال.

حاجتنا لإحساس عدم القوة مثل حاجتنا لأحاسيس كثيرة، تعطينا -نحن الرجال على وجه الخصوص- استراحات لمعارك كثيرة، فنحن لا نريد أن نكون أقوياء طيلة الوقت. ولا يجب.

نحن نريد أن نكون ضعفاء بإرادتنا.

وإن كان الضعف سيجلب بعض الدلال، فأهلاً وسهلاً.

التمرين: في الفنون

قبل الدخول في التمرين، هنا مقالتين نشرتها خارج مدونتي، ستستحق اطلاعك.

التمرين:

  1. استقرارك المالي أولاً، فنك ثانيًا، لن يصبح الثاني أولاً دون أن يكون الأول أولاً.
  2. ألا تفعل شيء أسوء من عمل نصف مكتمل.
  3. عكس العمل الرائع ليس السيء، بل العمل الجيد. تحتاج للكثير من العمل السيء.
  4. الكسل والخوف، لا يوجد سبب ثالث يمنعك.
  5. بهدوء، كل يوم. لا يوجد طريق مختصر.
  6. عمل سيء أفضل من لا شيء (مرة أخرى: لا تخف).
  7. ابدأ ثم انتظر الإلهام.
  8. لا تكترث للانتقاد، دائمًا هناك فائض منه سيطولك.
  9. الروتين الروتين الروتين.
  10. ما تشعر به، وليس ما يطلبه المستمعون.

كان الله في عون الجميع.

عن الفقد

كُنت أتعاطف مع كل إنسان عانى من الفقد، حتى جاء يوم ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠م.

هبطت طائرتي في مطار واشنطن دالاس قادمًا من مدينة فورت لودارديل. من المفترض أن أمكث أربع ساعات في انتظار رحلتي التالية إلى جدة. والدي في العناية المركزة وتحت التخدير الكامل للتنفس الصناعي بعد أن عانى التهابًا في الرئة من فايروس كورونا لأسابيع.

هكذا فجأة، تصبح الحياة سريعة تجاه القاع. وتذكرنا أن الباقِ وجهه الكريم.

إنسان صحي متكامل فخور باعتنائه بنفسه وعدم احتياجه لعكاز.. إلى تخدير كامل، وكأنه لم يكن قبلها بأسبوعين يناقشني مناقشة مطولة عن موعد عودتي إلى جدة لنخطط سوية لإجازة الصيف القادمة بعد أن قررت السلطات فتح الأجواء عمّا قريب، لأطلب منه أن يمهلني يومين لأعود له بخطة كاملة برسالة واتساب. رسالة أُرسِلت له، لم تلقى الرد.

يعلم بعض القراء المقرّبين أنني لا أميل أبدًا إلى ذكر تفاصيل حياتي الخاصة التي قد لا تُضيف لهم الكثير، إلا أنني اليوم أرغب بهذا الاستثناء.

أنا أصغر إخوتي. هذا الامتياز أعطى والداي مساحة من التعامل معي بشكل أكثر ودية، ربما بسبب فارق العمر وبسبب قدومي كأخ لأخي الأكبر إياد وأربع أخوات، ووربما لطبيعة التربية كسلوك يتجنب من خلاله الآباء الكثير من الأخطاء والشدة مع الأبناء الأصغر ليعيشوا حياة أكثر مرونة وسعادة رغم قُصر فترة العِشرة، فأنا مع كتابة هذه السطور أبلغ من العُمر أربع وثلاثين عامًا؛ وإن خُير الإنسان بين حياة قصيرة مليئة بالحب والطفولة الرائعة وبين حياة طويلة صعبة، لربما سيكون الخيار الأول هو الدافع الأكبر للاستمرار في هذه الحياة وحيدًا دون أب باطمئنان وتوازن.

يقول البعض أنني أخذت الكثير من صفات والدي الشخصية، وحتى وقتٍ قريب لا يميز الكثيرين بين أصواتنا على الهاتف. بالنسبة لي، شخصيته أقرب ما تكون إلى شخصية روائية، فهو إنسان شاعري من الطراز الأول، مليء بمغامرات السفر، يحب الجميع ويحبونه، وكان شديد الوسامة والتأنق معظم فترات حياته، حتى إن إحدى أخوالي خشيَ على والدتي من هذا الأمر عندما تقدم لخطبتها قبل ستين عامًا.

كان كثيرًا ما يتهكم على الكِبار في السن وعلى فكرة أن الإنسان عاش أيامًا طيبة مع الطيبين، فهو دائمًا ما يرى أن الحاضر والمستقبل أجمل، والتطور كنمط حياة أفضل من تعاسة الماضي. يخاف من الموت ليس لتقصيره في هذه الحياة، بل لولعه بثروته التي امتلكها حسب وصفه.. ثروته من أبناء وأحفاد وأحباب.

في المطار، وأنا واقف أنتظر العفش وأتابع المستجدات في حالته على الواتساب مع رسائل العمل من هنا وهناك، جاء الخبر من أخي وهو يكتب في قروب الواتساب عبارات مليئة بالأخطاء الإملائية، اعتقدت أن دموعه لم تعطه القدرة على التركيز.

عندما يكون الإنسان في وسط الظلام والألم، لا يملك خيارًا سوى البحث عن بعض فتحات الضوء، وهنا حكمة الله في قوله «إن مع العسر يسرا..».

بحثت عن هذا الضوء تاركًا الشنط المحملة بالهدايا والطلبات تأخذ لفتها التاسعة في ممر العفش. وأخبرت نفسي: لا بأس، أمامك أربع ساعات لوحدك، تستطيع أن تبكي وتئن كما تشاء، لن يقاطعك أحد، والمطار شبه ميت بسبب الظروف. وقد استوعبت بعد أن انتهيت أن الأغبياء وحدهم هم من يمنعون الآخرين من البكاء، رغم مقاومتي المستميتة للفكرة القديمة التي تقول: الرجال لا يبكون، فقط النساء والأطفال.

اكتشفت أمرين غريبين عندما تأملت تلك اللحظات، الأول أن هناك مسافرين حولي والرسائل متدفقة بالتعازي والنِكات ومقاطع أهداف الدوري السعودي، والسماء مازالت زرقاء وما زال المايكروفون يصدع بصوته مع فراغ الصدى في كل أنحاء المطار وأمامي أم تطلب لابنتها شيئًا ما من المقهى، اكتشفت رغم صِغر العالم من ازدحام الحزن واللاقيمة لهذه الحياة مع هذا الخبر، أنها مستمرة!

وسألت نفسي سؤالًا غريب وأنا جالسًا متأملًا الأرض بعد أن أشغلت نفسي بتحميل العفش، أليس هناك حُضن يُباع هنا؟ أو من يتبرع به دون أن أطلب؟

استوعبت أن الإنسان شديد الحاجة لمن حوله، زعلت مؤقتًا لمن يسوقون فكرة أن تهتم بنفسك وتسعى لإرضائها دون الاكتراث لأي شيء آخر وأن الوِحدة شيء جميل ولا يجب أن نفرط به، استوعبت أكثر من أي وقت أن المواساة والأحضان والأحباب قيمتهم لا تقدّر بثمن، طلبت بيني وبين نفسي أن يقترب سُكان الكرة الأرضية ليكونوا معي ويقفون بجانبي. وتذكرت بعدها بأيام أن الاهتمام سيكون أحد القيم التي لا يجب أن تُفارقني.

مضت الساعات، وجربت فيها إحساس عدم الإحساس. بدأ موظف المطار بمجادلتي حول أربع كيلوهات زائدة لرحلتي إلى جدة، أعطيته بطاقتي الائتمانية وأخبرته أن يأخذ ما يشاء منها ويتركني في حالي مع خبر وفاة والدي قبل لحظات، ليخبرني أنه آسف على هذه الخسارة ولكن النظام نظام وسيقتطع المقسوم من البطاقة.

سارت كل الأمور على ما يُرام، مضت الأيام، وها أنا أسعى أن أُعيد ما تبقى من الأمل والطمأنينة والتوازن. وها أنا أُشغِل القارئ الكريم بمقالتي الأولى بعد انقطاعي الأطول عن الكتابة.

آخر الأمر، أنني فخور به رحمة الله عليه، فخور به حتى بعد رحيله. ترك وصية من ثمان صفحات تعج بالحِكمة، وترك كلمات واسى بها نفسه، لربما تواسي غيره. أُشارك بها هنا.

وما بعد الأمر الأخير.. أرجو أن تهتم بصدق بأحبابك.


مناجاة …

إلهي ذاك عمري ينقضي … وتلك حياتي تلملم الأذيالا

أمسح عن عمري حب الحياة … والشوق إلى لقاءك يشدني والرضوانا

ربيع عمري لم يعد زهرة وأفنانا … قلبي يخشع لجلال وجهك والمقلتان

كم عاصيًا هديت … وتائبًا استقبلته بالغفرانا

برحمته يا إلهي … أُفيض عليَ بالإحسان إحسانا

حسرتي لماضٍ تولى … أندى من بسمة الإيمانا

أي عُذرٍ أُقدمه مولاي … وأنت الغفور الرحيم سيد الأكوانَ

تتهادى خُطى مسيرتي … على نعش من مساحيق الأردانَ

يلفني الثرى في صمتٍ … ووحشة وعُقدة اللسانَ

من لي سواك راحمًا … أرجوه في غمضة الأجفانَ

ووحدة القبر … ولقاء المكانَ

إلهي..!

كيف حالي يوم ألقاكَ..

وصدى العمر صدأ من ذنوب الزمانَ

وتعرّى الجسم والقلبُ في سكون الندمانَ

ذاك جسدي يُكفنه الصمت … ويُلقى به إلى النسيانَ

فراق بلا وداع … وعهدي بك اللهمَ إنك الرؤوف.. الرحمن.. الرحيم.. العفو.. المنانَ

– حسن

عندما يكون الزواج الثاني أسوء من الأول

«في جيلي، عندما كانت النساء تعشن في المنزل حتى يتزوجوا، كنت أرى بعض الزيجات الفظيعة التي تقوم بها نساء رائعات، وهن شبه مرغمات عليها؛ لأنهم يعيشون في منازل سيئة.

ولقد رأيت بعض الزيجات الثانية التعيسة، والتي تم فيها الارتباط لأنها تضمنت تحسينات طفيفة على زواج أول أسوأ».

يصف تشارلي منگر إحدى تأملاته في محاضرته المطولة والشهيرة عام ١٩٩٥م بعنوان «سيكولوجيا سوء التقدير عند الإنسان» والتي يعتقد أنها ساهمت بجعل حياته أكثر هدوءً مصاحبة لثراء كبير كنائب لوورن بافيت رئيس مجلس إدارة شركة «بركشير هاثوي».

يبلغ منگر من العمر ٩٨ عامًا، وهو لا يزال على رأس العمل حتى كتابة هذه السطور.

«أنا مهتم جدًا بموضوع سوء التقدير البشري، ويعلم الله أنني استفدت كثيرًا منه» يعلق في افتتاحية المحاضرة.

قررت أن أقرأ نص المحاضرة مكتوبًا، بسبب سوء جودة الصوت وقد استغرقت مني قرابة الثلاث ساعات لثقلها. من القراءات القليلة مؤخرًا التي أجبرتني على التوقف كثيرًا.

لفتتني الأجزاء التي تحدث فيها عن القرارات الاجتماعية العاطفية المرتبطة بالآخرين، فسوء التقدير لدينا نحن البشر لا ينحصر في اختيار بيت غير ملائم أو سَفرة غير مناسبة، أو مطعم سيء. إنما يطول حتى أكثر القرارات المصيرية في حياتنا.

«أسوء قرارات اتخذناها في حياتنا، كانت قرارات معقولة ومقبولة وقتها» يعلق مورجان هوسل في كتابه الساحر سيكولوجيا المال (والذي سأخصص له مقالة مطولة لاحقًا ربما).

إلا أن منگر استوعب منذ سن مبكر أن معظم قرارات الإنسان المصيرية تتأثر بشكل جذري بمن حوله. وعندما يكتشف سوؤها، يكون قد فات الأوان، ليتأثر بها وحده، أو كما نقول بالعامية في الحجاز «يشجعك على الطلاق ولا يواسيك في الفراق».

الناس عندما ينصحونا لا يشعرون بنا بدقة، ولا يفكرون بالعواقب مثلنا، ولا ينام أحدٌ فيهم جانبنا على السرير كل يوم ليتأمل أفكارنا ومخاوفنا.

ويصف منگر تأثير الآخرين في قراراتنا «أدركت أن الإنسان «حيوان اجتماعي» يتأثر بشكل كبير وتلقائي بالسلوك الذي لاحظه في الآخرين من حوله. عرفت أيضًا أن الإنسان يعيش مثل الدواجن والقردة، في تسلسل هرمي محدود الحجم، حيث كان يميل إلى احترام السلطة وإبداء الإعجاب والتعاون مع أعضائه، ومع إظهار قدر كبير من عدم الثقة والكراهية تجاه الرجال المنافسين الذين ليسوا في التسلسل الهرمي الخاص به».

نستوعب هنا أن العقلانية هي الاستثناء وليست الأساس. التأثر بكلام الآخرين شكل من أشكال عدم التعقّل.

تصبح «الأنا» هي المُحرّك، وهي ما تخدم أشكالنا. ولا تخدم حياتنا.

تختفي العقلانية أيضًا عندما نكون جائعين. فنتجه إلى القرارات التي تسكت جوع الآخرين!

«لقد رأيت هذه اللاعقلانية بشكل نمطي، وهي متطرفة للغاية، ولم يكن لدي نظرية للتعامل معها، لذلك أنشأت نظام علم نفس خاصًّا بي…» يعلّق منگر. ويقترح حلًا ضمن ثلاثة نصائح.. «تحقق جيدًا أو لا تصدق، أو استبدل الكثير مما قيل لك، إلى الدرجة التي تبدو مناسبة بعد التفكير الموضوعي.»

بهذا النهج، قد ينقلب الاندفاع العاطفي إلى هدوء موضوعي.

«تتسبب الغيرة والكراهية أيضًا في سوء التقدير الناجم عن مجرد الارتباط. في مجال الأعمال التجارية، عادة ما أرى الناس يقللون من تقديرهم لكفاءة وأخلاق المنافسين الذين لا يحبونهم. هذا الأمر خطير، وعادة ما يكون بديهيًا لأنه بُنيَ على أساس غير واعي». التنافس واستشعار التهديد على «المكانة» ليس منحصرًا في الأعمال التجارية فحسب، بل أيضًا لدى البشر، ونحن لا نشكك من فكرة أن الاستشارات تأتينا بدافع صادق ومحب. حتى في الأمور التي لا تمس الآخرين بشكل مباشر. إلا أن سُنة الحياة وطبيعة البشر تجبرنا على ألا نستهين بالآراء غير الظاهرة من الآخرين.

أحيانًا يأتي دور الناصح صادقًا وواضحًا، إلا أننا يجب أن نحزن لأن نصائحه تأتي بطعم الغيرة إن لم ننتبه.

هل أنا مدينة لك بالمال؟

يتميز كل إنسان بتصرف أبله في سلوكه.

شخصيًا لا أملك تصرفًا أبله، بل العشرات.

وعندما تأملت حياتي، وجدت أن إحدى تخصصاتي غير المعلنة هي التصرف الخاطئ في المكان الخاطئ مع الأشخاص الخطأ. اعتدت أن أصافح النساء اللذين لا يصافحون الرجال، ولا أصافح من لا يملكن مشكلة في ذلك، فيظن المحافظين أنني متحرر والمتحررين أنني محافظ. أفتح السير الأكثر حساسية لدى الآخرين بالخطأ، وأحيانًا أُقلِّب كل الجروح والمواجع لدى الشخص الكريم الذي أمامي دون قصد. أتكلم حينما يجب أن أسكت، وأسكت حينما يجب أن أتكلم، أُحرِج المؤدبين، وأتغافل عن المتسلطين، حتى أستوعب كل ذلك في اليوم التالي، أو قبل النوم بدقائق.

عمومًا إحدى هذه السلوكيات الغريبة مثلًا – بعد أن اشتكى بعض الأصدقاء عن ذلك – أنني عندما أريد أن أترك المكان وأودع الموجودين فيه، فإنني أقوم فورًا بذلك، دون مقدمات.

حتى وُبخت من الجارة الكريمة السيدة مارينا على هذا الأمر مؤخرًا؛ «كيف تترك المكان هكذا فجأة والكل جالسين؟» علّقت، «هل أنا مدينة لك بالمال؟» وأخبرتها طبعًا أنها ليست مدينة بشيء، محاولًا أيضًا أن أفهم ما علاقة المال بهذا السلوك!

ردت عليَ باعتقادها أنني ربما قد أتيت في المرتين السابقتين وكأني أنتظر أن تقوم لتعطيني شيء، وأن خروجي المفاجئ ما هو إلا ردّة فعل سلبية لعدم فهمها للموضوع، حتى قررت أن تنهي شكوكها بسؤالي مباشرةً «هل أنا مدينة لك؟ وإذا لا، لماذا تقول تصبحون على خير فجأة ودون مقدمات؟».

وعدتها أنني سأكون حذرًا في المرة القادمة.

وبهذه المناسبة، أود مشاركتكم أمرين، الأول: عندما تشعر بالريبة من سلوك صديقك، أقترح عليك أن تقوم بسؤاله مباشرة دون تضييع لوقتك وذهنك. والثاني: أنني أصبحت على قناعة صادقة أن الإنسان عندما يملك عيوبًا مضحكة، عليه بالحديث عنها أمام العلن، على الأقل بتهكّم، حتى لا تصبح هذه العيوب مصدرًا للحزن.

درسان من موزارت

يحكي تشارلي مُنجر (٩٧ سنة) قصتين عن موزارت، الأولى:

جاء شخص إليه وسأله: أريد أن أكتب نُوتات موسيقية، ماذا عليَ أن أفعل؟ رد عليه الملحن «كم عمرك؟» قال له: ثلاث وعشرون سنة. أخبره أنه ما زال صغيرًا على كتابة النوتات. تعجّب السائل وأردف بتعليق: «لكن أنت تكتب نوتات موسيقية منذ كان عمرك عشر سنوات!» قال نعم، لأني لم أكن أسأل الكِبار كيف أبدأ بكتابة نوتة موسيقية.

الثانية:

نفس الشخص الذي ملأ السمع والبصر بألحانه الخالدة، كان قد عاش حياة شديدة البؤس ومات صغيرًا في السن. وعندما تأمل مُنجر سيرته، وجد أن هناك أمرين كان من الممكن أن يتجنبهما الملحن ليعيش حياة كريمة؛ الأول: ألا يعيش حياةً باذخة (يصرف كل ما في حوزته) لأن هذا السلوك سيقود إلى الأمر الثاني وهو: أنك عندما تعتاد على ذلك، سيقودك هذا السلوك إلى نشوء الغيرة من الآخرين والاستياء من حالك. هذه الأمرين تقود إلى حياة بائسة.. وقد تموت صغيرًا (كما يعلّق مُنجر).

النجاح في تعريف وورن بافيت

بعيدًا عن المال والثروة والأسهم.

يؤمن بافيت أن النجاح يتلخص في وصول الإنسان لعمر متقدم وهو مُحاط بمن يحبونه.. بصدق.

«تسمع دائمًا عن ذلك الرجل الذي يصل إلى الخامس والستين أو السبعين وهو منعزل في الدور العلوي …» يعلق.

طبيعة الإنسان تتغير مع كِبر السن، يُصبح صعب المِراس والإرضاء، وقد يستأنِس بالانعزال، وتصعب مجاراتهم في كثير من تفاصيل الحياة، وبالنسبة للكِبار أنفسهم، تعتبر مقاومة هذه التغيُرات مع تعويد النفس على حب الحياة، والتسلُّح بالمرونة، وطولة البال تجاه الآخرين، أمور تجعل من الإنسان يعيش حياة كريمة (وناجحة).

ما قيمة المال إن لم يطيقني الآخرون؟

محبة الآخرين هي رأس المال. تتحول إلى ثروة حقيقية مع التقدم في السن.

مشكلة النباتيين

هذه المقالة ليست انتقاد لنمط حياة النباتيين، إنما لمحاولة تحليل أحد الأمور التي يمرون بها من ناحية نفسية، مع الأخذ في الاعتبار أنها تعني بشكل أكبر الأشخاص الاجتماعيين.

يعتقد راين هوليدي أن الأشخاص الذين يعيشون في مُدن شديدة الغلاء (مثل مدينة نيويورك) يعانون من أحد المشكلة التي يعاني منها النباتيين، وهي ما يُطلق عليها في علم النفس «نضوب الأنا» (Ego Depletion): وتعريفها المختصر:

أن ضبط النفس أو قوة الإرادة تعتمد على مجموعة محدودة من الموارد العقلية التي يمكن استخدامها… وعندما تكون الطاقة اللازمة للنشاط العقلي منخفضة، فإن ضبط النفس عادة ما يكون ضعيفًا.

[بمعنى؛ أن هذه الحالة] تُضعِف القدرة على التحكم في النفس لاحقًا في أمور غير مرتبطة [1].

ولكي أحاول أن أشرح هذا الكلام العلمي بطريقة بلدية (مع ذكر الشاهد): فإن قدرة الإنسان في ضبط النفس ومقاومة المغريات ليعيش مجرد حياة عادية وبسيطة أمرًا ليس سهلًا في الأساس، ولذا، فإن النباتيين ومن يعيشون في مُدن غالية – حسب رأي هوليدي – يستنزفون معظم ما يمكن الحفاظ عليه أصلًا من موارد عقلية (ومالية) قبل أن يبدأوا في مجابهة مشاكل حياتهم التقليدية. خصوصًا الاجتماعيين.

كأن تحضر الفتاة إلى دعوة عشاء وهي تتضور جوعًا لتكتشف أنه ليس هناك خيارات نباتية، أو كأن يضطر أن يدعوا الشاب صديقه الذي زاره من الخارج لمطعم وهو بالكاد يتحمل مصاريفه الغالية. يبدأون من هنا دون الحديث عن مشاكل العمل والأبناء والرياضة والقراءة والمشاريع الإبداعية الموجودة على الرف.

محاولة تقليل الانضباطات النفسية أو تجنّب المواقف التي تصيبنا بالتوتر عمومًا، أمور تستحق أن نخطط لها ونتمرن عليها. ليس إشارة بالطبع لموضوع النباتية، ولكن في باقي شؤون الحياة.

أي مهمة أو سلوك أو شخص يستنزف مخزوني من المقاومة أو قوة الإرادة، يجب أن يختفي، ولو بشكل جزئي.


[1]: Friese, Malte; Loschelder, David D.; Gieseler, Karolin; Frankenbach, Julius; Inzlicht, Michael (29 March 2018). “Is Ego Depletion Real? An Analysis of Arguments”. Personality and Social Psychology Review.

أنت تعبان بس.. ولست غبي

أكتب لكم اليوم بعد فرحتي لحضور أول حصة يوجا في حياتي. أعتقد أنني سأستمر فيه.

قبل فترة قررت أن ألغي اشتراكي في نادي «الكروسفيت» بجانب منزلي بسبب إلزام القوانين لارتداء المتدربين للأقنعة وقت التدريب. ألغيت الاشتراك فورًا. لأن المدرب كان شديد الالتزام لدرجة أنه هلكنا في وسط التمرين بقوله «فوق أنفك.. فوق أنفك» محاربًا محاولاتنا المستميتة للشهيق.. أو للغش.

أنا إنسان بالكاد أتنفس في الحياة الطبيعية، فكيف يريدونني أن أرتدي القناع وأنا أتدرب لمدة ساعة تدريبات شبه عسكرية! والمشكلة الأخرى في النوادي الرياضية هنا كما قال العزيز مهند ناصر «أن أي خرابة هنا يحولوها إلى نادي رياضي» وهذا تعبير دقيق، فمعظم النوادي عبارة عن قراج سيارات في مكان مهمل، يتم توضيبه بأقل التكاليف، ثم يقولوا لك تفضل، هذا نادي.

على كل حال، أرسلت لهم رسالة معبرة أخبرتهم فيها أنني أريد أن ألغي الاشتراك، وهو ليس ذنبهم، لكن بسبب الظروف المذكورة فيما يخص القناع. وأصبحت أتصل عليهم كل أسبوع لأسألهم إن كان هناك أي تغيير في القوانين، وبالطبع لم يحصل، وفي المكالمة الأخيرة سألت الآنسة على الخط سؤالًا وضّحت قبلها مرتين أنه سؤال بيني وبينها؛ عن المدربين أو المدربات اللذين لا يدققون بشكل كبير على مسألة القناع لأحاول اقتناص أوقات حصصهم خلال اليوم، لتعطيني ردًا حازمًا بأنها القوانين وكل المدربين يملكون صورة واضحة عنها. شعرت أنها تريد أن تغلق السماعة في وجهي لكنني تداركت الموضوع وعدتها باتصال خلال أسبوعين وأقفلت الخط .

وفجأة أمس، تذكرت موضوع اليوجا.

كان الصديق فؤاد الفرحان قد افتتن وطار به مؤخرًا وأعلن عن ذلك في إحدى تغريداته. وقررت الساعة السادسة والنصف صباحًا البارحة أن أبحث عن «ستوديو يوجا» كما يحبون أن يلقبوا أنفسهم في مكان قريب، ومن حسن الحظ وجدت مكانًا يبعد عن منزلي أربع دقائق بالسيارة، وكان موعد الحصة التالية في تمام الساعة السابعة (بعد نصف ساعة). تحمست ولبست ملابس الرياضة العادية بسرعة وانطلقت.

وصلت هناك قبل الحصة بعشر دقائق، وجدت أن المكان مرتب للغاية إضافًة للروائح اللطيفة وعدد لا محدود من النساء المسرعات يدخلون خلفي وكأن شيء ما يركض خلفهم. طبيعة البشر تجعلهم مستعجلين إن رأوا أشخاصًا آخرين مستعجلين، فأخبرت موظفة الاستقبال لحظتها أنني مستعجل وأود أن أجرب الانضمام للحصة الأولى التي سجلت فيها أونلاين قبل دقائق وسنتفاهم على كل التفاصيل المالية عند خروجي، إلا أنها اوقفني وقالت بما معناه «وين يالحبيب؟» نظرت إليها مستغربًا لتعلق «سيدي، يجب أن تحضر فرشة التدريب الخاصة بك ومنشفة يوجا غير قطنية، وقارورة ماء باردة لأن المكان حار.. نحن نقوم بتدريبات «يوجا حارة»، وننصحك بارتداء شبشب لأن ممارسة اليوجا لا تصلح وأنت ترتدي حذاءً رياضي، وأخيرًا؛ شكرًا لأنك ترتدي تي-شيرت رياضي وليست قطني لأنك ستتصبب عرقًا والملابس القطنية غير مناسبة لهذه المهمة. سيدي أقترح أن تأتي غدًا وسنكون بانتظارك».

شعرت لحظتها بالتطبيق العملي للتعبير الحجازي المعروف دخلت عليهم وأنا «غشيم ومتعافي». ودّعتها بعد أن شكرتها، وأكدت عليَ أنني سأستمتع بحياتي معهم، وبأن القناع ضروري للأسف، إلا أن لحظات الغش مسموحة (بعد أن أخبرتها معاناتي مع منافسيهم).

وها أنا اليوم بعد الحصة الأولى وبعد أن طلبت البارحة الأغراض متحمسًا من موقع أمازون الذي أوصلها في نفس اليوم.

الحصة الأولى كانت جيدة، المدربة ممتازة والأجواء رائعة رغم أن التمارين غريبة بعض الشيء. أعي تمامًا أن بعض أهل اليوجا يغلب عليهم ما نسميه في عرفنا «التهيؤ» معتقدين أنهم أفضل من غيرهم لأنهم «يوجيين»، يحاكيهم طبعًا النباتيين، والنسويين، ورواد الأعمال الشباب، والكُتّاب، وعازفي الروك، وسائقي دراجات هارلي وغيرهم ممن يتبعون إحساس الانتماء المصاحب للامتياز والفخر، في الوقت الذي يقول فيه الواقع أحيانًا.. وأقول أحيانًا مع الأسف أنه «محد درى عنهم»، خصوصًا الكُتّاب الشباب.

تنبأت لهذا الأمر وقررت أن ألتزم باليوجا مع قليل من حس السخرية تجنبًا للوقوع في مأزق التهيؤ.

عمومًا، ها أنا الآن في المكتب نائم. لا أعلم لماذا أشعر بهذا الحجم المتخم من الإرهاق والصداع، رغم أنني تناولت إفطارًا صحي ونمت عددًا لا بأس به من الساعات، وشربت مثل كل يوم «ترمسًا» من القهوة السوداء.

شعور التأنيب لأنني لم أكتب كلمة واحدة اليوم فيما يخص مشاريعي الكتابية قادني للإحساس أنني إنسان غبي ومهمل. قاومت ذلك الإحساس بإقناع نفسي أنني مرهق فقط ولستُ غبيًا. ولأثبت أن المسألة مسألة إرهاق لا أكثر، قررت أن أكتب مقالة تتطلب قدرًا غير كبير من الجهد الذهني (بدافع الالتزام بعدد الكلمات التي يجب أن أنجزها ككاتب يوميًا). وها أنا.

شكرًا على وقتك.

كان الله في عون الجميع.

عن الغيرة من مصر

قرأت*:
«يقول آلان دو بوتون: «لا يشعر الشخص بالغيرة ممن يفوقونه، إنما يغار ممن يماثله». بمعنى أنه لا يثير غيرتكَ أن يضع رجل أعمال يده على حديقة عامة خمسة وستين فدانًا ملك المواطنين في الشيخ زايد، لكن يقودك للجنون أن يضع جارك يده على مساحة أمام العمارة لركن سيارته «بجنزير». لا يثير غيرتكِ زواج امرأة عربية من «جورج كلوني»، لكن تقتلكِ الغيرة في حنة ابنة عمتكِ تغني أمامكِ وأنتِ العزباء: «وردنا مش وردكم.. ما خطبش ليه من عندكم».
هناك فرق بين «أن تغار من» و«أن تغار على». مثال: كانت غيرة جيهان السادات «على» زوجها كبيرة عندما كانت فيفي عبده ضيفة سمير صبري في أحد برامج التلفزيون نهاية السبعينيات، وسألها صبري: «إنتِ من فين؟»، فقالت له: «من ميت أبو الكوم» ، فقال صبري فخورًا وفرحًا: «آه، بلد الريس». طبعًا اللحظة التي صارت فيها ميت أبو الكوم تقدم في جملة واحدة رئيس جمهورية وراقصة، كانت موجعة، فكان قرار غير مكتوب من قرينة الرئيس بعدم ظهور الراقصة والمذيع مرة أخرى على الشاشة. رأت قرينة الرئيس في تصريح فيفي إهانة لمكانة مصر، وهي المكانة التي عبَّرت عنها فيفي بعد أربعين عامًا بتصريحها الشهير: «دي مذكورة في القرآن يا أولاد الأ*ـبة». والغيرة نفسها أنواع (وأرجو أن تغفر لي نزوة الإفتاء التي تهاجمني كل 3500 كلمة):
الغيرة العادية: هي حالة أنت مشغول فيها بنفسك، تتأمل ما يؤرقك عند الآخرين ويثير غيرتك، وتتخذ من نفسك نقطة ارتكاز لرد فعلك، تنتقم بأن تتقدم. مثال: سحبت أم كلثوم من سيد مكاوي كلمات أغنية «أنساك»، لأنه طالبها بالاتفاق على الأجر قبل العمل، وهو ما اعتبرته الست إهانة. وأعطت الكلام إلى بليغ حمدي، فلحنه، وكانت انطلاقة عظيمة جرت بعدها أعمال كثيرة أدخل فيها بليغ على فرقة الست الأورج والجيتار الكهربائي، وصارا تفصيلة ثابتة في فرقتها. وبعد سنوات، زال الخلاف بين مكاوي والست، وطلبت العمل معه. غيرة مكاوي من المساحة التي شغلها بليغ في لحظة قدرية جعلته يؤسس لحنه العبقري «يا مسهرني» على فرقة موسيقية بلا أورج أو جيتار. مسح ما أنجزه بليغ، وعاد بأم كلثوم إلى التخت على الرغم من مخاوفها الشديدة، وقدَّم عملًا فذًّا دفع أم كلثوم لأن تسحبه من يده إلى خشبة المسرح وتُقدِّمه إلى الجمهور بعد الحفل، وهو ما لم تفعله في حياتها مع أي ملحن، ولا حتى بليغ.
عندك النفسنة: وهي حالة غيرة أنت مشغول فيها بالآخر أكثر من نفسك، تتمنى له الخسارة حتى تهدأ روحك. مثال: كانت نادية الجندي (التي لقبت نفسها بـ«نجمة الجماهير») تخصص موظفًا لحضور عروض أفلام نبيلة عبيد (التي لقبت نفسها بـ«نجمة مصر الأولى») ليقدم لها تقريرًا عن مدى نجاح الفيلم. وفي مرَّة استمر عرض أحد أفلام نبيلة أسبوعين فقط (وكان وقتها نجاح الفيلم لا يُقاس برقم الإيرادات، ولكن بعدد أسابيع عرضه)، فاتصلت الجندي بعبيد فرحة، وتركت لها على «الأنسر ماشين» رسالة: «ده الفيلم الأولاني، عقبال التاني». كان الفيلم المعروض وقتها تجاريًّا بحتًا، وتعلمت عبيد الدرس، فقررت أن تقدم فيلمًا ذا فنيات عالية، فكان «الغرقانة» مع محمد خان، وكان الفشل من نصيبه أيضًا، وتلقت البطلة من جديد عبر «الأنسر ماشين» رسالة الجندي: «أهوه التاني أهوه، والتالت جاي». عندك الحقد: وهي حالة غيرة أنت مشغول فيها بالآخر أكثر من نفسك، لكن لا تكتفي بتمني الخسارة له، بل إنك تقدم كل ما تقدر عليه لتكون سببًا في هذه الخسارة.»


[*] عمر طاهر، من علّم عبدالناصر شرب السجائر، دار الكرمة ص٤١٢ (كيندل داخلية).

هل لاحظتم أن النساء لا يشكرون الرجال عندنا؟

العنوان تهكمي. لندخل في الموضوع.

قبل أيام، قام حساب «أبو ضاحي» على تويتر (وهو أحد الأصدقاء العزيزين وفضّل عدم ذِكر اسمه) بكتاب التغريدة التالية:

بعدها بيوم، قام السيد الكريم مهدي الشهري، بالحديث عن نفس الخاطرة:

كان تعليقي المختصر(بتصرف): «صراحة الارتياب محسوس. نلاحظ أن النساء يحتاجوا خمسة ثواني تحليل قبل أن يفكروا بقول شكرًا أو يعطيك العافية. وأشعر عمومًا أنهم يفضلوا عدم الرد على أخذ المخاطرة لاعتقادهم أن هناك احتمالية معاكسة بعدها. وهي ترسبات بديهة لزمن الصحوة».

وبما أنني الآن في ملعبي وبين جمهوري، وددت أن أعطي الموضوع إسهابًا أكبر.

يعلم البعيدين قبل المقربين مدى تحاملي على الرجال، أو بالمعنى الأدق وقوفي مع النساء أكثر من الرجال في كثير من الأمور(كوني أبًا لثلاث بنات). إلا أنني أجد نفسي اليوم غير قادر على الدفاع عنهن فيما تم ذكره. فبالفعل، لاحظت في العشرات من المواقف أن النساء – خصوصًا الصغيرات في السن – (ليس كلهن، لكن الأغلبية) في مجتمعنا: لا يردون السلام، ولا يشكرون من يمسك لهم الباب أو لمن يفسح لهن المجال في أي لحظة.

تعليقي السريع: أن الإجابات الدفاعية المقولبة غير مقبولة.

أنا أعرف أن هناك نسبة من الشباب قد يستثمرون هذه اللحظات ليكسبوا بعضًا من الود بغرض محاولة بائسة للتشبيك، وأعرف تمامًا أن هناك – كما قال لي أبو ضاحي – نسبة لا بأس بها أخرى من النساء تحتاج قليلًا من الذوق.

أود أن أستسمح القارئ الكريم بعدم اختراع تبريرات استثنائية لنسقطها على الذوق العام، ولا أقصد بالذوق العام أي دوافع دينية (كالبحث عن الأجر) بل قبلها؛ دافع إنساني بحت – كما علّق أبو ضاحي – (كلمة شكرًا مقابل تصرف لطيف، وكلمة عفوًا مقابل شكرًا، وابتسامة مقابل ابتسامة، وهكذا..) «… فنحن لسنا روبوتات، بل بشر، تؤثر كل كلمة فينا».

مثلهم مثل الرجال الذين يغلقون على سيارات الآخرين دون أن يعتذروا، أو الرجال الذين يقودون دون أن يؤشروا يمينًا أو شمالًا قبل اللفة. في الحقيقة أنا شخصيًا شبعت من التصرفات غير المقبولة من الرجال، إلا أن التوقف اليوم واجب عند تقصير سيداتي النساء، لأنهم دون مبالغة يملكون الحل والربط. ليس هناك رجلًا تعلم النظافة الشخصية والذوق العام والأدب بشكل رئيسي من والده بل من أمه. ليس هناك رجل تعلم معظم تعاملاته مع الآخرين في طفولته مثلما تعلّم من نساء العائلة وأمه.

أُحمِّل النساء مسؤولية تحقيق الذوق العام، وأحد أشكال تطوره هو في التسديد وقد الخطأ والتعزيز وقت التصرفات الحسنة. فالرجال يظلون أطفالًا كبار مهما بلغ طول كرشهم أو حجم عضلاتهم.

سنة الحياة تدفع الرجال للركض خلف النساء، وأحد أشكال هذا التتبع السلبي هو المعاكسات (ولو إنني وجدتها شبه مختفية مؤخرًا مع الجيل الصاعد)، لكنني في نفس الوقت لا أود أن يختفي الذوق كليًا، بسبب الاستثناءات.

المعاكسة من السهل أن تُقطع بالحزم قليلًا، لكن من الصعب أن تَزرَع في الجميع سلوكًا مهمًا وسهلًا مثل أن نقول: شكرًا، يعطيك العافية، لو سمحت، عفوًا.

هنا في أمريكا، أكاد أسمع هذه الكلمات مئتي مرة في اليوم. الجميع يقولها، الجميع يصبّح عليك ويمسي بالخير، أما عندنا، أصبحت أخاف أن أقولها في مكان عام يوجد فيه نساء بصراحة، لماذا؟ لأنني لا أود أن أظهر بشكل الغبي، مع احتمالية عدم الرد بنسبة خمسين بالمئة.

وأخيرًا، أجد أن الصورة النمطية التي ورثناها من أيام الصحوة قد اختفت عن المشهد العام، والمتبقي منها مجرد ترسبات، أحد أشكالها توجس النساء في عدم الرد للرجال بالتقدير في الأماكن العامة. وأما بالنسبة للرجال، لا أقول إلا أعانكم الله عليهم.

وكان الله في عون الجميع.

الحماس يحسب ضمن الذكاء

كيڤن كيلي في مقالته التي أهداها للعالم في عيد ميلاده الثامن والستين وهو عدد النصائح التي تضمنتها المقالة، لفتتني مثل غيري إحدى نصائحه – رقم ٢ تحديدًا – حيث قال: الحماس يُحسب كخمسة وعشرون نقطة إضافية في معدل الذكاء.

صراحة.. لم أجد شخصًا يعطي الحماس حقه في حياتنا اليومية حتى قرأت تعليق السيد كيلي بالغ البلاغة.

يدفعك الحماس لاختراع حلول لأشياء لا يوجد لها حلول. يخبرك بأن هناك أمور متاحة غير المتاحة.

ذلك الذكي غير المتحمس في حياته لأي شيء. توجد منه نسخًا كثيرة. وأنت تعرفهم. وتعرف أنك تفضّل أن تكون متمحسًا قليلًا.. أكثر منهم.

ملاحظتين جديدة قديمة لقُراء المدونات

١. لازلت حتى كتابة هذه السطور وبعد هذه الأعوام من الكتابة لا أعلم جديًا ماذا يُعجب أو لا يعجب القارئ الكريم.

لا يستطيع الكاتب أن يرسم بوضوح شكل المحتوى الذي يؤثر على قارئه أو يساهم بأي تغيير عليه.

يظل يذهلني تفاعل أصدقائي القراء الأفاضل تجاه بعض المقالات التي ارتأيت أن مواضيعها بديهية وبسيطة في فكرتها، وفي المقابل لا يتفاعلون مع الأفكار المرهقة أو مع المقالات التي أخذت مني ما أخذت من وقت وجهد كبيرين. كنت أعتقد أن المقالات المختصرة هي الأكثر قراءة، إلا أن الزمن أثبت لي (بلغة أرقام المدونة) بأن المقالات المطولة هي الأكثر قراءة.

وكنت أحسِب بأن الأفكار المعقدة أو الصعبة أو الاستثنائية، هي التي تلفت نظر القارئ الكريم، إلا أن الحقيقة مختلفة تمامًا.

الأفكار البسيطة تلفت القراء المتطورين والمتقدمين علميًا وثقافيًا قبل القراء العاديين، وهذا أمر بحد ذاته مثير للدهشة بالنسبة لي؛ وتعقيبًا، كنت أحيانًا لا أود أن أهدي كُتبي أو مقالاتي لبعض السادة الأفاضل القراء النهمين أو المعروف عنهم قراءتهم للكتب المعقدة والطويلة، بسبب خشيتي بعدم تناولهم لما كتبت بجدية، إلا أن ما يحدث هو العكس. وجدت أنهم أكثر انغماسًا وبحثًا عن زوايا جديدة عن غيرهم من القراء العاديين.

٢. كلما زاد الكاتب في صدقه وتعبه، كلما امتلك فرصة أكبر في التأثير. يشعر القارئ فورًا بصدق الكاتب، ويلمس بسرعة إن كان يحاول أن يُفتي عليه. إلا أن ملاحظتي الثانية أو يقيني المتجدد هو معرفتي بأن الطريق الوحيد للكاتب لينجح ويؤثر لفترة أطول، لا يخرج عن هذه الأمور: الصراحة المطلقة، التثقيف المستمر، الغزارة في الإنتاج.

باختصار.. عدم الاستهانة أبدًا في عقلية القارئ.

وإن كان هناك نقطة رابعة؛ فهي الابتعاد عن البديهيات، أو التطرق لها من زوايا غير بديهية.

كان الله في عون الجميع.

هذا هو المُتاح

نعلم أن ستاربكس لا يقدم أفضل قهوة في العالم. ولكنه يتواجد أمامك في اللحظة التي تُفكر فيها بالقهوة، أو في اللحظة التي لا تفكر فيها بشيء ليذكرك أنك تشتهي قهوة الآن.

مثله معظم مطاعم الوجبات السريعة، بمجرد أن تجوع، فهي بلا شك الخيار الأول.

الخيارات المُتاحة هي التي تُشكل حياتنا.

الاختيارات غير المتاحة دائمًا هي التي تُشكل حياتنا التي نريد.

في الصحة يجب أن تختار غير المتاح؛ أن تطبخ في المنزل، وأن تبحث عن الاختيارات الصحية وتبتعد عن الأسهل.

في الأصدقاء كذلك؛ هناك الأنواع المتاحة، وهناك من تحتاجهم ومن يجب أن تبقيهم بالقرب.

شريك الحياة.. الوظيفة.. وغيرها من الأمور الأهم، كثيرٌ منها خيارات متاحة. ومهمتك أن تختار.

أحيانًا بعيدًا عن المتاح.

لا شيء شخصي

عندما ينتقد شخصًا ما منتجك أو خدمتك أو حتى تصرّفك.. هو لا يقصد شخصك الكريم.

في الحقيقة هو قد لا يهتم بشخصكم الكريم. وأحيانًا لا يريد أن يهتم.

هو يهتم بنفسه؛ وقد أشعره ما قمت به باستنقاص.

لا شيء شخصي.

هل أنت مُسرِف؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، ربما يستحق أن نُعيد تعريف الإسراف قليلًا.

وهنا بعض ما يأتي في البال:

  1. هو شراء كمية أشياء أكثر من احتياجنا (من ملابس، أدوات، طعام إلخ.)
  2. هو شراء شيء نحتاجه بسعر أعلى من قيمته، كأن نشتري مرسام (سعره المعتاد ١ ريال) بمبلغ (٥ ريال).
  3. هو شراء شيء سعره غير مبالغ به، لكنه أعلى من مستوانا المادي (مجازًا: كأن يشتري شخص سيارة بالقرض سعرها مئتي ألف ريال، وراتبه لا يتجاوز العشرة آلاف).

قد يكون الإسراف خليط بين بعض أو كل هذه التعريفات.

وقبل الخوض، أود أن أُلفِت النظر لمفهوم مهم وهو: القيمة مقابل السعر.

ويعرّف وورن بافيت هذا الأمر بقوله «السعر هو ما تدفعه. القيمة هي ما تحصل عليه»، وهناك فرق جوهري، فالقيمة تختلف على حسب الحاجة والاستخدام.

أعتبر مثلًا شراء قهوة ستاربكس يوميًا وأنا ذاهب إلى العمل نوع من الإسراف، إلا أن نفس القهوة إن اشتريتها وأنا برفقة الأصدقاء لا تعد كذلك، والسبب أن الحالة الأخيرة أدفع فيها مبلغًا مقابل قيمة القهوة مع وجود الأصدقاء والجلسة. أما الحالة الأولى فهي مقابل كوب القهوة، الذي قد أوفّر ما نسبته ٩٠٪ من سعره على المدى الطويل إن اشتريت آلة قهوة وبُنْ ستاربكس.

لا يجب أن نستغرب من شراء مصوّر محترف لعدسة بقيمة عشرة آلاف ريال ودخله الشهري بالكاد يصل إلى هذا الرقم. القيمة هنا أعلى من السعر، فقد تساعده هذه العدسة على خلق جودة عمل أفضل وبالتالي فرصة دخل أعلى وهي من صميم عمله ويومه. إلّا أن نفس هذه العدسة إن ذهبت أنا واشتريتها، فقد يظن من حولي أنني قد جُننت.

كنت في عام ٢٠١٤م في منطقة سان ميشال المزدحمة في باريس، احتجت أعزّكم الله إلى بيت الراحة، واكتشفت أن كل المطاعم في تلك المنطقة غير مستعدة للتعاون بهذا الشأن، مما اضطرني لشراء ساندويتش (أقرب ما يكون إلى الشاورما) من محل شعبي، بقيمة سبعة يورو (٣٥ ريال تقريبًا) من أجل أن أستخدم دورة المياه. بالطبع أكلته رغم أنني لم أكن جائعًا، ومع ذلك فقد رأيت بأن القيمة هنا تتوازى مع السعر الذي دفعته. فلم أكن أود تخيّل أي نوع من المحاولات الأخرى لحل تلك الأزمة. السعر هنا غالي نسبيًا على ساندويتش بالكاد يؤكل، إلا أن قيمته عالية.

الإنسان لا يجب أن يركز كثيرًا في سعر الأشياء وقت الأزمات، وإلا لمات من الغيظ.

الفخ الذي أخشى من الوقوع فيه هو وهم الاعتقاد بأننا ندفع سعرًا مرتفع مقابل قيمة عالية.

كأن تأتي أم كريمة –متوسطة الدخل– تشتري لابنها ذو السبعة أعوام حذاء «قوتشي»، لاقتناعها بأنها تختار الأفضل لابنها، وهي في نظر البعض تفعل العكس تمامًا.. تخرّبه بإدخاله في جو العلامات التجارية منذ هذا السن، وثانيًا أنها بذلك تحاول أن تدفع قيمة تقصيرها مع ابنها في أمور أخرى.

المثال الأخير سطحي قليلًا، لكن الفكرة قد تطال أمور أكثر عمقًا وتعقيدًا، مثل المدارس الخاصة، الأندية المكلفة، وأشياء متعددة قد تستحق أن نتوقف عندها ونحلل فيها معادلة «القيمة» مقابل «السعر».

أدفع لمدربة سباحة لبناتي مبلغ أربعين دولارًا للساعة هنا في فلوريدا، تأتي لتدريبهم عدة مرات في الأسبوع، وعند مراجعتي لميزانية هذه الدفعات نهاية الشهر (لأستوعب أنها مُكلفة)، اكتشفت أن أداء بناتي في السباحة مؤخرًا تطور بشكل جذري، واستوعبت أن سعر الحصص يوازي القيمة المحصّلة، وصرفت النظر عن المراجعة.

رأيت بأن التعريف الأفضل للإسراف كان من قِبل الكاتبة المالية اللطيفة ڤيكي روبن في كتابها Your Money or Your Life وهو بالمناسبة كتاب رائع عن الإدارة المالية الشخصية، أنصح الجميع بقراءته، وقد شَرحت:

الإسراف: هو شراءنا لشيء نكتشف فيما بعد أننا لم نستهلكه بشكل منتظم.

أي شيء تشتريه لا تستخدمه بكثرة يعتبر إسراف.

إن اشتريت سماعة جوال بقيمة ٢٥٠ دولار، أصبحت تستخدمها بكثرة لدرجة أنك تشحنها مرتين في اليوم، فهنا ربما لا يعد هذا الأمر إسرافًا!

وهنا نفهم أننا قد نكون مسرفين في أمور ومعتدلين في أمور أخرى، وأجد أن التفرقة هنا صحية لمتابعة سلوكنا ونعالج أماكن الخلل.

ولكي أساعد القارئ الكريم بالإجابة على سؤال العنوان، ربما أشجعه على تحليل مشترياته مؤخرًا؛ فأن كان بعضها لم يدخل ضمن قائمة الاستهلاك العالي، فقد أسرف فيه.

والإنسان المسرف هنا، هو الشخص الذي اعتاد على شراء الكثير من الأشياء دون أن يستخدمها بشكل فعّال.

ما يقال خلفك من المفترض ألا يصل إليك

سمعت هذه الجملة من الصديق العزيز عمر عاشور قبل فترة.

أستغرب أحيانًا حرصنا نحن البشر على معرفة ما يُقال خلفنا.

فإن كان الهدف هو معرفة الأشخاص الجيدين من السيئين، فإن الحِرص على المعرفة هنا غير عملي بصراحة.

أريد أن أكون واقعيًا بعض الشيء، ففي وقت الزعل من السهل أن يُقال عنك الكثير خلفك، وفي وقت الفرح يحدث العكس ربما.

السلوك في حد ذاته بالطبع غير مقبول. لكن محاولتي اليوم تدور حول إقناعك أنت بعدم البحث عمّا يقال هناك.

فإن كان من قالها يملك الشجاعة، فسيقولها أمامك ببساطة.

الانتباه اليوم في هذا العالم المتسارع أصبح نادرًا وغاليًا. وليس هناك داعٍ لأن يضيع خلف الكواليس.

نحن بالكاد نُكوِّن رأيًا تجاه الآخرين من خلال ما نراه في التواصل الاجتماعي.

بالكاد نربط صورهم بواقعهم.

بالكاد نميز الحقيقة من الاستعراض.

كان الله في عوننا.

هل الحظ بشكل مجرد من الممكن أن يصل بالإنسان إلى مكان بعيد؟

.. أحاول الإجابة على هذا السؤال مع قرب انتهائي من كتاب ماري ترمب الشهير (Too much and never enough) عن عمها دونالد. الكتاب باع أكثر من ٩٥٠،٠٠٠ نسخة حين صدوره في يوم واحد. (مبيعات يوم واحد فقط من هذا الكتاب تساوي تقريبًا عشرين ضعف مبيعات تاريخي الكتابي وما كتبته طيلة حياتي حتى الآن).

أتكلم هنا عن حظ العم (رجل الأعمال)، وليس ابنة الأخ.

كلما تأملت في التفاصيل أكثر، كلما كان من المثير معرفة أن رجل الأعمال دونالد ترمب لم يكن فعلًا بأي مقياس عصامي أو عملي إنسانًا ناجحًا (حسب الكتاب).

قصة واحدة:

تحكي ماري عندما كان عمرها تسعة وعشرين عامًا، وهي خريجة تخصص علم النفس، وجيدة جدًا في الكتابة (إضافًة إلى قدرتها الجيدة على تلميع صور الآخرين كما تدعي) حيث قام عمها بعرض وظيفة مؤقتة لها لتعمل على مشروع كتابة كتابه الثاني.

وافقت. وبدأت رحلة البحث عن المعلومات العملية عنه.

حجز لها تذكرة إلى فلوريدا وبعض المدن الأخرى لتلقي ببعض التنفيذيين الذين يعملون في إدارة الكازينوهات لتقتنص المعلومات بشكل غير مباشر تخص عمّها، إلا أنها بقيت تستمع إلى قصص ومواقف عن الكازينوهات والأعمال اليومية المعتادة دون أي ذِكر مباشر لقيادة الفذة وإدارته.

«كانت الرحلة قمة في تضييع الوقت» كما وصفتها، «قررت أن أخبر عمي بأنه من الصعب جدًا أن أكتب كتاب عنه دون مشاركته المباشرة معي ليحكي لي عن حكايات التأسيس والإدارة وغيرها من التفاصيل العملية، والتي هي أصلًا صلب الكتاب» إلا أنها لم تحصل منه على أي معلومة مفيدة.

وفي أحد الأيام؛ اتصل بها عمها متحمسًا ليخبرها أن صديقه الناشر طلب منه أن يرتب موعد لها (كونها الكاتبة الرئيسية للكتاب – Ghost Writer)، «توقعت أن يسألني عن موعد التسليم والخطوات القادمة» كما قالت، إلا أن ما حدث كان غريبًا بعض الشيء.

«التقيت به في أحد المطاعم الفخمة في منهاتن نيويورك» تحكي ماري «وبعد مقدمة ودية، أخبرني أنهم في دور النشر قلقين من نقص خبرتي ككاتبة لإدارة هذا المشروع، وهم يبحثون عن شخص آخر. ورغم أنني أخبرتهم بأنني قد قطعت شوطًا لا بأس به في الكتابة، وبأن عمي راضٍ تمامًا عمّا كتبت. قاطعني الناشر: عمك لم يقرأ شيئًا مما كتبتي آنسة ماري…» وانتهى اللقاء والمشروع معه.

واستوعبت – على حد قولها – أنها لا تعرف بالضبط ماذا يفعل هذا الرجل في حياته.

النقطة الأهم والمرافقة لهذه القصة، هي بأن دونالد كان استغلاليًا جدًا لثروة والده والتي ساهمت بظهوره وشهرته، بل أنه وفي إحدى الفترات كان قد واجه تحديًا ماليًا ليضطر وقتها الاقتراض من البنك بضمان أصول والده. وتحكي ماري بأن معظم الأموال المقتَرضة كانت تُصرف على شكله وهيأته أمام الآخرين، التي حرص بشكل كبير للحفاظ عليها؛ والده لم يكن يمانع ذلك بالطبع، خصوصًا بعد وفاة الابن الأكبر فريد (والد ماري) الذي كان متمردًا قليلًا ومختلفًا في طموحاته عن أخيه وعن بقية العائلة، بعد أن قرر أن يصبح طيارًا.. وسرعان ما كسر والده هذه الأحلام، ولتبعات هذا الأمر قصة مطولة أخرى مذكورة في الكتاب، لا داعي لذكرها هنا.

عمومًا، أعلم أن موضوعه أصبح مستهلكًا إعلاميًا، خصوص مع اقتراب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم. إلا أنني هدأت اليوم مفكرًا في محاولة رصد بعض الشخصيات في حياتي التي حالفها الحظ بشكل رئيسي لتصل إلى مواصيل كبيرة. استثنيت من هذا التأمل: الورثة، وأصحاب العلاقات الشخصية مع ذوي النفوذ. كنت أحاول أن أجد مثل هذه الخلطة الغريبة. دعم الأب، بيئة صعبة للاستعراض فيها لفترات طويلة مثل مدينة نيويورك، تعاون البنوك، والعشرات من المشاكل مع الضرائب والفضائح والنساء والشخصيات العامة الأخرى.

لم يحضر في ذهني أي شخص.

على كل حال، اليوم لا أحاول أن أعطي درس مستفاد بقدر ما هي محاولة للبحث عن تحليل أو إجابة عن فكرة الحظ واجتماع الظروف.

لماذا لا ترتبط الذكريات بالمال؟

«لماذا ينسى الكبار ما تم صرفه ماليًا عليهم في طفولتهم، ويتذكرون فقط الذكريات؟».

الإجابة بسيطة: لأن مصدر الذكريات خليط بين أشخاص عزيزين وظروف زمانية مكانية نادرة الحدوث.

قد تنسى الفتاة الفستان الذي اشترته لها والدتها عندما كانت في العاشرة بقيمة ثلاثة آلاف ريال. لكنها لا تنسى ساندويتش الشاورما وعصير المانجا، عندما خرجت يوم دون موعد مسبق مع أباها.

ينسى الأبناء المبالغ الطائلة التي صُرفت عليهم في مدارسهم، ولكنهم لا ينسون إجازات عيد الأضحى. لا ينسوها.. لأن الصفة الأكبر هنا الجَمعة، وليس التكلفة المالية.

بالطبع من السهل أن ندّعي أن الذكريات مهمة وأننا – كآباء – ملتزمين في زراعتها في عقول أبنائنا، وأن المال ليس مهمًا، وأن السيارات الفارهة والملابس الفاخرة والعلامات التجارية لا تصنع لحياتهم قيمة (على الأقل مثل قيمة الذكريات)، وبأننا لا نحاول أن نقنعهم بكل هذا الهراء المعروف في عقل القارئ الكريم مسبقًا، إلا أننا في نفس الوقت يجب أن نسأل بجدية: هل نقوم بذلك فعلًا أم ندّعيه؟ وإلى أي مدى؟

وجدت أن الاستثمار في أي علاقة يجب أن يُصرف في خلق الذكريات؛ عبر المواقف والحكايات والتصرفات البسيطة.

كسرت ابنتي (سبع سنوات) أمس سماعتي الـ Beats بقيمة ٢٦٠ دولار. حطمتها دون أن تقصد، وعيها وعمرها لا يستوعبان قيمتها المادية. وربما لا تعرف ماذا يعني هذا الرقم بالدولار، هل هو كبير أم صغير؟

بعد عشر سنوات، سوف لن تتذكر السماعة. لكنها ستتذكر بدقة كيف تعاملت معها وقتها.

كان الله في عون الجميع.

[ما بعد النص: أود أن أنوه القارئ الكريم أنني أملك سماعة «بيتس» و«أيربود برو». وكلاهما حصلت عليهم مجانًا بسبب تجميعي لنقاط أميريكان اكسبريس وموبايلي عبر السنوات.]

للفنان والكاتب: إياك أن تُجوّع نفسك

يعتقد نسيم نيكولاس طالب (مؤلف الكتاب الشهير: البجعة السوداء) بأن أحد الاستراتيجيات التي تجعلنا أصحاب تاريخ مهني (غير قابل للكسر) هي في عدم البحث عن خيارات وظيفية متوسطة المردود والكفاءة العقلية. «يجب أن يكون للكتاب الأدبيين وظيفة وضيعة أو (إن أمكن) سهلة المهام، وأن يكتبوا في أوقات فراغهم. وإلا فإن الكتابة من أجل لقمة العيش وفقًا لمعايير الآخرين تحط من قدر أدبهم. نفس الشيء بالنسبة للفنانين. لم يكن أفضل الفلاسفة أكاديميين، لكن كان لديهم وظيفة أخرى، لذلك لم تفسد فلسفتهم المهنية».

شخصيًا أتفق مع هذا الرأي جدًا، سأشرح من زاويتي لماذا:

  1. إن كنت فنّانًا بالكاد تجد مصروف يومك، فإنك ببساطة لن تستطيع أن تبدع في إنجازك أيًا كان ما تمارسه. العمل والاستقرار المالي هنا قد يشغل وقتك، لكنه في المقابل يعطيك مساحة ذهنية أفضل. تصبح بعدها المسألة بالنسبة لك مسألة تنظيم جدول من أجل فنّك، وليس حمل هموم مالية.
  2. التضحيات تكون بعيدًا عن الأمور الأهم في حياتك؛ أن تضحي بقبولك بساعات عمل إضافية أفضل من أن تضحي بتسويق شيء لا تؤمن به من خلال فنّك من أجل الحصول على بعض المال. الأخ الكريم ماهر موصلي تحدث عن هذا الأمر في لقائه الأخير الرائع.
  3. الوظيفة/العمل بشكل عام يجعلنا أكثر انضباطًا، عكس الفنون عندما تسيطر بشكل كام على حياتنا، فهي تدفعنا للكسل أكثر من النشاط. الفنان النشيط والغزير استثناء.

أميل للاعتقاد بأن ما يفعله الكثير من الشباب الفنانين أو الموظفين الجزئيين (Freelancers)، جيد إن كان يحقق ثلاث أشياء في حياتهم: أولًا: عدم اضطرارهم للبحث عن سُلف من الآخرين (فهنا لم يعد نمط حياتهم حرًّا كما يعتقدون). وثانيًا: قدرتهم على تعليم ذواتهم الانضباط في الاستثمار أو الادخار. وثالثًا: ممارسة العمل بشكل شبه ذاتي، وليس مُقادًا بكلمة نسميها مجازًا «شغف».. وأُلصق هنا أهمية تغطية المصاريف والاحتياجات الأساسية، إلى جانب القليل من الترفيه.

لا تنتقد ولا تقبل الانتقاد

أحاول الالتزام بأن أكون من ضمن مدرسة عدم تقبل الانتقاد. ولا زلت أرى أن الانتقاد (البنّاء وغير البنّاء) ليسوا ضروريين كما يؤمن الكثير. أتحدث هنا عن نوعية الانتقاد التي تأتي كما نقول بالعامية «من الباب للطاقة» أي من دون سابق إنذار، أشمل في كلامي أيضًا النصيحة لوجه الله.

الشخص المحتاج للنصيحة سيطلبها. كذلك المحتاج للانتقاد والنقد.

بالنسبة للمقربين، يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم بطبيعة الحال.

أمّا بالنسبة للآخرين، فأشجع على حصر النقد والنصيحة في طور «تحت الطلب»، أو تقديم البعض منها كأداة لإسكات كثيري الشكوى.

وإن كنت لا تستطيع تمالك نفسك من النقد؛ فإياك أن تنتقد بدافع التسلية (حتى للمقربين).

العالم أصبحوا حساسين أكثر من ذي قبل! كان الله في عونهم.

يزداد السوء سوءً ولا يزداد الجمال جمالًا

وجدت أن الطبيعة البشرية دائمًا ما تتخيل الأمر السيء أكثر سوءً، ولا تتخيل الجميل أكثر جمالاً.

خذ مثلًا شعور الخوف من فقدان الوظيفة بالنسبة للأب؛ يبدأ يتخيل انقطاع المال، ثم يتخيل نتيجة هذا الأمر في تقصيره في أداء مهامه العائلية، قد يتخيل انتقاله إلى منزل أصغر أو إلى الشارع، ثم قد يتخيل الجوع أو السجن لعدم التزامه بالسداد، ثم يتخيل خروج الأبناء من مدارسهم الخاصة، ثم جوعهم، ثم تشرّدهم، ثم الموت.

هذا الخيال ليس دقيقًا بالطبع إلا أنه بشكل مشوش وغير واعي يقود إلى الموت. وقد يحتاج الإنسان إلى وقت كبير لكي يستوعب بأن هذا الأمر قد يكون خيرًا عليه ليبحث عن وظيفة أكثر امتاعًا، وأن أبناءه كانوا يجب أن يغيروا مدارسهم على أي حال، وأن انتقالهم لبيت أصغر وأكثر ارتباطًا لأفراده كان ضرورة مُلحة غير ظاهرة في السابق.

بتأملنا للطبيعة البشرية سنجد أنها تنتقل إلى الشعور بالخطر عندما تُدفع خارج منطقة الراحة، وبالتالي تتخيل الجانب الأسوأ لتحمي نفسها. مثل ذلك الرجل الموجود في معظم عوائلنا والذي قضى ثلاثين سنة دون أن يفكّر في السفر واكتشاف عوالم جديدة رغم وضعه المادي الجيد. مثل الإنسان الذي لا يملك حِسْ الإثارة لتجربة مطعم أو مكان جديد. مثل الشخص الذي لا يرغب حرفيًا بالبحث عن أي تغيير في حياته.. حتى وإن كان صغيرًا!

ربما يكون الشيء المشترك في الأخيرين ظاهريًا عدم وجود رغبة للخروج من منطقة الراحة، إلا أنه في سُبر أغوار العقل هو الخوف من الموت.

كل ذلك هو عكس الشعور بالفرحة الذي عادة لا يخرج عن مقدار ضئيل من الترفيه المتوقع، ونادرًا ما يفاجئنا عندما نتخيله.

فإن أخبرتك أننا سنقوم برحلة ما مع أصدقاء جدد، قد لا يرسم لك عقلك أقصى درجات الاستمتاع المرتقبة. بينما يظهر أحد الأصدقاء الجُدد في هذه الرحلة وهو في قمًة الأُنس وخفة الدم، وقد يضاعف حجم الاستمتاع وينضم إلى قائمة أصدقائك الجُدد.

إحساس الحُب والهيام والحماس والعواطف الجياشة؛ التي تصاحب المحبوبين حديثي العهد، لا تخرج عن كونها حِزمة أحاسيس صغيرة مستمرة في محاولة اكتشاف الطرف الآخر.

الإدمان التي تسببه هذه الأحاسيس ينبع في رأيي بسبب أنها تقودنا إلى المزيد من الحياة، والمزيد من الاستكشاف؛ «أريد أن أعرفها أكثر، لباسها.. شكلها.. كيف هي اهتماماتها.. في الجنس.. في الأكل.. وفي كل شيء آخر». إحساس الحب هنا إن سألت شخصًا في بداياته قد يختصر بوصفه «هذا الإحساس يجعلني أشعر أنني على قيد الحياة».

وهنا، وجدت أن حب الحياة هو عكس إحساس الخوف من الموت.

تدريب الذات على عدم الخوف وعدم الاقتراب كثيرًا من الأشخاص الذين يُغرقونا بالمخاوف والتوتر والسلبية، هي من الأمور التي تستحق أن نصرف عليها المزيد من الجهود.

وفي النهاية، لا أجد الكلمة التقليدية التي تتردد في العالم المثالي «كن إيجابيًا» منطقية أو عملية.

ربما علينا أن ننفذ العكس.. أن نقاطع السلبيين أو أن نكون أقل سلبية. وهنا بداية الطريق.

كان الله في عون الجميع.

ما تعلمته من كيم كارديشيان ولم أتعلمه من الكُتب

«أشعر أنني غير مرتاح لهذا الإنسان.. ربما عليَ معرفته عن كثب..»

– إبراهام لينكولن

سأبدأ بهذه الأسئلة:

  • من هو أكثر شخص متابعة على الانستجرام في العالم؟

كريستيانو رونالدو.

  • لو قرر رونالدو أن يحذف حسابه اليوم بكل متابعيه، هل سيتوقف معجبيه عن مشاهدة مبارياته؟ أو هل ستختفي إحدى ألقابه (أفضل لاعب في العالم أو لقب كأس دوري الأبطال مثلًا)؟

لا.. لا.

  • هل سينقص راتبه؟

لا.. لكن ربما ينقص دخله قليلًا بسبب إعلانات السوشل ميديا (إن وجدت).

  • هل إنجازات وتأثير كلًا من رونالدو، آريانا جرانيد، وداوني جونسون كانت من خلال التواصل الاجتماعي أم من خلال أعمالهم خارج التواصل الاجتماعي؟

من خلال أعمالهم خارج التواصل الاجتماعي.

لنتحدث الآن عن كيم كارديشيان..

كما يعرف الجميع، على مدار أكثر من عشرة سنوات كانت تحتل كيم وأخواتها جزءً كبير من الشهرة في برامج «الرياليتي شو» ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت أيقونة الشهرة (والتفاهة بالنسبة للبعض). كل ذلك من دون وجود موهبة حقيقية ملموسة، ربما بعض الفضائح والكثير من الاستعراضات. أصبح يُضرب بها وبأخواتها المثل في الاختيارات غير الموفقة للأشخاص ذوي المناصب.

«لو اخترت إحدى الكارديشيانز لهذا المنصب، ستقوم بعمل أفضل من فلان» كما وصف – فيما معناه – الاقتصادي المعروف تيلور كوين تهكمه على تعيين الشخص الخاطئ في المكان الخاطئ في إحدى مقالاته.

السمة الكبرى لمعظم مشاهير التواصل الاجتماعي في مجتمعاتنا والمجتمعات الأجنبية هي بأن النجاحات التي تحدث خلالها مصابة بنوع من الكسر (أو الخرخرة كما نقول بالحجازية). فتجد المشهورة لدينا لا تمانع أبدًا بأن تقدم حزمة تضحيات من أجل الحصول على دخل من خلال عملها يوفر لها حياة كريمة نسبيًا، ولا أجد أي عيب جذري سوى بعض التحفظات الشخصية في آلية العمل وجلب الإعلانات.

أقصد بدقة بأن المشهور كلما زادت شهرته فهذا لا يعني ازدياد رصيده في البنك.

والأمر الاخر هو بأن النجاحات في هذا العالم شديدة التذبذب، فيزداد حجم الاهتمام والإقبال وينخفض من فترة لأخرى، وإن قرر المشهور التوقف عن عمله لفترة طويلة نسبيًا فقد يعني تهديدًا مباشر بالخروج من اللعبة، شأنه شأن الكثير من الفنون.

هل تتذكرون روبي ومروى؟ منى عبدالغني؟ حكيم؟ وعلي عبدالكريم؟

لكن إن اطلعت على سيرة كيم كارديشيان تحديدًا فالأمر مختلف تمامًا. هي مشهورة لأنها فنانة «ريالتي شو» وهي مشهورة لأنها تزوجت «كنايا ويست»، وهي مشهورة أيضًا لأن أختها «كيلي جينر» أصبحت من أهم رموز عالم الجمال. وتضاعفت شهرتها لأنها أصبحت أم لأربعة أبناء!

تزداد شهرتها ويزداد رصيدها مع الوقت، وعند التوقف عن العمل، وعند التوقف عن استخدام المواهب الجسدية. وعندما تصبح أم. كيف ذلك؟

أولًا، يجب أن نعرف أن كيم مستثمرة وسيدة أعمال من الطراز الأول (ذكرتني كثيرًا بمايكل جاكسون). أي أن قيمة المئة ألف دولار عندما تأتي إلى يديها أعلى من قيمتها لدى معظم الناس، تستطيع أن تضاعفها مع الوقت، بل اعترفت في لقائها مع مجلة «ڤوق» أن أكثر أمر افتخرت بتعليمه لزوجها، كان حول نصائح الادخار والاستثمار.

نحن قد نشاهد ملابسًا وشنطًا وبيتًا فخم. لكن ما لم نشاهده أن هذه الأمور (إلى جانب كونها هدايا من معلنين ربما) كان خلفها إنسانة حريصة جدًا على استثمار معظم دخلها، وأترك لك مساحة تخيل نتائج هذا السلوك منذ أكثر من عشر سنوات.

والسؤال هنا، كم هي نسبة مشاهير التواصل الاجتماعي الملمين بأبسط قواعد الادخار والاستثمار؟

عند سؤال مذيع «ڤوق» لها عن أجمل هدية حصلت عليها في حياتها؟ كانت الإجابة بكل صراحة مثيرة للدهشة بالنسبة لي.

قالت: «في سبتمبر عام ٢٠١٩م، قام كنايا بإهدائي علبة تحتوي على: سماعة أبل + جورب أديداس + دمية ميكي ماوس، وأخبرته.. ما هذا إذًا؟ ليرد عليها بأنه أشترى له حصصًا كبيرة في شركات هذه المنتجات».

اعتبرت كيم هذه الهدية أعظم هدية في حياتها. لأن النبيه زوجها كان يعرف كيف تعمل عقلية زوجته، يعلم تمامًا أنها مثل باقي النساء تحب هذه البضائع، لكنها تعشق أن تمتلك أسهمًا في شركات تلك البضائع أكثر. ويعرف أن سعادتها ستصبح مضاعفة مع الأسهم أكثر من البضائع نفسها.

هي مشهورة واستعراضية وتحب المنتجات الفارهة.. صحيح. لكنها ذكية جدًا، وتعلم أن الأهم على المدى الطويل هو امتلاكها لأسهم في هذه الشركات وليس امتلاك منتجاتها. ولذلك تجدها في مناسبات كثيرة توجه معظم مصاريفها نحو استثمارات جديدة.

ديزني وأبل وأديداس، شركات توزع أرباح سنوية، وهي في نمو مستمر (بغض النظر عن تفاصيلها المالية، وهنا بالتأكيد لا أشجع بشكل مباشر على شراء أسهم في تلك الشركات دون إلمام بالمخاطر).

الأمر الآخر أن كيم هي المسؤولة الأولى عن مصاريف وأموال عائلتها. واشتهرت أنها بدأت بالعمل منذ سن السادس عشر، وحصلت على أول بطاقة ائتمانية بجهدها الخاص، وهي معروفة أيضًا في المقارنة مع دخلها المرتفع، أنها اقتصادية جدًا جدًا، وليست مسرفة كما يبدو عليها.

بل أن الصحفية في مجلة حكمة المال «رونا ريكاردسون» علقت في إحدى النقاط عن كيم، بأنها لا تعتبر بشكل عام إنسانة مدللة، بل على العكس تمامًا وهي لم تكن ستصبح شديدة الثراء (أو ماكينة تدفق مالية) لو لم تتميز بتعليم نفسها بنفسها كل شيء، وتعليم نفسها الاستثمار وتفاصيل الأعمال. هنا اقتباس عن كيم عن إحدى أساسيات هذا السلوك:

«لقد اصطدمت بسيارتي، وقبل أن أحصل على سيارة أخرى، أجبرني والدي وقتها على توقيع عقد ينص بأنني سأكون مسؤولة مسؤولية تامة على سيارتي في حال حدوث شيء لها» كما أخبرت مجلة «ويلث سمبل». «لم يكن لدي مال، لذلك اضطررت للذهاب للحصول على وظيفة في متجر ملابس، ودفع ثمنها».

وفي مذكراتها المالية، تشرح سلوكها في الإنفاق على الأمور غير الأساسية «أقول لمديري أعمالي، مثلًا: حسنًا، أرغب حقًا في الحصول على هذا الشيء، لكنني سأعمل في مهمة إضافية للحصول عليه، لا أريد أن أخرب الميزانية الموضوعة للمصروفات».

عن التواصل الاجتماعي.. يسألها مذيع «ڤوق» عن الوقت الذي تقضيه فيه، وإليك الإجابة المذهلة:

«ليس الكثير.. أمضي بحد أقصى نصف ساعة يوميًا إن تطلب الأمر»

هذا الاقتباس قاد اليوتيوبر المعروفة «سوريلي أمور» إلى فكرة محاولة التخلص من إدمان التواصل الاجتماعي وصرحت في الفيديو عن هذا الشأن بقولها: «إن كانت إحدى أهم المؤثرات في عالمنا وفي عالم الإنترنت تقضي أقل من نصف ساعة في التواصل الاجتماعي يوميًا، ماذا عنّا نحن؟».

ماذا لو أخبرتك أن زوجها الشهير لا يملك أي حساب على قنوات التواصل الاجتماعي؟

بل أن الأكثر إثارة كان بالنسبة لي، تعلقها بفكرة الأمومة، وأن هذا الأمر حوّلها لإنسانة تجد في عائلتها وأولادها الأولوية القصوى، وإن كُنت ترى في هذا الكلام أمر بديهي، فلا أوافقك الرأي، لأنه أحد أهم الصراعات الداخلية التي تُصيب المواهب الفنية (خصوصًا التمثيلية أو التي تعتمد على الشكل بالدرجة الأولى).

كيم تعرف ماذا تريد بالضبط من هذه الحياة، هي إنسانة شديدة التركيز لدرجة أنها بالفعل لا تخلط بين حيواتها الكثيرة. هي تعطي بقوة للأعمال، وتعطي بتركيز للأمومة، وتعطي بتركيز لبرامجها الاستعراضية، تكثر من الأسئلة وتطلب النصائح من الناجحين حولها. عكس معظمنا، نعطي نصف ذِهن لكل شيء.

نحن نريد أن نصبح أثرياء ولا نريد أن ندّخر أو نستثمر.

نريد أن نكتب كتبًا أو نرسم أو نتعلم شيء جديد ولا نريد أن نتوقف كل دقيقة لإلقاء نظرة على الجوال.

نريد السفر والحياة الممتعة ونريد أبناء ولا نريد أن نتعلم كيف نصبر أكثر.

هناك قناعة خفية داخل عقلي سأعترف بها اليوم: لا يوجد شخص ناجح في أي مجال (حتى في أقصى المجالات تفاهةً) إلا وكان هذا النجاح منبعه القدرة على القيام بشيء لا يستطيع الاخرين القيام به وتكراره باستمرار.

كان الله في عون الجميع.


المصادر:

Drowning In Dopamine: My 30 Day Social Media Detox

Kim Kardashian Probably Spends Less Time on Instagram Than You Do

Instagram accounts with the most followers worldwide as of June 2020

Kim Kardashian Says This Is the Best Investment She’s Made

عندما تكون المرأة صاحبة شخصية واقعية – الجزء الثاني

هذه المقالة استكمال للجزء الأول على نفس العنوان.

سألتها البارحة، ما هو السر؟

ما هو السر الذي جعل طليقها يستمر في الصرف عليها وعلى أبنائها، ويهتم بشؤونهم، ويتعامل مع ابنها بنجامين كأنه أحد أبنائه. والأهم، أنه لم يفكر في إزالة الوشم المكتوب عليه «مارينا حُب حياتي»، ولا يرغب في الارتباط من جديد تقديرًا لها (على حد تعبيرها).

أجابتني بالمختصر: السر في قدرتك على الدخول إلى أعماقه هنا (وأشارت إلى رأسها).

ولكي تفهم معي القصة بشكل أوضح، مارينا تزوجت في البداية رجلًا كان صاحب منصب رفيع، وقِس محافظ جدًا. «كان ينصدم من حركاتي الخاصة، ومن قناعاتي أحيانًا.. أنت تفهم ماذا أقصد» وعلّقت عليها أنا:

  • يبدو أن كل المحافظين حول العالم متشابهين إلا حدٍ ما. أستطيع أن أرى أوجه التشابه عندنا معكم.
  • نعم، لدينا في أمريكا اللاتينية والكثير من المجتمعات هنا في الولايات المتحدة، لا يتحدثون عن الجنس، أو المثلية، أو الانفتاح بطلاقة كما يُظهر الإعلام. هناك حِزم من الأمور الحساسة غير القابلة للنقاش في المجتمعات الضيقة. خذ مثلًا في مسألة التربية؛ هنا بالقرب من ميامي، من السهل جدًا أن يتعرض المراهق لكل أنواع الخراب، مخدرات، دعارة، سُكر، حفلات ماجنة إلخ. وإن كنت والدًا أو والدة لا تملك اللياقة الذهنية للتحدث بصراحة ووضوح ومباشرة مع أبنائك عن كل هذه الأمور، سوف تعرضهم بشكل كبير في وقتٍ ما في حياتهم للخطر. خطر قد يبقى في الذاكرة طوال عمرهم، أصبحت التربية مناطة بقدرتك كأب أو أم على النقاش المفتوح والمستمر حتى عن أقصى الأمور حساسية ودقة. والمشكلة هنا يا عزيزي، أننا منفتحين إعلاميًا، ولكن الواقع مختلف جدًا داخل البيوت في أمريكا.

واستكمالًا للحديث، أنجبت من زوجها الأول ناتالي وبنجامين. أُصيبت بعدها بالورم في الدماغ، «علمت وقتها أن زوجي لا يريدني في حياته، حتى وإن لم يقلها، فقد كنت أستطيع أن أشعر بذلك» علقت مارينا على تلك الفترة، وأضافت «إلى أن ظهر لي أمين (الزوج الثاني – اللبناني الأصل وصاحب الوشم)».

«تعرّفنا على بعض، وعلمت أنه وقع في حبي وحاول قصارى جهده بأن يأخذ علاقتنا إلى مستوًا جديد. فعل المستحيل لكي نتزوج أمامي وأمام عائلته، وأخبرته بكل شفافية أنه من غير العدل أن تتزوج امرأة مريضة وأكبر منك بثلاثة عشر سنة وأم لطفلين. إلا أن المفاجأة كانت إبداء رغبته بالعناية بالطفلين ومحاربة عائلته المحافظة نسبيًا أيضًا من خلال اقناعهم المستميت (وطبعًا إفزاعهم بذلك الوشم)».

وبالفعل تزوجوا، وتكفل أمين بالصرف وتربية ابنيها من طليقها. وأثناء سير الحكاية، اختلط أمر علي كان غريبًا نوعًا ما؛ وهو أن لقب ناتالي العائلي منسوب لأبوها البيولوجي (طليقها الأول)، أما بنجامين فمنسوب عائليًا للسيد أمين (الزوج الثاني). وعندما سألتها عن هذا الأمر، أخبرتني بأن بنجامين قرر أن ينسب نفسه لأمين حبًّا له وتقديرًا لتعبه في تربيته. كان هذا الأمر الأخير مثيرًا للاستغراب بالنسبة لي. فعلا ما يبدو، أن التنسيقات العائلية الاجتماعية هنا سهلة!

«في الحقيقة أن أمين لم يكن يرغب في إنجاب أطفال، ووجد في ناتالي وبنجامين اكتفاءً لرغبة الحصول على أطفال، وهذا ما جعله شديد الولاء لهم».

وهنا نقطة تصحيحية متعلقة بالجزء الأول؛ «آنا» وابنها في المنزل، هم عائلة الزوج الأول وليس أمين اللبناني الأصل. التفاصيل حيرتني قليلًا.

وعودة لسؤال السر، كانت مارينا متأكدة بأن مهمة المرأة في هذا الكون أمام من تحبه ليس أن تظهر بأفضل جسد ولباس، وليس أن تكون سيدة منزل من الطراز الأول، نعم قد تكون هذه الأمور مهمة، إلا أنه وحسب رأيها، فهي تؤكد أن تعلّق الرجل عمومًا بأي امرأة، ينبع من قدرة المرأة بالدخول إلى أقصى أعماق عقله وأفكاره وخيالاته، وإن نجحت، سيكون ملكًا لها مهما استمرت الأيام.

في الحقيقة، ما زال انفصال مارينا عن زوجها الأخير محيرًا لي. إلا أنهم على تواصل مستمر، ونفقة لا تتوقف، واعتناء بالأولاد مستمر، ولو أنهم كبروا قليلًا.

كان الله في عون الجميع.

عندما تكون المرأة صاحبة شخصية واقعية

«أتعرف من هؤلاء؟» تسألني جارتنا العزيزة «مارينا» ٥٥ سنة، وهي أمريكية/سيلڤادورية عاشت معظم حياتها في نيويورك.

«توقعت أن تسألني عن هذه السيدة وهذا الطفل اللذان تراهما يوميًا هنا».

ولأعطي فكرة أفضل، مارينا تسكن مع ابنها بنجامين وابنتها ناتالي (مدربة بناتي في السباحة)، في الشقة المباشرة تحت منزلي، هنا بجانب ميامي. تعرفت عليها من سياق الحياة، أصبحت الجَمعة – شبه اليومية – للجيران لديها في البلكونة، لا يكاد يمر يوم إلا وأراها وأُسلم عليها، ولا يمر يومين دون وجود جمعة عشاء أو شاهي عدني عندها. وقبل يومين انضمت معنا أنا وعائلتي وإحدى الجارات الأخريات في زيارتنا للشاطئ، ثم لتناول عشاءً فخم.

«هذه السيدة هي طليقة طليقي الذي انفصل عنها مؤخرًا، وهذا الولد هو الأخ غير الشقيق لأبنائي» شرحت حالهم.

«وددت بشدة أن أتعرف عليها – قبل انفصالهما – فقد كبُرت قليلًا على حركات النساء، وجدت من وجودهم هنا معي فرصة لك لتتعرف عليَ وعلى طريقة تفكيري أكثر، ورغم حبي – المستمر للآن – لطليقي، إلا أنني فضّلت أن أتعرف على أخو أبنائي وهذه السيدة، التي قد تصبح بمثابة الأم لهم. وربما لم أخبرك أنني أُصبت منذ فترة طويلة بورم في الدماغ، أتناول ١٣٠ حبة علاج يوميًا.. كل يوم، حتى الماء سئمت منه، إلا أنني ما زلت أحب الحياة».

صمتت للحظات.

وأبديت إعجابي بهذا الترتيب! ولكن كيف حصل هذا الأمر؟ سألتها.

«استوعبت هذه السيدة فجأة أنها انفصلت من زوجها، لا تعرف ماذا تريد، لا تعرف ماذا تفعل، ما هي الخطوة التالية؟ كيف هو شكل الحياة بعد أن توقعت أن تكون ربة منزل يُصرف عليها من رجل مرتاح نسبيًا؟ وبعد أن استوعَبت المسكينة حالة الضياع، قررت أن تتصل بي لتطلب المساعدة.. وها هي الآن تعيش معنا في بيتنا الصغير مؤقتًا، وفي الحقيقة أنا لا أمانع ذلك، فهي مثل ابنتي.. والأهم أن لا ذنب لها في ارتباطها. آه.. نسيت أن أخبرك أنني أكبر من طليقي بثلاثة عشر سنة»

كانت الفقرة الأخيرة مثارًا للدهشة بصراحة، وأضافت «لو تعلم ماذا فعل لكي نتزوج! قصة طويلة، لكن سأختصرها بموقف واحد؛ عندما أتاني في أحد الأيام قبل أن يفقد الأمل في زواجنا كليًا بيد ملفوفة بشاش، ليكشفها أمامي.. ومرسوم عليها وشم كبير (ستراه ربما قريبًا) مكتوب فيه «مارينا حب حياتي».. تصور!

وفي ذلك اليوم ربما، علمت أننا سنتزوج. بالمناسبة، كان قد علِم بإصابتي بالورم»

سكتت للحظات.. لتكمل هي «بالمناسبة، هو لبناني الأصل ويتحدث العربية بطلاقة، إلا أنه للأسف لا يعرف القراءة وإلا لاقترحت عليك أن تهديه كتبك».

وانتهى هذا الجزء من القصة.

ولو أخبرت القارئ الكريم الأمور الأخرى عن مارينا، ربما سيتفاجأ الضعفين.

وعدتها أنني سأكتب عنها. وها أنا الآن.

كان الله في عون الجميع.

لماذا لا يشعر البعض بالوحدة؟

الاجتماعيين بصفة عامة يستمتعون أكثر في البقاء وحدهم من نظرائهم الانطوائيين.

كان هذا اقتباس من دراسة أشار إليها الكاتب كال نيوبورت في كتابه «العمل العميق» أو ربما كانت في كتاب سوزان كين «هدوء». لا أتذكر. لكنني شعرت بالسعادة عندما سمعته في الحقيقة.

أُصنِف نفسي من فئة الأشخاص الاجتماعيين، ورغم نقص معدل الأصدقاء نسبيًا لتواجدي مؤقتًا في فلوريدا، إلا أن الأمور سارت بشكل جيد بتعرفي على الكثير من الجيران الأمريكيين، إضافًة إلى انضباطي بالاجتماع الأسبوعي للأحبة السعوديين المتواجدين هنا.

الإحساس بالوِحدة أمر مزعج حقًا، أخشاه كثيرًا، ولا يوجد إنسان في هذا الكون إلا وقد شعر به في فترةٍ ما في حياته، ووجدت مع الوقت أنه يوازي شعور الكسل كثيرًا؛ كلما انغمست فيه أكثر كلما استمريت فيه لفترة أطول وكلما كان صعبًا عليك الخروج منه، الوحدة من مناطق الراحة شديدة الخطورة.

هي أحيانًا لا تعني البقاء وحيدًا أو منعزلًا. بل قد يكون الإحساس بالوِحدة مرافقًا لفكرة أو شعور ما. فعندما تكون مقتنعًا بأمر مهم بالنسبة لك لا يقتنع به كل من حولك، هنا تبدأ الوِحدة بالتشكُّل. تزداد عندما تكثر الأفكار والمشاعر التي لا يشاركك فيها من حولك. وفي رأيي هذا هو السبب الوحيد الذي يجعل الكثير من المراهقين يعيشون بشكل ما في إطار الوِحدة. هم وحدهم مع أفكارهم وتمردهم، لكنهم مع الآخرين شكليًا.

فترة العزل، وجدت أن الوِحد لم تكن أبدًا تحديًا لي بصراحة. في تأملي للتجربة، اكتشفت بالصدفة أن الإنسان صاحب كثير الهوايات (غير المُتقنة) أكثر ابتعادًا عن الوِحدة من الإنسان شديد التمسك بهواية أو أمرًا واحدًا في حياته. كان رمضان بالنسبة لي إلى جانب شعائره؛ مليئًا بالتحليلات الاقتصادية وقراءات سوق الأسهم الأمريكية، بل أن الموضوع وصل لحد صرفي يوميًا معدل ثلاث ساعات على الأقل وأنا منغمس في قراءة الأوراق والتقارير. لم يكن الهدف تضييع الوقت بقدر اكتشافي لحبي لهذا الأمر القديم – الجديد في حياتي وهو «الاستثمار».

كان موضوع القراءات المالية مصاحبًا للطبخ، ولعب البلايستيشن، والقراءة، والسباحة مع بناتي، والركض يوميًا، والتسوق، والمكالمات بالساعات مع الأصدقاء القدماء لدرجة أنني أصبحت أخصص جزءً من اليوم لهم (كان من المثير في هذا الأمر أنني كلما اتصلت على صديق كان يرفع السماعة مباشرة من فراغ الوقت)، وأيضًا محاولة الانغماس أكثر في المزيد من الكُتب والكتابة. وطبعًا التجاوب والخروج مع الأصدقاء الذين لا يمانعون ذلك في وقت كانت سمته الأكبر التخوف من الاختلاط.

لا أود طبعًا أن أعطي انطباعًا للقارئ الكريم أنني عشت أجمل أيام حياتي! إلا أنني حتى وإن لم أكن في قمة سعادتي، فقد كنت مستقرًا بشكل لا بأس به، وأتأمل الآن بأن الوِحدة لم تكن ضمن الخيارات.

أتمنى أن تصدقني إن قلت لك أن حبي وكرهي للتواصل الاجتماعي كان منبعه أنني دومًا ما أخشى الفكرة التي تقول إنه تهديد صريح لحياة الاجتماعيين؛ فلا أود صراحًة أن أكتفي بالتواصل عبر رسائل انستجرام وتعليقات تويتر مع الأحباء، أريد أن يكون لي أصدقاء حقيقيين وبشر أستطيع الاقتراب منهم، وقد صرحت سابقًا في أكثر من مرة أنني من فئة الأشخاص الذين يدّعون أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا دون أصدقائهم، عندي ولاء كبير لهم بجميع فئاتهم وأعمارهم وتخصصاتهم ومكاناتهم.

وجدت أن الحِرص والمبادرة في التواصل مع الآخرين وفي البحث عن هوايات جديدة دومًا هي الأسباب الحقيقية التي لا تجعل البعض يشعر بالوحدة. قد يكون هذا الأمر بديهيًا، إلا أنه يستحق أن يُذكر ويستحق أن نحاول تطبيقه. بل أن الإنسان قد يُفاجئ بأن فكرة تضييع الوقت وفكرة الفراغ (والبحث عن المسلسلات الجديدة على نيتفليكس) والشعور بالوِحدة بعمومها ستضيع وسط هذه المبادرات.

كان الله في عون الجميع.

التهزيء

هناك فرق بين فقد السيطرة على الأعصاب، وبين محاولة إبلاغ الطرف الآخر بأننا معترضين على تصرفهم.

لا يجب على الأبناء مشاهدتنا ونحن في قمة الغضب فاقدين السيطرة على أنفسنا.. في الحقيقة لا يجب على أي شخص أن يشاهدنا بهذه الحالة. عندما «نزعل» على أمر ما من الأجدى أن نُبين الغضب بهدوء. بالعربي: نمثّل الغضب.

التمثيل أكثر فاعلية من فقد السيطرة. فنحن نستطيع من خلاله إيصال «زعلنا» إلى الطرف الاخر بكل وضوح، ونستطيع أن نرفق معه عقابًا أو موقفًا حازمًا، كأن أخبر ابنتي: «أنا زعلان من تصرفك، وسيكون عقابك كذا» بكل هدوء، أو كأن أخبر مدير المطعم المتأخر في توصيله «عندما طلبت كنت جائعًا جدًا وقد تأخرتم كثيرًا، أتوقع منك تعويضًا وإلا ببساطة لن أطلب منكم مجددًا».

فقد السيطرة غالبًا لا يأتي بنتيجة إيجابية. وهو علامة من علامات الضعف. الصوت العالي والصراخ غالبًا ما يشعرنا بالخجل من أنفسنا بعدها. وأجد من الممتع أحيانًا أن نتمرن بأن نعبر عن غضبنا بهدوء بالغ وعقاب مفروض وبالبحث عن تعويض، فهذه أمور عملية تساهم في تحسين الوضع.

كلمة السر اليوم هي «محاولة التمرن».

التهزيء لمجرد «فشة الخلق» لا قيمة له.

لماذا لا يجب عليك أن تصاحب رئيسك

الصداقة لا تُسمى صداقة بين إثنين إن امتلك أحدهما زمام القوى.

هذا الأمر ينطبق في علاقتك أمام الشخص المسؤول عن دخلك. وينطبق أمام الصديق الذي اعتاد أن يثبت لك باستمرار قوته المالية أو الشخصية أو الجسدية.

طبيعة البشر تقودهم دومًا إلى إثبات قوتهم أمام ضعفك وقت الأزمات. ابن العائلة المعروفة قد يكون متواضعًا أمامك طيلة الوقت، كذلك رئيسك في العمل؛ حتى يظهر الخِصام أو تظهر أزمة.

الأزمات عادًة ما تختبر مبادئنا، تجعلنا نتحول في ثوانٍ إلى أشخاص آخرين.

ولذلك كُنت أدعي الله دومًا ألا يضعني في اختبار أمام مبادئي، لأن فرصة الفشل فيها أعلى من أوقات الراحة.

إن كان رئيسك معلمًا رائعًا؛ فهو معلم وليس صديق. وهنا أشجع أن يسأل الإنسان نفسه في كل مرة تأتيه الفرصة بأن يخرج مع رئيسه إلى العزيمة القادمة: «هل ما أقوم به من باب المجاملة أم من باب الاستمتاع؟» والإجابة هنا ستبني لك الصورة الأوضح.

قد يتحول رئيسك لصديق عزيز إن لم تكن هناك علاقة عمل ورزق.

في الشراكات الزوجية والعملية، إن امتلك أحدهم زمام الأمور بشكل مطلق فهي لا تُسمى شراكة.. بل «سيطرة على.. ومُسَيطَر عليه مِن..». الشراكة والصداقة مقامات مختلفة بوجهين لعملة واحدة تشترط تساوي القوى، وتشترط أيضًا حاجة كل طرف للآخر طيلة الوقت.

إن كُنت تريد مصادقة رئيسك أو شريكك أو عميلك. تأكد أنك مثله، تحمل زمام الأمور. وتأكد قبلها أنك لن تتعرض إلى استنقاص أو مذلة مهما كلف الأمر وكلّفت الأزمات.

عن حِرفة الكتابة: وأسئلة وأجوبة

تنويهات:

  • الكتابة بالنسبة لي حِرفة وليست موهبة.
  • الحِرفة تتطور بالممارسة وتنضب بالإهمال.
  • الموهبة نعمة ربانية، وهي لا تساوي شيء إن لم يصاحبها المثابرة.
  • النجاح في الكتابة – في رأيي – يمكن أن يتحقق إن قرر الكاتب أن يأخذ حرفته بجدية أكبر، مع الانضباط في ممارستها.
  • جودة الكتابة لا تتحقق إن كان الكاتب غير منتظم في قراءته واطلاعه.
  • محاولة الإسراع في كتابة النص من أكثر الأمور التي تساعد في الإنجاز.
  • عدد الكلمات هو أهم معيار في عالم الكتابة.
  • التنقيح والتدقيق وإعادة الصياغة أمر مختلف عن الكتابة.
  • مهمتك ككاتب أن تكتب بسرعة، وتدقق ببطء. بالعربي: مهمتك أن تلبس قبّعتين في وقتين مختلفين.
  • لا تهتم بالنشر، اهتم بالكتابة. النشر سيأتي وقته المناسب تلقائيًا.

مرة أخرى، أجد أن الكتابة عن الكتابة من ضمن المواضيع التي تعطيني انطباعًا أن الكاتب شخص كسول، لا يرغب في أن يبتكر موضوعًا جديد يتحدث فيه، أو أن يبحث في مفهوم جديد أعمق يغوص فيه ويقلّب أفكاره تجاهه. نعيش مع كتابة هذه السطور أيامًا ليست في قمة إشراقها لدى البعض. أنا مثل هؤلاء البعض؛ أبحث عن الأمل والأنوار في أخرام الظُلمة. الشيء الوحيد الذي أعرفه عن وقت الأزمات هو أن الإنسان يجب أن يتسلح بالتواصل والتفاعل الإيجابي مع كل من حوله. البعيدين قبل القريبين.

منذ عام ٢٠١٤م وأنا مع قرار إيقاف خانة التعليقات مع قراءي الأفاضل في موقعي، وكنت ولا زلت أشجع أكثر على عدم قبول النقد في تأدية أي عمل فني، وهنا قد يطول شرح هذا الأمر، إلا أن النقطة الرئيسية التي تجعلني متمسكًّا بهذا الرأي هو أن الفنان – الكاتب في حالتي – بالكاد يشحذ همته ويحارب الكسل والسلبية ليبني عادته ويستمر في انضباطه تجاه ما يريد أن ينجزه بشكل منتظم، وآخر ما يبحث عنه تعليق سلبي يكسر مجاديفه. وإن وقفت عند كل تعليق سلبي أو انتقاد (حتى وإن كان بناءً في بعض الأحيان) وحاولت الرد عليه، سوف لن يكون هناك وقتٌ لتأدية العمل. وسِمة الانتقادات والتعليقات النقدية أنها بقدر جديتها بقدر ما سيسعى صاحب الانتقاد إلى إيصالها إلى المنتًقد. ووجدت بعد هذه السنين وبعد نشر أربعة كُتب وأكثر من ستمئة وخمسون مقالة، بأن الجديرين بالانتقاد أو التعليق سوف يقتحمون بريدك الالكتروني عوضًا عن الاكتفاء بالتعليق على قنوات التواصل الاجتماعي، لأنهم في الحقيقة يهتمون بك أو لما تكتب، وإلا لن يكلف أحدهم نفسه بذلك التعب الإضافي ليبعث لك رسالة غير مهمة.

وهنا، أشجع كل مهتم وباحث عن الانتظام في عمله الفني أو الكتابة، بأن يطلب الانتقاد في أوقات ضيقة ومحدودة مع أشخاص محددين، عوضًا عن انتظارها من العامة.

وأخيرًا، كنوع من الحماس والحرص على التفاعل مع الأحبة المتابعين ومن تكرموا عليَ بوقتهم في قراءة ما كتبت مؤخرًا، وددت تخصيص هذه المقالة لأهم الأسئلة التي أتتني عبر «الانستقرام» والتي تتعلق بتجربة الكتابة خلال الفترة الماضية. لم يسعفني الحظ على الإجابة على كل الأسئلة، وقد حاولت جهدي للإجابة عن الأسئلة الأكثر تداولًا وقيمة. وأتمنى أن أكون قد وُفِقت في ذلك. أترككم مع الأسئلة وأجوبتها.

  • لو بيدك تختار شغفك أو موهبتك هل حتختار الكتابة؟

في الحقيقة، الكتابة بالنسبة لي وسيلة وليست غاية. الغاية هي التعبير المنتظم عن الأفكار والمشاعر دون توقف، ووجدت في الكتابة هي الوسيلة الأسهل والأرخص لذلك. لا تحتاج إلا إلى لوحة مفاتيح ومدونة أو صفحة «وTرد» بيضاء. وكل شيء آخر سيتشكل بعدها، من النشر والجمهور والمال والتقدير.

أجد أن «الشغف» بحد ذاته قد يصبح أمرًا سلبي أكثر منه إيجابي. إن اعتمدنا عليه بشكل مطلق قد نصاب بالإحباط. أعتقد قبل أن أدّعي أنني اخترت الكتابة كشغف يجب أن نتأمل أحد أهم الأسئلة التي سألها التسويقي المعروف جودين: «متى كانت المرة الأخيرة التي جربت فيها أمرًا للمرة الأولى في حياتك؟» وفيما يخص الكتابة، في الحقيقة لست من فئة الأحبة الذين يكتبون منذ صغرهم بشكل منتظم، ولستُ من ضمن المدّعين أن الكتابة هي شغف الوجود وحب الحياة الأوحد. قد تكون هي الحب الأكبر، لكنها ليست الأوحد. فأنا مولع بالطبخ، والاستثمار، والقراءة، واللعب، والرياضات، والاقتصاد وغيرها الكثير من الأمور التي تزاحم عقلي ويومي.

اخترت الكتابة بالصدفة البحتة، وقد ذكرت هذه القصة في عدة مواضع سابقة، خلاصتها أنني عام ٢٠١٣م أصبحت فجأة متفرغًا من العمل بعد أن فضيت شراكتي في عملي الخاص، ولأنني مولع بالقراءة فقد قررت تجربة نفسي في الكتابة، حاولت بعدها أن ألتزم وأحول هذه الحرفة لجزء مهم من يومي؛ حتى انتهيت من كتابة مقالتي رقم «مئتين» مع إصدار كتابي الأول (ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون). وعند خروجهم إلى القراء الكِرام، تفاجأت من حجم التفاعل وعدد الرسائل الكبير الذي وصلني على البريد الالكتروني عن الأثر والتغيير الذي حصل لهم. وعندما أدركت هذا الأمر، قررت أن تكون الكتابة مهنة أو حِرفة آخذها بجدية مطلقة بدلًا من جعلها أمر جانبي (إلى جانب كونها وسيلة رائعة للتعبير عن الذات أصلًا).

أجد أن أي أمر مهم في حياتنا يجب أن يؤخذ بجدية لكي يأخذنا هو الاخر بجدية. ووجدت هذا الأمر مع الكتابة في الحقيقة، فكلما خصصت لها الوقت والجهد والمثابرة كلما وجدت أن عطاءها كان كبيرًا وساميًا، وأنا سعيد بهذا الأمر وهو ما يجعلني أستمر صراحة. قد لا يستطيع الكاتب الهاوي خلق تأثير واسع على مجتمعه وأحباءه إن لم يعطي كتاباته جهدًا وبحثًا ووقتًا كبيرًا في محاولة خلق هذا التأثير. أشجع المثابرة والانتظام، ولا أشجع الإلهام والبحث عن الأفكار. أشجع المرونة والغزارة في الإنتاج ومحاربة الشيطان والكسل، ولا أشجع انتظار المزاج.

وأخيرًا أتسلح بالشغف في الكتابة، لكنها ليست شغفًا بحد ذاته. الشغف هو بمثابة الغاية للتعبير المنتظم والتفكر والتأمل. الكتابة وسيلة لتلك الغاية.

  • كيف تنتقل من كتابة بدائية إلى أقرب للاحتراف؟ شكرًا

هناك أمرين يقتلون الابداع: الخوف والكسل.

عندما أقول الخوف، فأقصد الخوف من الفشل ومن ردة فعل الآخرين تجاه ما نكتب، وعندما أقول الكسل فأقصد عدم الانتظام والحرص على الاستمرار في الكتابة. وإن كان هناك جواب أكثر دقة وجدته من تجربتي، فإن الإنسان يجب أن يُعري نفسه أمام ما يكتب. يكتب بصدق لا يقبل الرحمة، ولا يحاول أن يتذاكى على القارئ، يجب أن يكتب كما لو كان يتكلم مع صديق، وهذا الأمر لا يتحقق إن سعى الكاتب أن يرسم الكلمات ويصيغ الحروف المتحذلقة والمفردات الصعبة.

دائمًا ما أشجع على الاستمرار في اختيار لغة سهلة ومفردات متداولة (ولا أمانع صدقًا في استخدام بعض المفردات العامية لإيصال الأفكار). مشكلة الكاتب المبتدئ، أنه يفكر في النشر والتنقيح والبحث عن آراء الآخرين قبل أن يبذل المجهود الأهم، وهو عدد الكلمات التي يجب أن ينجزها. وإن كان هناك طريق مختصر لتحول الكاتب المبتدئ إلى محترف فهو لا يخرج عن مقاومة الكسل والخوف. فإن قرر شخص أن يكتب مقالة واحدة فهو قد لا يُعد كاتبًا بعد، ولكن إن انضبط في كتابة مقالة ثم الأخرى ثم التي تليها ثم كتب كتابه الأول وأصبح الآخرين يعرفونه من خلال هذه الهوية، وينتظرون منه أن ينشر شيئًا ما فقد أصبح كاتبًا. الخلاصة: الانضباط والنشر المستمر ومقاومة الخوف من انتقاد الآخرين هو الذي يفرق بين الكاتب المبتدئ والمحترف (وقد ذكرت في السؤال السابق أنني قاومت الخوف بإزالة خانة التعليقات من الأساس، وقد نجح الأمر معي). وما يجعل كتابات الكاتب المحترف جميلة ومقبولة وناجحة أمر واحد: كثرة القراءة.

  • ما الذي يجعل المرء شغوف بما يعمل رغم كل الصعاب؟

أولًا: إيجاد مصدرًا منتظم للمال. فلا يستطيع الإنسان ممارسة وتطوير نفسه فيما يحب أن يعمل إن كان جائعًا. أخشى ألا تكون إجابتي قاسية هنا، إلا أنني أجدها شديدة الواقعية.

ثانيًا: الانتظام بالعمل على خطوات بسيطة (ككتابة مقالة أو رسم رسمة بشكل دوري) دون توقف لفترات مطولة. وحل هذا الأمر في مقاومة الكسل والابتعاد عن الكمال (Perfection). عدو الأعمال «الجيدة» ليست «السيئة» إنما «العظيمة». مهمتك هي محاولة خلق عمل «جيد»؛ إياك أن تقتل نفسك بالكمال.. إياك. فلن تصل له أبدًا، وسيعطلك عن الانتشار والتطور وسيجعلك متكاسلًا دائمًا. من الستمئة مقالة التي كتبتها توجد على الأكثر خمسون مقالة جيدة جدًا وعشر مقالات ممتازة، ولا بأس بالنسبة لي لهذه النتيجة.

سأعترف لك باعتراف خطير: اتصلوا علي في مكتبة جرير قبل يومين يطلبون إعادة نسخ كثيرة من كتابي «مدوان» فهو لم يحقق مبيعات كبيرة مثل وهم الإنجاز وثورة الفن ومئة تحت الصفر. ولا بأس بذلك، فسنة الحياة هي التقلب (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فيوم تكتب كتاب جيدة ويوم آخر سيء، كذلك يسير هذا الأمر مع الطبخ والرسم والتصوير ومعظم الأمور الأخرى. يجب أن نبحث عمّا يجعلنا نستمر حتى وإن كانت المصاعب أثقل على أكتافنا، ولا أجد أمرًا يسهل الاستمرار سوى عدم البحث عن الكمال، وربما الحفاظ على الصبر والعمل المتواصل دون توقف حتى وإن كان ذلك العمل (نص كُم).

  • أكثر زاوية في الحياة تلهمك؟

إن كنتِ متابعة لي منذ مدة فقذ تكتشفين أنني لا أُحمّل الإلهام الكثير من الاهتمام بصراحة. لكن لا بأس سأحاول أن أجتهد في إجابتي.

تظل الكُتب والنقاشات مع الأصدقاء المفكرين هي الزاوية الأكثر خصوبة. أجد اختيار رفقاء الدرب الطموحين من أهم الأمور في هذه الحياة. وإن حاولت أن أبحث عن أمر آخر، فلن أجد أمرًا مثل السفر أيضًا. أحمد الله أنه رزقني بوالد وشخصية تحب السفر جدًا، أعشق تأمل حياة الآخرين، أسافر كثيرًا، وأحاول دومًا أن أخلق محتوى كتابي من الأمور البسيطة التي تواجهني. مشكلتنا أننا نركز على البديهيات ولا نركز على القصص. مثل الذي يقول «ابتعد عن التدخين، التزم بالرياضة، نام ثمان ساعات، تناول الخضروات بكثرة» كل هذه الأمور أصبحت بديهية لكي ينعم الإنسان بصحة جيدة، إلا أن ما يثير اهتمامي ليس الكلام والنتيجة نفسها.. فلا يهمني أنك أنقصت وزنك واستطعت أن تنام عشر ساعات كل يوم، ما يهمني هو القصة والمحفز خلف هذا الأمر. أود أن أسمع القصة التي جعلتك منتظمًا، أريد أن أسمع تجربتك الخاصة ورحلتك، ففيها أستطيع أن أربط حياتي بتفاصيلها وأتعلم منك بشكل عملي.

في الحقيقة أميل دومًا إلى الجوانب العملية أكثر من العاطفية، حتى فيما يخص الإلهام.

هناك زاوية ملهمة أخرى تذكرتها الآن وأنا أكتب، وهي سلوك الفنانين والكُتاب الغربيين، فلا أستطيع أن أكبح إعجابي الشديد بكاتب مثل ستيفن كينج، الذي أصبح ينتج ضعفي إنتاجه عندما كان في الأربعين وهو الآن في منتصف السبعينات من عمره. في الحقيقة، معظم زوايا إلهامي – إن صح التعبير – ليست في عالمنا العربي مع الأسف، ودائمًا ما أتطلع لأن أكون نسخة متجددة وعربية للكثير من القدوات في المجتمع الغربي من الكُتاب، أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، سيث جودين، كال نيوبورت، ستيفن كينج، ريان هوليدي، مايكل لويس، مايكل كريتون، جون قريشم، نورة روبرتس، مارجريت آتوود، جو روجن، تيلور كوين وغيرهم.

  • إيش الفكرة التي تمتنع عنها؟

أحاول ألا أكتب عن الدين أو السياسة أو عن المشاكل الاجتماعية الحساسة.. حسنًا للأمانة لدي بعض المقالات الحساسة اجتماعيًا، لكنني لا أهدف أن يرتسم الانطباع عني حولها. أحاول أيضًا ألا أكتب في المواضيع المتعلقة بالأخبار والمستجدات، أود أن يدخل الشخص على مدونتي بعد عشرات السنين لكي يستطيع أن يربط حياته وقتها بما كتبت في الماضي. أحاول أن أتجنب المواضيع التي لا تخلق محتوى كلاسيكي. وفي مثل هذه الأيام، أحاول جاهدًا أن أتجنب الكتابة عن العنصرية وموضوع الحجر المنزلي. والله المستعان!

  • ألاحظ كتاباتك عن الابداع والتفكير، ما حاولت تكتب عن العلاقات الأسرية؟

توجد مقالات متفرقة هنا وهناك، وهذا لا يعني بالطبع أنني لا أهتم بالمفاهيم الأسرية، إلا أنني كما ذكرت أبحث عمّا يفيد القارئ الكريم بشكل عملي، وهناك بالطبع من هُم الأجدر مني في الكتابة عن هذه الشؤون الأسرية، شخصيًا أحب أن أتابع كلًا من السيدة هبة حريري والسيدة هند خليفة والسيدة ريم بخيت وطبعًا الأخت العزيزة السيدة همسة مطبقاني (إن قاومت شحذت الهمة أكثر وتحمست لنشر أفكارها). وبالطبع رفيق النقاشات الطويلة بالساعات على الهاتف نور عزوني.

عمومًا، أقرأ كثيرًا وأجرب كثيرًا أساليب التربية والمفاهيم الحديثة عن الأسرة، خصوصًا وأن لدي ثلاث بنات. وتستهويني – بكل صراحة – أحاديث النساء (كلام الحريم)، ففيها أجد فرصة شيقة جدًا للتأمل في شخصيات البشر وتحليلات نفسية عميقة، كما أنني أعتبرها كنوع من مشاهدة رواية واقعية بشخصيات حقيقية.

فكرت مرة بصراحة أن أكتب مثلًا عن تجربتي في إقناع بناتي بتحويل ٨٠٪ من أكلهم إلى أكل صحي وتناولهم المزيد من الفواكه بدلًا من الحلويات، إلا أن الفرصة لم تأتي بعد. عمومًا، لا أرغب أن أضع القفل على نفسي في أي موضوع يستحق أن تقلّب فيه الأفكار وتشارك فيه التجارب.

أعدكِ بالمحاولة.

  • إذا في فكرة في بالك، كم تعطيها وقت حتى تنقحها؟

لا توجد إجابة مفصلة، إلا أنني مؤمن بمقولة ستيفن كينج – فيما معناها – «الفكرة تتحول إلى جملة، الجملة تتحول إلى قطعة، والقطعة إلى صفحة والصفحة إلى طفل سيبدأ بالحبو». وهي ما تحصل معي دائمًا.

  • كيف تختار مجال الكتابة، هل تنصح بالتخصص؟

في الحقيقة لم أختر بمعنى الاختيار، فأنا أكتب مقالات ساخرة، وبحوث، وسير ذاتية، وربما خيال قريبًا (ادعو لي). وأحلم بأن أبدع في مجال الكتابة الساخرة تحديدًا ولا يوجد سبب حقيقي خلف هذا الأمر سوى حبي لقراءة هذه النوعية من الكُتب. ولا أجد أن الكاتب يجب أن يحصر نفسه في تخصص. صحيح أن كتب البحث كانت سهلة نسبيًا عليَ، إلا أنني لا أمانع الخوض في غمار التخصصات الأخرى، الأمر يا صديقي أوسع من التخصص. جرب كل شيء.

  • مقومات الكاتب الناجح …

التسلح بالثقافة والقراءة، الشجاعة في التعبير، الصراحة المطلقة، والغزارة في الإنتاج، وعدم انتظار النتائج الإيجابية مع خفض سقف التوقعات، وعدم التحذلق في اختيار الكلمات، وعدم الميل مع الموجات الإعلامية.

  • هل ترى أن الكتابة والتأليف أصبحت تجارة؟

سؤال خطير وصعب وبسيط في نفس الوقت. أن مع فكرة أن الكاتب لكي ينتظم في عمله ويصبح أكثر إنتاجًا فهو يجب أن يحصل على دخل مجزي من عمله مثل كل العالم ومثل كل الحِرف الأخرى. إن كنت تقصد بكلمة تجارة على انتشار كتب ضعيفة المحتوى والجودة، فأنا أوافقك الرأي. ولكن في نفس الوقت من حق الجميع أن يكتبوا وينشروا ما يشاؤون، ولن يصح إلا الصحيح في نهاية الأمر، فستظل الكتب العميقة في محتواها في السوق، وستتبخر الكتب السيئة وهذه سُنة الله في الكون.

شخصيًا، ٩٠٪ من مجهوداتي الكتابية مجانية على مدونتي، و١٠٪ هي التي تحولت إلى كُتب، وطلبت من قراءي الأفاضل أن يكرموني باقتنائهم لها. الكتابة كمصدر رزق رئيسي هو حلم أي كاتب – وأنا على رأسهم – أما الكتابة لمجرد التكسب بشكل سطحي لا أجده بطبيعة الحال عملًا أصيل، والأصالة لا تستمر كما ذكرت سابقًا.

كان الله في عون الجميع.

لا تصدق كل من يستشهد بأيام زمان

أحتفظ مع والدي بالكثير من المواقف الطريفة غير المقصودة من جهته، و ها هي إحداها:

في إحدى المشاوير، وهو يسهب بحكايته عن إحدى المقابلات التلفزيونية التي شاهدها مؤخرًا وهي تستضيف رجلًا ما – كان على ما يبدو كبيرًا في السن – وهو يستذكر أيام الطيبين وبركة الوقت وبساطة الناس والحياة، والحب والجيران والمنزل الصغير والذكريات اللطيفة وغيرها، وبعدما انتهى والدي من وصف ذلك الضيف في البرنامج، قام بإعطائي صاعقة على هيئة تعليق.

قال حرفيًا «ايش الكلام الفاضي هذا!».

ولأختصر التخمين وأفهِمُك بعضًا عن عقلية والدي.. هو من فئة الرجال الذين لا يملكون الكثير من التعلق بالماضي وأيام الطيبين – في المدينة المنورة – قبل أكثر من ستين عامًَا، يتحدث دائمًا عن إجازة الصيف القادمة وجدول السفر، يحرص على أن يتأنق في جميع المناسبات، وهو منضبط في صبغ شاربه وشعره، وهو إنسان صحي في عاداته ونومه منذ أكثر من خمسين عامًا، لا يمكن لك أن تراه وهو يخبص في أكله أو في جدوله. ولا يسافر أبدًا دون أن يرتدي بدلة رسمية وكرفتة، أو أن يحضر مناسبة زواج أو لقاء رسمي دون أن يكون المشلح (البشت) في يده.. يركز على مستقبله أكثر بكثير من مدح الماضي. هو في السبعينيات من عمره، يحب أن يعيش حياته (بارك الله في عمره) أكثر ممن هم في عمره.

الشاهد.. كان تعليقه تهكمي على ذلك الشايب الممتدح لماضيه وللأيام الجميلة، وهذا ما أشعرني قليلًا بالغرابة، لأنه ببساطة عبّر عن عكس القناعة السائدة لمن هم في سنه. وأضاف فيما معناه «هذا الأخ يمتدح أيام زمان والماضي، وكيف كان الواحد يذهب إلى مشاويره فوق الحمار، وبالكاد توجد كهرباء في المدينة، جودة الحياة سيئة، والتطور شبه مفقود، والفقر هو السمة الأكبر. كنت أذاكر على الفانوس في سطح منزلنا، والحشرات تملأ المكان.. كيف بنا أن نستشعر الجمال في تلك الأيام ونحن نعيش أجمل الأيام؟ اليوم أحجز رحلتي وألُف العالم من خلال الهاتف.. المستشفيات والطب أصبحوا أفضل بكثير، والمواد الغذائية أصبحت أجود…» واستمر في استعراض الفروقات الجوهرية في نمط حياة اليوم.

اختتَم هذه الجولة التعبيرية، بمحاولة إقناعي أن الحياة اليوم أفضل بمئة مرة من الماضي.. بكل عيوبها، ولعل المستقبل يحمل حياة أفضل من اليوم.

منذ ذلك المشوار، ونظرتي تغيرت تمامًا تجاه الماضي بتفاصيله، فها هو شخص قريب مني قد أتاني من الماضي ليخبرني أن الناس تتعامل معه كمصدر للدراما أكثر منه للتعلم من الأخطاء. ولا أخفي القارئ الكريم أن الجانب المضحك فيما يتعلق أيضًا بوالدي.. أنني أراه من فترة لأخرى يضطر لمجاملة فئة الأحبة المنغمسين في ذِكر مفهوم أيام الطيبين (على غِرار الشايب الكريم في اللقاء التلفزيوني)، مكتفيًا بهز رأسه حين سماعه لمدح الذي أمامه لأيام زمان، دون أن يحاول أن يشرح لهم ما شرحه لي.

منذ ذلك المشوار، أصبحت أتحسس قليلًا من كلمة «زمان»؛ أكل زمان. جلسة زمان. فول زمان (ولو إنني أعشق هذا المطعم استثناءً). ولا أود أن يؤاخذني القارئ الكريم بهذا الأمر.

بالطبع، يجب أن نملك إحساس الحنين لبعض الذكريات، وإحساس الفقد للأحبة الذين فارقونا، إلا أنني أحاول التفريق بين التعلق والمدح غير المبرر وبين الحنين الجزئي والبسيط الذي لا يساهم بشلْ حياتنا. ولا أنكر أن هذا التحدي مهم وصعب على الفئة العمرية الأكبر سنًا، لكن ربما ما يشعرني قليلًا بالأمان في هذا الشأن وجود عينة لا بأس بها في حياتي ممن تعدوا السبعين وهم يعيشون حياة كريمة (لا أقصد من الناحية المادية) مستمتعين بيومهم يومًا بيوم.

شاهدي الآخر، كان الفيديو العظيم والقصير وهو الذي يصب في نفس المفهوم ولكن من زاوية علمية أكثر، الذي شاهدته اليوم وهو من انتاج “Marginal REVOLUTION” والذي استعرض فيه عن آلية «ازدهار البشرية» ومقارنة حالته المعقدة والبسيطة في التطور الهائل الذي حول إمكانية عيش الإنسان من متوسط ثلاثين عامًا قبل مئتي سنة، إلى ثمانين في الولايات المتحدة، وغيرها من الأمور الرائعة التي تشكلت مع هذا الازدهار، وهو أمر في الحقيقة يعزز لكل إنسان طموحه ويرى مستقبلًا أفضل من ماضيه.. ويعزز من ناحية أخرى ما حاول والدي إخباري به.

الوقت المخفف للدراسة ربما هو ما نحتاجه

في أحد الظهريات الحارة عام ٢٠١٥م، كنت قد زُرت جامعة أم القرى في مكة المكرمة لحضور اجتماع، صادف وقتها توقيت اختبارات. أوقفت السيارة في إحدى المواقف العامة التي كانت ممتلئة على عينها قبل انطلاقي مسافة سير عشر دقائق تحت لهيب الشمس إلى المبنى المقصود، وفجأة.. يخرج جيش من الطلاب على هيئة نمل، من عدة قاعات مختلفة، كلهم تقريبًا نفس الهيئة الشكلية مع اختلافات بسيطة. واعتقدت وقتها أن خروج هذا الكم المفزع من الطُلاب في وقت واحد كان بسبب أن القاعات الممتلئة بالاختبارات كانت قد انتهت في نفس اللحظات التي أوقف فيها العبد لله سيارته.

ولأنني أتيت مبكرًا، توقف للحظات متأملًاً هؤلاء الشباب.. وكل ثانية أقاطع نفسي وأقول «يا الله!.. ما كل هذا العدد؟ من يأكلهم ويشربهم؟ هل كلهم يأخذون مكافأة جامعية؟ كم هي ميزانية بقاءهم على قيد الحياة دون إشغالهم بأعمال ذات دوام جزئي كما يفضل معظم أهالي أبناء الناس؟» وعلى شاكلة هذه الأسئلة.

قمت بعمل بحث سطحي عن عدد الطلاب في هذه الجامعة وقست عليها المتبقي من الجامعات. علمت أننا نتحدث عن العشرات من الآلاف من الطلاب. منظر خروجهم كان كفيلًا بأن يجعلك تتأمل شيء تسمع عنه ولم تراه بهذا الوضوح. ورغم أنني خريج من جامعة الملك عبدالعزيز – انتساب، إلا أنني لم أفكر في هذا الأمر من قبل بصراحة.

الشاهد.. ربما أدعو  بعد هذا التأمل البسيط وبعد اطلاعي على مقالة في بلومبيرج عن نفس الشأن والتي أثار كاتبها موضوعًا مهم عنّون به مقالته: «قد يكون الدوام الجزئي للثانوية هو ما يحتاجه الطالب»، وأشدد أن الجامعة تستحق الحصول على نفس هذا التساؤل. بل أن الاقتصادي المعروف تيلر كوين كان قد أسرد مقالة مطولة يعتقد فيها أن الجامعات -بعد الجائحة – ستكون مهمتهم أصعب، عندما نستوعب أن عليهم إعطاء المزيد في مقابل حصولهم على أقل ما يمكن من التكاليف.

هذا التساؤل العبقري من وجهة نظري يحث المسؤولين إلى التفكير بأن كفاءة التدريس مع الجائحة واستيعاب الأهمية القصوى للوقت عند كل طالب أصبح لا يعادله شيء، حتى وإن كان هذا الشيء هو الجلوس في فصل دراسي أمام مدرس مادة قد يفوقه معظم طلابه ذكاءً. الاقتصادات المتقدمة – سويسرا كمثال – لا يدرس معظم أبنائها في تخصصات جامعية لا يعلمون لا هم ولا أبناءهم لما اختاروها كما تحاول عائلاتنا حتى العام ٢٠٢٠م في دفع أبنائها للقيام بذلك (بالمناسبة.. لدينا شابان في العائلة يدرسون سياحة وفندقة)، بل إن الخبرات والتخصصات النوعية هي التي تستحق التركيز.

أبحث عن شخص يحوّل النصوص العربية إلى مسودات كيندل وكتب إلكترونية منذ أكثر من عام، ولم أجد. أبحث عن مدقق لغوي ومحرر متطور يستخدم جهاز الماك، وهم شبه نادرين، وهنا قد يسأل سائل «ما بهم خريجو قسم اللغة العربية؟» وأقول إن ثلاث أرباعهم دخلوها كما دخل ولدينا السياحة والفندقة، والربع المتبقي ليس شغوفًا أو ممتلكًا لخبرة حقيقية في التدقيق والتحرير اللغوي، أو بالأحرى لم يدخل إلى هذا القسم بدافع الشغف المحض.

عمومًا تعقيبًا على كلام تيلور كوهين وتزامنًا مع اكتشاف نوع جديد من الكفاءة مع الجائحة، ربما أشجع شباب الجامعة للتفكير جديًا بالبحث عن وظائف جزئية أكثر من ذي قبل، لأنهم ببساطة قد قادتهم الجائحة لاستيعاب أن الوقت الطويل قبل وبعد الفصول الدراسية من أجل الفصول الدراسية لن يدفعهم إلي النمو مثل الخبرة العملية (حتى وإن كانت مؤقتًا براتب قليل أو دون راتب)، وأكثر من حرصهم على نيل الدرجات. وأنصح في مقابلها الأهل لدفع أبناءهم لذلك.. وفي الحقيقة، ليس لي رسالة للمسؤولين، لأنني أجد وبكل صراحة أن وزارة الموارد البشرية وصندوق تنمية الموارد يؤدون عملهم كما يجب في دفع الجميع لتحقيق أعلى مستويات للسعودة وتمكين المرأة وحفظ حقوق المقيمين. وبالنسبة للشركات، فهي تفضّل ألف مرة تعيين نصف خبرة على صاحب شهادة.

والله أعلم.

مقالة ساخرة: مرواان

خرجنا آخر الليل من المقهى الشعبي «القمة» في يومٍ ما عام ٢٠٠٥م إن لم تخني الذاكرة، كان برفقتي سليمان ومروان، وهما أصدقاء منذ فترة ليست بالقريبة. يتميز هذا الثنائي بمجموعة صفات غير منتشرة بين أصدقاء الطفولة (لا أعلم إن تغير شيء منها هذه الأيام)، كانت إحدى أهم تلك الصفات بينهما هي كثرة الانقطاعات والزعل المتكرر وسرعة الرضا والعودة لمجريات الصداقة الطبيعية في أوقات قياسية. هم أصدقاء حتى اليوم (ما لم يتصادف توقيت قراءة القارئ الكريم لهذه السطور وهم في مرحلة انقطاع لا قدر الله)، تعرّفت على مهارات جديدة برفقتهم، كمهارة الإصلاح الاجتماعي والصبر، والنقد الدرامي.

وبخصوص تلك الليلة إليك ما حصل:

انتهت الليلة، وسنعود إلى منازلنا، ركبت السيارة وركب بجانبي سليمان، شغّلت السيارة واشتغلت معها إحدى أغاني «إمينيم» الصاخبة، أخفضت الصوت، نظرت في الخلف ووجدت مروان كان قد ركب هو الآخر، وعلّق سليمان «نوصل مروان بعدين وصّلني».

 وانطلقنا.

كانت مسافة الطريق حوالي الربع ساعة من شمال الخط السريع (منطقة المقاهي الشعبية) إلى منزل مروان في حي الزهراء، وعشر دقائق أخرى إلى منزل سليمان في الروضة. ونحن نقترب من منزل مروان، وجدت رسالة جوال من خدمة كانت قد ظهرت حديثًا آنذاك «Call me» مرسلة منه. نظرت في الخلف ووجدته مُنزلًا رأسه وهو ممسكًا بالجوال. فهمت من الرسالة أنه يريد مني أن أكلمه بعد أن أوصل الأخ الذي يجلس بجانبي، فعلى الأغلب قاموا الإثنين بالتخابط في المقهى أو قبلها، وها قد حان دوري لأسمع التفاصيل وأنا في طريقي للبيت.

اقتربنا أكثر من منزل مروان.. يستقبل سليمان رسالة على جواله «Call me» من مروان. ينظر إلى مرآة الراكب فوق جبينه موجهًا نظرات إلى الخلف «اشبك يا أهبل راسل لي رسالة كلمني؟»، وفجأة..

مرواااااان!

وكانت هنا الصاعقة..

نظرنا سويًة إلى الخلف -ونحن نقف تقريبًا أمام منزله- لنكتشف أنه غير موجود في السيارة معنا أصلًا.

نظرنا أنا وسليمان إلى بعضنا البعض ونحن في حالة ذهول وصمت. أين اختفى هذا البني آدم؟ رأيناه بأم أعيننا وهو يركب السيارة!

ماذا حصل؟

اتصل عليه سليمان بهدوء.. رد مروان. وبدأت أسمع أنا صوته من شدة الصراخ، ضحك سليمان، وقال له.. «طيب طيب الآن نجي ناخدك». ثم عدنا إلى القمة لنأخذه.

ركب مروان السيارة.. انفلت قليلًا في التهزيء، ثم جاوب على تعليقي عندما أخبرته أنني رأيته وهو قد ركب، فكيف اختفى فجأة؟

ما حصل في الحقيقة كان مضحكًا فعلاً..

فتح باب السيارة.. ركب في المقعد الخلفي.. اكتشف أن هناك شيء ما ثقيل تحته، وقرر أن يختصر الطريق ويخرج ليركب من الجهة الأخرى.

ما سمعته وقتها أن الباب كان قد أُغلِق واعتقدت أنه قد ركب. وعندما نظرت إلى الخلف ووجدته مطأطئ رأسه، في الحقيقة لم أراه.. إنما كان عقلي هو الذي يُخييِل إليَ أنه موجود في الخلف ينظر إلى جواله.

المضحك في الموضوع أنه حالما أغلق باب السيارة وقبل أن يركب من الجهة الأخرى، قمت بإخراجها من الموقف مباشرة وهو واقف في الخارج يتأمل السيارة ينتظرني حتى أتوقف بعد تعديلها ليركب، إلا أنه تفاجئ أنني انطلقت دون توقف. ليستوعب أنه فجأة أصبح وحيدًا في الشارع، ركض قليلًا خلفنا مع بعض الزعيق لننتظره، لكن أعتقد أننا لم نسمع بسبب اشتغال أغنية إمينيم.

أوصلت الجميع إلى بيته، واستمر هذا الموقف ضمن أحد أهم المواقف الطريفة في ذاكرتي.

وانتهت القصة.

خفة الدم وقت الأزمات

لدي قناعة أن مجتمعاتنا الخليجية المتصحِّرة يغلب على عاطفتها ميلها للحزن من القدر أكثر من ميلهم للسخرية من الحال البائس. وقد يقول قائل إن هذا الأمر شيء طبيعي، حتى وإن كانت خفة الدم ظاهرة في النِكات -غير معروفة المصدر- فإني سأغامر برأي مفاده، أن مفعولها لحظي وأقل بكثير في قدرتها على تغيير الجو السائد.

تجد هذا الأمر واضحًا في نوعية وحجم المخرجات الفنية بيننا وبين الإنتاج المصري على سبيل المثال. راقب المسلسلات المصرية مقابل الخليجية، الأغاني المصرية ضد الأغاني الخليجية، كُتب خواطر شباب الخليج الجياشة ضد الكُتب الساخرة، وطبعًا قد أذكرك على تأمل الإعلانات بكل أشكالها وقنواتها المختلفة واختلافها الجوهري.

عن المنظور..

دائمًا ما يكون هناك خيار ضيق للشخص في تناوله لأزماته، ولعل من الأجدى له أن يحاول استكشاف الزاوية خفيفة الظل والتهكمية على الاستجابة والانجراف وراء المشاعر السلبية.

خذ مثلًا..

إن أخبرتك بأن شخصًا ما قد سُجِن وحُقق معه قبل ثلاثين سنة لأي سبب كان، وقد قرر أن يوثق تجربته في كتاب أو مقالة طويلة، كيف سيكون محتواها؟

إليك موقف حصل في عام ١٩٥٨م في مصر، حيث التم ستين سجينًا من فئات مختلفة في باحة خارجية في جو حار، يقفون على شكل طابور، كان أحدهم الكاتب المخضرم محمود السعدني الذي يقف معهم دون أن يعرف حقيقًة سبب وجوده في هذا المكان، ليحكي ما حصل في كتابه (الطريق إلى زمش):

«كان يجلس في الصف الذي أمامنا مباشرة أربعة أشخاص يرتدون الجلابيب، أحدهم كان مضروبا بشدة ودمه مجفف على وجهه ورأسه، وكان زميله في الحديد رجلا عجوزًا عرفنا فيما بعد أنه رئيس نقابة في كفر الدوار، أما الاثنان الآخران فقد كانا في سن الشباب، كان أحدهما طويلا بشكل ملحوظ وكان الآخر أقصر منه بقليل، وكان الطويل يبكي باستمرار وبصوت عال، وشعر أحمد رشدي صالح بالضيق من بكاء الرجل الطويل ونهره بحزم وطلب منه أن يكف عن البكاء قائلا له: يا بني عيب عليك تبقى طويل كده وتقعد تعيط.

ولوى الشاب عنقه نحونا وقال لرشدي صالح: واللـه يا سعادة البيه أنا ما عملت أي حاجة وردّ عليه رشدى صالح قائلا: أنت بتقوللي أنا، ابقى قول لهم لما يسألوك ودلوقتي بطل عياط وبلاش توجع دماغنا إحنا مش ناقصين، وكف الشاب عن البكاء ومسح دموعه بطرف جلبابه، ثم التفت إلى رشدي صالح وقال له: إحنا هانخرج إمتى يا سعادة البيه؟ ورد عليه رشدي صالح بغضب: ماحنا بره أهه، انتظر لما نخش جوه وبعدين اسألهم هانخرج إمتى.»

ماذا إن قلت لك إن كل هذه التجربة المأساوية كلها كانت قد وثقت بسخرية، كادت تيقظ البيت!

كان الدرس غير المباشر من قراءتي لمثل هذه النصوص الساخرة مؤخرًا، هو المحاولة المستمرة لعدم التجاوب مع الأزمات والانجراف وتأمل التعبير عنها بسخرية، فدائمًا ما يكون هناك متّسع لخفة الدم. وهنا تظهر غلبة العقل على القلب، أو كما يقول جان رساين «الحياة كوميديا لمن يفكرون، ومأساوية لأولئك الذين يشعرون».

كان الله في عون الجميع.

عن الوِحدة

المنزل (نقصد في معناه باللغة الإنجليزية Home ولا نقصد البيت House): هو المكان الذي نشعر فيه بالانتماء.

الوِحدة هي عكس الإحساس بالانتماء.

قد يكون العمل الذي نحبه منزلًا، الرفقة التي نحبها منزلًا، المدينة التي نعشقها، الفريق المفضل، الحبيب، أو الصديق.

المنزل هو المكان الذي نكون فيه على سجيتنا، أو على طبيعتنا بشكل كبير. والأهم إحساسنا شبه المطلق بالراحة معه.

المنزل: وربما يكون أقرب تأويل له هو السكن؛ من السُكنة.

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا …» (الروم ٢١).

الوِحدة: هي الإحساس بعدم الانتماء. بغض النظر عن المكان الفيزيائي أو الأشخاص المحيطين بنا.

قد تكون الوٍحدة متعلقة بأمر محدد نعيشه، وليست حالة كاملة في كل جوانب الحياة، كأن يقول أحدهم «أشعر أنني وحيد في العمل» أو «رغم وجود الأهل والأصدقاء إلا أنني أشعر بالوِحدة».

«في كل مجتمع أقابله، ألتقي بأُناس يشعرون بالوِحدة على الرغم من وجود سقف فوق رؤوسهم. ربما ما يحتاجه الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة والأشخاص الذين يعانون من التشرد هو منزل مع بشر آخرين يحبونهم ويحتاجون إليها، ومعرفة أنهم يحتاجون إليها في المجتمعات التي تهتم بهم. هذه ليست أجندة سياسة. هذا اتهام للحياة الحديثة.» كما يصف ميرثي.

في الثمانينيات، تم تغيير مُسمى «فقراء» على الأشخاص الموجودين في الشارع إلى «مُشرّدين»، كما وصفت الباحثة والكاتبة جيل ليپور، وقد علّقت على الدكتور ڤيڤيك ميرثي (صاحب الاقتباس السابق) بأنه كان دائمًا ما يخلط في وصفه بين «الوحيد» وبين «المشرّد» في حين أننا نتوقع بأن هذا الخلط ليس سقطة بقدر ما هو إسقاط على تشابه المشاعر بين الحالتين. فالوحيد لا يشعر بانتماء رغم وجود الأشخاص، بينما المشرد لا يملك ما يشعره بالانتماء.

«الوحدة مصطلح رائج، ومثل جميع المصطلحات الرائجة، فهي غطاء لجميع أنواع الأشياء التي يفضل معظم الناس عدم تسميتها وليس لديهم فكرة عن كيفية إصلاحها. يحب الكثير من الناس أن يكونوا بمفردهم. أنا نفسي أحب أن أكون وحدي. لكن العزلة والخصوصية هي الأشياء التي أحبها، وهي تختلف عن الوحدة، وهي الأمر الذي أكرهه. الوحدة هي حالة من الأزمة العميقة…» تكمل ليپور في وصفها.

أكثر ما استوقفني في قراءتي لمفهومي العُزلة والوِحدة كان جدال الباحث «كاكيوپو» على لسان ليبور:

«جسمك يفسِّر حالته عندما يكون وحيدًا أو عندما يكون بمفرده، أو عندما يكون مع الغرباء، على أنه حالة طارئة … نتنفس وتدق قلوبنا بسرعة، يرتفع ضغط الدم، لا ننام. نتصرف بالخوف والدفاع بشكل ذاتي، وكل ذلك يبعد الأشخاص الذين قد يرغبون بالفعل في المساعدة، ويميلون إلى منع الأشخاص المنعزلين من فعل ما سيفيدهم أكثر: وهو التواصل مع الآخرين.»

تقول الخلاصة: عندما يشعر الإنسان بالوِحدة، فإنه يميل إلى الانعزال أكثر من ميله إلى التواصل مع الآخرين، وهو عكس ما يحتاجه. يصاحب الإحساس بالوحدة الاكتئاب، والأفكار المجنونة، والأحاسيس السلبية.. ومنها فقد الاسترشاد تجاه اتخاذ قرارات حكيمة. ويصبح الإنسان خائفًا، وبالتالي يزداد حس التخبط عنده.

الانعزال، دائمًا ما يكون شيئًا اختياري، وهو على الأغلب أمرٌ صحي بين الحين والآخر.

كان الله في عون الجميع.


المرجع:

 Lepore, J., 2020. The History Of Loneliness. [online] The New Yorker. Available at: <https://www.newyorker.com/magazine/2020/04/06/the-history-of-loneliness> [Accessed 15 April 2020].

لماذا تعتبر متابعة المؤثرين مضيعة للوقت؟

هناك مقامين لأي فنان هذا العالم، المقام المهني: والذي يخرج به أمام الآخرين من خلال انتاجاته (ظهوره في فيلم، أغنية، مسرحية، مسلسل. ومن خلال أعماله: كتاباته، لوحاته، منحوتاته موسيقاه، إلخ.)

وهناك المقام الشخصي (أو الفنان بصفته الشخصية دون مؤثرات): كظهوره على قنوات التواصل الاجتماعي وتصويره ليومياته، لقاءاته مع جمهوره على أرض الواقع، انتشار صوره من خلال الصحفيين المتلصصين «الپاباراتزي»، إلخ.

يجلس المخرج وودي آلن، ٨٤ عام، على آلته الكاتبة في تمام الساعة الثامنة صباحًا ليكتب جزءً من نص فيلمه القادم حتى الثانية عشر ظهرًا. ويعلق على ذلك «٨٠٪ من الإنجاز يكمن في الظهور للقيام بالعمل». يكمل بعدها شؤون حياته. يستيقظ في اليوم التالي ليكمل ما كتبه في اليوم الأول، يكرر الفعلة في اليوم الذي بعده، واليوم الذي يليه.. ثم الذي يليه، ثم الذي يليه.

تستغرق منه كتابة نص الفيلم من ثلاثة إلى ستة أشهر، ينتهي من النص، يبدأ في اليوم التالي مباشرًة بالعمل على نص الفيلم التالي. وفي تلك الأثناء يقوم بالشروع باتصالاته لإخراج الفيلم الذي أتمم كتابته. على الأغلب سيكلم أحد المنتجين ويحاول إقناعه بقصة أو فكرة الفيلم ليموله، ثم سيتصل بالممثلة سكارليت جوهانسون، برادلي كوپر، بينيلوبي كروز، جينيفر لورنس، أوين ويلسون وغيرهم. سيشرح لكل ممثل منهم (إن كان متاحًا ومقتنعًا بالدور) مهامه وصفات شخصيته التي سيمثلها. وقد أتخيل أنه سيتواصل مع الفنيين كونه المخرج.. فنيي الإضاءة، فنيي الكاميرات، مهندسي الصوت، المنتج المنفذ، ملحنين أو ثلاثة، أخصائية ملابس.. مسؤولة الحجوزات، مساعدة مخرج أو اثنينتين، شبكتين إعلامية أو ثلاثة.. والقائمة لا تنتهي.

المخرج المخضرم مستمر على هذا الروتين منذ خمسين عامًَا. لديه طاولة صغيرة وآلة كاتبة اشتراها في الستينات، لا زال يكتب عليها حتى اليوم.. كانت الأداة لكل إنتاجاته، نصوص كوميديا، سيناريوهات، كُتب، وغيرها.

وودي آلن ليس كاتب سيناريو ومخرج (وأحيانًا ممثل) فحسب، إنما عازف جاز من الطراز الأول، وستاند أب كوميدي، ورجل كسول. حصل على واحد وستين ترشّح لجوائز عالمية لأفلامه، منها ثلاث وعشرون ترشح «أكاديمي أوورد» فاز بأربعة منها. كان بالقوة يحضر لمناسبات التتويج، لأن ظهوره فيها واستلامه للجائزة -كما يعتقد- ليس بتلك الأهمية أو الضرورة.

أتحدث هنا عن شخص صرف جهود كبيرة على كتابة وإخراج عشرات الأفلام السينمائية طوال خمسين سنة ماضية. يراجع مع فريق عمله مرة واثنان وثلاثة وعشر مرات فيلمه قبل أن يخرج للجمهور.

يركز كل جهوده على إنتاج العمل، ويهمل الأضواء ووقت استلام الجوائز.. يفعل بالضبط عكس ما نفعله تمامًا.

هذا مثال واحد. قد يساعدك على تخيُل كيف يخرج مغنيك المفضل بأغانيه للجمهور. قائمة طويلة من الالتزامات وفرق العمل، التي تصرف ساعات وساعات من وقتها لكي تحاول أن تبهرك أو تسليك أو تغير حياتك.

لا يستطيع الكاتب الذي يحترم نفسه وقارئه مثلًا بأن يخرج بكتاب متكامل في أيام قليلة. فالأمر يحتاج إلى صبر وانضباط لكي ينجز النص كخطوة أولى، وبعد النص تأتي عدة مراحل أخرى، كالتفاوض مع دور النشر وإقناعهم، وإيجاد أفضل مدقق لغوي ومصمم لغلاف الكتاب، وطبعًا عشرات المراجعات للتأكد من خلو النص من الأخطاء (ولا يخلو).

إن تابعت أحد أبطالك أو أحد فنانيك المفضلين على التواصل الاجتماعي (في مقامهم الشخصي)، فقد تتفاجئ بأنهم مجرد بشر عاديين يشاركون يومياتهم التي لن تضيف لأحد أي قيمة، بل قد تجدهم تافهين إلى حدٍ ما! ولا يجب عليك استنكار هذا الأمر، فهم أصبحوا فنانين بسبب المشقة التي صرفوها في أعمالهم وليس بسبب تواجدهم على انستجرام وتويتر وفيسبوك. أو كما يقول التسويقي المعروف سيث جودين متهكمًا «إن أشهر لوحة على الإنترنت هي للموناليزا.. الموناليزا ليس لديها حساب في انستجرام». وجود الفنانين الناجحين على قنوات التواصل بمثابة الـ «وسيلة» «لغاية». وجودهم قد يكون للتنفيس أو للتسلية المحضة، أو للهروب من جدية الأعمال التي صرفوا أوقاتًا كبيرة عليها.. وقد تكون حساباتهم موجودة هكذا فقط دون سبب يهمك.

إن قررت اليوم أن تحذف حساب كريستسانو رونالدو (الأكثر متابعة في العالم) من الانستجرام بمتابعيه المئتين وإحدى عشر مليون، سوف لن ينقص من إنجازاته شيء، ولن ينقص هدف واحد سجّله في تاريخ، وبالطبع ستبقى الكرات الذهبية وكأس أوروبا محفورًا عليها اسمه. وعلى الأغلب، لا يود المعجبين متابعة وجباته وسفرياته وحبيبته وهي مرتمية في حضنه، بقدر حرصهم على متابعة مبارياته وأهدافه التي تخطف الألباب. بل أنك قد لا تلاحظ أنه اختفى من التواصل الاجتماعي!

مثل هذه الحسابات الضخمة تصبح إلى حدٍ كبير ملك المسوقين، وليس المؤثر نفسه.

شاهدي أن قيمة الكاتب الحقيقية في كتابه. والمخرج في فيلمه. والطّباخ في أكلته. والمغني في أغنيته. والمعلّم في إخلاصه لطلابه. واللاعب داخل الملعب. قيمتهم الحقيقية في المجهود الذي يصرفونه خلف الكواليس وقبل الظهور، فإن كان الجهد في الظهور أكثر من قيمة المجهود قبله، فستكون النتيجة بائسة، محزنة وسطحية ومؤقتة.

ما يحاول المؤثرين فعله في مجتمعاتنا هي تحويل يومياتهم إلى فنون.

اليوميات لا تمر على فلاتر ومدققين وجهود مكثفة، ليس هناك أحد يطّلع على السخافات والأخطاء سوى المؤثر وحده. وسرعة الانتشار تنقلب أحيانًا مثل النار على الهشيم.. تأكل كل شيء تم بناءه.

اليوميات -حتى وإن أكسبت صاحبها الكثير من المتابعين- هي لن تعطي صاحبها ذلك الزخم الذي يستطيع من خلاله أن يغير حياة الآخرين، فإن اختفى المؤثر أو المشهور.. قد لا يتذكره أحد. تعطيه ذلك الوهم بأهميته، وهو مسكين. أما الفنون والأعمال الحقيقية فهي تبقى، وقيمتها تستمر بقدر ما صُرِف عليها من مجهود.

لا قيمة لستيفن كينج وعمرو دياب في نطنطاتهم المستمرة على التواصل الاجتماعي. قيمة الأول هناك، داخل غرفته وهو يكتب ويرسم لنا خيالاتنا.. وقيمة الثاني في الذكريات عندما يغنيها.. هناك داخل الاستوديو.

كان الله في عون الجميع.

الإحباط خيار.. والحماس مبادرة

المكالمة الجماعية مع الأهل والأصدقاء تحتاج إلى مبادرة. إن انتظرتهم، ستجدهم منكبين على أنفسهم.

وهناك اقتراح: الخطوة الأولى هي أن تنشئ مجموعة على برنامجك المفضل والمُتاح لدى المقرّبين. الخطوة الثانية، أن تُكلمهم وتقحمهم في هذه المكالمة. الخطوة الثالثة أن تستحضر الاستمتاع بها. الخطوة الرابعة كرر هذه المحاولة كل يوم أو يومين.

ستكتشف فجأة أن البشر فعلًا لم يُخلقوا لينعزلوا؛ لكنهُم خلقوا مع قابلية عالية للاستجابة لكل ظرف. والظروف الحالية سلبية، والاستجابة لها خيار، وللأسف هو الخيار الأسهل.

كرر الخطوات مع الرياضة، والأكل، والأمور المؤجلة.. وتجربة الأمور التي لم تجربها. وإن مشى الحال، قم بالخطوة الرابعة.

الحماس مبادرة. يصبح بعدها الاستمرار خيار.

كان الله في عون الجميع.

بليغ

عام ٢٠٠٧م خرجت أنغام بألبوم كان من ضمن أغانيه أغنية استثنائية في لحنها ومختلفة تمامًا عمّا غنته أنغام في مسيرتها. أدمنتها لفترة، ولا زلت معجبًا بها حتى اليوم، اسمها «أشكي لمين وأحكي لمين».

قبل يومين وبعد ثلاثة عشر سنة من صدور تلك الأغنية، قرأت لدى الكاتب اللطيف عمر طاهر، في إحدى هوامش كتاب «من علم عبد الناصر شرب السجائر؟» تحت العنوان الفرعي «من هو مثلك الأعلى ككاتب؟» الفقرة التالية والتي كانت بمثابة الصدمة الظريفة:

«أشكي لمين التي غناها منير، معجزة…» دقيقة! من هو منير؟

ويستكمل الكاتب: «بليغ صاحب الكلمات واللحن صنع بالمرح والبهجة فستانًا لجسد حزين يقول: «أشكي لمين وأحكي لمين دنيا بتلعب بينا؟»، التناقض الذي ينير التجربة، واقعية «بُكرة الزمان يسرق شبابنا»، مع استبسال «بالحب ننسى كل اللي فاتنا»، وسحر التسليم «إيه راح ناخد منها إيه». أغنية تقول كيف يمكن للواحد أن يصادق أحزانه ويقف يتأمل معها فتارين السكينة! هذه خلطة لا تنتمي إلى الموسيقى بقدر انتمائها إلى الواقعية السحرية.»

توقفت للحظات وسألت نفسي؛ ما هذا الجُنان؟ أنا أعرف كلمات هذه الأغنية القديمة لأنغام تمامًا، ولكن من هو منير؟ .. وما دخل بليغ حمدي بها؟

اتضح بعد بضعة دقائق من البحث، أن الأغنية في الأساس كانت للفنان القدير محمد منير وقد خرجت عام ١٩٨١م، وهي من ألحان العبقري بليغ حمدي وكلمات عبد الرحيم منصور.

برَرَت هذه المعلومة أمرين مهمين بالنسبة لي الأول: وهو أن جمال الأغنية وإعجابي بها وقتها لم يكن سببه الآخرين والعقل الجمعي وشعبية بليغ حمدي المعروفة، فقد سمعتها للمرة الأولى عندما كنت لوحدي في السيارة وقلت لنفسي: فعلًا هذه الأغنية رائعة واستثنائية بالنسبة لأنغام! واتضح لي قبل يومين أنها كانت لبليغ حمدي ومحمد منير منذ أربعين سنة.

الأمر الثاني أنني استذكرت أن هذه الحالة تكررت عليَ كثيرًا، فقد توقفت عند عدة أغاني وأفلام وتعجّبت من جمالهم كثيرًا ليتبين لي أنها نتاج فنانين عظماء لم أكن أعرف أنها لهم منذ البداية.

ولا زلت عند القناعة التي تقول إن الفنون عندما تُصنع يجب أن يُستثمر في الجهد خلفها أكثر من الاستثمار في تسويقها (عكس ما نفعله نحن الفنانين الشباب هذه الأيام) لأن العمل سيبقى، ونطنطاتنا في كل مكان لنخبر الآخرين أننا عملنا ستختفي. وهنا الفرق ربما بين العمل السطحي والعمل العميق الذي حاولت الإشارة إليه بتفصيل ممل في كتاب وهم الإنجاز.

نفس قصة هذه الأغنية تكررت عليَ عندما سمعت لأول مرة في حياتي أغنية «يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني وتشغلني..» واكتشفت بعد أن ذُهِلت من صوت مغنيها وأداءها وكلماتها أنها لعبد الوهاب.. وقد غنّاها عام ١٩٣٨م (قبل ٨٢ سنة) تصوّر!

كان الله في عون الجميع.

١٩٨٠ بين جيلين كتاب جديد لهتون قاضي

من التحديات الراهنة في هذه الفترة، القدرة على كتابة محتوى عميق وترفيهي، يساهم بتغيير حياة شخصٍ ما في مكانً ما.. ونفسيته أيضًا. فنيتفليكس موجود على الرف ينتظر. ومجموعة التواصل الاجتماعي خلفه.

ميزة الكُتب في ظل هذا التخمة الترفيهية، أنها لا تخرج إلا بعد تمحيص كاتبها ومرورها على مدقق لغوي أو مُحرّر، إضافةً إلى حملها لحِزمة لا متناهية من الأفكار والمشاعر (إن صدق كُتّابها)، فهي إثراء لا يكلف صاحبه سوى الوقت. ومن ينتهي من قراءة كتاب فهو من زاوية العمق العقلي أفضل طبعًا ممن شاهد مسلسلًا كاملاً.

مسؤولية الكاتب كبيرة، ومهمة القارئ أصعب.

هنا تقديمي الذي تشرفت به لكتاب الغالية هتون قاضي (١٩٨٠ بين جيلين)، والذي استمتعت جدًا بقراءته. وآمل بصدق أن لا تحرموا أنفسكم من متعته.

تقديم:

هناك هدفين -لا ثالث لهما- يدفع أي شخص ليمسك كتابًا بين يديه؛ إما البحث عن معرفة أو للبحث عن الترفيه. يتحقق كلا الهدفين إن اطّلعنا على قصة أُغرِقت بالصدق في البوح والصراحة التي تقود إلى الجرأة التي تعبّر أحيانًا نيابة عنّا نحن القراء. تصبح تجربة القراءة في قمة إثرائها عندما لا يخشى الكاتب من ماضيه، وبالطبع إن كان هو من الأساس وقبلها متسلّحًا بعلم ومعرفة ووعي كبير.

المعلومات عندما تكون مجرّدة فهي معلومة.. عقلانية.. لا هدف لها لإسعادك. والقصص الخيالية كالروايات قد لا يهمها جدًا أن تعطيك معلومة بقدر إعطائك فرصة للتخيل والترفيه المجرد.

إذًا.. ماذا أود أن أقول؟

إن سألت أيًا من أبناء المجتمع الحجازي عن المكيين، فإن أول ما يتبادر للذهن هو قوة الشخصية والحضور والاعتزاز بالنفس وأحيانًا.. الصوت العالي. وفي هذا الكتاب بين يديك، قررت هتون أن تقود صفات السيدة المكية المعروفة إلى منحنًا آخر تمامًا.. خفة ظِل ومتعة متناهية وحكايات تستحق أن تصرف ليالٍ عليها. والمضحك في تجربتي معها أنني استطعت أن ألتزم بالذهاب إلى النادي طوال أيام، ليس حبًا فيه أو حرصًا على صحتي، بقدر تذكّري أن الساعة القادمة فيه ستكون بصحبة مسودة الكتاب الذي تشرفت بالاطلاع عليه قبلكم -من حسن الحظ- على جهاز «الآيباد» والدراجة، وها هو الآن خرج ليكون بين يديكم لتهيموا به.

في المجتمعات الغربية، يأخذ الناس كلام السياسيين على محمل الهزل، ويأخذون كلام الكوميديين على محمل الجد كما يعتقد الكاتب «جارسون أو تول». ولا أجد هنا في هذا الكتاب سوى حياة حقيقية جدية وسط قالب سيجعلك تبتسم طيلة الوقت كما كان متوقعًا من صاحبته المبدعة واللطيفة هتون قاضي.

وجدت هذا الكتاب إحدى التُحف الفنية التي ستخرج إلينا في هذا العام، ولا أُخفي أنني لا أحب أن أحرج نفسي أمام زملائي وزميلاتي الكُتّاب بالرفض عندما يتفضلون بلطفهم لأكتب تعليقًا أو تقديمًا لهم في مشاريعهم الكتابية. إلا أن هذا الكتاب حالة مختلفة.. فأنا من ركضت خلفه لأضع اسمي بالقرب من العزيزة هتون وجمال كتابتها.

فمجاورة السعيد سعادة.. وشهادتي بعد هذه الكلمات وإن كانت مجروحة.. فإنني أتمنى من قلبي أن تستمتع بقراءته، كما استمتعت به.

أحمد حسن مشرف

كاتب ومدون، مؤلف كتاب ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون

فبراير ٢٠٢٠م – جدة

آخر ما يبحث عنه الآباء هذه الأيام

.. هو طفل جديد.

حماس التدريس اليومي، يذكرك بأن الحياة جميلة بعيدًا عن الالتصاق الزائد.

والمفارقة المضحكة كانت في هذا التقرير الذي يشرح بتفصيل لا بأس به بأن «الواقيات الجنسية شبه ستختفي من سطح الكرة الأرضية إن استمر الوضع على ما هو عليه.»

مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ.

إلا أن إحدى قراءاتي الجديدة للعزلة؛ هي أن المتضادات قد تلتقي في مثل هذه الظروف.

خذ مثلًا: هل تعلم ما هو أحد أهم أحلام الكاتب غير المعلنة؟

أن يعمل من منزله طيلة الوقت.

وها هم كل كُتاب الكرة الأرضية في المنزل.. هل تتوقع منهم أن ينشغلوا بكتابة نص عليه القيمة بإنتاجية أكبر؟ الإجابة في الحقيقة لا.. أو ربما، لكن التحدي هو في وجود رفقاء كثيرين مع فكرة العمل من المنزل.

أصارع الوقت وأجري مثل المجانين لأنتهي من مقالة اليوم أو الكلمات المحددة في أحد المشاريع الكتابية، قبل دخول إحدى بناتي علي في الغرفة. المقاطعة أكبر تحدي يواجه أي فنان في يومه.

هل تعلم ماهي أحد أسباب السمنة في هذا العالم؟

نعم، أصبت، أكل السوق.. وهو أيضًا أحد أسباب الصرف غير المبررة.

هل تتوقع أن الأوزان ستبقى على ما هي عليه بعيدًا عن أكل السوق؟ .. الله كريم.

الآن أكل السوق قد يكون هو الحل للابتعاد عن السمنة! هل تعتقد ذلك؟

في الحقيقة نسبة الحرية مع هذا العزل أكبر بكثير مما يتخيله الإنسان، وهي السبب خلف التكاسل والطاقة السلبية. فمع الانشغال والمواعيد والأصدقاء، دائمًا هناك خطوة قادمة مترقبة لك خلال يومك. أما الآن، فاليوم مشابه تمامًا للغد.. وإن تأخرت في أي شيء، سوف لن يعاتبك أحد.

الجدول فارغ.. والخطط كلها ملغية.. والكل في حالة ترقّب. وأنت تعلم تمامًا أنه من المفترض لك أن تنشغل في الأمور المؤجلة منذ وقت طويل، ولكنك لا تفعل ذلك.

أنت حر.. حر طليق بشكل من الأشكال، وهذا ما يسبب بؤسك يا عزيزي.

كان الله في عون الجميع.

عن المرأة التي تتعامل مع رجل مشتت: مقال ساخر

«داخل حمَّامات مطار أمستردام، وضعوا مُلصقًا صغيرًا أشبه بذبابة في منتصف كل مبولة، وبعدها تغيَّرت الأحوال كثيرًا إلى الأفضل، فقد بدأ الرجال يستهدفون هذه الذبابة أثناء التبول، مما حسَّن دقة التصويب وقلل تناثر البول، وخفض تكاليف نظافة الحمامات إلى الربع.»

كان هذا الاقتباس في مطلع «الباب الرابع» من كتاب «من علّم عبد الناصر شرب السجائر؟» للكاتب المصري الساخر اللطيف، عمر طاهر.

ويكمل: «تستحق التقدير المرأة التي تمتلك مهارة التعامل مع هذا الكائن المشتت، [المرأة] القادرة على إدارة العلاقة مع كائن يرتبك وهو يمارس فعلًا غريزيًّا، يضعون له علامات لإنقاذ العالم حوله من الطرطشة، فما بالك به وهو يُعبر عن أي مشاعر أخرى أكثر تعقيدًا؟»

يعرّف الكاتب ضمن تعريفاته كلمة «خِرِع» وهي كلمة مصرية متداولة عند بعض أهل الحجاز بوصفه: «هو الشخص المندهش المنبهر بالأحداث لدرجة أنه لا يحسن التصرف معها»، وهي صفة -إن استرجعتها المرأة في حياتها مع أي رجل- ستجدها متكررة في حالات كثيرة. وقد قالها الكاتب معلّقًا على ذكاء بعض النساء الذي يصل بها إلى قدرة عالية في ابتكار أوصاف أو ألقاب تجاه كائنهم المشتت كل فترة، إحداها هذه الكلمة، متفادية كلمات «تسم البدن».

شخصيًا، أجد أن من الذكاء والحكمة أحيانًا إيصال القدر الكافي من التهزيء في المواقف الحياتية مع كل شخص ارتأينا استحقاقه لذلك، وطبيعتنا البشرية المتطورة هذه الأيام تحصر موضوع التهزيء في خانة إلقاء الكلمات فقط (أفضلها طبعًا الحوار البنّاء) لنصل بها إلى الحد الذي «يصحصح» الطرف الآخر ولا يجرح كرامته، فبالتأكيد لا يجب أن نضرب أو نشتم.. هذا إن كان هناك أصلًا داعٍ للتهزيء.

ذكاء المرأة مع رجلها المشتت كما يصف طاهر لا يخرج عما قاله «جون كلير» بأن «طموح كل رجل أن يصل إلى قبره دون لحظة إحراج واحدة». وهذا الكلام واقعي إلى حدٍ كبير. فلا تزال «الأنا» والبرستيج الرجولي غير المعلن هو المحرك لـ ٩٨٪ من تصرفات الرجال في هذا العالم، وإن أحسنت الآنسات التعامل مع هذه الحقيقة، فهي قد أحسنت التعامل مع كل شيء تقريبًا في هذا العالم.

بلغة أخرى، إن أحسنت المرأة التهزيء (وقت الحاجة) متجنبة: الفجور، والتجريح، وقلة الأدب، وعدم مساس الأنا، في نفس الوقت الذي يجعل رجلها المشتت «مصحصحًا»، غير مستحقً للتهزيء مستقبلًا، فهي في طور النوابغ.

كان الله في عون الجميع.

بخير؟ وقائمة القراءة

أعتقد أن الوقت قد حان هذه الأيام لهوايات جديدة من نوع محدد: الاستمتاع بالتفاهات، والاعترافات وتأمل حال الناس وهم يتجاوبون معنا في ظل هذا الانغلاق.

تجربة قراءة نوع جديد من الكُتب، وبالمناسبة هذه قائمة قراءاتي الحالية:

كتاب رائع، وصلت إلى ثلثه، ينقل المعلومات الثقيلة وتخلف الأمريكيين في الغذاء إلى قالب جميل وخفيف الدم (حتى اللحظة). عيبه بالنسبة للكثيرين حجمه الضخم.

أخبرت الجميع بأن رغبتي الجامحة للانتقال إلى الأدب الساخر مازالت في الأفق، ومثل هذه القراءات ستسهل المهمة. عمر طاهر. كاتب ساخر خطير.. هذا الكتاب الثالث الذي أقرأه له، وهو سياسي اجتماعي فكاهي، أعتبره آخر من انضم لقائمة أفضل خمس كتاب عربيين بالنسبة لي.

يا لهذا الكاتب العظيم، تأملات في النفس البشرية تجعلك تمسك بقلمك لتؤشر في الكتاب طيلة الوقت، كتاب وكاتب خطيرين، التحدي الأكبر أن هذا الكتاب ثقيل في عدد الصفحات والمحتوى أيضًا، لا يمكن إنجاز قراءته بسرعة وسهولة.

  • اقتصاد من لا اقتصاد له للدكتور حمزة السالم (لسبب ما أصبح غير مُتاح على كيندل)

أحد رواد الاقتصاد البارزين مؤخرًا، يتميز بحسّين متناقضين، خفة ظل وعصبية، وهي واضحة في كتاباته، وصلت إلى منتصف الكتاب، يعلمك باختصار كيف تفهم عالم الاقتصاد وقوانينه الرئيسية، مفيد جدًا.

وسنكون بخير إن اقتنعنا بأن التغيير سنة الكون، مع الإبقاء على قناعة أن التسارع هو ما يجب أن نقنع أنفسنا معه أننا بخير.

كان الله في عون الجميع.

الحجر وأهم ثاني شيء في حياتك: مشاكل شخصية حالية – مقال ساخر

سأبدأ مع مشكلتي الثالثة وسأترك المقدمة للنهاية..

مشكلتي الثالثة، أنني فعلًا أشغل نفسي هذه الأيام بالأمور التي أحبها جدًا، وهذا مُضر بالصحة. فأنا وإن كُنت أحب الكتابة مثلاً، اكتشفت إنني أحب الأكل أكثر.

وأؤمن منذ مدة طويلة أن الإنسان يجب أن يصرف معظم وقته وجهده في أكثر ثاني شيء يحبه في حياته، فالمرتبة الأولى محجوزة دائمًا للأهل والأبناء والشهوات واللعب والكسل والنوم والأصدقاء والمال وفيفا، وأشياء كثيرة أخرى، ومن الموضوعية أن أتركها خاوية لأتحدث عن أكثر ثاني شيء نحبه!

الشاهد، أنني في الحقيقة من فئة الأشخاص الذين حاولوا مقاومة الموجة بشكل مختلف قليلًا، فمنذ مدة طويلة اتخذت قرارًا استراتيجي مع حِرفة الكتابة، وهو عدم التطرق أو الاقتراب من المواضيع الدارجة، خصوصًا الاجتماعي منها، ويؤسفني أن الدارج مع كتابة هذه السطور هو ذلك الفايروس الذي لا أريد أن أذكر اسمه. ويؤسفني إعلان انهزامي.. هكذا ببساطة.. لأختصر الطريق. بلغة أخرى حاولت أن أُطبِّق مفهومًا شهير في عالم الفنون وهو: أن تحاول دومًا خلق فن يدوم على الأقل عشر سنوات مستقبلًا، بالبلدي.. يجب أن أستهدف من خلال هذا المقال قارئ ٢٠٣٠م، وهو مع الأسف سوف لن يهتم كثيرًا بما حصل قبل عشر سنوات.. هل تذكر إيبولا؟ وهل يهمك معرفة أخبار إنفلونزا الطيور الآن؟

إلا أنني أواجه بعض المشاكل الغريبة تمامًا عليَ تزامنًا مع غرابة حال العالم وعزلته.. وهي أن هناك دافع غير محسوس داخلي يود أن يكتب ويتناول المواضيع الساخرة فقط. فأنا -وربي العالِم- أميل وأتمنى أن أميل أكثر إلى التعابير /الأدب الساخر والمتهكم في كل ما أكتب، فأجد أن الحقيقة والعلم والثقافة والإقناع كلهم يختبؤون داخل هذا النوع من الفنون، خصوصًا إن تسلّح بتثقيف ذاتِ عالٍ. بل أنني أجد أن التعبير الغربي الشهير بقوله «الناس يأخذون كلام السياسيين على سبيل المهزلة، ويأخذون كلام الكوميديين بجدية» صحيح إلى حد كبير.

مشكلتي الثانية، أنني فعلا لا أريد أن أتحدث عن شيء متعلق بالفايروس، إلا أن العقل لا يريد أن يخرج من حجره هو الآخر. وجدت في تأملي مؤخرًا أن وجودك في بيئة أيًا كانت، مؤثر إلى حد أبعد مما تتصور بكثير، فإن كنت وسط عالم لا يتحدث سوى عن ذلك الفايروس، فستكون مهمتك صعبة جدًا بمحاولة عدم التحدث عنه، وإن قال لك أحدهم أنه «مطلوب صديق لا يتحدث عن الفايروس» فانصحه بأن لا يكون دراميًا. هذا أحد أهم الدروس التي خرجت بها عن قناعة وتجربة حقيقيين، بأن تُحيط نفسك -بعد الحجر- بأناس لا يتحدثون عن شيء لا تود سماعه أو سخافات لا تود أن تقترب منها.. أو ما شابه ذلك على وجه العموم.

مشكلتي الرابعة، أنني فعلاً فقدت الإحساس بالوقت، فأنا أركض كل يوم في محاولة سرقة الساعات الفارغة لصالح أهم ثاني وثالث شيء أحبهم، وأصبحت أوبخ كل من في البيت في محاولة الانغلاق لأنجز ما يمكن إنجازه دون إزعاج. أصبحت حياتي كلها تدور حول «كم كلمة أنجزت؟» و«ماهي الوجبة التالية؟»، ومن حسن الحظ أن جنوب فلوريدا لم يقرروا بعد كيف سيكون شكل «حظر التجول» فالناس هنا شبه محجورين مقارنة بأحبابي في المملكة. وهذا ما جعلني أستطيع أن أسرق من ساعة إلى ساعة ونصف يوميًا في ممارسة رياضة الجري.

الاستيقاظ مبكرًا، وتقديم الوجبة على عدد الكلمات أولاً، ثم استيقاظ البنات وإعطائهم وجباتهم مع حس إبداعي عالِ، ثم إيهام نفسك وأنت أمام جدار الغرفة وشاشة الكمبيوتر والطاولة التي ستساهم بحصولك على آلام فقرات بعد سنوات قليلة، وإضاءة إيكيا التي ترتطم برأسك كل يوم تقريبًا دون أن تفكر بتغيير مكانها، أنك الإنسان الأكثر إنتاجية في هذا العالم، ثم تظل تتمسك بوهمٍ مصاحب بإقناع نفسك أن ما تقوم به هو أعظم شيء في التاريخ وأجمل خبر في الدنيا، أو كما أشار الأديب الأمريكي العالمي «جون شتاينباك» الذي قاده نفس هذا الوهم بالحصول على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٦٢م، وإبداع رواية «عناقيد الغضب» ومشاريعه الكتابية الأخرى.

ثم تكتب عدد كلمات لا تعلم إن كانت الناس من شدة فراغها ستقرأها في مدونتك أم لا، ثم تسترق بعض النظرات إلى نِكات الجوال وأصوات الجيران وسلوك المراهقين الغريب وأنت تشاهدهم من نافذة الكِبر! وبالطبع.. تفتح الباب كل ربع ساعة منتظرًا شيء نسيت فعليًا إن قمت بطلبه أون لاين أم أنك أبقيت عليه في قائمة «الأمنيات – Wish List». هذه التصرفات لا يمكن لإنسان عاقل مشغول أن يتأملها بهذا الوضوح. إلا أن حالة الإبداع لا تلتصق بصاحبها إلا بمعايشة نوع من أنواع الضغط، وها أنا أعترف أنني من شدة انشغالي أصبحت في طور إبداع غير الذي رسمته لنفسي. بل إن طموحات هذا الإبداع طالت بأن أشارك ما أكتبه هذه الأيام في مسابقة وزارة الثقافة الكريمة!

تأملت أيضًا رغبتي بأن أخدم هذا العالم بأفضل ما يمكن (وربما تكون هذه مشكلتي الخامسة)، فقررت فجأة أن أتحمس وأخرج للمتابعين بمشروع جديد (أعلم جديًا أنني لا أرى نفسي فيه).. وهو إقامة ورشة عمل كتابة أون لاين، محاكيًا أحد المشاهير الذي خرج وغنى لجمهوره أون لاين، وأيضًا مجموعة الطبّاخين الذين أتابعهم أكثر من زملائي الكُتاب وهم يقومون بعرض وجباتهم وطرق تنفيذها.. وطبعًا غيرة من بعض الصديقات الفاضلات الذين أغرقوا «التايملاين» الخاص بي وهم يقدمون محاضراتهم النفسية والريادية وأنا أتفرج عليهم حاملاً كيكة الشوكولاتة في يدي والتي أصنجت زوجتي من كثرة طلبي لها.

أود أن أشعر بأنني شخص ذا قيمة بأي شكل.. فجأة.. وكأنني طوال سنوات كنت أخدع الآخرين!

وكأنني لا أقوم كل يوم بصنع إفطار بناتي وعشاءهم بأفضل شكل!

أود أن أنتقل إلى خانة المؤثرين وراكبي الموجة في الوقت الخطأ. وحِس الرجولة والأنا لا يريد أن يسكت دون أن يأخذ حيزًا من فراغ الآخرين الموزع بالعرض على كل شيء كان لا يهم وأصبح مهمًا!

كان الله في عون الجميع

مقدمة:

أتأمل هذه الأيام سلوك الناس من زاوية واحدة، وهي إيجابية-أو-سلبية «الحجر الصحي» على نفسياتهم. في الحقيقة، أشعر بنوع من الانتصار عندما أسمع شخصًا ما يقول إنه إلى حدٍ ما مستمتع أو لا يواجه مشكلة جذرية مع الحجر، وأشعر بنوع من السعادة عندما أسمع أن شخصًا ما مشغول جدًا في يومه سواء بوجود أو من دون وجود حجر عليه.

وجدت من ناحية فلسفية، أن عقل الإنسان فعلًا هو المتحكم به وفي نفسيته، فالظروف بالطبع لا يمكن لنا التعامل معها إلا بطريقتين: إمّا المقاومة أو الانسجام، والمقاومة هنا تحمل في بطنها معنى سلبي، كالبحث عن طرق تحايُل نستطيع من خلالها تغيير الظروف، وهي ما لا أشجعه بالطبع.

الإطار

كل الخيارات متاحة هذه الأيام.

الفرق أنها خيارات محصورة في إطار. هذا الإطار مكاني. في الوقت الذي اعتدنا فيها في فترات سابقة الإطارات من نوع مختلف.

طالما الخيارات متاحة داخل العقل، فلا يهم حجم الإطار المكاني.

كان الله في عون الجميع.

 

الإنسان عدو ما يجهل

في أواخر يوليو ٢٠١٤م، كان الأمريكيان «كينت برانتلي» و«نانسي ريتبول» قد أُصيبا بڤايروس «إيبولا» وهما في مهمة طبية غرب أفريقيا تتعلق ببحثهما حول الفايروس. قامت الولايات المتحدة (بإشراف الرئيس الأمريكي أوباما آنذاك) بإرسال طائرة إخلاء طبي لنقلهم إلى الولايات المتحدة لاستكمال العلاج في أسرع وقت، وتقديرًا لجهودهم المهنية.  ما حصل وقتها، أن بعض الصحف أساءت ذكر الموضوع، لتظهر بعض المانشيتات في اليوم التالي تقول: «إيبولا وصل إلى الولايات المتحدة!».

استقبل هذا الخبر رجل الأعمال «دونالد ترمب»، واستلم الجمهور بسلسلة بتغريدات حادة يحذّر فيها استقبال مرضى «الإيبولا» في الولايات المتحدة، وقد كتب نصّيًا في تغريدته الأولى:

“Stop the EBOLA patients from entering the U.S…. THE UNITED STATE HAS ENOUGH PROBLEMS!”

«أوقفوا مرضى الإيبولا من الدخول إلى الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة تملك ما يكفي من المشاكل».

كانت غزارة تغريدات «ترمب» على مدى الأشهر التالية مزعجة للمسؤولين في هذا الشأن، ويُخيل إليَ أنه تحمّس مع الخبر الخاطئ بالطريقة الخاطئة باندفاع كبير.. وكأن ما كان ينقصه مستشار ما يخبره «سيدي.. هدئ اللعب رجاءً»، قاد ذلك الاندفاع نائبة مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما «آمي پوپ» للتعليق: بأن ما يفعله ترمب (وهو على بعد أشهر من قراره للترشح للرئاسة الأمريكية) ما هو إلا ابتكار لقلق جديد ينشره أمام المليونين ونصف متابع له على تويتر!

وفي أواسط شهر مارس ٢٠٢٠م، صرّح الرئيس الحالي للولايات المتحدة بأن «الفايروس [يقصد كورونا] لا يملك أي فرصة ليفتك بنا»، ومع عدة تصريحات تهكّمية أخرى منه في الإعلام بأن العالم قد بالغ في ردة فعله تجاه هذا المرض الذي لا يتجاوز في خطورته الإنفلونزا العادية، هذا ورغم تفاعل ومناشدة الكثير من الجهات الرسمية للتعامل بشكل جدي أكبر مع هذه المصيبة، في ظل أن الولايات المتحدة (بجميع ولاياتها) قد قامت بعمل ١٣،٠٠٠ فحص رسمي للفايروس منذ يناير ٢٠٢٠م حتى تاريخه، بينما دولة مثل كوريا الجنوبية تمثل أقل من سُدس الولايات المتحدة تقوم يوميًا على الأقل بعمل ١٠،٠٠٠ فحص رسمي للفايروس لمواطنيها والمقيمين.. يوميًا.

وأخيرًا، قررت الولايات المتحدة نشر حالة الطوارئ، وأخذ الموضوع بجدية قصوى قبل كتابة هذه السطور بأيام.

*****

شخصيًا.. أقوم بالكثير من التصريحات والتصرفات الاستفزازية من فترة لأخرى أمام أصدقائي، كأن أخبرهم أنهم فاشلين في لعبة ما، أو أنني سأكسّر رؤوسهم في صكة البلوت القادمة؛ الغرض منها تهييج المشاعر وإضفاء بعض الإثارة، وأقوم بنفس الشيء عندما ألعب لعبة «الفيفا» مع أبناء إخوتي. تعطيني هذه التصرفات وقتها نوع من الدافع والتحدي الخفي والإحساس بالأدرينالين وهو يسير في جسدي. أستمتع جدًا بروح التحدي التي تظهر في الشخص الذي أمامي. كل ذلك في سبيل محاربة الملل، مع التنبه بشكل واضح بأن احتمالية خسارتي واحتمالية وجود ردة فعل عنيفة من أصدقائي موجودة.. إلا أنني لا أمانعها إطلاقًا، فهي في النهاية جزء من تركيبة الإثارة والحماس. وفي النهاية لا تخرج عن كونها في إطار الألعاب بين أقرباء وأصدقاء.

شاهدي، أنني في تلك اللحظات أنا على وعي كامل وإلمام بتصرفاتي. وبالطبع لا أقوم بنفس الأمر إن تعلّق بشيء حول أسرتي أو بناتي أو مالي. فالتصريحات والتصرفات هناك محسوبة، ولا تتحمل إلا أقصى مستوى من الجدية.

عدم الاندفاع بالاستفزاز أو بالتصريحات أو بالتصرفات السيئة أمام الأمور المهمة سببه جهلي بالنتائج. فمن الأجدى لي الصمت والترقّب والتعامل بجدية، على أن أصبح عدوًا لما أجهله بما أقول.

كان الله في عون الجميع.


المصدر:

التعليم العام والخاص والخيابة

قبل أسبوع، كُنت جالسًا في إحدى اجتماعات العائلة عندما استعرضت عليهم إحدى مشاريعي القائمة هذه الأيام -غير القابلة للنشر للعامة ولكم أعزاءي القراء- وهي «مقارنة بين مخرجات التعليم الحكومي والأهلي وكيف أصبحوا اليوم كل من تخرجوا من القطاعين: دراسة على الجيل الثالث من عائلتي (أحفاد والدي)».

كانت نتائجها المبدئية باختصار تقول: بأنه كلما زاد معدّل صرف الآباء على أبناءهم في الدراسة (بين مدارس خاصة ومدرّسين خصوصيين) كلما كانت نسبة خيبتهم أكبر.

بالطبع هناك استثناء، وهذا بالتحديد أحد أهم الأسباب التي تجعلني أتمهل في نشر ما توصلت إليه حتى أستفيض أكثر في التفاصيل. إلا أن الأمر الاخر اللطيف والبديهي المكتشف، بأن الطالب الشاطر سيكون شاطرًا سواءً في المدارس الحكومية أو الأهلية.

وهناك رأي فلسفي آخر يقول: أن الأهالي يدفعون لأنفسهم إحساس الرضا بأنهم مسؤولين، أكثر من كونهم يدفعون قيمة مدارس أبناءهم الخاصة. تمامًا مثل أن يشتري الأب لطفله حذاء «بيربري»، فالطفل لا يعي الفرق بين العلامات التجارية الفاخرة والدونية، ولا يعي فرق السعر، لكن الأب يعي ذلك.. وهو يخبر نفسه أنه يختار لابنه الأغلى والأفضل ويحاول أحيانًا بمثل هذا التصرف أن يغطي إحساس ما بتأنيب الضمير، بغض النظر عن ذوق وإعجاب الابن بذلك الحذاء.

بدأ موضوع البحث بالإمساك في رأسي بعد أن علّقت إحدى صديقات إخوتي (سيدة خمسينية) عن حال ابنتها التي دخلت المدرسة الخاصة المعروفة في جدة «دار …» من صف الأول الابتدائي حتى الثالث ثانوي، لتتخرج وتدرس في جامعة الملك عبدالعزيز «أدب إنجليزي»، وهو تخصص مستهجن ولا يليق بحجم الصرف التي قامت به السيدة -على حد تعبيرها- طوال تلك السنين، فهي لم تستثمر لتخرج ابنتها للبحث عن أي تخصص بالكاد سيقبل بها، عوضًا عن الحلم التقليدي حول الطب أو الهندسة. بل أن خيبة الأمل مع هذه القصة – إن لم تخنّي الذاكرة – اكتملت بعدم رغبة الفتاة بالعمل في وظيفة بعد تخرجها من الجامعة، بل فضّلت البقاء في البيت في النهاية في انتظار بعلها المستقبلي.

على كل حال، لا أود أن أبالغ في هذا الشأن، فالموضوع معقّد ومتشعّب، إلا أنني أود أن أُشير بأن أحد الأمور المهمة التي خرجت بها بأن نجاح الطفل الدراسي يعود إلى توفيق الله تعالى، ومشاركة الأهل بشكل كبير في التربية والدراسة والتكوين الشخصي، بغض النظر عن نوع المدرسة.

باغتتني ابنة أختي – حادة الشخصية – وقتها بسؤال: ماذا عنك أنت؟ ماذا درست وكم كانت نسبتك عند التخرّج؟ لترد عليها خالتها بأنني تخرّجت بحوالي الـ (٧٤٪)، لتنفجر ضاحكة.. مو معقول! لا أصدق.. أنت يا خالي ٧٤٪؟ .. هاهاها.. كل ذلك و٧٤٪؟ … أخبرتها أن خالتها بالغت في الأمر.

إلا أنه وعلى السيرة، فإن موضوع النسبة (الجامعية أو الثانوية) مهمين لحد ما صراحةً؛ فهم يعطونني مؤشرًا لمدى تماسُك عقل الشخص الذي أمامي. وعلى نفس المنوال والسيرة، كانت لدينا حِزمة مقابلات شخصية للتوظيف قبل أسابيع، لم نستطع أن نحدد شخصية المتقدمين -لعدم وجود خبرة لدى معظمهم- سوى من خلال مؤشر يتيم، وهو معدّل التخرج.

على كل حال، بالفعل بالغت أختي بالرد على ذلك السؤال، وقد تداركت الموضوع بقول الحقيقة وكسر المبالغة حيث أنني تخرجت بنسبة ٦٦،٨٪، لتقترب ابنة أختي حد الإغماء من شدة الاستهجان والضحك، وبأنها حتى وإن حاولت بنية صادقة أن تصل لهذا المعدل الواطي فإنها لن تستطيع.

كان الله في عون الجميع.

حزمة اعترافات

اليوم لدي حِزمة اعترافات لا طائل منها، وربما لن تضيف لعقل القارئ الكريم، إلا أنها ككثير من الأمور في هذه الحياة، يجب أن تكون موجودة وكفى. مسؤولية استخراج الدروس ليست علي اليوم رجاءً:

  1. مضى زمنٌ طويل لم أكتب فيه حرف. الفترة الأطول منذ عام ٢٠١٤م. وعلى عكس جميع الفترات السابقة، فإنني اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى أملك في جدول مشاريع هذا العام مشاريع كتابية أكثر مما كتبته طوال حياتي، وهي يجب أن تُنجز قبل نهاية السنة. كيف؟ الله أعلم.

أُحسَب هذا العام (٢٠٢٠م) ضمن فئة الأشخاص الذين يملكون بدايات جديدة جذرية في حياتهم. فالاختلافات الحياتية والعملية لم أكن أتوقعها من قبل، للدرجة التي تجعلني ها هنا أتحدث عن جزء من ظروفها، في حين أنني لا أدعوا الأحباء الكُتاب دومًا للحديث عن أنفسهم وحياتهم الخاصة، إلا أنني اليوم أود أن أستعير بطاقة الاستثناء، التي أصبحنا نستخدمها كل يوم كأنها بطاقة صرف آلي أو ائتمان.

  1. أُسرتي تعيش -مؤقتًا- في فلوريدا.. وها أنا هنا معهم بعد أن استطعت أن آخذ آخر رحلة على الخطوط السعودية إلى واشنطن قبل قرار منع الرحلات الدولية (حرفيّا كانت الرحلة الدولية الأخيرة من جدة).

لا أود أن أذكر سبب منع الرحلات الدولية هنا لقارئ عام ٢٠٣٠م، ففي داخلي طاقة عِناد كبيرة تجاه أخبار ذلك الشيء الذي شلّ حياتنا وقادنا لتغييرات قد تلامسنا لسنوات عديدة قادمة. على كل حال، انقسام الشخص بين نمطي حياتين مختلفتين تمامًا، أمر مرهق قليلًا. لدي أعمالي والتزاماتي وشركتي الجديدة في جدة، ولدي زوجة وبنات يتوقعون أن أكون معهم طيلة الوقت في جنوب فلوريدا. عندما أكون في جدة، يعتقد أهلي وأصدقائي أنني إنسان «فاضي» ليس ورائي أسرةً تسأل عني. وعندما أكون في فلوريدا، يتوقع الأحباء هنا أنني أيضًا «فاضي» طالما أنني لستُ في جدة حولي مكتب وزملاء وعملاء، ولأنني بالطبع لستُ منضمًا لبرنامج الابتعاث.

هناك صنفٌ ثالث، يعتقد أنني أعيش أجمل أيام حياتي، لأنني أملك بعض الرفاهية في التنقل بين مدينتين كل شهر ونصف، وهذا أمر لا يُقدّر بثمن. وهو في الحقيقة كذلك، إلا أن لحظات الإرهاق وارتجاف اليد والرأس من تعب الرحلة التي تتجاوز العشرين ساعة بشكلٍ دوري شهزي يُنسيك أي حسْ مرفّه، ناهيك عن فارق التوقيت المزعج لنومك ولأعمالك.

فلكي تنجز مع مهامك في السعودية، فإما أن تستيقظ باكرًا جدًا، وإما أن تُطيل السهر، لتستطيع التواصل مع أصحاب المهام هناك.

  1. أعتقد أنه من المجدي أن أخرج ببعض القراءات بعد أن أنتهي من تجربة العيش بين مدينتين، ربما على شكل كتاب، وربما على شكل مقالات مطولة، بعضها عن أدب السفرات، وبعضها عن تأملات اجتماعية نفسية (وربما سأخصص كتاب أو كتيب عن عادات الأمريكيين السيئة في التسوق والطعام وأنهم لا يرحمون أنفسهم مع الطفح الغذائي الذين يعيشون فيه!)
  2. للمرة الأولى في حياتي اقترب من حلم كان غريبًا ومستحيلًا. وهو أن تصبح الكتابة مصدر دخل رئيسي.

مشكلة هذه النقطة أن الإنسان لا يعرف أحيانًا ماذا يريد من حياته، فإن تفضّلت وسألت أي شخص في هذا الكون (ماذا تريد من حياتك؟) ستجده يندفع ويخبرك بوظيفة أحلامه، أو ليخبرك عن حلمه باقتناء منزل/سيارة/ساعة/سفرة//زوجة العمر. إلا أن العزيز «رايان هوليدي» كتب في مقالة مطولة عن ماهية ذلك الشعور الذي يصيبك عندما تملك كل شيء حلمت به في حياتك.. ليلخصه في كلمتين: لا شيء.

شعور بارد، ليس كما توقعته، لا يشعرك برضى داخلي كبير ربما، إلا أنه يعطيك فرصة للتفاخر المؤقت أمام الآخرين، ويعطيك نوعًا من الضياع الذي لا تستطيع وصفه. في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الحِرفة -الكتابة- جزءً لا يتجزأ من شخصيتي وحياتي وتكويني، فهي في ذات الوقت أصبحت الشيء الأصعب بشكل غريب. الكتابة ككتابة ليست صعبة، إلا أن حوافها وسلوكياتها والإبقاء على مؤخرة الجسد فوق الكرسي كل يوم ودون توقف، أمر ليس سهلًا فعلًا. والكُتّاب على وجه العموم لا يستحقون أي نوع من التقدير على أفكارهم قدر التقدير والاحترام على قدرتهم بتطنيش ملهيات الحياة ليجلسوا ويكتبوا، حتى إن كان ما كتبوه هراءً منثور.

رغم أنني لم أكتب منذ مدة، فبالتأكيد أن الكلام لا ينتهي.. نحن من ننتهي إذا توقفنا عن عمل شيء ما اخترناه أن يكون وسيلتنا للعيش.

كان الله في عون الجميع.

ماذا يعني أن تكون مصابًا بمتلازمة الدجّال؟

كتبت هذه المقالة بالتعاون مع العنود الزهراني

هل شعرت في يوم من الأيام بنقصٍ حاد في الثقة بالنفس لأنك ترى أنك إنسان غير منجز؟ أو أنك لا تملك إمكانيات أو مؤهلات تجعلك تبدع في وظيفتك، مشروعك، أو فنك، أو أيًا كان بالرغم من وجود أدلة واضحة تثبت أنك صاحب إنجازات وأداء متميز؟ هل شعرت يومًا بعدم استحقاقك للتكريم أو التقدير أو الفرص الذهبية التي قدمها الناس إليك؟

تتفاوت الإجابة على هذه الأسئلة – وهذه الأحاسيس – عند كل شخص، إلا أنها تظل موجودة، تظهر وتختفي من حينٍ لآخر، تزداد وتنقص مع الوقت، خاصةً عند مقابلة أي شخص نشعر أنه يتفوق علينا، أو آخر نشعر تجاهه أنه أقل منّا بكثير في قدراته.

مجموعة الأحاسيس هذه تشكل ما يُسمى بحالة أو متلازمة «الدجّال» (Imposter Syndrome/Phenomenon)، وهي بحسب تعريف عالمتي النفس الإكلينيكي، بولين كلانس وسوزان إميز، الحالة التي يكون فيها الشخص غير قادر على استيعاب وقبول نجاحه، غالبًا ما يعزي إنجازاته إلى الحظ أو الظروف الخارجية بدلاً من قدراته وجهده، يشعر بأنه أشبه بالـ “محتال” أو “المخادع” الذي يخشى من أن يكتشف الآخرين أنه غير مؤهل بما فيه الكفاية لهذا النجاح من وجهة نظره [١]، وعادة ما تتجلى هذه الحالة عندما نقارن أنفسنا بالآخرين وإنجازاتهم.

 

المثير للاهتمام أن هذه الحالة أو هذا الشعور شائع أكثر مما نظن، حتى وإن لم ندركه بوضوح أو نتحدث عنه علنًا، فبحسب بعض الدراسات، حوالي ٧٠٪ من الناس يعيشون هذه الحالة/المشاعر في فترة أو فترات معينة من حياتهم [٢]، وبحسب إحصائيات جوجل، هناك أكثر من مليون نتيجة بحث لمصطلح (Imposter Syndrome) وهو ما يشير إلى وجود عدد هائل من الناس الذين يتداولون أمر هذه الحالة [٣].

لكن، لماذا تصيبنا متلازمة الدجّال؟

هناك عدة تفسيرات لهذه الحالة من أهمها: المقارنة بالآخرين، وهوس الكمال، والتشكيك المستمر.

  • المقارنة: هل أنا مثلهم؟

إذا كنت صاحب همة عالية وأداء متميز وتعيش في بيئة مليئة بالأقران الناجحين وأصحاب الأداء العالي سواء في الجامعة أو مكان العمل، فغالبًا ستشكل إنجازاتهم نوعًا من الضغط الذي قد يقودك إلى التشكيك في قدراتك، وتجعلك تعلق في أفكار لا أساس لها من الصحة مثل: «ربما لستُ بنفس مستواهم الاحترافي» أو «لا أعتقد أني أملك خبرة كافية مثلهم»، «لا أستطيع أن أقوم بما قام به فلان فهو أفضل مني»، بالرغم من أنك فعلاً تمتلك إمكانيات مثلهم أو ربما حتى تفوقهم في المستوى.

  • الكمالية: أي غلطة = نهاية الكون!

هوس الكمالية (Perfectionism) والمحاولة القصوى للإتقان، تُعد أحد أهم المؤثرات التي تساهم في إصابة الإنسان بمتلازمة الدجال. هي التي تجعله يشعر بنقصٍ ما في عمله دومًا. وهي النزعة لوضع معايير شبه مستحيلة في الاستمرار بمحاكاة الكمال، وطبعًا لأن الوصول إلى الكمال مستحيل، فالنتيجة تكون سلسلة من خيبات الأمل والشعور بالإحباط وجلد الذات، بالرغم من أن الإنجازات تكون مذهلة بالنسبة للآخرين، إلا أن صاحب الإنجاز هنا يكون دائمًا غير راضٍ عن أدائه أو ما حققه ويشعر أنه دون المستوى أو حتى قد يشعر بالفشل.

  • التشكيك: غزارة المعرفة كنقمة!

المدهش في الموضوع أن أكثر من يصاب بمتلازمة الدجّال هم أصحاب الأداء المتفوق والإنتاجية العالية والإنجازات الاستثنائية، وبطبيعة الحال، هذه الفئة تمتلك معرفة وإمكانيات متفوقة مقارنة بأقرانهم، ومع ذلك هم أكثر الناس تشكيكًا في المعرفة والمهارات التي يملكونها. وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف إيريك هوفر في كتابه (المؤمن الصادق، ١٩٥١م):

من العجيب أن الناجحين، بدورهم، مهما كان اعتزازهم بحصافتهم وخبرتهم.. يؤمنون في قرارة أنفسهم، أن نجاحهم جاء نتيجة المصادفات والحظ السعيد، إن ثقة أكثر الناس نجاحًا في أنفسهم ثقة ناقصة؛ لأنهم ليسوا متأكدين من أنهم يعرفون كل العوامل التي كانت وراء نجاحهم

وقد يتبادر إلى أذهاننا سؤال: ماذا عن العكس؟ ماذا عن حالة الأشخاص غير المنجزين الذين يشعرون بثقة مفرطة في أنفسهم؟

يُطلق على هذا النوع من السلوك المعاكس «تأثير دنينج-كروجر» Dunning-Kruger Effect، وتعريفه باختصار: هو انحياز معرفي (cognitive bias) يجعل الإنسان صاحب المعرفة البسيطة والمؤهلات الضعيفة يعتقد أنه صاحب أداء ممتاز وبالتالي تكون ثقة بنفسه وبما يفعل عالية، وفي المقابل، الشخص صاحب المعرفة الغزيرة والمؤهلات العالية، يشكك في أدائه وبالتالي تقل ثقته بنفسه [٤].

هذه الفكرة تجدها أيضًا منتشرة كثيرًا في الحكمة القديمة في معظم الديانات والثقافات المختلفة، فمثلاً جاء في الأثر «من قال إني أعلم فقد جهل»، وقيل في الإنجيل «إذا افترض أي شخص أنه يعرف شيئًا، فهو لا يعرف بعد كما ينبغي عليه أن يعرف» (If anyone supposes he knows something, he does not yet know as he ought to know) – أي أنه لا يعرف حق المعرفة، ونقل عن بوذا: «أولئك الذين لديهم معرفة محدودة لديهم اعتزاز كبير بذواتهم، ولكن عندما يصبحون حكماء، فإنهم يهدؤون» – أي يصلون إلى مرحلة توازن. وقد فسّر تشارلز داروين هذا الموضوع من ناحية سلوكية عندما كتب في كتابه (نسل الرجل، ١٨٨١م) بقوله: «يولِّد الجهل كثيرًا من الثقة؛ أكثر بكثير عمّا تولده المعرفة».

وتأثير دينينج-كروجر يفسر ظاهرة وهم الثقة بالنفس التي يمكن أن تساهم بشكل غير مباشر في تفاقم حالة متلازمة الدجّال من جهتين:

١- من جهة الآخرين: نجد الكثيرين حولنا وخصوصًا على قنوات التواصل الاجتماعي يحرصون على الظهور باستمرار ومشاركة آراءهم وتفاعلاتهم وأحاديثهم معنا، وبعض المشاهير منهم يتحدثون عن جوانب كثيرة في شؤون الحياة، آخذين الحق في ذلك بسبب الشهرة؛ ليعتقدوا أنهم على إلمام كافي في كل ما تحدثوا عنه. وهذا ما قد يعطي انطباعًا مغالطًا داخلنا لعدم امتلاكنا الحق أو القدرة أو المعرفة التي يملكونها، وربما نغامر برأي مفاده أن الكثيرين منهم مصابين بتأثير دينينج-كروجر بدرجات مختلفة، وهذا الوهم مع الأسف قد يساهم بالتأثير علينا وجعلنا نعتقد أننا مهما بذلنا من جهد، فلن نكون مثلهم، فبالتالي نحن لا نستحق الإطراء أو المديح.

٢- من جهتنا: نحن نعلم أن سُنة الحياة تتطلب المثابرة والجهد وتطوير الذات كي ننمو، إلا أننا إن حصلنا على بعض المديح في مراحل مبكرة من بذل المجهود قد يكون مؤشرًا مهمًا على اقترابنا من الإحساس بوهم الإنجاز، وبالتالي قد يقود هذا الأمر إلى التكاسل والتقاعس.

ماذا يعني كل ذلك؟ هل يجب علينا أن نتخلص من متلازمة الدجّال إن كنا نعاني منها؟

إذا سيطرت علينا مشاعر وأفكار التشكيك بالنفس والقدرات فإن ذلك سيحد من إقدامنا على المبادرة وانتهاز الفرص المهنية والحياتية التي قد تصنع فارقًا كبيرًا في حياتنا، عندما يتلبّسنا إحساس عدم الاستحقاق لما قمنا به من نجاحات وإنجازات (مهما بدت صغيرة)، فإن شيئًا من السلبية قد يطغى على نظرتنا لأنفسنا وتقديرنا لذواتنا وهو ما قد يقود إلى سلسلة من حالات القلق والاكتئاب [٥].

لكن، القليل من التشكيك بالنفس والقدرات مطلوب وضروري من ناحية أخرى، لأن ذلك يشكل دافعًا كي نستمر في تطوير أنفسنا وتحسين أدائنا. تخيل أن تنتفي هذه الحالة وكنا واثقين في قدراتنا ومعرفتنا تمام الثقة؟ سنقع وقتها في فخ وهم الثقة ووهم المعرفة.

وحتى نسيطر على متلازمة الدجّال ولا ندعها تسيطر علينا، هذه بعض الاقتراحات العملية:

  • البحث عن الحقائق والمشورة

بدل من أن نغرق في التشكيك في أنفسنا وقدراتنا، يمكننا أن نبحث عن الحقائق التي تدعم قصص نجاحنا، مثلاً عندما يعلق شخص بأن عملنا كان استثنائي، بدلاً من أن نعتقد أنه يبالغ ونحن لا نستحق هذا “الادعاء” ونشعر أن ما قمنا به ليس له قيمة تذكر، ربما سيساعد أن نسأل هذا الشخص «ما الذي يجعلك تعتقد أن هذا العمل متميز أو استثنائي؟».

عندما نقع في مأزق حالة الدجّال ونشعر أننا عالقون في مكان ما بسببها، فإن أول ما يمكن القيام به هو طلب المشورة ممن يمكننا تسميتهم بـ «شبكة الأمان» (Safety net)، هذه الشبكة تحتوي على عدد قليل من الأشخاص الذين يدعمونا من خلال إنصاتهم واعطائنا آرائهم الصادقة حول ما نمر به ويساعدوننا على تقييم المشكلة/الأمور. شبكة الأمان هذه لا يجب أن تتكون من المقربين لمجرد أنهم “مقربين” مثل الأهل، الأصدقاء، الأحباب، يجب أن يشكلها أشخاص يحملون معايير خاصة وهي:

١- أن يكون الشخص صاحب خبرة في المجال أو المسألة التي تستشيره فيها. على سبيل المثال، إذا كانت لديك شكوك في قدراتك الكتابية، لا تسأل صديقك الذي لم يكتب يومًا مقالة عن رأيه أو مشورته حول ما تكتب؛ حاول أن تختار شخصًا قد وصل إلى المستوى الذي تسعى للوصول إليه، فقد يعطيك نصيحة أو رؤى لم تحسب حسابها، كتوقعاته عن استقبال القراء لما تكتب، أو شرحه لتقنية كتابية أو درس تعلّمه وكان قد وصل إليه بعد ممارسة طويلة.

٢- أن تستشعر اهتمام من تستشيره تجاهك بصدق. فأنت لا تريد أن تطلب نصيحة من شخص تشعر بغيرته أو عدم اكتراثه لك، ولن تفيدك تلك المشورة التي تُعطى لك مغلفة بمحاولة إقناعك أنك ما زلت بعيدًا عن تحقيق مسألتك. استشعار الاهتمام هنا من قِبل الناصح، يلعب دورًا جذريًا على الصعيدين النفسي والعملي.

٣- أن تضمن بأن يكون هذا الشخص جريء بما يكفي ليقول لك الحقيقة في وجهك (ولن يحدث ذلك دون أن تعطيه الأمان بصدق)، وهنا نقطة مهمة: ليس كل شخص يحبك بالضرورة يملك الجرأة لمصارحتك. عنصر المحبة أو المعزة يلعب دورًا كبير هنا، فمن الأسهل على الشخص العزيز الذي تطلب منه المشورة أن يجاملك (ويسلك لك) على أن يتسلّح بالجرأة ويخبرك بالحقيقة التي تحمل معها نسبة من المخاطرة تجاه علاقتكما.

  • التركيز على الجهد.. دون توقف

إحساس الإنجاز رائع.. وإحساس المديح أروع. مشكلتهم أنهم أحاسيس، لا ينعكسون بالضرورة على الواقع. وإحساس عدم التشجيع أو الانتقاد لجهودنا وأعمالنا مخيب للآمال، ويجعلنا نمارس المزيد من الجلد للذات بعدم استحقاقنا للتقدير. ناهيك عن تعرضنا لمن هم أفضل أو أسوأ منّا ليساهموا هم الآخرين بدورهم على تعزيز هذه المشاعر.

حلقة الوصل بين هذه الأحاسيس؛ شيء يُسمى «الإنجاز»، وهو جهد كان قد بُذل على عمل أو مشروع أو تطوير للذات أو المساهمة في تحسين حياة الآخرين. وطبيعة النفس البشرية تميل للبحث عن المديح، وتتأثر سلبيًا من الانتقاد، إلا أن متلازمة الدجال حالة قد تكون غير عقلانية ألا وهي التأثر سلبيًا من مديح الآخرين بالرغم من وجود إنجاز حقيقي، إحساسها وإن كان يربك النفس، فإن أحد أهم الحلول المثالية لهذا الإرباك هو التوازن. التوازن بعيدًا عن محاولة الانتباه بشكل أكبر للإطراء أو الانتقاد، إنما البحث عن المزيد من الطرق التي تقودنا إلى إنجاز المزيد من العمل.

تضيع الأحاسيس التي قد لا تعكس الواقع مع العمل المستمر، أو كما يقول التسويقي المعروف سيث جودين «إن كان عملي سيئًا سأقوم بتحسينه في المرة القادمة، وإن كان جيدًا سأعيده مرة أخرى»

التركيز على الجهد بشكل مجرّد ومستمر، مفتاح مهم للابتعاد عن التأثر بمتلازمة الدجّال.

كان الله في عون الجميع.

— انتهى–


المصادر:

[١] Feel like a fraud? Kirsten Weir, American Psychological Association, 2013

[٢] The Impostor Phenomenon, International Journal of Behavioral Science, 2011

[٣] [٥] Are you suffering from imposter syndrome? Lydia Craig, American Psychological Association, 2018

[٤] The Dunning-Kruger Effect Shows Why Some People Think They’re Great Even When Their Work Is Terrible, Mark Murphy, 2017

*مصدر صورة المقال: Medium

تعليق شخصي على الأوسكار والأجندات

في سلسلة تغريدات، قام الروائي المعروف ستيفن كينج بانتقاد لجنة الأوسكار في انحيازهم للأقلية عوضًا عن الأكثرية من المجتمع وهنا نص التغريدات:

«ككاتب، يُسمح لي بالترشُح في ثلاث فئات [في الأوسكار] فقط: أفضل صورة وأفضل سيناريو تم تكييفه، وأفضل سيناريو أصلي. بالنسبة لي، فإن قضية التنوع -كما ينطبق على الممثلين والمديرين الفرديين، على أي حال- لم تظهر. هكذا قيل…

***

لن أفكر في التنوع في المسائل الفنية. الجودة فقط هي الحكم. يبدو لي أن القيام بخلاف ذلك سيكون خطأ.

***

إن أهم شيء يمكننا القيام به كفنانين ومبدعين هو التأكد من حصول الجميع على نفس اللقطة العادلة، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو التوجه. في الوقت الحالي، هناك نقص في تمثيل هؤلاء الأشخاص [يقصد جميع فئات المجتمع]، ليس فقط ذلك في عالم الفنون.

***

لا يمكنك الفوز بجوائز إذا كنت خارج اللعبة.»

حسب فهمي ومناقشتي السريعة مع الأخ العزيز محمد البكري أو كما علِمت منه، فإن الأوسكار (وصنعة الأفلام حاليًا) تركز بشكلٍ كبير على تعزيز وجود أجندة محددة، تتضمن قضايا محددة.. كالعنصرية والمثلية والحشيش والحروب وأمور أخرى.

نرى ذلك بوضوح في معظم مسلسلات نيتفليكس على سبيل المثال، والتي أصبحت تركز على إظهار المثليين بصورة لم تكن كذلك في الماضي؛ ويطول شرح تبرير هذا الأمر (وليس هنا المكان الأنسب للتطرق له)، إلا أنه من الواجب تذكير المتلقي أن استيعاب فكرة أن الإعلام والفنون، والسينما/المسلسلات على وجه الخصوص هي الوسيلة الأهم لدى المجتمع الغربي في إيصال رسائلهم التي تتوافق بالضرورة مع الأجندة السياسية أولًا.

كانت معظم رسائل السينما في الفترة ما بين ١٩٤٠ – ١٩٨٠ تدور بشكل واضح على تعزيز قصص الحب والرومنسية، بل وخلقت تلك الفترة أيقونة الإثارة «مارلين مونرو» والتي كان الهدف منها تعزيز صورتين نمطية:

الأولى، وهي موجهة للرجال: من حقك أن تُضيف على قائمة حلمك الأمريكي استحقاقك لوجود مثل هذه الشقراء الجميلة في حياتك.

والثانية، موجهة للنساء: إن كنتي تريدين أن يحبك الرجل، فحاولي أن تكوني نسخة من «مونرو».

إحدى الدوافع من ظهور مونرو (والأفلام الرومنسية بغزارة تلك الفترة) هو انخراط نسبة كبيرة من الرجال في الحروب، مما أدى إلى دربكة اجتماعية ساهمت في التأثير بشكل سلبي على الأفراد في المجتمع الأمريكي، فالسيدات يعانون من الفقد، والرجال يعانون من الغُربة. ولا شيء يعمل عمل المسكّن في النفس المكسورة سوى الكثير من الشعور بالحب (بالنسبة للنساء) والشعور بالإثارة (بالنسبة للرجال).. وهذا كان الدور الناجخ الذي لعبته مونرو وزميلاتها وزملاءها في تلك الفترة.

حتى وإن افترضنا عدم وضوح الأجندة السياسية المحركة للأوسكار بالنسبة للسيد كينج أو للآخرين، إلا أن الجزء المثير كان إحدى الاعتراضات التي هوجم بها والتي ارتكزت على انتقاده كونه رجل «أبيض» أو «غني» ولن يشعر بما قدموه أبطال الأفراد (القِلة) في أفلامهم المرشحة.

ونلاحظ أن حتى فيلم «الجوكر» -وهو المرشح الأقوى- يتناول شريحة الأقلية القِلى في المتجمع وهي التي اجتمع فيهم الفقر والمرض النفسي وسوء التربية. إلا أنني ربما كنوع من الدفاع عنه، أجد أن الفنون بشكل عام لا يجب أن تركز على القِلة.. لا على الفئات الفنية، ولا على الألوان والشرائح الاجتماعية. فالأعمال الخالدة كانت تلمس قيم البشر وروحهم قبل فئاتهم وأشكالهم بشكل واضح، وليست نقطتي بالطبع ضد فيلم الجوكر بالتحديد (تجنبًا لاحتمالية قفز أحد الإخوة المدافعين عن الفيلم بحماس) إلا أنني أُلفت النظر إلى الموجة ككل.. موجة التفضيل في الخيارات والفئات.

والله أعلم.

كان الله في عون الجميع.

كيف لا تكتب عن نفسك؟

داخل كل إنسان فينا طاقة ذهنية لا محدودة، وانتباه محدود.

يتوجه الذهن اللامحدود في قدراته إلى الانتباه الذي نختاره، ومن المؤسف أن الآخرين لا يكترثون كثيرًا عندما نختار أن نتحدث عن أنفسنا طيلة الوقت.

ربما يملك الآخرون ذخيرة من المجاملات تجعلهم يتغزّلون بنا عندما نتحدث عن أنفسنا أو نصوّرها طيلة الوقت. لكن حينما يجد الجد، لا يستعينون بذلك في حياتهم. هم فقط يضغطون على زِر من أجلنا.

الأفكار هي التي يستعينون بها.

الأفكار مثل الفايروس.. تنتقل من شخص لآخر، تغير شيئًا ما في تكوينهم.

«الأنا» لا تغير شيء.

عندما نتحدث عن أنفسنا ونجعلها مكان الاهتمام، على الأغلب لن نخرج بالكثير للآخرين. ولن نخرج بالكثير من القيم لأنفسنا.

النفس محدودة الإطار. الأفكار ليست محدودة.

عندما يكون الذهن اللامحدود موجهًا لشيء لا محدود مثل القراءة، التأمل، العمل، محاولة إنجاز شيء ما. ستخرج الأفكار.. هذه الأفكار إن شاركنا بها ستغير شخصًا ما في مكان ما.

الأفكار يجب أن تكون أولاً وأخيرًا فيما نقول ونكتب ونشارك.

حاول أن تتجنب الكلام عن نفسك.

وكل عام وأنتم بخير بمناسبة العام الجديد ٢٠٢٠م.

الهراء فيما نقول أو نكتب

أرجوك.. حاول أن تختار كلمات أبسط وشرحًا أسهل في حديثك. وفي كتاباتك. وفي كل شيء.

يجب أن تترك مساحة لعقل المتلقي بأن يُفكر فيما قلته.. وليس استيعابه أو محاولة فهمه.

كتبت في مقالة قديمة عن فِهم «ميشيل دو مونتين» للمصطلحات الصعبة بقوله: «الصعوبة عُملة يستحضرها المتعلمون كي لا نكتشف خواء دراستهم، ويميل الغباء البشري إلى قبولها مسبقاً.» وهذا الكلام لا ينطبق على المتعلمين، بل علينا نحن من نعتقد أن الكلام الأصح يجب أن يكون متحذلقًا.

شرح أي فكرة بطريقة بسيطة يحتاج أحيانًا إلى مجهود، ولا بأس بذلك، هذا المجهود هو عبارة عن ترتيب للأفكار لنفسك وللآخرين كي يفهموك.

الكلام والمصطلحات الصعبة غالبًا هراء.

الكلام المُبهم وغير المباشر غالبًا هراء.

التلميحات فنٌ صعب.. المحاولات فيه غالبًا هراء.

الأفكار غير المباشرة تجاه شيء محدد غالبًا هو مؤشر للكسل.

عندما تحاول أن تقول أو تكتب شيء.. اسأل نفسك سؤال واحد فقط: ماذا أحاول أن أقول؟

وعندما تقرأ إحدى كُتب النصوص.. اسأل نفسك قبل أن تكمل الصفحات الأولى: ماذا تحاول هذه أن تقول؟

إن لم تفهم في كلتا الحالتين.. فهذا مؤشر جيد لتضييع الوقت.

كان الله في عون الجميع

أحد الوحوش الأكثر رعبًا في حياة الناس

إن كان هناك ما نخشاه في هذه الحياة.. فهو شيء شديد التقلّب والتحوّل لا نستطيع مجابهته بسهول.. وحش يُسمى: الحقيقة.

تقف الحقيقة تنظر إلينا ونحن نعافر ونتلون ونبتعد عنها.. ولا ننظر إليها وجهًا لوجه. حتى تأتينا وتسألنا: هل انتهيت؟ ها أنا موجودة ولم أتحرّك.

الحقيقة، نتعامل معها أنها ليست حقيقة.

حقيقة الأشياء بالنسبة لنا دائمًا هي شيء ما آخر.. لكنها ليست حقيقة.

نفضّل أن نختار ما نعتقد أنه حقيقة.. ونعتبره حقيقة.. ونسقطه على الآخرين معتقدين أنه حقيقتهم.

الحقيقة.. هي الوحش الذي يجب أن ننشغل في مجابهته وتقبّل وجوده في هذه الحياة.

كل ما نعتقد أنه حقيقة، سيقودنا بالغصب لاحقًا للحقيقة الواقعية.

الحقيقة والشجاعة وجهان لعملة واحدة.. متى ما تسلّح الإنسان بالشجاعة سيواجه الحقيقة. ومتى ما تسلّح بالحقائق سيصل إلى الشجاعة.

نحن مع الأسف لا نود إلا أن نكون في نصف الطريق.. بعيدين عن الشجاعة وبعيدين عن الحقيقة.

كان الله في عون الجميع.

نصف الوعي في الإدراك

مرحلة الإدراك من أصعب المراحل التي لا يصل إليها معظم الناس.

يعتقد ٨٠٪ من السائقين في الشارع أنهم أفضل من الباقين وغالبًا ما يُصاب الكثير من الطلاب بنوع من الحماس في تقييمهم لمهاراتهم بشكل يفوق بكثير واقعها.

بل أن نفس الدراسة التي دعمت السطر الأخير، تخبرنا بأن مشكلة الكثيرين ممن يعانون من شكل من أشكال (سأسميه عدم الذكاء) لا يعرفون في الحقيقة أنهم يعانون منه.

الوعي في حياتنا يسبقه خطوة مهمة وهي الإدراك.. الإدراك أننا نحتاج لمزيد من الوعي. وهذا الإدراك لا يصل إليه الإنسان من تلقاء نفسه عندما يستيقظ من النوم في أحد الأيام.

لا يدرك الغبي فجأة أنه غبي.. ولا يدرك الأحمق حماقته إن كان برفقة العديد من الحمقى.

فقط تأمل بعض المراهقين وتصرفاتهم إن اجتمعوا سوية!

الإدراك يكون من خلال مرآة خارج حدودنا الشخصية..

الإدراك يبدأ عندما نقرر مصادقة الأذكياء والناجحين والمجتهدين.. ومزاملة من هم أفضل منّا.

الوعي.. يأتي بعدما ندرك أننا لم نكن مثلما توقعنا من هيبة ووقار ونجاح!

الإدراك.. يأتي عندما نعاشر العقول.. حتى وإن كانت على شكل الكُتب.

الوعي.. يعالج ما أدركناه، فإن كان خير سيزيد منه، وإن كان شر فسيتعامل معه.

كان الله في عون الجميع.

الجانب المظلم في وجود أحباء كُثُر

في حياتنا توجد شخصيات تمتاز بامتلاكهم الكثير من المعارف والأحباء. بالكاد تجدهم لا يسلمون على أحد عند ذهابهم لمكانٍ عام، وعند طرحك لأي مشكلة أو حاجة لمساعدةٍ ما، عادة ما يهرعون لاقتراح شخص يعرفونه (أو بالكاد يعرفونه) قد يساعد في هذا الأمر.

يتجاوزون بسرعة موضوع الإحراج والخجل من عدم التواصل لفترات طويلة.. يقفزون مباشرة للموضوع، وهم يتوقعون منك نفس الشيء.. هم منفتحين على الحياة أكثر من غيرهم.

تمتاز هذه الشخصيات بخفة دم كبيرة، وصدق لا غبار عليه في محاولتهم المستميتة لمساعدة الآخرين، وهم يقدمون في الأغلب مصالح أحبابهم على مصالحهم الشخصية. بل قد لا يتوانون على الضغط على أنفسهم من أجلهم..

يملؤون السمع والبصر إن حضروا.. تجد نفسك ممتلأ على آخرك عندما تفارقهم. ممتلأ بالأفكار والقصص والطاقة.. ومشاعر جياشة.

إن حاولنا وصفهم: فربما الوصف الأدق والأسهل لا يغادر ما نسميه «الشخصيات الاجتماعية».

كل ما ذكرته من صفات موجودة في كلٍ منّا بنسب متفاوتة.. إلا أنه يغلب كثيرًا على بعضنا ممن يعرفون أنفسهم بالشخصيات الاجتماعية المطلقة.

حبْ الشخصيات الاجتماعية للمغامرة والتجديد يجعلهم أكثر من غيرهم متقبّلين للتقلبات والمفاجآت. عقليتهم بُنيت على مرونة عالية. هذه المرونة تجعلك تؤمن بأنهم يحبون الحياة (ربما) أكثر منك.

وإن كان هناك جانب مظلم عندهم.. فهو شديد الظلام مع الأسف.

هم أكثر الأشخاص المعرضين لانكسار القلب.

النسبة المئوية لانكسار القلب عندهم في ازدياد طالما هم في ازدياد لتكوين أحباب أكثر مع الوقت.

فالجميع يخطؤون.. بمن فيهم الأحباب.

والجميع يموتون.. بمن فيهم الأحباب.

وهذا النوع من محبي الحياة.. يموت كل مرة مع خسارة أحدهم!

يموتون مع تقدّم السن أكثر وبتسارع أكثر من غيرهم.

تكون الحياة في قمتيها من السعادة والقسوة بوجود أحباء كُثر.

كان الله في عون الجميع.

نصيحة للفنانين: عن تقبل الانتقاد – الجزء الثاني

هذه المقالة استكمال للجزء الأول منها على هذا الرابط.

الانتقاد يكون صحيًا عندما يُطلب.

هناك شعرة تفصل بين من يحاول أن يعلّمك كيف تقوم بعملك أو فنك من منطلق «الأستذة» وهناك من هو مشغول أصلًا مثلك على عمل لا يعلم حقيقًة إن كان سيكون له أثر في هذه الحياة أم لا، وهذا الشخص إن كان قد وصل للمرحلة التي تود الوصول إليها، فهو بالتأكيد مُستحق لإعطائه بعضًا من الإنصات بعد طلب الانتقاد وتجنبًا للمديح.

الوعي لهذا الأمر مطلب.

وأعتقد جديًا من زاوية أخرى؛ أن أفضل محاولة للبحث عن نقد الذات هو من خلال ملعب العمل نفسه وأبطاله. وجدت أن كل قدواتي في حِرفة الكتابة -مع الأسف- أجانب وأعلم لسببٍ ما تحسس معتقداتنا لهكذا اعتراف. عمومًا، محاولاتي الجدية للارتقاء تقوم بشكل كبير على الاطلاع على ما كتبه الإخوة الغربيين وما يتبنوه في حِرفتهم. وقد تطرقت بإسهاب موضحًا هذا الأمر في مقالة سابقة.

الأعمال الفنية التي يجتمع على جمالها الجميع أو الأغلبية.. هي حالات استثنائية، وهذا الأمر لا ينبغي له أن يكون عائقًا أو محبطًا للفنان من وجهة نظري. التصالح مع الذات في فِهم أن جزءًا صغيرًا من الناس سيتأثرون ويتقبلون العمل، قد يقودنا إلى القناعة بأنه يجب علينا بذل المزيد من الجهد لكسب وِد غير المعجبين بأعمالنا. ولا يتحقق بالطبع هذا الأمر بالإنصات المستمر للانتقاد. بل بالانتاج المستمر.

وعودة لحِرفة الكتابة.. هناك اقتباس مغلوط لأحد كتّابي المفضلين (ستيفن كينج) وأود بصراحة أن أقتبسه مؤقتًا ونصّه: «المليون الكلمة الأولى بالنسبة للكاتب هي مرحلة التدريب فقط..» بينما يقولها في كتابه (عن الكتابة) بوصف أدق «إن أردت أن تصبح كاتبًا ناجحًا، يجب أن تقرأ الكثير وتكتب الكثير، لا يوجد طريق مختصر غير ذلك».

الاستقبال من القدوات هو الحل لجودة العمل والارتقاء.. والاستمرارية في الانتاج.. ربما تضمن شيئًا من الراحة بعيدًا عن الانتقاد.

كان الله في عون الجميع.

نصيحة للفنانين: عن تقبّل الانتقاد

مدخل: لسببٍ أجهله، استنزفت مني هذا المقالة الكثير من الجهد النفسي، وشعرت بالإرهاق قبل وأثناء وعند الانتهاء من كتاباتها، وهي حالة نادرة بالنسبة لي!


عندما سؤلت الروائية المعروفة إليزابيث جيلبيرت عن سلوكها في تقبل الانتقاد تجاه أعمالها، كانت إجابتها اللطيفة قد لامستني:

«أتجنب النقد الموجّه لي ليس لأنني لا أهتم بما يقوله الناس عني، أتجنب النقد لأنني فعلًا أهتم. أنا حساسة ومعرضة للشعور بالألم بسهولة. وأعلم أن الكلمات الانتقادية يمكن أن تؤذيني، وأنا لستُ في مجال إيذاء نفسي بشكلٍ مقصود».

شعرت مع هذه الكلمات للمرة الأولى توصيف بعض القراء الأفاضل بقولهم: «أننا نعبّر عن أنفسنا من خلال كلمات الكُتّاب».

وقبل أن أدخل إلى صُلب الموضوع، أود أن أخذ بعض الوقت لاستعراض اختلاف حالة الفنانين في حرصهم على أخذ التعليقات تجاه أعمالهم وأنفسهم.

هناك صِنف يحفز نفسه من خلال البحث عن التعليقات الإيجابية مع كل خطوة إنجاز يقوم بها في مشروعه الفني، وغالبًا ما يكون المُعطي للتعليقات هنا أحد المقرّبين الذين يغلب عليهم صفتين أو إحداها: المجاملة.. أو عدم فِهمه لفن الفنان. وغالبًا ما يكون هذا الفنان مبتدأ في عمله من الأساس.

صنف آخر يتميز (بالشطحان) في أعماله الفنية، وهو مستعد أصلًا قبل الشروع في العمل لتقبّل الانتقاد، بل يتغذا عليه. ولا يستاء كثيرًا من وجوده في حياته، بل يملك لياقة ذهنية عالية تجعل قابليته شديدة المرونة للدخول في صراعات بيزنطية. وهذا صنف نادر حسب اطلاعي.

ورغم أن هناك العديد من التصنيفات غير المذكورة، إلا أنني أود أن أتطرق إلى الصنف (ربما الأكثر شيوعًا) وأعتبر نفسي أحدهم. وهو صنف غير المتأكدين من عملهم وغير الواثقين من إنجازهم والمفتخرين كثيرًا مع كل نقطة مدح.

هذا الصنف الذي يقع عليه قول الإمام علي «ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح».

الفنون بشكل عام تحتاج لمثابرة وانضباط مستمرين، وقد تطرقت بإسهاب عن هذا المفهوم في كتابي الأول (ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون) ويعيب الفنون انخراط الحِس العاطفي مع العملي فيها بشكل كبير، فإن كان الفنان محبطًا فقد ينعكس بسهولة هذا الشعور على أعماله، والعكس صحيح.

أكبر تحدٍ يواجه الفنان من وجهة نظري هو محاولة إقناع نفسه بضرورة الالتزام بالعمل على القطعة الفنية التالية، مهما كانت نتائج ما سبق. يجب على الفنان أن يخبر نفسه طيلة الوقت أنه سيقوم اليوم لاستكمال عمله الفني الحالي.. ثم يقون بنفس الشيء اليوم التالي.. واليوم الذي يليه.

وإن كان عمله الفني السابق سيء، فيجب أن يقنع نفسه بأن القطعة الفنية التالية ستكون أفضل، وإن كانت رائعة وأعجبت المتلقيين لها.. فهذا أمر جيد، إذًا عليه أن يكرره.

هذا التحدِ الكبير الذي يواجه الفنان لا يدور أبدًا حول جودة العمل، إنما مرحلة تسبق موضوع الجودة؛ أسميها محاولة الإخلاص في العمل. أو كما تقول الكاتبة دوروثي باركر في حِرفتها «الكتابة.. هي فن وضع المؤخرة على الكرسي».

الإخلاص في العمل هو استحضار جدية الفن الذي يعمل فيه الفنان، وجدية المتلقي وصرف أكبر قدر من المجهود أثناء العمل، وليس كما يفعله الكثيرين.. في صرف المجهود الأكبر في التسويق للعمل عوضًا عن العمل نفسه.

أحاول في كتاباتي أن أخرج بأفضل ما يمكن الخروج به، ليس ادعاءً للكمال بقدر حِرصي على احترام القارئ الكريم، فليست مشكلته إن لم أستطع إيجاد مصمم محترف لأغلفة كُتبي، وليس من اللائق أن أكتب له عن العديد من الأمور المفاهيمية والعلمية دون ذِكر المصادر.

المعادلة الفنية ببساطة: هي الإخلاص في العمل، ومحاولة الاستمرار عليه دون توقف. أما النتائج فليست مسؤولية الفنان أبدًا.. أكرر.. ليست مسؤولية الفنان أبدًا.

عن الانتقاد:

كتبت القارئة والمدونة «ستاشيا كين» على مدونتها مقالة جميلة عن حالة تتبُّع الكُتاب للتعليقات ولخّصت النقطة الأهم بقولها: «أيها الكُتّاب، التعليقات عن الكُتب ليست لكم.. التعليقات عن الكُتب ليست لكم!».

وفي تدوينة عميقة كتبت «شاونتا جريمز» واصفةً ما ننشره في حياتنا بالدرس الذي يجب أن نتعلمه: «عند إصدار عملك سواءً كان كتاب، وثائقي، تغريدة، أو عرض تقديمي تنشره على لينكداين – لم يعد يصبح بعدها ما نشرته ملكًا لك. فقد أصبح ملكًا للمتلقي». هذا الدرس على بساطته وسطحيته، لم أكن مستوعبًا له سابقًا، ولم أراه بهذا الشكل.. ولكنني أجده حقيقة مطلقة مع الأسف. فإن كنت لا أستطيع أن أتقبّل فكرة أن منشوراتي أو أعمالي معرضة للتجريح من الجميع (وبالأخص أصحاب الشخصيات الوهمية على مختلف التواصل الاجتماعي) فإنني هنا أمام خيارين الأولى: عدم الظهور من الأساس، أو الثاني: عدم الحِرص على الاطلاع على الردود والتعليقات كما تفعل إليزيبيث جيلبيرت.

التعليقات السلبية لعامة الفنانين تصيبهم في مقتل.. فهي جارحة جدًا، حتى وإن كانت موضوعية.

شخصيًا كنت لا أنام الليل عندما يمر عليَ تعليق سلبي على Goodreads تجاه أحد كتبي، حتى توقفت تمامًا عن متابعة التعليقات هناك. (أو شبه تمامًا لأكون صادقًا). توقفت عن المتابعة لأنني اهتم.

وقد يقول قائل أنني أبالغ في ردة فعلي، ولكنني أرجح أن سبب التأثر الكبير عائد لحجم المجهود المبذول والتوقعات في الضفة الأخرى.

حزمة التعليقات الإيجابية تشعرني بالطمأنينة، تنكسر هذه الطمأنينة بتعليق واحد سلبي فقط، وفكرة هذا التعليق الوحيد هي التي جعلت أحد أشهر وأنجح كُتاب القرن العشرين «ايرنيست هيمينجواي» يكره النقاد، ويبالغ في الشكوى منهم في رسائله وفضفضاته لأصدقائه.

مهمة الفنان -أو الكاتب في حالتي- يجب أن تنصب على شيء واحد: وهو الاستمرارية في العمل، فالفنان بالكاد يدفع نفسه ليجعل فنه أحد الأولويات في حياته إلى جانب عائلته والأمور الأخرى التي تجلب له المال.. الفنان بالكاد يقنع نفسه أنه يسير على الطريق الصحيح في حياته.. بالكاد يحارب ليقنع من حوله أنه لا يضيع وقته.. وبالكاد يبحث عما يواسيه في خلوته مع فنونه. وفي وسط زحام كل هذه المشاعر السلبية، لا يجب أن يكون هناك مكان للانتقاد.. بكل صراحة.

لا أود أن أعطي ذلك الانطباع السلبي إن قلت إنني منذ زمن كبير ألغيت خانة التعليقات على مقالاتي التي كنت دومًا أحاول أن أجتهد في إنجازها، بدلاً من انتظار تعليقات سلبية أو إيجابية تعطيني أحاسيسًا مؤقتة لا تخدم الهدف الأكبر في الاستمرارية والعمل الدؤوب. وربما يحق لي اليوم الاعتراف بأنني عندما أقابل شخص يشرع في انتقاد أي كتاب كتبته فإنني أتهيأ لحالة إدخال الكلام من أذن وإخراجه من الأذن الأخرى مع هزة رأس مستمرة تقديرًا لصاحب الكلام (أستثني هنا الاختلافات الفكرية الدقيقة عن محتوى الكتاب التي تحتاج إلى شرح).

والانتقادات بعمومها إن كانت جدية بما يكفي، ستعرف كيف تصل إليك.. من خلال الإيميل، أو من خلال لقاء أو عن طريق صديق. أما التعليقات والانتقادات السطحية، فتظل وقتية لا يأبه صاحبها بإعطائها لك في الوقت الذي قد تؤثر فيك كفنان بشكل كبير.

أود أن ألخص هذه المقالة في جملة واحدة «احمِ نفسك من التعليقات (أو الانتقادات)» فهي بالفعل لن تضيف لك بقدر ضررها عليك.

وإن كان هناك طريقة واحدة.. واحدة فقط أشجعها في شأن الانتقاد. فهي كالتالي:

١. عند الانتهاء من إنجازك لأي عمل وقبل خروجه للعامة، قم باختيار عشر أشخاص تثق جدًا في رأيهم، اعطهم عملك واطلب منهم بكل رحابة صدر أن ينتقدوه.. وانصت لهم بعناية فائقة. فكل شيء قابل للتعديل قبل الخروج للعامة.

٢. عدّل ما يمكن لك تعديله من انتقادات.

٣. انشر العمل واقفل أُذنك للانتقاد.

[خطوة إضافية غير مهمة]: إن شككت.. أعد الخطوة الأولى.

وكان الله في عون الجميع.

الكلمة الأولى هي الأصح

كثيرًا ما كان يشجع الكاتب راي برادبوري تقنية الإسراع في الكتابة، لظنه أن الحدس هو من يكتب عوضًا عنّا.

وهنا أجد أنه في محاولتك للتعبير عن أي شيء وأيًا كانت الوسيلة، فإن الكلمة الأولى التي تأتي في عقلك على الأغلب هي الكلمة الصحيحة للتعبير عنك. يستطيع من يمارس الكتابة المنتظمة استشعار هذا الأمر بعد مدة، ويعزز هذا الرأي الروائي الكبير ستيفن كينج في كتابه الشهير «عن الكتابة».

ذلك لأن التعبير المباشر من العقل إلى الورقة أو اللسان هو انعكاس لما نفكر به لحظتها؛ وحينما يتوقف الإنسان للبحث عن كلمة مناسبة فهو بذلك يحاول أن يرسم الكلمة عوضًا عن الاكتفاء بقولها.

وبالطبع ليس هناك عيب هنا؛ إلا أنني من المدرسة التي تُشجع قول الحقيقة بشكل مباشر دون أي محاولات رسم، ولو أن هذا الأمر بالغ الصعوبة إن أخذنا في الحُسبان مشاعر الأخرين والطريقة الأنسب التي يجب علينا اتباعها للتعبير، في محاكاة للاقتباس الأجنبي المعروف «ليس مهم ما تقوله، إنما المهم كيف تقوله».

القراءة المستمرة والاطلاع الغزير على المفردات الجديدة تساعد على جعل الكلمة الأولى في العقل هي الأصح، عوضًا عن كونها صحيحة للتعبير.

وربما أجد أن خلاصة القول لا تخرج عن أهمية الانتباه للكلمات الأولى التي تأتي في الذهن.

الكلمة الأولى لا تخونك.

كان الله في عون الجميع.

الحياة السعيدة: في اختيار الألم المناسب

النقاش عن السعادة من أبسط وأعقد المواضيع، سبب التعقيد هو أن كل إنسان في هذا العالم يرى السعادة من منظور مختلف، ويرى أسبابها ومعطّلاتها أيضًا بشكل مختلف؛ أما البساطة فيها: فهي إمكانية استشعارها، فالإحساس بالسعادة بشكل مجرّد شبه متقارب عند الجميع.

أود التذكير بأن السعادة مختلفة عن «الاستمتاع». فالأخيرة مؤقتة ومرتبطة بظرفي الزمان والمكان، أم السعادة فهي رحلة (أو جزء من رحلة). وهي ما أود التحدث عنه.

تدفع مدرسة العالم النفساني المعروف «ڤيكتور فرانكل» إلى ضرورة البحث عن حياة «ذات معنى» أكثر من الحرص على السعادة، لأن (السعادة) شديدة التغير والتذبذب، أما المعنى فيبقى للإنسان سواءً كان سعيدًا أم تعيسًا، وهناك طُرق كثيرة لبحث الإنسان عن المعنى في حياته.

ومن باب التوضيح: أخترت مثلًا أن تكون لحياتي العملية معنى من خلال ممارسة الكتابة بشكل منتظم وتغيير شيئًا ما في حياة شخصٍ ما من خلالها. ولن يكون لها معنى دون الاستمرار في الكتابة.

وللدخول إلى عنوان المقالة اليوم، يرى الأخ الكريم «مارك مانسون» أن الحياة السعيدة يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا في اختيار الإنسان لنفسه عن أفضل ألم يتحمله ويرغب أن يعيش معه لبقية العمر.

فعندما يقرر شخص ما أنه يريد أن يصبح لاعب جولف أو مُلحن، دون أن يقبل الألم المصاحب لهذا القرار كالتدريب والصبر والسفر ومعاشرة زملاء المهنة والتواصل الكبير مع المدربين، فسيتحول القرار بعد مدة إلى مضيعة للوقت وإهدار مباشر للجهود.

وفي المقابل، عندما يريد أي إنسان أن يصبح كاتبًا مثلًا، فإن الألم المصاحب لهذا الاختيار هو الجلوس لساعات الطويلة على شاشة الكمبيوتر ليكتب بعيدًا عن الناس، مع تقبّل وسعة صدر كبيرة للانتقاد، إضافة إلى المحاولة المستميتة للاستمرار في الكتابة وعدم الانقطاع عن القراءة، وطبعًا الابتعاد عن الطموحات المالية الكبيرة.

هذه العناصر لا يستطيع الإنسان الذي لا يحب الكتابة ولا يحب ألمها أن ينجح فيها. فالكثيرين يرغبون في أن يكونوا مغنيين، وطبّاخين محترفين وكُتّاب وتجار.. ولكن القليلين من يُحبِبوا أنفسهم للألم المصاحب لهذه الأمنيات. أو كما قال إسحاق آسيموڤ واصفًا طموح الكتابة «يجب أن تُغرم في الكتابة، وليس الكتاب بصورته النهائية» وهذا صحيح.

أجد أن اختيار الألم المناسب يمكن إسقاطه على جميع جوانب الحياة، فهناك الحِرمان من الصحة مع فرحة الأكل المضر المستمر، وهناك ألم حِرمان من الوجبات السريعة مقابل الحصول على صحة أفضل.. ويبقى السؤال الأهم في هذه المعادلة: أي ألم ستختار؟

قبل فترة، كان لي شرف الحصول على فرصة الانضمام إلى فريق عمل مهم براتب مُجزٍ جدًا (يفوق ما أجنيه حاليًا بأربعة أضعاف)، وكان الألم المصاحب لهذا القرار إن قررته: هو التخلي عن حريتي في العمل الخاص وفي التنقل والإجازات مع إنقاص ساعات الكتابة خلال اليوم، وعدم القدرة على زيارة أسرتي في فلوريدا. وفي المقابل.. الحصول على مال وفير. وفي الحقيقة، لم يكن الألم مناسبًا بكل صراحة.. فالحرية والتنقل والكتابة مقابل ألم التخلي عن بعض المال الوفير كان يمثل ألمًا مقبول جدًا.

رحلة البحث عن الألم لا تبدأ من الأحلام والطموحات الشخصية، بل تبدأ حسب فهمي من شكل اليوم.. يومًا بيوم. وجدت ربما أن الوسيلة الأفضل للاقتراب من حياة سعيدة ذات ألم مقبول، هو بتخيُّل الإنسان لشكل يومه. وكل يوم.

في تجربتي، ألم الكتابة هو الانقطاع التام عن الآخرين معظم الصباحات حتى وقت الظهيرة.. لبقية حياتي. والسؤال هنا: هل هذا الأمر مقبول بالنسبة لي؟ نعم، مقبول. للآخرين؟ لا أعلم ولا يهم بكل صراحة.

إحدى آلام الكتابة الأخرى هي الانتقاد، وعدم توقع النتائج لما تم كتابته. هل هناك مشكلة في التعايش مع هذه الآلام؟ لا، لا توجد لدي مشكلة.

وهكذا.. أخترت آلام الكتابة لأعيش معها.

اختيار الألم، يجب أن يقارن بشكل دقيق بين الألم الحالي والألم الموجود في الضفة الأخرى، والبحث عن إجابة السؤال: أيهما أقرب إلى قلبي؟

في استقالتك من الوظيفة لممارسة نشاطك الخاص، هناك ألم التحديات المالية وعدم وجود الأمان في حياتك.. والسؤال هنا: هل لديك مانع؟ إذا كنت من الأشخاص غير المستعدين للتعامل مع ألم نقص المال، فيجب أن تتوقف لاستجواب الآلام المحتملة.

فكرة الخروج من منزل الأهل لتعيشي وحدِك يصاحبها أحد ألمين: ألم فقدان الدعم، مقابل الحرية أو الحرية مقابل ألم تحمل المسؤولية بشكل مطلق.

يسهُل اختيار قرار الألم هنا عندما نتخيل شكل حياتنا يومًا بيوم، ومنها للمستقبل مع طموحاته.

فكرة اختيار الألم المناسب فكرة عبقرية من وجهة نظري للبحث عن سُبل للعيش في هذه الحياة، لأن الناس ببساطة اعتادت عن البحث عن المزيد من كل شيء دون السؤال عن الألم الذي المُتطَلب لجلب هذه الأشياء، ودون التساؤل عن أهميتها وربطها بمعنى حقيقي للحياة.

الكثيرين يرغبون أن تصبح أجسامهم أقوى، وشكلهم أفضل، وشهرتهم أكبر. الكثيرين يريدون أن يكونوا أباءًا أفضل ويمتلكون ثروات ومقتنيات أثمن. لكن لا أحد يرغب أن ينظر إلى الألم المصاحب لكل تلك الأشياء. هم يريدونها فقط.

البحث عن الألم المناسب لنا، يقودنا لإجابات أكثر وضوح لما نريده بالفعل في حياتنا. لأنه وفي المقابل عندما نبحث عن المزيد من أشياء كثيرة؛ فإن الخيارات تصبح لا محدودة، ونميل فيها للبحث عن كل ما هو متوفر في هذا الكون وصالح للاقتناء دون الانتباه لما يمكن أن نضحي به من وقت وألم.

اختيار الألم المناسب لكل يوم، الخطوة المنطقية في نظري، ومنها لحياة أفضل.

ترددت في الكتابة عن هذا المفهوم، نظرًا لتأثري به مؤخرًا ورغبتي الجامحة في التحدث عن فكرته طيلة الوقت ومع كل شخص أقابله. فعندم تستمر الأفكار في القفزان داخل العقل، وتظل ترمي بنفسها أمام طاولة الجلوس مع الأصدقاء، فهي تقول لصاحبها: أخرجني من عقلك. وها أنا أرمي بها لقارئي العزيز الآن.

كان الله في عون الجميع.

اتصال المصلحة

لا أعترف باتصال المصلحة، فلا يتصل بك إلا من احتاج لك، وطبيعة الإنسان تقوده دومًا لتقبّل شعور أنه مرغوب من الآخرين حتى وإن كان لمصلحة.

كل الفرق ينحصر داخل دائرة الرصيد الذي بنيته مع الآخرين؛ فإن كنت مهذبًا ولطيفًا وأبديت رغبتك المستمرة لخدمتهم فسيسعدون بك، وسيُسعد أبناءك بخدمة الآخرين لهم من أجلك. وإن كنت العكس، فردة الفعل تتماشى معها.

البارحة تناولت العشاء مع صديقين في أحد المطاعم، التي فاجأنا مالكه بدفع الحساب وفاءً لعلاقته بوالد أحد الصديقين، ليعيد أكثر من ثلاث مرات لصديقي «أرجوك، سلّم لي على والدك كثيرًا».

والد صديقي (الكابتن سالم باقادر) لا يُعرف عنه سوى أمرين: معاشرته المحببة لقلب لكل من حوله، وحرصه على خدمة الآخرين دون انتظار المقابل.

هذا اللطف طال أبناءه.. وأصدقاء أبناءه.

اللطف، يجعل منّا كمتصلين ومستقبلين للاتصال دومًا في دائرة من لا نخشى أن نخدمهم ونطلب منهم المساعدة.

كان الله في عون الجميع.

هل تتذكر الأمور المستعجلة؟

عام ٢٠٠٨م، كانت السنة الأولى لي في تأسيس أول مشروع خاص عملت عليه. أتذكر الآن في أحد الأيام الوقت الطويل الذي صرفته على العمل في مُهمة ما، اضطرتني للبقاء إلى الساعة العاشرة ليلًا في المكتب. كان يومًا شديد الإرهاق، وكنّا نمر بأزمة ما. مستوى الضيق كان مرتفع، وهذا الجهد الذي جعلني أبقى حتى الليل في المكتب كان يشعرني بشكل ما بالرضى، لأنني أمام نفسي أُمثل صورة الشاب الطموح المجتهد.

وحتى وقت قريب، كنت أؤمن أن الحياة تحتاج لجهودٍ استثنائية حارقة لكي ننمو فيها، ونكبر في طموحاتنا، صحيح، ولكن..

تلك الشركة التي صرفت فيها -ليس تلك الليلة فقط-؛ إنما ليالٍ عديدة متأخرة، وجهودًا كبيرة، أصبحت قصة وانتهت وأُقفلت وفشلت. والتفاصيل.. لا أتذكر منها شيئًا سوى أنني عملت بمجهود كبير في غير مكانه الصحيح.

معظم شؤون العمل في تلك المرحلة كانت مستعجلة؛ رواتب الموظفين، مشاكل العملاء، إدارة العُمال، مشاكل الرخص الرسمية، واختلاس أحد الموظفين، وغيرها من الظروف التي كانت تقود دفة الحياة. لم أكن مستمتعًا بالعمل، لكنني كنت أشعر بالرضا، وفي كل استجابة وحل لمهام مستعجلة ومرهقة يزيد إحساس الرضا.

وبعدسة اليوم، وجدت أن الحياة وقتها لم تكن تحتاج لكل هذا الوقت والجهد والسهر. ولا أذكر مرة واحدة عميلًا أو مشروعًا استحق استنزاف الأعصاب والتوتر والحرق.

الرضى بعدسة اليوم عن ذلك الوقت كان مزيفًا.

الأمور المستعجلة إن كثرت في حياتنا، تخرجنا عن قيمتنا، نضطر للاستجابة للظروف كالآلات، لاعتقادنا أننا محور الكون.

والكون في الحقيقة لا يستحق كل هذا الضغط، لأن الحياة ستستمر.

ولكي ننمو، أعتقد أننا يجب أن نختار دومًا «المهم» قبل «المستعجل». كل يوم، ودون توقف.

كان الله في عون الجميع.

عندما نشتري أشياءً غالية لأبنائنا

نتجه نحن الآباء لشراء الأشياء الغالية لأبنائنا اعتقادًا أنها التعبير الأكبر للحب، وجزء منّا يحاول أن يُخفي تقصيرًا ما.

كل الذكريات التي أحملها من طفولتي لا تتضمن ملابسًا غالية أو مقتنيات ثمينة.

ولا يهم إن سألت اليوم: هل كان والداي يشترون لي أشياءً غالية أم لا؟ فالذكريات بالطبع لا تصنعها المقتنيات. بل تصنعها الكلمات والأوقات والمواقف.

يحتفظ الشاب عندما يكبر بكثير من اللحظات التي كانت تحمل الحب والتعليم والتوبيخ فقط. لا أذكر ماذا كُنت ألبس عندما صفعني أستاذ العربي على وجهي في صف الثانية ابتدائي عندما ظن أنني كنت صاحب الصوت الأعلى في الفصل وليس الأخ الذي أيضًا لا أذكره كان بجواري يصيح مثل الديكة، لكنني أذكر تمامًا كيف كان شعوري.

ولا أتذكر من إحدى المناسبات سوى تخويف أهلي لي بعد أن صرّح أحدهم في العشاء أنه أكل ثلاث قطع من ورق العنب (تعبيرًا عن لذّته) لأقفز كطفل معلنًا أنني الفائز لأنني أكلت خمس قطع، وتنتهي تلك الليلة بتوبيخ صارخ من أهلي لأنني أشجع الآخرين على «إعطائي عين» بعد أن قلت عدد الحبات التي أكلتها، ليلتصق هذا الخوف من العين في عقلي طيلة سنوات طويلة وتصبح إحدى مخاوفي الكبرى في هذه الحياة، حتى تخلّصت من هذه العُقدة تمامًا على خير قبل فترة قصيرة.

إحدى الأخوات كانت بارعة في طفولتها في حِرفة الخياطة، حتى دخل عليها والدها ووبخها أنها طفلة مثل العجائز تحمل في يدها قطعة قماش وإبرة الوخز، لتترك هذه الحرفة لحظتها وللأبد، بل أنها اعترفت.. «عندما دخلت الجامعة كانت إحدى المواد تتطلب عملًا فنيًا يتعلق بالخياطة، وفي كل وخزة إبرة أثناء عملي على القطعة كنت أتذكر ذلك التوبيخ».

أتذكر المشاوير الفردية التي كانت بصحبة والدي.. ولا أتذكر بالضبط نوع السيارة أو الشماغ الذي كان يرتديه، ولا أتذكر إن حتى تفصيلًا واحدًا في ملابسي.

أتذكر أجمل إجازة قضيتها في حياتي في شتاء الرياض منذ أكثر من عشرين سنة برفقة العديد من العوائل والأرحام، وأتذكر الألعاب والمغامرات التي كانت برفقة ابن عمتي وبنات عمي، ولا أتذكر في تلك الإجازة مناصب أو ثروات أو مقتنيات أحدٍ فيهم.

الدروس والقيمة والتأثير يُصنعون من البشر، وليس من مقتنياتهم أو أموالهم أو مناصبهم.

الذكرة والتكوين تُصنع من الكلمات.

وأعلم اليوم أن بناتي سيبحثون عن الكثير من الوقت برفقتي، وسيتذكرون لحظات هذه الرفقة ويحكوها لأبنائهم.. وربما إن كان لديهم فائض من الذكرى، سيعلمون كم صرفنا أو اشترينا لهم.

ما هي حقيقتك خارج التواصل الاجتماعي؟

بدأت القصة من هنا:

«أصل إلى عملي كل يوم الساعة السادسة صباحًا، قبل ساعتين من فتح المتجر. تنتظرني الصناديق في الممر وهي مكدسة. رشفة أخيرة من قهوتي، ثم أرتدي قفازاتي وآخذ نفسًا عميق. وأقول لنفسي لقد حان الوقت للعمل. أقوم بإغلاق الصناديق، وأقطع الأسطح المفتوحة بالمشرط، لأخرج المخبوزات المصنوعة من الحبوب الكاملة والنان والكوكيز الخالي من السكر لأضعها على الرفوف، ثم اسحب الفائض إلى الفريزر الخلفي. يستغرق الأمر ما يقارب الساعة لتكديس جميع الصناديق في الأماكن الصحيحة، ووضع الملصقات عليها وترك الثلاجة نظيفة. ثم أسير إلى المخبوزات وأتأكد من أن الكعك متناسق وموضوع في عُلبه الصحيحة. بحلول الساعة الثامنة، عندما يتم فتح المتجر، أقوم بتوفير مساحة للعملاء المبكرين. وفي الساعة العاشرة، أثناء استراحة الغداء، ألتقي بزوجي في البار الرياضي أسفل الشارع لآخذ طبقًا من بطاطا «الهاشبراونز» ذات اللون البني والنقانق والبيض. وقتها أكون قد وصلت إلى مرحلة التضور من الجوع، فلقد عملت بجد.

أعرّفكم بنفسي [شاونا جيمس أوهيرن] الكاتبة الأفضل مبيعًا (لكتاب طبخ خالٍ من الغلوتين) الحائز على جائزة جيمس بيرد. لمدة تسعة أشهر، عملت في متجر المخبوزات المحلاة مقابل خمسة عشر دولارًا للساعة. إنها أفضل وظيفة عملت بها على الإطلاق.

وعلى الإنترنت، لا أحد يعلم أنك فقير.»

استشهدت صحيفة النيويورك تايمز بشاونا كأحد أفضل الكاتبات التي كتبوا عن الطبخات الخالية من الغلوتين، تملك آلاف المتابعين في مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، وهي بالعرف السائد «مشهورة». ولا يعلم أحد شيءً الجزء الآخر من حياتها.

«لا أحد يلتقط صورًا للعلب التي تحمل الفواتير التي يجب أن يدفعوها… وقليلون جدًا من يناقشوا الخيارات التي تبعدهم عن حافة الإفلاس أمام العلن» بل وعلّقت شاونا تعليقًا يصف حالة التهكم التي تعيشها بعدما شاركت رأي صديقتها آشلي «أحاول أن أُفاضل بين خطط التأمين، لكنني ما زلت متأكدة أن خطة التأمين الأفضل في هذه الحياة هي الثروة.»

وأضافت «لم أشارك أبدًا عبر الإنترنت تلك اللحظات التي بحثت فيه أنا وزوجي داني في حسابنا المصرفي لنجد فيه ٨٥ دولار فقط، في الأسبوع الأخير من الشهر، ونحن لا نملك حساب توفير. انخفض تقييمنا الائتماني بعد أن صرفنا الكثير من المال أثناء علاج ابنتنا لوسي في المستشفى… صحيح أننا توقعنا اقتراب حصولنا على مبلغ ستة آلاف دولار من إحدى مشاريعنا الحرة، لكن مع الآسف تأخر الشيك».

كانت شاونا -الإنسانة اللطيفة والمكافحة- تعيش بين حالتين نقيضتين تمامًا، قمة الشهرة والمجد والحياة التي يتمناها الكثيرين على التواصل الاجتماعي، وبين حالة اقتربت من خط الفقر على أرض الواقع. كانت تحاول أن تأخذ مشاريعًا حرة من هنا وهناك حتى وصلت إلى مرحلة من الضغط اضطرت فيها إلى التركيز على الدخل المضمون في المخبز عوضًا عن العيش في حالة من التهديد والتشتت.

«لم أعد مهتمة بمتابعة النعمة التي كنت أعيشها [مواهبها في الطبخ]، أريد فقط أن أدفع الفواتير».

عادت لاحقًا شاونا إلى ممارسة ما تحبه في التدوين عن الطبخ، بعد أن انقطعت فترة طويلة عن تحصيل أي مبالغ من كونها معروفة أونلاين. حتى كتبت كتابه الأخير (Enough: Notes from a Woman Who Has Finally Found It).

*****

لي صديق آخر تشبه حالته حالة شاونا، يتمتع بشعبية كبيرة (مئات الآلاف من المتابعين) وهو لا يزال يعاني الكثير من النقص والتحديات في حياته. نستنجد نحن من نحب الظهور بالعديد من الثواني التي تخفي حقيقتنا خلف الصور، لا نشارك الآخرين إلا ما نحب أن نوهم أنفسنا به، نفقد في معظم الحالات السيطرة على الواقع مقابل وجود سيطرة مؤقتة على صورتنا في العالم الافتراضي، ولا نقترب أبدًا من النقاش الذي يدفع بنا إلى الزاوية الضيقة التي تظهرنا كبشر طبيعيين، نعاني من الوحدة والملل من الصعوبات؛ أو الوِحدة الحقيقية التي يحتاجها الإنسان المعاصر ليجلس ويواجه نفسه. نعتاد بسرعة إلى الشكوى لفضاء التواصل الاجتماعي من الحالة التي لا تخصنا والآخرين، ونُقحم أنفسنا في قضايا كثيرة لا علاقة لنا بها، إلا قضية واحدة: أن نجعل واقعنا صحي بعيدًا عن التوتر ومليء بالقناعة. وقبلها.. أن نجلس ونصارح أنفسنا.

لا يعلم الآخرين أننا نشارك مثلهم في المسرحية. ولا يعي المتابعين المتحمسين أنهم يطلقون على بعض المشاهير سهمًا جارح عندما يخبرونهم أنهم يتعلمون منهم ويجعلون منهم قدوة، والأخيرين لا يقتاتون سوى على هذه الكلمات في حياة يملأها الخواء.

كل الحل في اليوم الذي تقضيه يومًا بيوم.. تبحث فيه عمّا يتعبك ليجعل منك إنسانًا أفضل.

كل كلمة تكتبها أو عمل تنجزه يقودك خطوة إلى ما تريده، أم الآخرين فهم جماهير للمسرحية.

كل قناعة وحياة بسيطة تختارها وتدرب نفسك على تبنيها تجعل منك حقيقيًا، وربما تدفع لك الفواتير.

الإنسان نتاج خلوته.

كان الله في عون الجميع.


هذه المقالة مقتبسة (بتصرّف) من صحيفة الجارديان.

أمر واحد تعلمّته من اللطف

… أنه في حالات كثيرة ليس سهلًا.

يمكن للإنسان أن يكون لطيفًا مع الآخرين معظم الوقت، وفي الحالات الكثيرة تصعُب هذه المهمة وقت المشاحنات وعند الإحساس بالظلم مهما كان طفيفًا.

لا نستذكر أن الطرف الآخر خلف حساب تويتر أو خلف سماعة خدمة العملاء إنسان ذو مشاعر مثلنا تمامًا، وبسبب عدم ظهوره بتعابير على الوجه ولغة جسد، نبادر باتخاذ القسوة والكلام الجارح كبديل سريع عن اللطف لإياصل ما نود قوله. ولسببٍ أجهله، تظل قابليتنا نحن البشر على استحضار الكلام البائس أسرع بكثير من حرصنا على اللطف.

ولذلك دائمًا ما أُشجع الآخرين ونفسي على تبني المبالغة أحيانًا في اللطف أثناء الحديث على الواتساب أو الإيميلات، فالمبالغة هنا تعوض عدم ظهور نبرة الصوت وتعابير الوجه ولغة الجسد.

وإن لاحظنا، سنجد أن المبالغة في اللطف أثناء كتابة رسالة ما، قد تظهر للمتلقي مجرد لطف عادي. وعلى العكس.. قد يظهر الكلام العادي كنوع من القسوة لأنه خالي من التعابير الجسدية.

وما تعلمته.. أن اللطف دائمًا لا يخيب الظن.

كان الله في عون الجميع.

لماذا أصبحنا نبحث عن المختصر المفيد دائمًا

في كتابها (Off The Clock) تسخر الكاتبة «لورا ڤاندركام» من خطوة اختصار الوقت لمن يشاهد مسلسلات نيتفليكس عندما يظهر خيار تجاوز المقدمة (Skip Intro). حيث تطرقت إلى اعتقاد أن من يتجاوز المقدمة عند كل حلقة، قد وفّر الكثير من الوقت الضائع خلال الأسبوع. شرحت زاوية السخرية بقولها: إن كنت تريد فعلًا توفير الوقت، فلا تشاهد نيتفليكس من الأساس.

وعشرات الأشخاص الذين اقترحوا عليَ التركيز على كتابة مقالات مختصرة وكتب أقل في عدد صفحاتها (رغم أنني لا أجد كتاب كوهم الإنجاز ٢٣٠ صفحة مثلًا كتابًا طويل)، ودائمًا تكون الحجة واحدة ومعروفة: أننا أصبحنا في زمن يبحث فيه المتلقي على المختصر المفيد.

ويشجعني آخرون على عمل مقاطع مشاهدة لا تتجاوز الدقيقة أقول فيها ما أريد أن أُفتي به على الجمهور. بدلًا من التركيز على المقالات وتأليف الكُتب. بل أن بعض القرائ الأحبة كانوا قد قيّموا كُتبي بتقييمات منخفضة لرغبتهم في عدم التطرق بتفاصيل كثيرة لبحثي عمّا كتبت عنه.

(أعطينا المختصر المفيد) هو المفهوم الذي يجعل الكثيرين يبحثون عن وقتٍ أكبر في أمور أكثر فراغة.. كتمضية الوقت على قنوات التواصل الاجتماعي!

لا يستطيع الإنسان أن يبني معرفة حقيقية باطلاعه على المختصر المفيد، ولن يستمتع بشكل حقيقي محب كرة القدم إن اكتفى بمشاهدة أهداف مباريات فريقه المفضل كل مرة. وبالتأكيد لا قيمة لمحب الأفلام إن اكتفى بمشاهدة بضعة دقائق تختصر عليه الأحداث من فيلمه المفضل.

المعرفة والتثقّف والترفيه لا يجب أن يعاملوا باختصار. وعلى الأغلب لن يكون الاختصار مفيدًا كما نعتقد، فالحياة بكل تفاصيلها تحتاج إلى الصبر والوقت والاستحقاق لها.

يُخرِج الاختصار المتلقي من السياق.. فلا يعلم القارئ ما هي القصة خلف خروج الكاتب بفكرة أو نصيحة ما في كتابه إن قرأ المختصر المفيد، ولا يعرف مشاهد الأهداف أن اللاعبين ومدربهم كيف تعبوا حتى فازوا في المباراة.

ولا يعلم كل من يحرص على المختصر المفيد أن الأساس في أخذ الطريق الطويل هو الاستمتاع بالوقت الطويل بالدرجة الأولى.

أن تُرمى وسط أحداث الرواية وشخصياتها، وتنتظر المساء لتكمل قراءة النص الذي سيعطيك خيالاً استثنائي هو المتعة الحقيقية، ومنه الفائدة العظمى في بناء المفردات واللغة وتوسيع المدارك.

أو كما يفعل صديقي العزيز عبدالرحمن يماني بقوله «عندما تأتي مباراة مهمة، أشاهد التحليل قبلها ووسطها وبعدها.. ببساطة لأن شغفي ومتعتي بالمباراة لا تكتمل دونهم».

المعرفة والترفيه وجهان لعملة واحدة، يستحقون الكثير من الجهد والصبر لنستمتع بهم. أما المختصر المفيد، فيأخذ بنا إلى التسطيح وإلى المزيد من الوقت المتوفر لأمور ليست مهمة.

اقترح الإطلاع على المقالة الرائعة للآنسة العنود الزهراني في هذا الشأن أيضًا.

الجانب المظلم في المشاعر

«عندما نواجه أي شيء جديد في حياتنا، فإن العقل يُظهِر لنا الجانب الجيد منه ويُخفي حجم التضحية التي يجب أن نقوم بها..» يقول مارك مانسون، ويضيف في موضع آخر «.. ومعظم الأمور التي تُشعِرُنا بالراحة هي ليست في الحقيقة أمور جيدة لنا».

ووصفه الأخير سهل الإسقاط إن تذكرنا سيجارة الصباح أو قطعة الكيك المغطاة بالشوكولاته.. أو الجلوس لمدة ثلاث ساعات أمام شاشة نيتفليكس.

والعكس صحيح.. فيبالغ العقل دومًا في تصوير الأحداث السيئة، ونستطيع أن نستذكر العديد من التحديات والمشاكل التي واجهتنا في حياتنا لنكتشف لاحقًا أنها أقل كثيرًا مما كانت تبدو عليه.

تميل عاطفة الإنسان للمبالغة، والسبب غريزي بالدرجة الأولى بحثًا عن البقاء، فشعورنا الجيد يربطه العقل بالبقاء (المزيد من الحياة إن صح الوصف)، والشعور السيء يرتبط بالموت كأقصى جهة من القطب الآخر.

فعندما نتخيل أنه من الممكن أن نُطرد من وظيفتنا بعد أن قضينا فيها عشر سنوات، قد نُصاب بخيبة أمل كبيرة وشعور سلبي يسيطر على أدقّ التفاصيل في حياتنا.. فالعقل يبالغ في استقبال هذا الشعور حتى يُظهره على مقربة من الموت:

طُردت من العمل، إذا سيتوقف دخلي، إذا سوف أجوع وسيجوع أبنائي، ثم سأموت من الجوع.

وبالطبع هذا النمط الغريزي في العقل الباطن غير واقعي، ولكن لا تميل العاطفة لموازنة المخاوف أو المشاعر الجيدة، ولذلك لا يمانع أحدنا أن يتناول أربع حبات كوكيز دفعة واحدة إن كان لديه مساحة لها، فالشعور هنا رائع رغم الضرر الكبير على المدى الطويل.

تميل العاطفة للمبالغة في الخوف والمبالغة أيضًا في الإحساس بالمشاعر الجيدة. ومهمة العقل أن يضع المشاعر في حالتها الصحيحة.

وجدت مع التجربة أن البحث عن الواقعية والابتعاد عن التأثر العاطفي ومحاولة إضفاء التوازن على الأحداث أمر في غاية الأهمية، وهو ليس أمرًا سهل.

ويقترح مانسون مرحلة متقدمة في التعامل مع المشاعر كأن يسأل الإنسان نفسه عندما يضع هدفًا يُشعره بشعور جيد «لماذا اخترت هذا الهدف؟» فالسبب وراء الأهداف الجيدة قد تكون ليست ذي قيمة، أو قد تكون عاطفية بحتة.

مثال: أريد أن أُصبح كاتبًا.. هذا الهدف.

وهناك عدة أسباب خلفه: ١. أن أصبح مشهورًا ٢. أن أكون غنيًا ٣. أن أُغير حياة الأخرين ٤. أن أنقل تجاربي التي تستحق أن تُكتب.

معرفة المحرك أو السبب قبل الهدف تساهم في أمرين، أولًا: إضفاء المزيد القيمة لاستمرار هذا العمل لفترة أطول، ثانيًا: إعطاء جودة أكبر لخطوات تحقيق الهدف نفسه. فلن يسعى الكاتب الذي اختار تغيير حياة الآخرين أن يكتب مع الوقت هراءً لا قيمة له.

كل هذه المحركات محركات لهدف جيد، لكن العاطفة خلفها تحدد أين يجب أن نقف، لأن المشاعر خلف الأربع محركات مشاعر لطيفة للنفس.. ولكن ليست بالضرورة جيدة على المدى الطويل.

عندما يجد الإنسان نفسه منجرفًا لمحاولة تغيير مباشر وسريع في حياته، فإن السبب يرجع إلى تأثر بالغ في عاطفته. فإن استيقظ من نومه فجأة ليقرر بأن يكون إنسان صحي ويخفف وزنه ويقلع عن التدخين لأنه التقى البارحة بصديق قديم قد نجح في هذا الأمر، وآخر انتقده على زيادة وزنه، قد يُصدم من عدم قدرته على مقاومة أول حبة دونات تظهر أمامه. لأن الدافع عاطفي وليس عقلاني صاحبه الكثير من التخطيط والتفكير.

نفس هذا الإنسان إن توقف قليلًا وبحث عن أفضل الطرق الواقعية لتطبيق هدفه سيجده أمرًا ليس سهلًا، كالبحث عن أقرب نادي من منزله، واعتزال الأصدقاء المدخنين لبعض الوقت، والتخطيط الدقيق حول وجود البدائل لتفاصيل حياته الحالية وإعادة جدولة الكثير من الأمور وغيرها..

مثل هذا الإنسان يصور له عقله شكله أمام المرآة وهو نحيل ويرتدي بدلة بجسد ممشوق، ولا يريه الخمسين ساعة خلال الشهر التي يجب أن تُصرف في النادي، ولا يذكّره بضرورة تجنب الستة عشر حبة دونات التي كان يتناولها في الأسبوع، وبالطبع لا يتطرق عقله للاختلاف الجديد في اختيار المطاعم عند خروجه مع أصدقاءه، الذين سيغرقونه بوابل من السخرية، وقد يتجنبون الخروج معه لاحقًا.

نجحت موجات كثيرة في حياتنا في استغلال هذا الاندفاع العاطفي، ففترة الصحوة مثلًا كانت محاضرة واحدة عن عذاب القبر كفيلة بأن تهز كيان الشاب المراهق وتجعله يعيد حساباته، ليستيقظ اليوم التالي وهو مندفع لصلاته ودعاءه وانضباطه الشعائري، ليختفي هذا الأمر مع الوقت، ويبحث عن محاضرة أخرى تعيده للطريق! وكل المشكلة هنا تتشكل بأن أوقات عدم الالتزام بهذه الشعائر تجعل نفس الشاب يعيش في دوامة كبيرة من عُقدة الذنب التي تُشِل تفكيره.. فلا هو المنضبط في شعائره، ولا هو الإنسان المستمتع بحياته بسبب الذنب.

ليصبح الاندفاع العاطفي هو المحرك بعيدًا عن واقعية الحياة.

يظل التوازن هو المطلب الأهم في التعامل مع المشاعر، فإن انجرفت بسرعة يجب أن يوقفها العقل، وإن خافت كثيرًا يجب أن يهدئها العقل.

إدارة الذهن وليس الوقت + اقتراحات قراءة

أعترف اعتراف اليوم..

أنا من أكثر الشخصيات التي تقرأ عن الإنتاجية وكفاءة الوقت واستغلاله. ومن أكثر الشخصيات التي أصبحت مؤخرًا لا تستغل الوقت وليست ذي إنتاجية.

أعزو بخجل السبب لانتقالي مع أسرتي إلى الولايات المتحدة مؤقتًا بسبب دراسة زوجتي. وقد استنزف مني الأمر أكثر من ثلاثة أشهر من فترة ما قبل الانتقال حتى شبه الاستقرار الآن، في محاولة لإدارة إجراءات الانتقال والمهام المُعلقة بين جدة وفلوريدا على جميع الأصعدة، العائلية منها والعملية.

كثير من التفاصيل عن هذه النقلة يعرفها معظم المبتعثين وأصدقاءهم، إلا أنني اليوم لا أحاول أن أقول كلامًا مستهلكًا، سوى مشاركة بعض الأمور التي تأملتها في هذه التجربة على نفسي.

أولها: تجددت قناعتي أن أي محاولات ومنهج لإدارة الوقت أعتبره فعليًا مضيعة للوقت. والسبب ببساطة أنك بمجرد أن تنظر إلى تقويم الأسبوع أو الشهر على هاتفك الذكي، ستدرك أنك مهما كنت منشغلًا فإنك تملك الكثير من الوقت خلال اليوم، لكن ليس الكثير من الذهن الصافي والطاقة الفائضة.

مجرد التفكير بأن أحاول أن أكتب بعد الساعة التاسعة مساءً وقت نوم بناتي، سوف لن يجدي نفعًا.. لأنني أكون في قمة الإرهاق، ولا أملك سوى بضع ساعات من الأفضل أن تُصرف في أقل مجهود بدني ممكن أو مجهود شبه لا يحتاج لذهنٍ صافي. وقد تطرقت سابقًا لهذا الموضوع موضّحًا أن مشكلتنا كأصحاب مهن إبداعية نخلط بين الإرهاق وبين يأسنا من عدم قدرتنا على خلق عمل إبداعي.

والقاعدة التي تجددت لدي أيضًا مرة أخرى: إياك أن تمارس عملًا إبداعي أو مهمة تحتاج إلى تركيز وأنت مرهق، فقد يؤثر على نفسيتك سلبًا قبل جودتها.. أقولها بجدية.

ثانيًا: رغم ولعي الكبير بالطبخ.. لا زلت أجده من أكثر الأمور في حياتنا التي تُضيع الوقت. ليس بسبب أن الطبخة الواحدة مع تناولها وثم تنظيف المطبخ قد تستنزف من ساعة ونصف إلى ثلاث ساعات (مع وجود أطفال)؛ بل بسبب تكرارها شبه اليومي. وعلمتني التجربة أن الأسرة أو الفرد يجب أن يبحث لنفسه عمّن يساعده في توفير أكلات يومية صحية بسعر مناسب أكثر من الحرص على من يساعده في شؤون النظافة والترتيب.. سواء في المكتب أو في البيت، ومشكلتي هنا، عدم توفر من يساعدنا على الطبخ.

التنظيف والترتيب قد يحصل بسرعة ومرات قليلة أسبوعيًا، أم الأكل فهو شبه يومي، وأعتقد أن الإنسان إن وجد من يطعمه بشكل منتظم، فقد يزيد انجازه.

الطريقة الأنسب للإنجاز والتي أحاول تطبيقها، لا زالت في استثمار ساعات الصباح الباكر في الأشياء الأكثر تعقيدًا وأهمية.. ككتابة هذه المقالة. لأن الذهن أصفى والطاقة موجودة.

أحزن كثيرًا عندما أعاتب نفسي لاستخدامي المفرط للجوال، للدرجة التي جعلتني أذهب إلى متجر أبل وأخبرهم أن جوالي يحتاج لتغيير بطارية، ليرد علي البائع «سيدي، هاتفك ممتاز، أنت تستخدمه بشكل مفرط لا أكثر». وهذا الأمر صحيح، وأعوز السبب لاستخدامي الاستثنائي لخرائط جوجل هنا. لكن أصارع نفسي هذه الأيام لدفنها بين الكُتب والمقالات الشيقة، وربما محاولتي الجدية لإعادة تمرين عضلة الكتابة بعد توقفها المزعج والاستثنائي سيُعيد الزخم مرة أخرى.

وبصراحة، أعتبر هذه المقالة إلى حدٍ ما من ضمن فئة أدب الاعترافات، والفضفضة عن هذا الأمر.

والسلوك الأصح الذي ساعدني في معظم شؤون حياتي خلال السنوات الماضية كان في وضع كل الأفكار على الورقة ومشاركتها مع الآخرين، ليظل التعبير الوسيلة الأكثر فعالية، والمشاركة مع الآخرين يظل الأكثر تأثيرًا وإضافًة للقيمة، فبالتالي.. هدف المقالة أكثر من مجرد الكتابة.

لا بأس إن اقترحت عليَ بعض النصائح عزيزي القارئ. سأكون في انتظارك.

هدية المقالة: ماذا أقرأ هذه الأيام؟

اختياراتي جدًا دقيقة، نظرًا لضيق الوقت ومحاولة الاستغلال الأمثل له. وهنا قائمة الكتب التي أقرأها وأنا مستمتع جدًا، فنادرًا ما تختلط عليَ مجموعة القراءات تكون جميعها تقريبًا ممتازة.

  1. Talking to Strangers: What We Should Know about the People We Don’t Know By Malcolm Gladwell.
  2. Indistractable: How to Control Your Attention and Choose Your Life By Nir Eyal
  3. The Price of Loyalty: George W. Bush, the White House, and the Education of Paul O’Neill By Ron Suskind
  4. Everything Is F*cked: A Book About Hope By Mark Manson

قراءة ممتعة.

مئة تحت الصفر، الكتاب الجديد

التقيت به للمرة الأولى عام ٢٠٠٦م في مكتبه الصغير في مركز بيوتات الأعمال في طريق الملك. كُنت أعمل وقتها في وظيفة استقبال/خدمة عملاء في إحدى شركات التمويل العقاري، أذكر أنني ذهبت إليه ومعي بعض الأوراق المرسولة من مديري آنذاك الأخ أيمن جمال لتسليمه إياها. أدخلني السكرتير إلى مكتبه، استقبلني بحرارة ولُطف، شعرت أن هذا الرجل -الذي يُعد تقريبًا في مكانة والدي- لم يهتم كثيرًا بوظيفتي الصغيرة أو عمري، وهذا بالتحديد ما جعل منه بالنسبة لي شخصًا مثيرًا للاهتمام، فمثلي وقتها يتجنب بطبيعة الحال أصحاب المناصب.. ويتجنبونه، خصوصًا بعد أن علِمت أنه كان رئيسًا سابقًا لمديري.

أعطيته الأوراق، وبقيت خمسة دقائق تحدثنا فيها عن الحياة والعمل والمستقبل، سلّمت عليه وودعته. لفتتني جدًا أناقته وأسلوبه في الحديث وعلمه الغزير، ولفتني أكثر لطفه الغامر.

ثم التقيته مرة أخرى عام ٢٠١٠م بهدف العمل على مشروع معين، لكن لم تشأ الأقدار أن تتم الموضوع. ودون تفاصيل، عادت بنا الأيام عام ٢٠١٤م لأعمل معه في بعض المشاريع الصغيرة، وقد كنت قبلها في بداية ممارسة حِرفة الكتابة بشكلٍ منتظم، حتى عرضت عليه فكرة توثيق تجربته وأفكاره في كتاب، ليرد عليَ بردٍ سلبي وثّقته لاحقًا.

في كل مرة أسأله سؤال عن شأن يخص العمل أو الحياة أو السياسة أو الدين، كُنت أفاجأ من ردوده غير المألوفة أو المتوقعة، فهو لا يميل كثيرًا إلى الرأي السائد، وعلمت أنه يبحث دومًا عن إجابات من مصادر مختلفة. مما قادني إلى المزيد من الفضول تجاهه، حتى اقتنع أخيرًا بإعطاء فكرة توثيق تجربته في الحياة والعمل حقّها، ليدعوني إلى منزله لأبدأ بأسئلتي وجهاز التسجيل بين يدي.. ويبدأ هو بالإجابة.

باشرت بوضع خريطة طريق لتوثيق الكتاب عنه، لاحظت أنه كان يتأمل كثيرًا التحولات الغريبة التي حدثت في حياته منذ طفولته التي تخللت وفاة والده إلى الأحداث التي مرّ بها في مرحلة الجامعة حتى عمله ثم تأسيسه «الخبير المالية» والتي كانت عبارة عن مكتبٍ صغير في طريق الملك حينما زرته لأول مرة.

كان هناك هدف شخصي غير معلن من هذا المشروع، وهو قضاء أكبر وقت ممكن مع الأستاذ عمّار وسؤاله بأكبر قدر ممكن من الأسئلة، ولن يقبل بطبيعة الحال أي شخص مشغول أن أقضي ساعات متواصلة معه بشكل دوري دون وجود مشروع مشترك يبرر هذا الوقت، وكانت فكرة الكتاب هي الحجّة.

كتاب «مئة تحتر الصفر: عمار أحمد شطا.. تحولاته ودروسه وعن مستقبل الأجيال» كان النتيجة النهائية من هدفي غير المعلن، والذي أصبح معلنًا بين يدي القارئ الكريم الآن.

أصبح الكتاب متوفرًا في المكتبات بعد حجمٍ كبير من التنقيحات والتعديلات والتغييرات التي صاحبته، وساعات التسجيل التي تجاوزت عشرون ساعة متفرقة، أصبحت كفيلة بأن تجعل هذا المشروع أحد أهم المشاريع في حياتي العملية حتى الآن، وبكل تواضع أقول أيضًا أنني راضٍ به إلى حدٍ كبير. أذكر أنه رفض إكمال المشروع فجأة في أحد الأيام عام ٢٠١٦م لعدم اقتناعه بالطريقة أو بالأسلوب أو لشيء آخر لا أذكره. لكننا بفضل الله استمرينا وها هو الآن متاح للبيع.

يقال دومًا أن النقيض للعمل الفني «العظيم» ليس العمل الفني «السيء» كما نعتقد، بل أن العدو الأول يُختزل في كلمة «جيد». فكثير من الفنون لا تخرج من أصحابها لاعتقادهم أنها «جيدة» في بحثهم عن إنتاج شيء «عظيم». كان الهدف منذ الشروع في كتابة هذا العمل أن يكون «عظيمًا» قدر المستطاع، ولا أستطيع اليوم إلا الاعتراف بأن كل جهد كان يجب أن يُصرف في هذا الكتاب كان قد صُرف ليخرج بشكله الحالي.

كما لا يفوتني شكر كل من عمل على تطوير هذا العمل ليخرج بشكله الحالي، ومنهم المصور والصديق: محمد اسكندراني الذي التقط صورة الأستاذ عمار على الغلافة، والآنسة ضحى الشريف التي أهدتنا جهدها ووقتها الثمينين لتدقيق محتوى الكتاب، والأخ المصمم كريم آدم الذي أشرف على تصميم غلاف الكتاب.

أتمنى بصدق أن تعطيني الفرصة بالاطلاع عليه، وتشاركني ما استفدته منه. فهذا الكتاب قد نُشر من أجلك.. قارئي الكريم.

قراءة ممتعة.

الصورة بعدسة صفوان القريوتي

مقالة رقم ٦٠٠

أكتب هذه المقالة مستخدمًا الجوال.

معظم مقالاتي المئتين الأولى في الفترة ما بين ٢٠١٣ – ٢٠١٤ كانت قد كُتِبت بالجوال. وها أنا اليوم استرجع ذكرياتي -التقنية- بعد الانقطاع سنوات عن هذه الوسيلة لكتابة المقالات.

كان الهدف الأهم آنذاك إنجاز مقالتي اليومية بغض النظر عن موضوعها أو طريقة كتابتها؛ فالقارئ الكريم قد لا يهتم بالوسيلة التي خلقت من المقالة مقالة، وموضوعها سيكون ذو تأثير إن صاحبه صدقٌ كامل وبعض المعلومات وابتعاد عن البديهيات. هذا منهجي في المقالات بشكل مختصر.

في العام الماضي كانت مقالتي ٥٠١، ولست فخورًا كثيرة أنني تأخرت كل هذا الوقت لأصل للرقم ٦٠٠ (أعتقد أنه كان من الواجب علي استهداف مقالة رقم ٧٥٠ خلال العام)، وبالطبع ليست هذه محاولة لاكتساب العطف أو استعراضًا للتواضع، فقد يقول قائل أن هناك الكثيرين من الكُتّاب الشباب بعيدين قليلًا عن هذا الرقم، وأقول أنني من فئة الذين يأخذون حِرفتهم في الكتابة بجدية، لأني ببساطة أحترم عقلي ومشاعري أكثر بها، وأشعر أنني أضيف شيئًا لهذا العالم معها. وبالطبع مقصدي الآخر من الجدية هو عدم تعاملي مع هذه الحِرفة وقراءها الكرام حسب المزاج، فالمزاج عدو الإبداع الأول.. وإن تُرِكت الأمور له، سيصبح أي شيء أكثر إغراءًا للفنان من عمله.

لازلت منذ ٢٠١٤ على القناعة التي تقول أن الغزارة سر النجاح في حِرفة الكتابة والتوثيق (وكل الفنون)، والاستمرارية هي المعادلة السهلة الممتنعة. فلا يستطيع كاتب المقالات (وكذلك في مختلف الفنون) أن يتأكد من قبول القراء لمقالاته مهما صرف عليها من وقت وجهد. فتجدني أحيانًا أصرف ساعتين على مقالة لم يعطها أحدٌ وجه، وأخرى كُتبت في عشرة دقائق حققت قراءات وتأثيرًا كبير. وليس هناك حل سريع للتأثير على القارئ وكسب وده سوا الاستمرار في المزيد من الانتاج، يخيب بعضه ويصيب بعضه.. والأهم، مكسب الكاتب الأهم مع نفسه: في التعبير المنتظم.

للسنة الأولى أُلاحظ أن قرّاء الكتب (على الأقل في حالتي) كان قد تخطى قرّاء المقالات، ربما لأن الكتب تعطي أصحابها المزيد من المصداقية وإثبات الإنجاز بوحود شيء ملموس على رفوف المكتبات، وربما لأن القارئ الكريم يكون أكثر تركيزًا وانتباهًا في تعامله مع شيء محسوس كالكتاب، يصرف معه الكثير من الوقت والمراجعة، بدلًا من المقالات المتناثرة في فضاء الإنترنت هنا وهناك والتي تزاحم يومه وذهنه، فالمقالات على الأغلب تأتي عرضيًا في حياتنا، بينما تكون الكتب على الأغلب اختيارية فيها.

لاحظت أيضًا أن معظم.. وأقول معظم القراء (للمقالات والكتب على حدِ سواء) هم من فئتين: من هم دون الخامسة والعشرين، ومن اقتربوا أو وصلوا سن التقاعد. وأعتقد أن السبب يعود للوفرة النسبية في الوقت والمسؤوليات لدى هاتين الفئتين، دون أن نتناسى أن الآنسات يحتلون الشريحة الأكبر كفئة جنسية بشكل عام.

ولازلت بالطبع أستلم بعض النصائح بطعم التوبيخ من أحبائي القراء جراء استخدامي المحبب للكلمات العامية أو المفردات البسيطة في هذه الرحلة، ولازلت أردد الرد المعهود والمقتبس على لسان الدكتور علي الوردي والمنتشر في أماكن كثير في كتاباتي «مهمة المثقف أن يقول الحقيقة لا أن يرسم الكلمات». وفي الحقيقة، لا أمانع أبدًا قراءة مقالات مطعّمة بالعامية، وأفضّلها على المقالات المكتوبة بالكامل باللهجة العامية، والتي قد تخونها نبرة صوت صاحبها الكتابية.

على كل حال.. هذه أجزاء من الرحلة، أتمنى أن نكون سويًا في المقالة رقم ١٠٠١.

وشكرًا لبقاءك.. لولاك، لما كانت هناك مقالات تجاوزت الستمئة. 

لماذا لم يكن الحُب محبوبًا لدى العرب قديمًا؟

يتناول الكاتب المخضرم سعيد السريحي في كتابه «العشق والجنون: دولة العقل وسلطان الهوى في الثقافة العربية» حالة الحُب في الثقافة العربية القديمة، وكيف أن الكثير من المسلمين والعرب في القرون الوسطى الإسلامية كانت قد حاربت حالة الحب التي تهبط على قلوب العُشّاق، بل أن الكاتب أشار إلى أن بعض السلف كانوا قد حاربوا الحب للدرجة التي جعلتهم يقارنوه بالشِرك بالله عز وجل وحاشاه، ابن الجوزي أحدهم. فالعاشق يهيم (والهُيام داء كان يصيب الإبل لترتوي من شدة عطشها بالماء، وكلما زاد ارتواءها كلما ازداد عطشها.. حتى تموت).. ويهوى (الهوى: من الهاوية). بل أن هناك أكثر من خمسين مرادفًا للحب في اللغة معظمها ذات معاني سلبية.

يُصاب العاشق بنوع من الوله لعشيقته، وتبدأ حياته بالتغيُر، وتبدأ فجأة بالتشكُّل على ظروف عشيقته، فكلما اختفت، اختفى جزء منه ليحل القلق والافتقاد بديلًا عنها. وكأن حالته أشبه بماكينة تنتظر الوقود لتعمل، ويكون ظهورها هو الوقود للحياة.

يسأل نفسه وعشيقته «كيف كنت أعيش من قبلك؟» أو ليقول لها لحظتها «لا أستطيع أن أعيش من دونك» وهو صادق حسب رأي «أوشو» بوصفه أن الرجل عندما يقولها فهو صادق تمامًا. لكن كل المشكلة أن صدقه ينحسر في تلك اللحظات فقط. تمامًا مثل الطفل الذي يعدك (وهو صادق) بأنه لن يأكل شوكولاتة مرة أخرى، لتصبح المسألة مسألة وقت حتى يعود لسابق عهده.

وبعدها.. يعتاد على وجودها وتصبح العشيقة جزءًا عاديًا في هذه الحياة كباقي الأمور، وتعود الحياة لتوازنها الصحيح. هذه هي سُنّة الحياة.

وإن أبدينا حُسن النية، فإن أسلافنا لم يكونوا مرحبين بفكرة الاستسلام النفسي والعاطفي التام لمن نعشق، حتى وإن كان مؤقتًا. فالاستسلام إن وصفناه في الحب، سيُختزل في الانتظار المستمر، وتعطُّل العقل، وزيادة الأرق والقلق، وتوقّف كل الأنشطة الذهنية التي تستحق بعض التركيز.. وبلُغة أخرى، لا تُصبح الصلاة صلاة.. ولا يُصبح العمل عملًا بانحسار العقل في اتجاه العشيق، بل ولا حتى رفقة الأصدقاء تُصبّح ذات قيمة، في وسط وجود العاشق فيزيائيًا فقط بينهم.

ويصف الأديب الفرنسي مارسيل بروست هذه الحالة ببلاغة لطيفة حينما يقول: «إن الذين ليسوا في حالة حب لن يفهموا كيف يمكن لرجل ذكي أن يعاني بسبب امرأة غبية».

وتعليقي الأخير على بروست والسلف الكريم.. أن كليهما لا يريدون أن يظهروا أو أن يظهر الآخرين بمظهر الأغبياء والمستسلمين. فبالتالي لا يبالغون في تشجيعهم لأن يخوض الآخرين قصص العشق.

تُخمة معلومات

عند المقارنة بين الإنسان المعاصر وبين الإنسان قبل عقدين، سنلاحظ أن أحد أهم التغييرات في نمط الحياة يتشكل في تُخمة المعلومات الزائدة عن الحد.

ففي وسط مشاهدتنا لصور أصدقاءنا وأطفالهم وحفلاتهم التي يحضروها، تقفز مشاركة الخطوط السعودية لنا بعروضها المخفضة لفصل الصيف، وعرض آخر لتجربة قيادة «بينتلي كونتينينتال» التي يقترب سعرها من المليون ريال، وبالطبع كِلا العرضين لا يستطيع ٩٨٪ من الناس الحصول عليهم دون تخطيط مسبق من الأساس. فنادرًا ما «تهبُق» العائلة لشراء ستة تذاكر خلال شهر أو شهرين دون تخطيط مسبق، وتنسيق إجازات العمل وادخار مصاريف السفرة منذ بداية العام، وبالنسبة للشاب الأعزب فلن تُشكل بِضع مئات من الريالات المخفضة عرضًا مغريًا إن قرر السفر الآن وفورًا أو حتى خلال شهرين. والبنتلي ستكون موجودة في الجنة إن شاء الله.

وفي وسط الازدحام البصري لأصدقائنا واحتفالاتهم، تكتفي إحدى الآنسات بتصوير نفسها لمقطع يتجاوز الست دقائق وهي تُغني. تغني فقط. وإن قررت أن تكون متطورًا فكريًا فستُفضّل أن تتابع أصحاب العقول والفِكر والذين لا يمارسون الظهور إلا لأسباب على الأغلب تشبه أسبابنا. الفضفضة أو التعبير عن موضوع غير مهم (كالسخرية من ترمب، أو التعليق على فيلم).

فأصحاب الفِكر يعملون في فِكرهم بعيدًا عمّا يظهر لنا، فهم على الأغلب يعملون مثلنا في النهار، ويفضفضون في المساء، ليأتي نهار ثاني ننشغل نحن بفضفضاتهم ونعطل تركيزنا عمّا في أيدينا.

والأخبار.. قصة أخرى.. فهي بالتأكيد لن تُقدّم ما يتجاوز ١٪ قيمة لحياتنا مقابل الوقت المستقطع عليها. والخبر الأهم والذي قد يلامسنا بشكل ما مباشر (كخبر: فتح باب التعيين لوظائف الملاحين في الخطوط الفلانية) على الأغلب سيصلنا من أحد الأصدقاء أو من إحدى سيدات قروب العائلة.

مقالات الرأي ومقالات التحليل والكُتب.. والتواصل الجاد مع الأصدقاء أفضل من هذه التخمة التي لا تُشبِع.

استعراضي للأمثلة قد يكون سطحيًا إلا إنني عندما أكتبها وأراها أمامي الآن، أستوعب أن هناك بالفعل خللًا ما فيما أضع عيني عليه كل يوم ودون توقف.

وفي أسبوعي الثاني الآن من مقاطعة التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار (التي أضفتها على قائمة المقاطعة)، لازلت أعاني من تخمة معلومات بشكل آخر في الواتساب ومجموعاته، ونيتفليكس.

وكأن نمط الحياة انقلب ليصبح شديد السهولة في الحصول على معلومة.. إلى درجة أن الحصول عليها أصبح شديد الصعوبة في نفس الوقت!

أعتقد أننا يجب أن ننتبه من تخمة المعلومات.

ننتبه ونحزن قليلًا على عقولنا.

تجربة مقاطعة التواصل الاجتماعي لمدة ٣٠ يوم

أقوم هذه الأيام بحملة مقاطعة مؤقتة لمدة ثلاثين يومًا لقنوات التواصل الاجتماعي، تحديدًا فيسبوك وتويتر وانستجرام.

لدي العديد من الأهداف خلف هذه الخطوة، أولها كبح جِماح الإدمان الذي عانيت منه، فأنا من الشخصيات الضعيفة أمام قنوات التواصل الاجتماعي بصراحة، تشدني الأخبار التافهة أكثر من المهمة، وأصبحت تغريني التغريدات الفارغة أكثر من الكُتب، وبالطبع التركيز المستمر والدقيق أصبح مهمة في غاية الصعوبة لشخص يحب أن يكتب ويحتاج لتركيز صلب كالحجر.

حجم الضغط كان كبيرًا عندما ضغطت على خيار «إيقاف الحساب مؤقتًا». قلقت من عدم وصول المقالات أو ما أود قوله للأعزاء القُرّاء، في الوقت الذي كنت أجد فيه نفسي لا أحرص للظهور بشكل منتظم وأخبر الآخرين أنني موجود، دون أن أُقدّم لهم مقالة أو تغريدة وجدت أنها بالفعل تستحق المشاركة.

بلغة أخرى، لستُ مدمنًا على الظهور قدر إدماني على المتابعة.

رِهاني خلال هذه الفترة هو صرف المزيد من الطاقة الذهنية على الكتابة والقراءة وإنجاز المعلقات من مهام عملية، ورهاني الآخر هو اعتمادي عليك. أنت عزيزي القارئ لمقالاتي متأملًا نشرك للمقالات التي أكتبها مع من تُحبهم. بدلًا من التركيز على البحث عن شخص سيعطيني بعضًا من وقته المنتشر على التغريدات ومشاركات التواصل الاجتماعي الأخرى.

يملك القارئ اللبيب لهذه المقالة خلفية جيدة عن ضرر قنوات التواصل الاجتماعي في تعزيز «الأنا» والسطحية، وتضييع الوقت أو الذهن. ولن أغامر بإقناعه حول هذا الأمر أو تذكيره بأن هناك جوانب إيجابية أخرى بالطبع. لكن، المشكلة تتشكل في حالتي؛ بأن صنعة البحث والقراءة والكتابة بطبيعتها لا تحتاج إلا لوقت طويل غير منقطع وبشكل يومي، وهو أمر مختلف قليلًا عن بقية الوظائف والتخصصات الأخرى، وبالتالي أصبحت الأحوج لها.

العالم لا يحتاج لرسامين أو رجال أعمال أو لكُتّاب يشاركون صور أبناءهم أو أطعمتهم أو تغريدة تبحث عن البحث عن التقدير مثل «مرحبًا…..» أو «كيف أصبحتم؟». العالم في نظري يحتاج للمزيد ممن يحاولون صُنع محتوى حقيقي. يغير شيء ما في مكانٍ ما.

جرب مراجعة حسابات الفنانين أو الكُتاب المهمين في حياتك في قنوات التواصل الاجتماعي. ستجد دون شك أن مشاركاتهم (السطحية) لا توازي حجم أعمالهم العميقة والكبيرة التي جعلتك من الأساس مهتمًا بهم ومتابعًا لهم.

عندما تقرأ إحدى كُتب ستيفن كينج وتقارن محتواها بما كتبه لمدة سنة كاملة على قنوات التواصل الاجتماعي، ستجد أن الكتاب الذي كتبه يحمل قدرًا عاليًا من دقة المحتوى والإبداع والخيال، ونقصًا واضح في الأخطاء المطبعية. بينما يتمثل العكس في التغريدات التي لا تكف عن مهاجمة ترمب وسخرياته من فترة لأخرى بآخرين، ناهيك عن تصوير كلبه بشكل منتظم على الانستجرام؛ وإن حالفك الحظ، ستجد إعلانًا لكتاب جديد بين هذا الهراء.

ينطبق هذا الأمر على معظم من تابعتهم من الفنانين اللطيفين بالنسبة لي. فلن تُسعدني رؤية عمرو دياب وهو ينشر صور حفلاته مؤخرًا، قدر انسعادي بسماع أغنيته «من كم سنة وأنا ميال ميال» التي تعب على إخراجها قبل أكثر من عشرين سنة. وهذا مؤشر بسيط لما أحاول لفت النظر إليه.

الفن عمل حقيقي. والظهور عمل سطحي.

أعلم مثلكم جيدًا حجم الفائدة من وجود التواصل الاجتماعي، إلا أن الفائدة قد غُطت تمامًا بالنسبة لي لتتحول لإدمان مزعج، أجده أحد أهم الأسباب التي جعلتني أعاني حتى في نومي بسبب الشاشة المُشعة وأنا على السرير.

وهنا لن أغامر بالقطيعة تمامًا، قدر محاولتي للسيطرة.

ويشرح أحد أهم المناصرين لفكرة إنقاص دور التواصل الاجتماعي، الكاتب «كال نيوبورت» في كتابه الأخير «Digital Minimalism» الطريقة المثلة في حياتنا عن كيفية التعامل مع التواصل الاجتماعي بنقاطه:

أولًا: يجب عليك التخلص من الإدمان، بمقاطعتك لمدة ثلاثين يومًا للتطبيقات المسببة لك حالة من الإدمان.

ثانيًا: بعد تلك الفترة يجب عليك العودة تدريجيًا محمِّلًا في ذهنك القيمة المباشرة التي سيعطيها لك كل تطبيق تواصل، عوضًا عن الانكباب عليها دون وعي كما كنت قبل الثلاثين يوم.

وبالطبع يشرح بالتفصيل آلية هذه الخطوات. ولكن أكثر ما لفت انتباهي في منهجه هو الاعتقاد الجازم بأن المقاطعة في حقيقتها أمرًا ليس سهلًا إطلاقًا، فستجد نفسك في الأسبوع الأول ممسكًا بهاتفك طيلة الوقت للبحث عن شيء ما. وبهذا، اقترح «كال» التخطيط المسبق لما ستفعله بهذا الفراغ المفاجئ الذي سيصيب عقلك. وخطتي كانت بسيطة: كتاب. أينما كنت، وطيلة الوقت.

وسأعترف باعترافات مهمة تخص هذه المقاطعة..

أولًا: عندما أستقبل أحد الإيميلات اللطيفة من القراء الأعزاء، ليشكرني على مقالة ما أو كتاب ما، فهو يذكرني بالوقت الكبير، شديد التركيز، الذي صرفته على كتابة المقالة أو ذلك الكتاب، فبالتأكيد لم يكونوا سيُتعبون أنفسهم ويكتبون لي إن صرفت وقتها وقتًا أطول على التواصل الاجتماعي؛ فالكتب والمقالات لا تُنجز بنصف عقل مع الأسف، ولا تكتب نفسها بنفسها وأنا منشغل في قراءة خبر عن نانسي عجرم وحفلتها الصاخبة في جدة أو عن ابنة محمد صلاح التي أدخلت هدفًا في المرمى.

في الحقيقة، أُحب نفسي أكثر وأنا أكثر إنتاجية وتركيز، وأعتقد جديًا أن القراء يحبونني أكثر وأنا أكثر إنتاجية وتركيز. في الوقت الذي عاهدت نفسي بأن تكون مهنة الكتابة هي المحرك الأهم لي على هذا الكوكب.

إذًا.. لماذا كل هذا الإسراف في الوقت والذهن الصافي؟

ثانيًا: سيقول قائل بأن هناك العديد من الأشخاص شديدي الانتاجية في محيطنا وهم في نفس الوقت شديدي الغزارة في تواجدهم على التواصل الاجتماعي، وهذا أمر صحيح بلا شك. إلا أنني أعترف مع الأسف أنني لست مثلهم، ولا أمانع أن قلت إنني أضعف منهم قليلًا في السيطرة على انتباهي الغلبان.

عند مراقبتي لذاتي وجدت أن ادعاء كوني إنسانًا اجتماعي من الطراز الأول حقيقة، وكوني إنسانًا عاطفي حقيقة أيضًا، وهذه التركيبة هي التركيبة الأكثر تأثرًا سلبيًا بما تقدمه قنوات التواصل الاجتماعي. فهناك الكثير من الأخبار الساخنة، وبالطبع الكثير من الأصدقاء وأنصاف الأصدقاء والبشر الذين يحاولون إخبارك أنهم موجودين لتشاهد صورهم وأسفارهم.

بينما أكون في المقابل في قمة صدقي وعطائي وفائدتي للآخرين ولنفسي، عندما أنشغل أكثر على صفحة «وورد» البيضاء لأكتب شيء ذو قيمة.

ثالثًا: أعترف أن قنوات التواصل بالفعل كانت ذات فائدة عظيمة في حياتي، خصوصًا تحويل العديد من أصدقاء تويتر وفيسبوك وانستجرام لأصدقاء حقيقيين على أرض الواقع، وهذا أمر لا يقدر بثمن. إلا أن المشكلة تتمثل في انشغالي أكثر وأكثر عن الأصدقاء الحقيقيين واجتماعي بهم، طالما هناك فرصة للاجتماع بهم ومعرفة آخر مستجداتهم من خلال التواصل الاجتماعي!

لازلت في أسبوعي الأول من المقاطعة، إلا أنني شبه متأكد بأن استشعاري بالالتقاء وجهًا لوجه مع أصدقائي سيكون ذو تأثير أكبر وأجمل إن ضغطت على نفسي ليكون هذا الأمر بديلًا عن المزيد من الوقت على شاشة الجوال. فما بالك ببناتي. ونومي. وعلاقاتي الاجتماعية الأخرى؟

هناك العديد من فئات المدمنين على التواصل الاجتماعي، وأُعتبر إلى حدٍ ما أقلهم إدمانًا بصراحة، إلا أنني ما زلت في طور معاناة الإدمان. أُعزي نفسي بأنني لا أحب تصوير نفسي كثيرًا أو تصوير أكلي بشكل منتظم مثل حالة الدرجات المتطورة -في رأيي- من الأحبة أصحاب المعاناة الأكبر.

وأخيرًا.. أجد أن التركيز على الإنتاج والإنجاز في القراءة والكتابة حتى وإن حرمني هذا الأمر من مشاركة ما أكتبه على التواصل الاجتماعي، سيعود عليَ بالنفع.

والبركة فيك عزيزي وعزيزتي القارئة بتعزيز هذه الخطوة ومشاركة هذه المقالة وغيرها من المقالات العديدة التي كتبتها بصدق وتركيز حقيقي مع أحبائك في جروبات الواتساب وغيرها من القنوات المختلفة.

تملك صديقًا يُدندن.. إذًا أنت محظوظ

دخلت قبل أسابيع للنادي، كان ذلك اليوم هو أحد الأيام الكثيرة التي لا أملك الرغبة فيها للتمرن ولا حتى لتحريك نصف عضلة في جسدي. وأصبحت أتسلح في تلك اللحظات بجهاز قارئ كيندل أو الآيباد وأنا على الدراجة أو غيرها من الآلات التي تشاركني حضور فيلم ما أو قراءة كتابٍ ما.

عندما استقريت على الدراجة وقبل أن أضع السماعة.. بدأ صوت أحد زملاء النادي الفرفوشين الذين لا أعرفهم بالدندنة والغناء بصوت منخفض. صاحبه صمت غير منظّم من بقية المتمرنين، وبدأ الأخ الفرفوش لا إراديًا بإعلاء صوت دندنته لأغنية العظيمة شادية..

«إن راح منك يا عيني.. حيروح من قلبي فين؟.. القلب يحب مرة ما يحبش مرتين..»

ليُكمل بشجون مرتفع ومنقطع النظير..

«القلب يحب مرة ما يحبش مرتين.. ما يحبيش مرتين.. ما يحبيش مرتين!».

تفاجأت من نفسي وأنا أضع السماعة بسرعة -مُخفِضًا صوتها- لأبحث عن هذه الأغنية التي لم أسمعها منذ زمن طويل على الجوال، وأحاول أن أُستكملها مع شجون هذا الرجل. حتى وصلت لذلك المقطع الذي يغنيه وهو مبتسم مع صوت شادية «وحياة اللي جرالي … وياه من غير ميعاد.. لأسهّره الليالي … وأحرّمه البعاد.. واطّفي بناره ناري.. وأخلّص منه تاري ولا يهمك يا عين.. هيروح من قلبي فين..».

انتهت الأغنية، وانفتحت نفسيتي على المزيد من هذه الحياة بما فيها لحظات النادي المملة.

والتفتت، لأجد الرجل قد اختفى.

من سوء الحظ، أن اللحظات الاستثنائية تبقى استثنائية.. فلدي صديق ذو صوت وأداء رائع، نادرًا ما يُدندن بشكل مباغت، لأجد نفسي وقتها محاولًا السيطرة على المحيط لكيلا يُعطل دندنته شيء، إلا أنه سرعان ما يلاحظ، ويتوقف عن الدندنة بسبب خجله، وأستمر دومًا بالضغط عليه ليُكمل، ودون جدوى.

الغناء المفاجئ والدندنة تتلخص في كلمة العظيم هينري ميلر في وصفه: «نحن لا نغني لأننا نأمل بالظهور ذات يوم في دار أوبرا، بل نغني لأننا نملك رئتين مليئتين بالفرح. إنه أمر رائع أن نحضر مشهدًا جميلًا، لكن الأكثر روعة هو أن تلتقي في الشارع بمشرد مسرور لا يستطيع أبدًا التوقف عن الغناء كما لا يستطيع التوقف عن التنفس ولا ينتظر أيضا أقل مكافأة على جهوده. جهود! إنها كلمة ليس لها معنى عنده… هكذا إذًا يسقط العالم ذات يوم قطعا أولا وتصبح في معسكر الملائكة أو تصبح الشيطان ذاته، في الحالين خذ الحياة كما هي، وادفع نفسك فيها، وانشر البهجة والفوضى».

عندما تبدأ الشك في مقدرتك

.. هناك مجموعة خيارات يمكن للإنسان القيام بها.

  1. أن يستمر في الشك (حتى ينتقل لإحدى المراحل التالية).
  2. أن يبحث عن مُسكّن لا يُشعره بالشك في مقدرته (التواصل الاجتماعي أفضل وأسهل وسيلة).
  3. أن ينشغل فيما بين يديه الآن.. وحالًا.

من حُسن الحظ أن نتائج الانشغال فيما بين يدينا لا تظهر بسرعة، وإلا لكانت الحركة أثقل بكثير.

لا نملك أحيانًا سوى القليل من الأدوات، والكثير من الشك.

ونملك دومًا الكثير من وعي ما يجب علينا القيام به اليوم وحالاً.

اليوم وحالًا.. ما بين يدينا.. هو ما يستحق التركيز.

وغداً.. سيأتي يوم وحال آخر سيستحق تركيزًا آخر.

شكّ اليوم يقطعه ذلك اليقين.. الذي يخبرك الآن أن شخصًا ما يجب أن يتحرك.

ظاهرة اختفاء الأصدقاء بعد الزواج أو نقصانهم في حياتك

عندما عاش الفيلسوف «آيبيقور» بقية حياته زاهدًا، ومتقشفًا، ومعتمدًا على سعادته في وجود الأصدقاء العزيزين حوله بعد أن قضى شبابه في نمط حياة بالغ الرفاهية والإسراف والثراء، تشكل رأيه تجاه العلاقات بالأصدقاء بوصفه: «من بين جميع الأشياء التي تمنحنا الحكمة لتساعد المرء على عيش حياة كاملة مليئة بالسعادة، يعتبر امتلاك الأصدقاء أعظمها على الإطلاق».

فليس هناك مستوى من السعادة يتجاوز جلسة مطولة مع صديق عزيز بغض النظر عن مكان الجلسة، والعكس ليس صحيح بالطبع.. فإن امتلك أحدنا أموال الدنيا دون امتلاك فرصة الجلوس مع صديق عزيز، فلن يكون سعيدًا على الأغلب.

ويضيف: «قبل أن تأكل وتشرب أي شيء فكّر مليًا بمن ستأكل وتشرب معه لا بما ستأكله أو تشربه: إذ إن تناول الطعام من دون رفيق يشبه حياة الأسد أو الذئب».

—–

أنا من الشخصيات التي تعول كثيرًا على الأصدقاء، ولدي انتماء كبير لهم، وأستطيع أن أُضحّي ببعض النرجسية إن قلت إنني لا أستطيع أن أعيش دونهم.

ويبالغ النفساني «كارل يونج» بوصفه للأصدقاء: «هم بمثابة اعتذار الرب [عز وجل وحاشاه] عن بعض أفراد عائلتك السيئين».

ورغم اقتناعي بأهميتهم ودورهم في هذه الحياة، إلا أنني لاحظت اختفاءهم أو نقصانهم بشكل كبير لدى العديد من معارفي بعد ارتباطهم بالزواج. وعندما أقول نقصان الأصدقاء، أقصد تحديدًا «الأصدقاء» وليس «المعارف».

أُقسّم الأصدقاء لثلاثة فئات في حياتي:

  • الدرجة الأولى: وهم الأصدقاء المقرّبين والعزيزين جدًا على قلبي، وأجدهم بمثابة الإخوة. وقد تصاحب ظروف الحياة ابتعادهم بشكلٍ ما، إلا أن الابتعاد لا ينقص من قدرهم. وبالطبع مع وجود المشاغل والأسرة، لن يعيب علاقتي بهم انشغال أحدنا عن الآخر فترة من الزمن.
  • الدرجة الثانية: وهم أصدقاء عزيزين، قد لا يصاحب وجودهم في حياتي لقاءات منتظمة، إلا أن معدل الحب تجاههم قد يزيد ولا ينقص، وهم يبتعدون درجة بسيطة عن الرجة الأولى.
  • الدرجة الثالثة: هم الأصدقاء الذين التقيت بهم مرة أو مرتين في حياتي، وهذه الفئة تتميز عن الفئتين الأولى أنهم على الأغلب يسكنون في الخارج، وهم من جنسيات مختلفة، وهم بالطبع الفئة الأقل والأقرب لفئة «المعارف» سابقة الذِكر.

أجمل ما في مفهوم الصداقة هو عدم حِفّته للأبعاد النفسية السلبية، مثل الغيرة أو حب التملّك. فإن كُنت صديقك فأنا أيضًا صديق الكثيرين والعكس صحيح. عكس علاقة الحب التي سيظل يحارب الجنسين لحصر الطرف الآخر نحوه في حياتهم. وبالطبع، لازلت أحارب فكرة «الصديق الصدوق الأوحد» لأسباب يطول شرحها هنا.

وعودة للظاهرة، اكتشفت أن هناك الكثير من الشخصيات الاجتماعية (كما يبدو عليها) في حياتي تتوقف تمامًا عن تطوير علاقتها بالأصدقاء القدامة بعد الزواج لسبب مجهول لي حتى الآن، في الوقت الذي أجد فيه أن أفراد الأسرة وزملاء العمل والمعارف مهما كانوا لطيفين، فهم لا يستطيعون أن يغطوا خانة الصديق الذي يستقبل فضفضاتنا وفضائحنا وأسرارنا ليشاركنا فيها وجدانيًا على الأقل.

بل تفيد المدرسة النفسية أن عدم حرصك على التواصل مع الأصدقاء وعدم تلبية دعواتهم للقائك بشكل دائم يُعد أحد السلوكيات السلبية التي قد تقودك إلى الاكتئاب -لا قدر الله-. وبالطبع، لا أود أن أُعيد وأزيد عن نتيجة الدراسة الشهيرة لهارفرد بأن سر سعادة الإنسان في هذه الحياة يُختزل بالضرورة في جودة وقوة علاقة الإنسان مع من حوله.

يميل رأيي لتفسير سبب عزوف بعض الأفراد عن تنمية العلاقة مع الأصدقاء بعد الزواج، إلى الاعتقاد بأن الأسرة وزملاء العمل والاجتماع بهم دومًا لا يستدعي الإضافة عليهم. فهم بمثابة العبء أحيانًا.. وليس الاستمتاع بوجودهم.

وسيقول قائل بأن أنماط الشخصية تختلف من شخص لآخر ممثلًة في «الانطوائي» و«الاجتماعي» وهذا صحيح بالطبع، إلا أن الفارق الجوهري هو عدد الأصدقاء بين الشخصيتين ومستوى الصداقة، وليس وجودهم من نقصانهم بشكلٍ واضح.

ويصف دو بوتون الأصدقاء المقربين استكمالًا للفيلسوف «آيبيقور»: «لا يقوم الأصدقاء بتقييمنا تبعًا لمعايير دنيوية، بل إن جوهر الذات هو ما يهتمون به؛ مثل والدين مثاليين، يبقى حبّهم لنا غير متأثر بمظهرنا أو مكانتنا في الهرم الاجتماعي، وبذا لن نخشى ارتداء ملابس قديمة أو الاعتراف أننا جمعنا مبلغًا ضئيلًا من المال».

وبتعقيب الفيلسوف الأمريكي «رالف والدو إيميرسون» في وصفه المختصر للصديق العزيز: «هو الشخص الذي تستطيع أن تفكر أمامه بصوت مرتفع»، فلا يعمد الصديق العزيز إلى محاكمتك على أفكارك الشاطحة أكثر من مناقشتها معك بسخرية وتهكم. وفي حالات قليلة.. تقديم نصيحة لا تؤثر جذريًا على حياتكما سويًة. وبالطبع.. سيهتم لأمرك سواء كُنت غنيًا أم فقيرًا.. وزيرًا أم حارسًا لبوابة الوزير.

تعمّد التواصل المنتظم مع الأصدقاء العزيزين هو الخطوة الأولى ربما لمعالجة هذه الظاهرة، وسيقود التواصل للاقتراب، والاقتراب سيقود بسرعة إلى التعايش واكتشاف أن الصديق له أهمية أكثر مما نتصور.


مرجع:

  • دو بوتون آلن (ترجمة يزن الحاج)، عزاءات الفلسفة، ٢٠١٧، دار التنوير، ص ٧٢ – ٧٣.
تأملات في القولون

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، أصابتني آلام شديدة في بطني مصاحبة انتفاخًا وتأثيرات أخرى لا داعي لذكرها. اكتشفت بعد أن زرت الطبيب أنها آلام القولون (الهضمي على ما أعتقد).

وهذا العام ومع دخول شهر رمضان المبارك، أصابتني نفس الآلام. لكن الفرق أنها أشد مما كانت عليه قبل عام.

كانت ردّة فعلي العام الماضي بأن لعنت كل العادات السيئة في التغذية، لعنت قلة النوم والتدخين، وحتى الأعداء الذين لا أعرفهم.. وبالطبع بالغت في التعبير عن غضبي من الشيطان الرجيم.

هذا العام.. كانت ردة فعلي بأنني انشغلت في تهزيء نفسي لأنني لم ألتزم باستمرار تلعين ما لعنته العام الماضي.

يتضح للقارئ الكريم سوء المصطلحات في هذه المقالة نظرًا لعدم مصاحبة كتابتها أي نوع من أنواع «الرواقة» كما نقول بالعامية.. فأنا أكتب هذه الكلمات في وسط المغص والتعرّق.. وصوت ديانا كرال الذي يحاول أن ينجز شيئًا ما معي.

مع دخولنا اليوم الخامس من الشهر الفضيل وبعد رحلة طويلة ومليئة بالأحداث للولايات المتحدة ومع تضارب الساعة البيولوجية في رمضان، اكتشفت البارحة أن دواء القولون الذي أتناوله منذ أيام ذو تاريخ منتهي. وهنا أنبئ القارئ الكريم، أنني من فئة الأشخاص التي خلقَت لنفسها عُقدة تجاه أي شيء ذو تاريخ منتهي الصلاحية، والسبب يعود بأنني تناولت عندما كُنت في الخامسة لبن منتهي الصلاحية وسممني شر تسميم، واليوم مهما حاول أي شخص أن يقنعني بفكرة الثلاثة أشهر مساحة بعد انتهاء التاريخ، فهي لن تزيدني إلا تمسّكًا بعقدتي.. التاريخ انتهى، إذًا يجب أن يكون الدواء/الأكل/الشراب في القمامة وليس معدتي. ورغم ذلك، تناولت الدواء دون أن أنتبه لتاريخ انتهائه!.. يا لحماقة الإنسان وضعفه مع قناعاته.

اكتشفت بشكل عملي أننا كلما ازددنا انغلاقًا على قناعاتنا، كلما ابتعدنا عن تطبيقها. تتحول بعد فترة إلى بديهيات مكررة، لا تؤثر، ولا تُظهر لنا الحقائق، أو تظهر لنا أن الحياة يجب أن يُنظر لها من زاوية جديدة.. زاوية النظر للتاريخ مثلًا!

في هذا الشهر بالذات أخطأت في أكثر الأمور تمسّكًا بالقناعات فيها.. مثل قناعة ضرورة استئجار سيارة ذات تأمين شامل!

تأملي الجديد في مفهوم النجاح في الحياة، هو أن الإنسان عندما يخطئ.. ببساطة شديدة، ليس مطلوبًا منه بعدها إلا عدم تكرار الخطأ.

فقط لا غير.. دون فلسفة.. أخطأت، براڤو.. إياك أن تكرر الخطأ.

واليوم كررت خطأين، الأول عمره أكثر من خمسة وعشرين سنة، بأن تناولت شيئًا منتهي الصلاحية.. وكان مفترضًا به أن يعالجني بدلًا من أن يجعلني أصرخ آخر الليل من الألم!

خطئي الثاني، سوء التغذية طبعًا.. فربما بسبب قراري الشرقي (أو السعودي) باستثمار سُفرة رمضان لليوم الأول أفضل استثمار، وكأنني قد أتيت من إحدى دول المجاعة قد ساهم (حسب احساسي وقناعتي) بظهور آلام والتهاب القولون. فأنا أعلم جيدًا بيني وبين نفسي أنني أملك جهازًا هضمي حسّاس، ورغم ذلك، أظل أسوق لنفسي وللآخرين أن التخمة (من وقت لآخر) وأكل الشارع من إحدى نِعم الله.. وفي الحقيقة. كلاهما ربما يكونان نِعم، لكن مثلها مثل الكثير من النعم، إن زادت عن حدّها تتحول إلى نِقم.

شريط حياة العادات السيئة كله ظهر أمام عيني في الليلتين السابقة.. استوعبت فجأة أنني لست مراهقًا ولستُ في العشرينات من عمري حيث يتحمل جسدي أي نوع من أنواع العذاب الأكلي! بل واستوعبت أن الأمر سيزداد -ربما إن لم أنتبه- في الخمسينات لا قدر الله.

لا القراءة ذات طعم.. ولا النوم.. ولا حتى الجلوس.. والصيام كله ضاع تقريبًا في النوم.

ومحاولاتي المستميتة للحصول على بعض من حنان بناتي أصبحت تثير الشفقة. عندما يمرض الإنسان يتحول كل سلوك فيه إلى شيء لا يشبهه. ببساطة، يفقد الإنسان طعم الحياة عندما تزرع فيه بعض الألم. حتى يقرر أن يتجاوزه قليلًا ويذهب لعمله أو لإتمام واجب عليه القيام به.. مثل هذه المقالة.

استوعبت أن ما نفعله حقًا في وحدتنا.. يحدد ما سنكون عليه في كل وقتٍ آخر.

ما نفعله في وقت قوتنا سيخدمنا دومًا في ضعفنا.

تأملت كل شيء سلبي.. وعلمت أنه من الأجدى أن يكون الإنسان سويًا أمام نفسه وجسده عوضًا من أن يكون سويًا أمام الآخرين.

حماكم الله.

نصائح جديدة في السفر: للرحلات الطويلة – مقالة ساخرة

أحدثكم من «ديڤي» وهي مدينة بالقرب من «ميامي، فلوريد». وسأدخل في الموضوع مباشرًة..

لا توجد رحلات مباشرة من المملكة لفلوريدا (باستثناء رحلة أورلاندو فترة الصيف). ولذا كان عليَ أن أُفتي في اختياري لهذه الرحلة لكي أؤدي عملي في مدينة ميامي. اخترت الذهاب عبر طيران الخطوط التركية، لأبيت ليلة في إسطنبول وتكون رحلتي في اليوم التالي لميامي.

أخذت بعض الاحتياطات لتكون هذه الرحلة الطويلة مريحة قدر الإمكان، وكانت كالتالي:

  1. بنطلون أقرب ما يكون لبيجامة.
  2. آيباد وكمبيوتر مليئين بأنواع الترفيه والكُتب المناسبة لي.
  3. دفعت ما يقارب ٨٢٠ ريال إضافية لأحصل على مقعد في الصف الأمامي في الدرجة السياحية وأكسب به بضع سنتيمترات لتمديد الأرجل.
  4. استأجرت سيارة لمدة اثني عشر ساعة في إسطنبول لأمتلك بعض السيطرة على وقتي، وبالطبع في محاولة للتوفير. (المشوار من المطار الجديد إلى البيت ٥٠ دقيقة يُكلف حوالي ١٥٠ ليرة، ذهابًا وإيابًا [٣٠٠ كمجموع]، وتكلفة إيجار السيارة ١٥٠ ليرة تقريبًا ليوم كامل).

وسأعقّب على النقطة الأخيرة بأن أحكي قصة الفيلم الذي حصل لي.

عندما أخذت السيارة، حاول مسؤول التأجير إقناعي بدفع ما يقارب ٨٥ ليرة تكلفة تأمين شامل، وهو أمر أقوم به دائمًا لأبتعد عن أي مفاجآت -لا قدر الله- ولسبب أجهله أو ربما لحماقتي؛ رفضت هذا العرض، وهنا تكمن النصيحة الأولى: إيّاك أن تستأجر سيارة دون أن تؤمن تأمينًا شاملًا حتى وإن كلّفك ضعف مبلغ الايجار.

كنت مقتنعًا أن اثني عشر ساعة بمجموع ثلاث مشاوير على الأغلب، لن يحدث فيها شيء، فقبلها استأجرت في نفس المدينة من نفس المحل سيارة لمدة ٣٥ يوم.

لكن بالطبع حدث شيء!

عند إحدى بوابات HGS (وهي شبيهة ببوابات عبور «سالك» في مدينة دبي) كانوا الأحبة الأتراك قد وضعوا الأعمدة العرضية لإيقاف السيارات قبل عبورها، وما حصل باختصار أن هذا العامود الجديد، قد نزل بشكل غير متوقع -بالنسبة ليَ- وهشم زجاج السيارة. وأترك هنا خيال القارئ اللبيب لما حدث. على كل حال كلفني هذا الزجاج ١،٥٠٠ ليرة تقريبًا.

كان إقلاع رحلتي إلى ميامي بحدود الساعة ٢:٠٠ ظهرًا، ولأن الرحلة كانت في منتصف اليوم، نعم، وكما هو متوقع، كُنت قد صعدت إلى الطائرة وأنا شبعان نوم كما نقول باللهجة العامية، وبعد الإقلاع، أكملت دورتي التدريبية المُحمّلة على الآيباد، وقرأت عشرات الصفحات من كتابي الذي أحمله، وشاهدت حلقة على نيتفليكس، لأنظر إلى الساعة بعدها وأكتشف أن ثلاث ساعات قد ذهبت، والمتبقي فقط عشر ساعات.

حرفيًا.. كُنت سأبكي في تلك الأثناء، رغم ادعائي المستمر أنني لا أمانع الرحلات الطويلة لاقتناعي أنني من أفضل الشخصيات التي تُتحف نفسها بالقراءة والكتابة وبرامج الترفيه على الطائرة، خصوصًا في عدم وجود أطفال في المحيط.

كان مجموع ما أغمضته عيني في هذه الرحلة لا يتجاوز ثلاثين دقيقة، وهنا تشكّلت في ذهني النصيحة الثانية: إياك أن تحجز رحلات طويلة في منتصف اليوم، ابحث دائمًا على الرحلات في الفجر أو أواخر الليل، وأشجع هنا -على غير عادتي- بالاستعانة بأدوية أو أي وسائل جدية تساعد على النوم. لأنك ستكون مع الإرهاق غير مُنتِج وغير مستمتع. بل أن المضحك في الموضوع في حالتي، أنني توقعت أن أنجز كتابة ثلاث آلاف كلمة في هذه الرحلة، وبالطبع أنجزت فتح اللابتوب وإغلاقه ثلاث مرات دون أن أكتب حرفًا واحدًا، حتى كاد يظن من بجانبي أنني أعاني من شيء!

قبل صعودي للطائرة، غامرت بالإفطار في مكان كنت أعرف أنه ليس مكانًا جيدًا للإفطار، وفي تأملي لهذه الخطوة تحديدًا اكتشفت أن الحماقة قد تستوقف صاحبها أحيانًا لتقنعه أنه يجب أن يبذل في المرة القادمة المزيد من الجهد ليفكر خطوتين للأمام عوضًا عن التركيز على اللحظات اللحظية. على كل حال، صعدت الطائرة وأنا شبه جائع، لأقرر انتظار وجبة الغداء. مشى الحال، وتغديت.. لكن المشكلة كانت قد ظهرت بعد مضي عشر ساعات عندما نزل عليَ جوع لم أستوعبه أبدًا!.. فجأة أصبحت إنسانًا لم يأكل منذ أسبوع!

ذهبت للمضيفة لأشكي لها عن هذه المجاعة، لتعتذر بلطف وتخبرني أن «السناكس» قد فرغت ولا يوجد متبقٍ منها، وربما سيقدمون شيئًا يكاد يكون وجبة قبل الهبوط بساعة. وعند عودتي إلى المقعد، اكتشفت أن الأخ الذي بجانبي قد قرأ أفكاري، ليُخرِج كيس «شيبس» ويبدأ في تناوله (دون أن يُضيفني)؛ بل أن المثير في الموضوع أنه استيقظ فجأة من نومه.. تناول الشيبس.. وعاد للنوم مرة أخرى.. وأنا أتأمله وأشعر لأول مرة في حياتي بإحساس صادق بالحسد.. يا للهول!

وهنا ربما يجدر بي أن أقترح على القارئ الخبير مثلي نصيحة ثالثة: إياك أن تصعد إلى رحلة طويلة دون أن تأخذ معك وجبة أو وجبتين أو سناك.

حاولت أن أُلطّف تأثير هذه الرحلة على نفسي، لأنني سأكون موعودًا بتكرارها خلال الأشهر القادمة، وحرصي على مشاركة هذه النصائح غير التعبير عن الذات طبعًا، هو التأكد من ترسيخ هذه المعلومات في عقلي الباطن، فلا يجب على الإنسان الفطن أن يكرر أخطاءه.

الخريطة والبوصلة

وظيفة الخريطة هي أن توصلك إلى النقطة «ب» ووظيفة البوصلة أن تخبرك عن اتجاه ما تريد الوصول إليه، دون أن تعطيك تفاصيل الطريق، ودون أن تنبئك عمّا سيأتي أمامك.

يعتقد الكثيرين منّا أنهم يسيرون على الخريطة، لتقودهم الأيام بالاستعانة دومًا بالبوصلة. البوصلة هي الحدس والشغف وتوقع القليل وعدم انتظار مقابل مباشر وتأخير الفرحة لوقتٍ آخر.

تعتمد الخريطة على العقل والحواس.. وتعتمد البوصلة على القلب.

تظل تحاول مع استخدام البوصلة أن تقنع نفسك وكل من حولك طيلة الوقت أنك تسير على الطريق الصحيح، أمّا الخريطة لا تحتاج إقناع.. تحتاج لبعض التذكير.

تعلمت أن امتلاكنا لعينين يجب أن يقودنا بأن تكون إحداها على الخريطة، والأخرى على البوصلة.

هل حقًا نعرف ما سيؤثر على الآخرين في أعمالنا؟

أذكر عندما بدأت حياتي الكتابية قبل سنوات، كُنت حريصًا على متابعة تأثير وانتشار كل مقالة أكتبها من خلال أرقام منصة WordPress، حيث يظهر لي عدد الذين فتحوا وقرأوا كل مقالة، ومقرهم في العالم، بل ويظهر لي الجهاز الذي تم قراءة كل مقالة منه، لابتوب، أندرويد أو آيفون إلخ. وسرعان ما قررت أن أتخلص من هذا السلوك السيء، والذي يشعرني أحيانًا بالغبطة وأحيانًا بالحزن على حجم تعاون القراء القليل نسبيًا آنذاك. حتى انقطعت تمامًا من متابعة عدد القراء، إضافةً لحذفي خانة التعليقات، وللأمر الأخير قصة سأذكرها في مناسبة لاحقة.
أتذكر أربع مقالات مطوّلة كتبتها، كانت إحداها قد استنزفتني أكثر من أربع ساعات ما بين بحث وتقصي معلوماتها وبين كتابتها لطولها. وقد أصابني وقتها نوعٌ من الإحباط لعدم وجود تفاعل حقيقي مقابل المجهود الذي بُذِل من أجلها.
شاهدي كان حول مقالة أخرى في نفس الفترة، كان قد استغرقت كتابتها أربع دقائق فقط (من خلال الجوال). وعندما نشرتها، كانت ذات تأثير استثنائي، بل أن أحد الأصدقاء كان قد اتصل عليَ خصيصًا ليشكرني على مقالة ذلك اليوم، والتي استعجلت فيها لأنني كُنت أقترب من الموعد الذي وضعته على نفسي في ساعة نشر المقالات اليومية.
مقالة الأربعة دقائق كانت ذات تأثير قوي، ومقالة الأربع ساعات لم يعطها أحدٌ وجه.
كان موضوع مقالة الأربع ساعات مهم بالنسبة لي جدًا، وموضوع مقالة الأربع دقائق كان مهمًا أكثر للمتلقيين، مما جعلها تنتشر انتشارًا كبير خلال وقت بسيط.
تعلمت الدرس الأهم من حسن الحظ وقتها، أن الاستمرارية في المزيد من الإنتاج هو الذي يصنع التأثير، فلا يعرف الفنان أي لحنٍ لحّنه سيؤثر أو سيُغير. لكنه يعرف تمامًا أن يملك فرصة كل يوم ليضيف شيئًا جديد لحياة الآخرين.
أحيانًا الفكرة تكون أهم من المجهود، وأحيانًا العكس. وفي كل الحالات، ما يهم هو الاستمرار.

كلمة.. جملة.. صفحة.. كتاب

… أو كما قال الكاتب ستيفن كينج، تتحول الكلمة لجملة، ثم لقطعة ثم لصفحة ثم تنتهي على شكل كتاب.

يتفاجأ الإنسان من قدرته على التخيُل ومقدار ما يملك من تعبير داخله عندما يحاول أن يقول شيًء ما أمام شاشته على الكمبيوتر. أتفاجئ من نفسي كل يوم في الحقيقة.

مثل ذلك الملحن.. عندما يجلس مع نفسه ليريد التعبير عمّا بداخله في لحنه الجديد. وأيضًا الرسّام، والمخترع، الذي يبحث عن حل معضلة ما في هذا العالم.

يبدأ الأمر بفكرة.. ثم فكرة مطولة.. ثم مشروع.. ثم ينتهي كقطعة فنية. هذه العملية تُسمى «فن».

الأغلبية لا يودون الجلوس مع أنفسهم ليقلبوا أفكارهم.. العامة يبحثون عن تلقي المزيد من الأوامر. فالإنصات لأوامر الآخرين أسهل من الإنصات لأنفسنا.

الفكرة دائمًا موجودة، كما يوجد الكسل معها.

الفكرة تستدعي أحيانًا بعضًا من المثابرة وعدم الخوف، لتُصبح في نهاية المطاف قطعة فنية.

الفنان هو من يعيش على تكرار السطر السابق.

العامة، من يعيشون على قرارات يومية أسهل من السطر قبل السابق.

لا عيب فيهم كلهم.. لكن العيب عندما نعلم أن لأفكارنا قيمة، ونقرر أن نختار الطريق الأسهل دومًا.

لماذا نُقدِّر جهودنا أكثر من جهود شريكنا؟

«لماذا يكون حجم المجهود الذي نبذله دومًا أكثر من ١٠٠٪؟ لأنه دائمًا ما يكون أكثر وضوحًا لنا. دائمًا ما نرى تفاصيل الأعمال التي نقوم بها عن كثب؛ لكننا في المقابل لا نرى التفاصيل التي يقوم بها شريكنا (في العمل أو في المنزل). الوضوح في حياتنا غير متناسق.

إذا قمنا بتنظيف الأرضيات، سنلاحظ كم هي نظيفة بعدها، سيظهر لنا حجم المجهود الذي بذلناه، لكن إن قام أحدٌ غيرنا بذلك، قد لا نلاحظ أن الأرض أصبحت أنظف من ذي قبل. نسترجع بعدما نقوم بهذا العمل قيامنا برفع سطل الغسيل،  والتنظيف باستخدام الكرّافة خطوةً بخطوة، لكننا لا نرى أن شريكنا قد قام بذات الأمر إن قام به. حتى أن هذه الحالة تنطبق على غسيلنا للصحون أو حينما نضعها داخل الغسّآلة قطعة قطعة. إذًا، هل من المعقول أن نقول بعمل عرض «برزنتيشن» لشركائنا كل شهر نستعرض فيه جهودنا ليقدّرونا؟ أو نقوم (مثلاً) باستعراض الفواتير التي دفعناها للبيت؟.. أم أننا يجب أن نركز على عُمق العلاقة بشكل مستمر، لتكون بالفعل قيمتنا أكبر أمام شريكنا…»

كان هذا الاقتباس -المترجم- من كتاب Dollars and Sense للكاتب Dan Ariely وزميله Jeff Kreisler والذي تحدثوا فيه عن منطق العامة وأحاسيسهم تجاه المال. إلا أن هذه الفقرة (بعيدًا عن موضوع الكتاب) بالتحديد كانت قد استوقفتني فيما يتعلق بتقدير مجهوداتنا مقابل شركائنا. يميل أحد الشركاء دومًا إلى تقدير جهوده أكثر، لأنها ببساطة كانت أوضح له، وهذا ما يُنتج دومًا جدلًا لا ينتهي عند أي اختلافات تظهر على السطح بين شركاء المنزل وشركاء العمل. فتجد أحدهم يستعرض تضحياته وأتعابه التي صرف عمره عليها، في مقابل عدم قدرته على الإنصات للجهود المبذولة (ربما بنفس المقدار) من الطرف الآخر، والعكس صحيح.

تأتي قيمة التقدير واستشعار جهود الآخرين هنا كأولوية لاستمرار الحياة بسلام، فمثلما نستطيع أن نرى جهودنا الصغيرة والكثيرة والمتناثرة، وجدت أنه من الأجدى أن نتبنى نفس هذه الرؤية لرؤية نفس الكم من الجهود المصروفة من قِبل الآخرين.

هذا الأمر لا ينطبق على الشريك وحسب، بل على الكثير من الآخرين حولنا..

مثلًا، لا أُنكر أبدًا أنني شخصيًا احتجت لبعض الوقت لتقدير جهود عاملتنا المنزلية القديرة (رُقية) والتي دائمًا ما أقول لزوجتي عنها تعبيرًا عن إعجابي وتقديري لما تقوم به في البيت، أنني أُفكِّر بأن أضعها في وصيتي ضمن الورثة. وكان السبب خلف هذا التقدير أنني التزمت بإدارة شؤون المنزل لفترة بسيطة مع رعاية بناتي لوحدي، وبالفعل كان هذا الأمر غاية في الصعوبة، رغم أنني لم أجدها ولو لمرة واحدة تشتكي. عكس ما قمت به من إمطار زوجتي بحجم شكاوى وتعبيرات حانقة بمجرد قيامي بعمل مجهد يتيم لبضعة أيام نظرًا لسفرها. والتي كانت هي الأخرى تتولى شؤون المنزل لسنوات قبلها.

عندما أتطرق دومًا لقياس الجهود، تقودني تلك الفكرة التي تقول بأن واقع الحياة يتطلب بطبيعة الحال الكثير من الجهود المستمرة وغير المنقطعة، ودون وجود هذه الجهود ستصبح الحياة دون طعم أو هدف. فعندما أقوم بتنظيف أرضية المنزل أو عندما أقوم بكتابة كتابٍ ما، فهناك قيمة خلفه تجعلني أبحث عن المزيد من التقدّم، بغض النظر عن أهمية العمل نفسه. فبالتأكيد أود أن يجلسوا بناتي على أرضية نظيفة، وبالتأكيد أود أن أُغير الآخرين من خلال استعراض أفكاري لهم من خلال حِرفة الكتابة، دون انتظار التقدير من أحد (على الأقل بشكلٍ مباشر).

ما يمكن الخروج به من فكرة المقالة في نظري يتلخص في كلمتين: الاستشعار والتقدير. ودونهما لا يمكن لنا إلا رؤية ما نقوم به نحن، وكأن الآخرين خُلقوا بديهيًا لخدمتنا.

صحيح أن استشعار أتعاب الآخرين قد لا يكون بنفس الدقة في بيئة العمل، إلا أن السؤال التقليدي الأهم الذي يجب أن يُسأل تجاه تبرير أتعابنا أمام زملاءنا ورؤساءنا هو: هل تستطيع العيش من دوني في العمل؟ وإن كانت الإجابة نعم، فالأفضل للجميع أن أبحث عن مكانٍ آخر أصرف فيه تعبي ومجهودي، عوضًا عن البحث عن التقدير.

كتاب التأملات: ماركوس أوريليوس

السؤال الأول: كيف لهذه المذكرات أن تعيش وتُتداول كل هذه السنين؟ والسؤال الثاني: كيف لإنسان أن يؤتى الحكمة أثناء حديثه مع نفسه، عن نفسه، دون وجود أعيُن الآخرين حوله.

احترت بين وضع الكتاب في خانة الأربعة نجمات أو الخمسة، فالكتب ذات الخمسة نجمات هي بالعادة الكتب التي تساهم بهز حياتي بشكلٍ كبير أو بسبب وقعها الاستثنائي على حالتي النفسية أو المزاجية، أما الأربعة فهي من نصيب الكتب التي استمتعت بقراءتها.

هذا الكتاب استحق الخمسة نجوم في رأيي لعدة أسباب، أهمها أنه كتاب تشعر بصدق وعمق محتواه في تأملات الإمبراطور الروماني ماركوس اوريليوس (١٢١ – ١٨٠م) رغم مضي أكثر من ألف سنة على كتابته (والذي لم يسعى إلى نشر مذكراته، إن صح نقل محتواها ١٠٠٪؜). وثانيها، أن كل تأمل وخاطرة تقرأها في الكتاب تجعلك تتوقف عندها للحظات وتراجع نفسك وفِكرك، وربما تشجعك على التأمل في حياتك وتقليم جهودك وعلاقاتك وأسرتك واهتماماتك لدرجة جديدة. بل حتى علاقتك مع الله سبحانه وتعالى.

التحدي الأكبر الذي واجهني مع هذا الكتاب هو صعوبة اللغة، رغم أنني حرصت على شراء النسخة المترجمة للإنجليزية الأسهل والأكثر تنقيحًا (ترجمة Gregory Hays)، حسب آراء بعض المُطلعين. ورغم صِغر حجم الكتاب نسبيًا (٢٥٦ صفحة) إلا أن محتواه كاد أن يكون بمثابة ٧٠٠ صفحة.

يقودك الكتاب إلى نقطة لطالما ادعيتها في حياتي الكتابية -حتى وإن لم تكتب نصيًا- بأن الصدق مع الذات هو ما يجعل الحروف والكلمات يتنفسون ويملكون روحًا للحديث مع من يقرأها. «توقف عن السماح لعقلك بأن يكون عبداً، وأن تعطيه النبضات الأنانية، اجعله يقاوم المصير والحاضر، وأن يثق في المستقبل»، يخبر نفسه الإمبراطور كيف عليه أن يتعامل مع عقله «ركز كل دقيقة مثل الرجل الروماني، ركِّز على فعل ما هو أمامك بجدية دقيقة وحقيقية، بإخلاص، عن طيب خاطر، وكن عادلًا فيما تفعله. واعمل على تحرير نفسك من جميع ما يُحرِفُك عن طريقك من الأمور الأخرى. نعم، يمكنك ذلك، إذا كنت تفعل كل شيء، فافعله كما لو كان آخر شيء تفعله في حياتك، وتوقف عن أن تكون بلا هدف، وتوقف عن ترك عواطفك لتتجاهل ما يخبرك به عقلك، وتوقف عن أن تكون منافقًا، ومتمركزًا في ذاتك، توقف عن سرعة الغضب».

وعن مكانة الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين «الجميع يحصل على حياة واحدة. يتم استخدمت كلها تقريبًا، وبدلاً من أن تقرر أن تعامل نفسك باحترام، فقد أوكلت سعادتك إلى أرواح الآخرين.» ويضيف «هل الأشياء الخارجية تُلهيك؟ خصص وقتًا لتتعلم شيئًا يستحق العناء؛ توقف عن السماح لنفسك بالانجراف في جميع الاتجاهات.» ويكمل في موضعٍ آخر «ليس هناك ما هو أكثر إثارة للشفقة من الأشخاص الذين يركضون في دوائر، (الخوض في الأشياء التي تكمن داخلها) وإجراء تحقيقات في أرواح الناس من حولهم، ولا يدركون أبدًا أن كل ما عليهم فعله هو أن يكونوا منتبهين للقوة بداخلهم وأن يكونوا عبيدًا لها بصدق. [كيف نكون عبيدًا لها؟] من خلال منعها من التشوش والاضطراب، وتصبح بلا هدف وغير راضية عن الطبيعة، طبيعة [خلق الإله] والطبيعة الإنسانية».

وعن تأمله في سير الحياة.. «حتى لو كنت ستعيش ثلاثة آلاف سنة أخرى، أو عشرة أضعاف ذلك، تذكر: لا يمكنك أن تفقد حياة أخرى غير تلك التي تعيشها الآن، أو تعيش حياة أخرى غير تلك التي تخسرها. أطول الأعمار هي نفسها الأعمار القصيرة. الحاضر هو نفسه للجميع. الخسارة هي نفسها الخسارة بالنسبة للجميع… أنت لا تستطيع أن تخسر الماضي أو المستقبل؛ كيف يمكنك أن تفقد ما لم يكن لديك؟» وفي استكماله للتأمل «لا تضيع بقية وقتك هنا تقلق بشأن الآخرين، إلا إذا كانت تؤثر مباشرًة على المصلحة العامة. القلق بشأن الآخرين سوف يمنعك من القيام بأي شيء مفيد. ستكون مهتمًا جدًا بما تفعله بشكلٍ مختلف: وماذا تفعل، ولماذا، وماذا يقولون، وماذا يفكرون فيه، وماذا يفعلون، وكل الأشياء الأخرى التي تُلهيك وتمنعك من التركيز على عقلك».

وعن مقاومة لذة المكانة «أي شيء على الإطلاق: كتصفيق الحشد أو المنصب الرفيع أو الثروة أو الانغماس في النفس. قد يبدو كل منهم متوافقًا معنا، لكن لفترة من الوقت. لكنهم فجأة يسيطرون علينا ويسحبوننا إلى الأسفل. لذلك حدد اختيارك بشكل مباشر، مرة واحدة وإلى الأبد، تمسّك بما اخترت. اختر الأفضل. الأفضل لي هو ما يفيدني».

قمت بمشاركة ملاحظاتي التي تجاوزت المئة ملاحظة على هذا الكتاب وفتحها للجميع في صفحتي على Goodreads.com ويمكن لكم الاطلاع عليها كلها من خلال هذا الرابط.

هذا الكتاب، من الكُتب العشرة التي يجب أن تُقرأ في حياة كل إنسان من وجهة نظري.

الاقتراب أكثر من اللازم

إن كان هناك تحدٍ كبير في حياة الإنسان وعلاقاته، فأجده في اقتراب الآخرين (أيًا كان مقامهم) أكثر من اللازم لنا. تُرى العيوب بوضوح مع هذا الاقتراب، ويزيد الخناق إن كُنّا قد اعتدنا على الاستقلالية. وإن كان بعض المتخصصين في العلاقات يرون هذا الأمر من البديهيات، إلا أنه يستحق أن يُذكر اليوم في محاولة لتشجيع القارئ الكريم لدفع المقرّبين (جدًا) خطوًة إلى الخلف، ليس امتعاضًا منهم، إنما للحفاظ عليهم وعلى مكانتهم.

شخصيًا، أملك العديد من الأشخاص في حياتي والذين لا أتخيل حياتي دونهم، يدفعني الود والحب والميانة لأن أكون أكثر قربًا منهم، إلا أن واقع التجربة قد لا يتوافق مع كل ما ذكرته. بل إن ترك المسافة، تُعطي لنا ولهم الفرصة لتجديد القصص التي قد تشغل حيزًا من الجلسات واللقاءات القادمة، وبالتالي حماسًا أكبر لها.

أعرف صديقين، كانوا قد عاشوا قصة حب قبل زواجهم تجاوزت العشر سنوات، حتى انفصلوا عن زوجاتهم في أوقات متقاربة. كان سبب انفصال الأول -حسبما علمت- أن الملل قد ألقى بظلاله مبكرًا على العلاقة -بعد الزواج- التي لم تتجاوز سنتين «يا أخي لا يوجد موضوع نتكلم عنه.. الكلام خلّص» كما حكى لي، بل إن مشكلته تشكّلت في كل مرة كانت تراه زوجته ينسجم انسجامًا استثنائي في نقاشاته واهتماماته المشتركة مع أخيه الذي لم يراه منذ مدة، حتى انفجرت عليه في أحد الأيام بتعبيرها «فيه كلام كثير مع أخوك كل مرة.. وولا شيء معايا في البيت»، والآخر، كانت قضيته أغرب مما تصوّرت، حيث علّق «أنا أعرف أنها متطلبة، بل ومتطلبّة جدًا، لكن لأنني اعتدت على هذا الانطباع وأصبح أمرًا من ضمن الأمور العادية في حياتي تجاهها، لم أكن أتوقع أن يظهر فعليًا في حياتنا على شكل تصرّفات يومية، عوضًا عن مكالمات التلفون السابقة.. اقترابي الزائد عن الحد معها، جعلني لا أرى التحديات بشكلٍ واقعي ونحن في نفس المنزل!»، وبالطبع إن جلسنا مع الأطراف الأخرى سنسمع كلامًا آخر، على كل حال، كان الاقتراب الزائد عن الحد هي الأرضية المشتركة بينهم.

لا أُحب القطيعة أبدًا.. ولكن ممارسة لعبة المسافات مطلب مهم لضمان استمرارية أي علاقة. وجهة نظر.

كيف هو الحال من بعدك؟

لا نسأل هذا السؤال بوضوح لأنفسنا بعد أن يختفي ذلك الإنسان مع ظروفه التي أخفته.

إن كان هو من اختار، أو نحن من قررنا أن نُخفيه، كل الحالات سواء. تتحقق معها صفة الإنسان [في النسيان] وتتحقق معه صفته الأخرى في [الاستئناس] من دونه. وكأننا نتناسى أننا شعرنا مع وجوده؛ أن الحياة ستتوقف.

وفي الحقيقة الحياة لا تتوقف.. ولا يجب أن تتوقف.. إلّا مع من نختار أن تستحق الحياة للتوقف من أجلهم. وهم بدورهم يختارون أن لا يختفوا.

ما تعلمته من وجود الروتين مؤخرًا

عندما باشرت بكتابة كتاب ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون (٢٧ سنة آنذاك)، لم أتوقع أمرين. الأول: أن الكتاب سيلقى الاستحسان من قبل القُرّاء الكِرام للدرجة التي تجعلني أُقرر أن أمضي جزءً كبيرًا من مستقبلي مع حِرفة الكتابة، والأمر الثاني: هو كثرة السؤال والنقاش عن فصل واحد فقط تحدثت عنه في الكتاب: الروتين.

كأي شاب آخر، أُعاني تحديًا في الحفاظ على رباط الجأش، والانضباط بشكلٍ عام في حياتي العملية، فالملهيات كثيرة جدًا، واهتماماتي الشخصية أكثر. ومثلي ومثل أي شابٍ آخر أيضًا أُحِب الحياة بكل تفاصيلها.

عندما تشرّبت واقتنعت تمامًا بمفهوم أهمية وجود روتين يومي في حياة أي إنسان طموح أو فنّان (وبالتالي سوّقت له في كتاباتي)، أصبحت أستغرب كثرة السؤال عن هذا الفصل من قبل الآخرين، فما يعتاد عليه الإنسان في حياته أحيانًا سيبدو غريبًا عندما يسمعه بشكلٍ متكرر من أفواه الآخرين «أحقًا وجود الروتين مهم في هذه الحياة؟» «الروتين يا أخي مُمل!» أو.. «أنا لا أستطيع أن أعيش في روتين يومي، فالحياة تتطلب التجديد المستمر» وهذه الجُمل بالطبع تحمل داخلها استنكارًا غير معلن عن فكرة أهمية وجود الروتين اليومي المتكرر في حياة المُعلقين الأفاضل.

وفي الحقيقة، كل التعليقات صحيحة إلى حدٍ بعيد. ولكن، عندما أتحدث عن الروتين، أقصد بشكلٍ مباشر الروتين اليومي الذي نختاره نحن لأنفسنا، وليس الروتين الذي يختارنا ويرمي بنا إلى الملل. مشكلة الروتين أنه يرتبط بالدرجة الأولى بأعمالنا والتي يغلب علينا فيها اقتناعنا بأنها أعمال يومية على عاتقنا (نقوم بها غصبًا عنّا، أو من أجل الحصول على راتب نهاية الشهر) أكثر منها اختيارية. فالأغلبية مع الأسف تذهب إلى عملٍ لا تُحبه كل يوم، وأصبحوا يبرمجون أنفسهم على هذا العمل، والبقية القليلة من وقت اليوم يُصبح عبارة عن منفذٍ للهروب والاسترخاء أكثر منه عن البحث عن الاهتمامات الحقيقية الأخرى.

السؤال يجب أن يدور حول: ما هو الروتين الممتع الذي اختاره لنفسي في ظل الالتزامات العملية؟ وليس سؤال: كيف يجب أن تُقنعني أنني يجب أن ألتزِم بفِعل نفس الشيء كل يوم؟

أحاول هذا الشهر تطبيق ما تعلمته من كتاب Atomic Habits للكاتب James Clear وهو الكتاب الذي يتحدث عن التركيز على تغيير وبناء عادات صغيرة جدًا حتى يُصبح الإنسان أكثر كفاءة في حياته وعمله. على كل حال، لفتني مفهومين في الكتاب الأول أن المشكلة في عادات الأشخاص السيئة ليست لسوئهم هم، إنما لسوء نظامهم اليومي، وعندما يحاول أي شخص أن يُغير شيئًا ما سيء في يومه، فيشجعه الكاتب على تغيير النظام الكامل عوضًا عن محاولة تغيير هذا الشيء أو هذه العادة باستخدام الإرادة. فالإرادة سرعان ما تضعُف، أما النظام فسيبقى نظام. سآتي لتفصيل هذه النقطة.

أما المفهوم الثاني فهو أن هناك أربعة نقاط يجب أن تكون موجودة في كل عادة حسنة جديدة تُضيفها خلال يومك:

  1. اجعلها شديدة الوضوح.
  2. اجعلها مُغرية لكي تقوم بها يوميًا.
  3. اجعلها سهلة.
  4. يجب أن تُشعرك مباشرًة بالرضا.

وشرحًا للنقطة الأولى وتعقيبًا على الثانية، فإنني وجدت أن الروتين لكي يستمر بعد خطوة «اختيار الروتين الأنسب لحياتنا» فإن إسقاط الأمور الأخرى عليه والتي تصُب في إحساس الرضا مطلب مهم.

مثال: لا أحب شخصيًا الرياضات الفردية، فهي تُشعرني بملل حقيقي، رغم اقتناعي بأهمية الالتزام بالرياضة بشكل يومي. فقررت تنفيذ الأربعة نقاط في المفهوم الثاني.

أصبحت أذهب إلي النادي يوميًا، ليس حبّا في الرياضة، إنما للجلوس على الدراجة لمدة نصف ساعة أو أكثر (ارتفعت لاحقًا إلى خمسة وأربعين دقيقة، والهدف المقبل ساعة ربما) وأمامي شاشة الآيباد مفتوح فيها كتابًا رائع أقرأه هذه الأيام على تطبيق Kindle. وهنا مُحصلة هذا الأمر:

  1. اجعلها شديدة الوضوح: ٣٠ دقيقة فقط على الدراجة أو على جهاز رياضي آخر.
  2. اجعلها مُغرية لكي تقوم بها يوميًا: أُحب القراءة جدًا، فأصبحت أرغم نفسي على الذهاب للنادي من أجل القراءة، وليس الرياضة بشكل مجرد.
  3. اجعلها سهلة: الدراجة أو آلة Elliptical تساعدني على القراءة (رغم الإرهاق الشديد الذي يُصاحب التمرين الثاني).
  4. يجب أن تُشعرك مباشرًة بالرضا: أربعين صفحة من القراءة إضافًة إلى نصف ساعة رياضة، أفضل من أي أمرٍ آخر يُصرف فيه الوقت بصراحة.

ولأكون منصفًا، هذا جزء لا يتجاوز الساعتين من يومي، وهو مختص بفقرة الرياضة اليومية، ومن المجدي أن أعِد القارئ الكريم بمحاولتي الجادّة بالالتزام، فيجب أن أكون مسؤولًا عمّا أقول، خصوصًا في نقطة ضعف سابقة لدي، كالرياضة.

التحدي الآخر الذي أصبحت أواجهه، هو كيفية الوصول لأفضل طريقة أضمن فيها تناول أكل يومي يحمل الصفات التالية: صحي، لذيذ، عملي، لا يُضيع الوقت، رخيص، وذو جودة مقبولة. والأهم من هذا كله، أنني أستطيع الوصول إليه يوميًا وبسرعة، دون إعطاء فرصة للتفكير وسؤال: ماذا يجب علي أن آكل اليوم؟ لأن هذا السؤال سيفتح أفخاخًا عديدة للتعرض لأكل لا يتناسب مع المواصفات المطلوبة.

ووجدت الحل.. بوفيه السلطة في مطعم «ستيك هاوس» في جدة، يبعد عن مكتبي أقل من خمسة دقائق بالسيارة، يملكون أفضل بوفيه سلطات وشوربة (يتضمن خيارات عديدة من البروتين أيضًا: دجاج، شوربة جيدة جدًا، بيض مسلوق، تونة. وأضافوا مؤخرًا: بروكلي، وزهرة، وبنجر، وزيتون) كل ذلك، يمكنك الحصول عليه إضافًة إلى مشروبي المفضل (آيس تي دون سكر) بـ ٣٥ ريال.

أصبحت دون تفكير، أذهب إلى المطعم عندما أجوع (كل يوم)، أدخل مباشرًة إلى البوفيه قبل أن أجلس على الطاولة، أعبئ الصحن بالكامل، أجلس على الطاولة أطلب المشروب والحساب (كانوا يتفاجؤوا الموظفين بدايًة مني، حتى اعتادوا هذا الأمر) . كل ذلك، لا يأخذ مني أكثر من خمسة وثلاثين دقيقة (متضمنًة مشوار الذهاب والعودة من المكتب).

تخيلت أنني سأقوم بهذا الأمر كل يوم، ووجدت أن مبلغ ٧٠٠ ريال في الشهر على وجبة بمثابة وجبتين في محل نظيف، استثمار لا بأس به. ناهيك عن وجبة العشاء في البيت بعدها بسبعة ساعات مع أُسرتي. أصبح كل من حولي يعلمون أين يجدوني وقت الغداء، أصبحت لا أفاوض ولا أفضل أي خيارات أخرى بصراحة. وعند أي مكالمة من صديق حول موضوع الغداء، إجابتي هي.. هي، كل يوم.

تبقى لي التحدي الأكبر والذي أعاني منه منذ زمن، وهو النوم المبكر. أحب فكرة النوم المبكر لعدة أسباب لعل أهمها باختصار، أنني أصبحت استغل الساعة الأولى في الصباح الباكر (إن نمت واستيقظت مبكرًا) لأخذ دورة أونلاين مع جماعة Master Class فأنا في ذلك الوقت ذو عقل يقظ ودون إزعاجات، أساعد بعدها في إيقاظ بناتي وأنا في مزاج جيد لأوصلهم إلى المدرسة وقبلها يكون هناك أحيانًا مُتسع لساعة النادي، وبالطبع يُستكمل اليوم بمزاج جيد حتى وقت الكتابة لثلاثة أو أربع ساعات ابتداءً من ٨:٣٠ صباحًا. ومن ثم الانشغال في الأعمال الأخرى. وفي حالة عدم الاستيقاظ المبكر، تؤجل ساعة النادي إلى ما بعد الظهر، وهو شيء أقوم به حاليًا ولا أحبذه جدًا بصراحة، لكنه يظل أفضل من أي روتين سابق.

شاهدي، أن جميع الخيارات في اليوم أصبحت ملك يدي ومُقررة مسبقًا. فهو بكل تفاصيله روتينًا جيد يشعرني بالرضا والإنجاز، وهناك جوانب أخرى مثيرة اكتشفتها أيضًا وتبنيتها في حياتي مؤخرًا، سأتحدث عنها في مقالتي القادمة.

أنت ولابتوبك

لسببٍ أجهله، أتأمل هذه الفترة يوميًا جهاز اللاب توب (الذي أكتب منه الآن). نفس هذا الجهاز أو شبيهه يملكونه الملايين في العالم، وملايين آخرين لا يستطيعون امتلاكه بسبب عدم قدرتهم على الشراء، والقليل ربما لعدم معرفتهم للتعامل معه. عندما أتأمل حجم الإيميلات المرعب الذي أرسلته في حياتي، وعدد الكُتب والمقالات التي كتبتها حتى هذه اللحظة، أستوعب أن الإنسان بالفعل قد وصل إلى مرحلة متقدمة من قدرته بامتلاك أشياء بسيطة يستطيع أن يُغير فيها شيء. هذه النقطة بديهية.. ولكن..

الدافع وراء هذا التأمل هو وجود تلك الأيام التي لم يُفتح فيها الجهاز إطلاقًا.

لا أعلم إن كان يستوقف القارئ العزيز، أن العالم أصبح قريب جدًا من إنجاز معظم ما يريد إنجازه من خلال الجوال، ولنكون أكثر وضوحًا، يمكن له إنجاز أعمالًا عميقة استثنائية من خلال امتلاك لابتوب.

المعادلة: أنت + لابتوب = شيء ما من الممكن يتغير في هذا العالم.

اختفوا حرّاس البوابات، تريد أن تنشر.. أنشئ مدونة، وأكتب ما تريد. تريد أن تبيع شيء.. انقل تفاصيله على ملف باوربوينت وابعثه لكل من حولك. تُلحن؟.. تقول شيء بصوتك؟.. المعادلة أسهل من أي وقتٍ مضى.

أصبحت أخبر نفسي كل يوم كنوع من التحفيز.. كل ما تحتاجه هو أن تفتح اللابتوب.. ودون توقف.. كل يوم.

«السؤال هو سؤال حول إن كُنت سأعمل أم لا، البطولة سأفترض أنني ولدت معها» – زين الدين زيدان (بتصرّف).

الاستخفاف

ربما نعطي الحق للكثير من المقربين الاستخفاف بنا أو بقدراتنا.. وربما يكون هذا الأمر بدافع «الميانة» أكثر منه بالاقتناع أننا نستحقه.

لا يسعى الجميع للانضمام في البدايات، ولكن معظمهم سيودون أن يقتربوا إليك عند خط النهاية. وعند البداية والمنتصف، ستكون هناك مساحات شاسعة من الاستخفاف.

أجمل ما في الاستخفاف أنه مجرد كلام على الأغلب، وأسوأ ما فيه أنه ذو تأثير كبير رغم أنه مجرد كلام!

يستوقفني أحيانًا أن الاستخفاف يختفي عندما تظهر بعض القدرات على العلن، وشخصيًا، سمعت أكثر من مرة جملة «أتقبّل منك رأيك أو ما تقوله عندما تتحدث به أمام الناس، ولا أستطيع هضمه عندما نكون بمفردنا أو على جلسة قهوة»، وربما يعود سبب عدم الاستخفاف أثناء حديثنا أمام العلن لسببين: ١. أن الحديث أمام الآخرين أو بشكلٍ رسمي.. هو بالفعل كلامُ رسمي وليس مجرد دردشة عابرة و٢. أن الاستخفاف وقتها بنا أمام العامة وبشكل رسمي فيه حالة صريحة من الكُره وسوء الأدب من قِبل المُستخِف.

ولا أعلم إن سمع أحدكم يومًا «أُحبك أمام الآخرين، أكثر من حبي لك ونحن بمفردنا».

من يستخف في كل الحالات، يخبر نفسه أحيانًا أنه أفضل منك، وعندما يحبك أمام الآخرين، فهو يخبر نفسه أيضًا أن هذا المحبوب «تبعنا يا أبو الشباب».

الاستخفاف جزء من سلوكيات هذه الحياة، لا يجب أن نرتعب منه.


[أعيش هذه الأيام حالة من شبه المقاطعة لمعظم قنوات التواصل الاجتماعي في محاولة مني للتركيز بشكل أكبر، سأكون في غاية التقدير والامتنان، إن تفضلت بمشاركة هذه المقالة وغيرها من المقالات السابقة على جروبات الواتساب وتويتر وانستجرام نيابة عنّي، لعلها تُغير شيئًا ما في حياة شخصٍ ما.. شكرًا جزيلًا]

الشراريب الملونة

احترت كثيرًا قبل أن أختار موضوع اليوم، وإن كان تافهًا فهو قد لا يكون تافهًا للدرجة التي يرسمها عقل القارئ الكريم الآن.

إحدى العلامات التجارية المثيرة للجدل، هي LittleMissMatched أو (غير متطابقة قليلًا). هي باختصار علامة تجارية/شركة تركّز على مبيعات الجوارب للفتيات في سن المراهقة وما أقل بشكل خاص، وللنساء بأعمار مختلفة بشكل عام..

تبيع لك ثلاثة فردات من الجوارب وليس زوج كما هي العادة، وكلها مختلفة عن بعضها. تميزها ألوانها الصارخة والجريئة، وبالطبع لهذه الاستراتيجية قصة خلفها، أكتب لكم هنا ما تقوله الشركة:

في عالم LittleMissMatched، أنماط الخلط والألوان هي مُحركنا للسماح لك أن تكوني أنتِ! نحن حريصون على تشجيع الفتاة وتمكينها، سواء كانت تبلغ من العُمر ١٠ أو ١١٠!

تأسست العلامة التجارية في عام ٢٠٠٤م بفكرة تعطيل السوق من خلال إعادة اختراع فئة جديدة من منتجاتها. وتم تقديم فكرة وجود ٣ جوارب غير متطابقة إلى حصولنا في سوق أمريكا الشمالية على الكثير من الإشادة.

واليوم، تعد LittleMissMatched علامة تجارية لأسلوب حياة الفتيات تغطي العديد من فئات المنتجات والترفيه المختلفة، إلا أن الرسائل الأساسية الخاصة بنا لا تزال كما هي. نحن نهدف إلى إلهام فتياتنا ليكونوا قويات ومرحات في نفس الوقت، وقبل كُل ذلك أن يكونوا على حقيقتهم.

وحسب تعليق المسوّق المعروف «سيث جودين» كان الهدف غير المعلن للشركة، هو إعطاء فرصة للفتاة التي تخرُج مع صديقاتها من فئة «المعنطزات» والفخورات بما يلبسنه من علامات تجارية فارهة، بأن تقود أي محاولة نقاش (تافهة) عن العلامات التجارية إلى مسار مثير للسخرية جديد. مثل السيناريو التالي:

  • هل رأيتي شنطتي الجديدة من العلامة (الفلانية)؟
  • لا لا .. أنتي هل رأيتي جواربي التي ألبسها اليوم؟.. فهي غير متطابقة وشديدة الصرصعة!.. هههه!

كان من المثير بالنسبة لي، أن الشركة استهدفت حتى العام الماضي (إن لم تخني الذاكرة) فئة الرجال البالغين أيضًا، إلا أنهم على ما يبدو أبقوا تركيزهم على فئة البنات فقط بمختلف أعمارهم. تملك هذه الشركة حصة مبيعات وسمعة جيدة جدًا. وقد حاولت من خلال استراتيجيتها التسويقية أن تكون جزءًا لا يتجزأ من نمط حياة الفتاة، لمساعدتها حتى على الحديث والدفاع عن نفسها في المواضع التي قد تُشغل الكثير من الفتيات.

شاهدي الآخر، أنني من فئة الرجال الذين يحرصون على لِبس شراريب ملونة، وأجد أن فيها نوعًا من الخروج عن منطقة الراحة بشكل مقبول، أو كما قال لي صديقي محمد «الحياة أقصر من أن نلبس فيها ألوانًا غامقة طيلة الوقت». تُعلّق فكاهيًا عاملتنا المنزلية رُقية أن دُرج شراريبي أقرب ما يكون لدُرج حلويات، في الوقت الذي أجد فيه أن مقام الكثير من الأماكن لا يسمح مثلًا بارتداء ثيابًا شديدة الجراءة، والتي قد تُلفت النظر بدورها للشكل أكثر من الفِكر، إلا أنني بعد هذه السنوات من اقتناعي بفكرة الشراريب الملونة، وجدت أن مساحة تلوين الشراريب مقبولة إلى حدٍ ما. فلا أنا قد خرجت عن العُرف، وفي نفس الوقت أعطيت يومي جزءً من الغرابة والحرية (المقبولة).

على كل حال، أُركز في شراء الشراريب على العلامة التجارية Happy Socks (هذا بالطبع إعلان غير مدفوع) لأنهم يركزون على الجودة مقابل السعر، إضافةً إلى جمال تصاميمهم.

وقد استوعبت زوجتي هذا الأمر المثير للاهتمام، وقد حرصت في سفرتها الأخيرة أن تجلب شيئًا منها ملون.

وانتهى الموضوع.

اللقاء الأخير

في وقتٍ ما في ٢٠١٨م، قام أحد الأحبة في تويتر بعمل «منشن» لي على قطعة، كان قد كتبها الأخ الكريم سلطان ثاني من سلطنة عُمان، وهنا جُزء منها:

في محطة للوقود اعتدت على ارتيادها لأسباب كثيرة غير التزود بالوقود، وغسيل السيارة، ومحل الحلاقة، والصيدلية، ومساحة لألعاب الأطفال، ومحل لبيع العصائر وآخر للمواد الغذائية، في محطة الوقود الواقعة على شارع الخير «بالمعبيلة» كان لقائي الأخير مع صديقي محمد، اتصل بي وأخبرني أنه سيُحضر لي كتاب…

قال لي وبكل ثقة، أن الكثير من قناعاتي ستتغير بعد قراءة الكتاب، وفعلًا كان التغيير كما أخبرني. كان التغيير الذي أحدثه الكتاب على المستوى العملي، أمّا التغيير الذي أحدثه اللقاء الأخير فقد كان درسًا من أعظم دروس الحياة، وللقاء الأخير طاقة على إحداث الكثير من التغيير خصوصًا حين نعرف أنه اللقاء الأخير إلا بعد فوات الأوان. وكان آخر عهدي بمحمد كتاب، الكتاب الذي احتفظت به لأشهر كذكرى قبل أن أتبين أن هناك من هو أحق به وأن له مكانه الصحيح الذي لا بد أن يعود إليه، وصار مروري على ذات المحطة لها طعم لم أعهده من قبل، طعم بين الحزن والرضى والاشتياق.. وهل بين الحالات الشعورية حدود؟! لا أظن ذلك، ولا حتى أنتي يا مسقط تؤمنين أن شعورًا ما قد يكون في معزل، بل إن الشعور كالألوان لا حصر لها ولا عد حتى وإن كانت لها درجات لونية تميز لونًا عن غيره، لكن ما بين اللون واللون مساحات من الظن والرأي، وكذلك المشاعر، فما بين الشعور والآخر مساحات تختلط فيها المشاعر ببعضها، تختلط فيها باللحظة والمكان، ولا تشبه اللحظة الأخرى كما لا يشبه المكان.. المكان، لذا يستحيل أن نصنف المشاعر أو أن نحدها في أنواع معدودة.

حكى لي أخي وصديقي هُناك هيثم الرحبي عن أمر المرحوم محمد النهدي والذي أهدى سُلطان الكتاب «كانوا شبابًا من خيرة شباب عُمان، وكان محمد أحدهم…» اختارتهم إرادة الله في حادث، لينتقلوا إلى رحمته الثلاثة ويبقى السائق.

استمرت القصة في ذهني، كيف لإنسان أن يترك ذكرى على من حوله بالحرص على إخبارهم أن يقرأوا كتاب؟.. كيف يكون لمثل هذا الحدث وجود في مكانٍ ما يبعد عن كاتبه آلاف الكيلومترات، لا يعلم عنه أو يسمع به شيء سوى بالصدفة؟.. تواصلت مع سُلطان، في محاولة مني للتأكد أن كانت هذه القصة حقيقية أم روائية (قبل أن أعرف حقيقتها)، اتفقنا مرارًا على اللقاء، حتى أكرمني الله وتفضّل عليَ بلقائه سريعًا في لوبي الفندق في زيارتي الأخيرة لمسقط.

«ما هي القصة؟» سألته.. ليُجيب «طلبت في تويتر اقتراحًا لكتاب سيُغير حياتي، واقترحت الآنسة فاطمة كتابك (ثورة الفن)، ليُعقّب محمد النهدي عليها بوعد بإهدائه الكتاب لي في أقرب فرصة» وهذا ما حصل في المحطة.

الكثيرين حول محمد تعرفوا على شخص يبحث مثلهم عن الأحلام، يسكن في مكانٍ ما في مدينة جدة. يدّعي صدقه وإيمانه فيما يقول. ولسببٍ ما، وصلهم ما أراد أن يقول، أو بالأصح وصلتهم الرسالة، حتى وإن لم يكتب الله لبعضهم أن يعيشوا معها ومع رسائلهم.

في طُلمة التساؤل كل يوم.. ظهر لي سُلطان مع قصته وجمال روحه. اعتذر عن عدم حضوره لورشة العمل التي قمت بها في مسقط، وعلّق «طلبت مني فاطمة (خطيبة المرحوم) قبل يومين من الورشة -إن حضرتها- بأن لا أذكر لك أي تفاصيل عن هذا الحادثة، ولا أن أقترب من سيرة كتابي القادم «حدثتني مسقط» وعن ذكري لقصة محمد ومع إهداءه لي كتابك. وبالمناسبة.. كانت قد حضرت لك.»

سألته عنها.. وعن إن كانت قد حضر جزء منها لأن محمد كان سيحرص على الحضور ويُعرفني بنفسه ويُسلم عليَ. استوعبت لحظتها، أنه من العبث أحيانًا أن نبحث عن إجابات لأسئلة لا يُفترض بها أن تُسأل. واكتفى بالرد عليَ أن حفل زواجه كان سيلحق يوم الحادث بشهر. إلا أن المشيئة كانت أسرع.

«هل تعلم أخي أحمد!.. لماذا اختار الله عز وجل أن يكون الإسلام من خلال رسالة من رسول؟.. لماذا كل الأديان في هذا العالم جاءت من رُسل؟ لأن حكمة الله اختارت أن يتلقى الإنسان رسالته إن كان مستعدًا لها، كل إنسان في هذا العالم يستقبل رسائله، ويملك رسائله الخاصة ليعيش من أجلها ويقدمها للآخرين.. كانت إحدى رسائل محمد أن يخبر الآخرين ويهديهم ما كتبت».

لا أعرف لماذا تأثرت للحد الذي كاد أن يجعلني أستأذنه، لأُنفِس عن نفسي بعيدًا عنه. فأنا بالكاد أعيش مع ظنوني وحياتي وتقلباتها.. نعم، أخبر الآخرين ما أود أن أخبرهم به، لكنني مثل الكثيرين في هذا العالم، لا أملك اليقين أحيانًا تجاه أمري ورسالتي.

«استمر..» وكأن أخي سُلطان يقرأ أفكاري.

يختار دومًا القارئ ماذا يريد أن يقرأ، ولا يستطيع أن يختار الكاتب من يقرأون له.. مع الأسف. انكبيت، على نفسي لدقائق بعد أن ذهب سُلطان، راجعت الكثير من الحسابات التي لم أكون مشغولًا في بحثها وسط الزحام. استمر عقلي في العمل ليومين. كيف لي أن أعرف أن هناك أشخاصًا يقرأون لإنسانٍ مقالاته وعبثه وكلماته، وليس بالضرورة أن يتفاعلون معه؟.. لماذا لا نملك القدرة على لقاء كل من أعطانا وقته وجزءً من روحه. لماذا اختارت هذه الحِرفة أن تكون وحيدة؟.. لأقول لنفسي أحيانًا: يا أخي لا أود أن أكون وحيدًا في معظم يومي.. إن كان لي الخيار.

يسعُل الكاتب من خلال كلماته، يُفضفض، يكون قاسيًا على نفسه وعلى الآخرين، ويبحث مثل التائه عن شيء لا يعرفه، يظل يكتب ويكتب، ويعتقد أنه اختار الكتابة، وهي في الحقيقة من اختارته. أؤمن أنها وسيلة لحل العُقد والتعبير عن الذات وإخبار الآخرين أنه معهم يواجه ما يواجهونه. تختفي نواياها وعبثها مع زحمة الحياة، وتعود لتوبخ صاحبها وتذكّره أنه سيعيش في شيء من الصراع لبقية حياته. فإما أن يكتب، وإما أن ينشغل بالتفكير عن ماذا سيكتب.

ستكون الكتابة هي الرسالة.. حتى يأخذ الله أمانته. وعسى أن تُبقي على شيء من تأثيرها على بناتي ومن حولهم. وحتى ذلك الوقت، سأقول لأخي محمد ومن مثله الذين لم ألتقي بهم.. شكرًا يا سيدي، أعدك بالصدق والاستمرار.

ما هو الشيء الأهم بالنسبة لك؟

ندخل في الموضوع.. أُسوّق نفسي دائمًا من خلال الكتابة، ولا أحرص أن تلتصق بي أي صفة سوى أنني إنسان يكتُب، بعيدًا عن عالم الأعمال والكسب. شاهدي، أنني اكتشفت أن الكتابة (كحِرفة) ليست هي الأهم بالنسبة لي.. بكل صراحة.

ولكي أبتعد عن التحذلق، فإنني أعني جدًا ما أقول. بل إن الشك لا زال يبالغ في إلقاء ظلامه عليَ تجاه هذه الحِرفة. ومهما كانت المحفزات والنواتج، إلا أن التساؤل دومًا موجود في مكانٍ ما في عقلي، وهو يدور حول سؤال إن كُنت ما أقوم به كل يوم مُقنع بما يكفي لتحقيق الطموح أم لا؛ فهنا وهناك دائمًا أمور شديدة الإغراء إلى جانب الكتابة في هذه الحياة.

يعي أصحاب العقول المستيقظة أن مثل هذه الشكوك والأفكار التي تدور في الرأس بعيدًا عن مرأى الآخرين، أمرٌ لا بأس به إلى حدٍ ما، فهي ما تبقينا على محاولة الاستمرار في المحاولة، حتى يأتي ذلك اليوم الذي نقول في -ربما- أننا توصلنا للإجابة على الشكوك.

عندما تأملت في نفسي قليلًا وجدت أن الأهم.. وأقول الأهم.. هو التعبير.

ولكي أكون أكثر دقة: غايتي في هذه الحياة (حتى الآن على الأقل) هي رغبتي المُلِّحة على الاستمرار في التعبير عن مشاعري وأفكاري والتأثير على الآخرين ايجابيًا من خلالها، وبالطبع لا أنسى هدفًا كبيرًا وهو محاولة تغيير شخصٍ ما في مكانٍ ما في هذا العالم. ووجدت أن أسهل وأسرع طريقة للوصول لهذه الغاية، هي الكتابة. وإن كُنت سعيد الحظ، فالكسب المادي سيرافقني مع هذا الأمر.

«الغاية» هي التعبير و«الوسيلة» هي الكتابة. دون أن أتطرق أيضًا إلى تلك القناعة المرعبة والتي تقول بأنني قد لا أُفلِح في شيء مثلها. وهناك نُسخ أخرى منّي تعبر من خلال الرسم، أو التلحين، أو التمثيل، أو الطبخ.

أعتذر صدقًا على الحديث عن نفسي اليوم (وهو أمر لا أحاول التركيز عليه)، إلا أنني أُبرر بأن تأمل المقالة كان قد توصلت إليه مؤخرًا في حياتي وقررت أن أشارك به. فالمهم دائمًا هو الوعي تجاه الغايات، عوضًا عن أخذ الوسائل والاعتقاد بأنها غايات.


[شرفونا يوم الأربعاء ٢٠ فبراير ٢٠١٩م، في أمسية عن البحث عن المكانة والإنجاز، في مركز سيدانة في مدينة جدة، من هنا التفاصيل]

هل أنت شخص كتوم؟

إن وجّهت هذا السؤال على نفسي، فبالتأكيد لستُ كتومًا بالمعنى المعروف اجتماعيًا (على ما أعتقد). وأقصد مجازًا بالكتوم هو ذلك الشخص الذي لا يُعبر عن مشاعره أمام الآخرين. ولا يحرص أن يكون له رأيٌ مسجّل فيما يراه بشكلٍ عام؛ وبالطبع قد يكون هذا الأمر سلبيًا أكثر منه إيجابي بالنسبة للبعض. إلا أن عدم التكتم على الأفكار أو الآراء لا يتناسب بشكلٍ عام مع إنسان يمارس مهنة كمهنة الكتابة، والتي تتطلب وبشكلٍ مستمر تقليب الأفكار والتعبير عنها. اللهم أن الفرق يُختزل بين التعبير عنها لفظيًا أو على ورق.

عندما قال الله عز وجل في كتابه «إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ…» فإنَ يراكم تأتي من الرأي هُنا، هو تقليب العقل على ما نُبصره أمامنا أو ما اطلّعنا عليه من فكرة أو أمرٍ ما. فالرأي ليس الإبصار كما نعتقد. وغالبًا ما يكون لكل إنسان رأي ما تجاه شيء ما، ونادرًا ما يحدث وأن يكون لشخص رأي لا يهتم بأمرِه كثيرًا، فتجده لا يحرص على التعبير عنه، وهذه الحالة صحية بشكلٍ عام. وعندما تجد شخصًا يقول لك «لا رأي لي في هذا الأمر» فهو يقصد بشكلٍ آخر أنه غير مهتم لهذا الأمر، ولذلك لم يُفكّر فيه.

نقطتي التي أود الحديث عنها اليوم، هي أن الإنسان يجب أن يُعبّر عمّا بداخله، بالشكل المناسب له وعند الأمور التي يمكن له التعبير عنها، فالكتمان المستمر وأخذ حالة السكوت لمجرد السكوت لا أعتبره شخصيًا أمرًا إيجابي على المدى الطويل، وقد يُترجم إلى حالات انفجار أو عُقد نفسية إن استمرت، تمامًا كما نرى حالات النساء المُعنّفات في مجتمعنا، أو في حالات أخرى إن استذكرناها سنجد أنه كان من الأفضل لنا إن عبّرنا عمّا بداخلنا لنحصل على نتيجة أفضل. وقد كتبت مقالة سابقة عبّرت عن جُزءً من طفولتي في هذا الشأن.

أُشجع ابنتي سيرين على التعبير عمّا بداخلها، وأقول لها دومًا قولي ما بكِ، وأخبريني عمّا تشعرين به.. لا تهم النتيجة، من المهم أن تعبري فقط، أخرجي الفكرة أو الشعور الذي في داخلك دون خوف، والنتائج سنتعلم كيف نتعامل معها لاحقًا.

أو كما أخبرني أخي أكرم جمل الليل عن العُرف المنتشر في ثقافة أهل سان فرانسيسكو «يجب عليك دائمًا أن تقف، وتتكلم».. تقف على رأيك، وتتكلم عمّا يدور في رأسك. المهم أن تتكلم لنعرف ماذا يدور في ذهنك.

التعبير عن الذات، يُكسب صاحبه القوة والاستقلالية مع الوقت. والتمرن على التعبير عمّا في ذاتنا يجعلنا لا نخاف، ويزداد حِس الصراحة المُطلقة لدينا، ويُشعِر الجديين حولنا بالأمان، لأننا لن نجعلهم يعتادوا على الخوف مما نكتمه، ويرونا واضحين كالشمس.

وبالطبع يُرصرص هذا الأمر البقية من الآخرين تجاهنا واتجاه آرائنا، فإن وُجِد ذلك الإنسان الذي يُصدم أو لا يتقبّل تعبيرنا المستمر، فمن الأصلح اكتشاف هذا الأمر مبكرًا، عوضًا عن انتظار تلك اللحظة التي بالكاد نعبّر فيها عن شيء ما داخلنا ليرُد علينا.. «ما أتوقعتك كذا!».. ولسان حالنا يجب أن يقول: «هذا ما أعبّر عنه، سواءً توقعت ذلك أم لا، سواءً أعجبك أم لا».

شخصيًا، أحمد الله أن مهنة الكتابة هي وسيلتي الأولى للتعبير (حتى مع المقرّبين) وإلا تحول اسمي لأحمد المليء بالعُقد، عوضًا عن أحمد الذي يكتُب.

الشاهد، عبروا…

بحث
اكتب لك الحقيقة دون توقف … أسعدني بإشتراكك