• روابط جديدة

    لا أعلم لما لم أفكِّر بنشر بعضًا من الروابط أو المقالات المثيرة التي أقرأها بشكل يومي، ربما تكون سُنة حسنة بأن أبدأها بشكلٍ دوري، وهنا بعض أهم المقالات في مواضيع مختلفة (أعتذر مقدمًا من كونها جميعًا باللغة الإنجليزية، وأقترح استخدام مترجم جوجل على الروابط للأحبة الذين يفضلوا اللغة العربية في قرأتهم):

  • المهام الأقل من دقيقتين

    كلما تأملت فكرة العالم الحديث الذي يدفعنا للمزيد من الإنتاجية أُصاب بحيرة، لأسباب كثيرة أحدها مفهوم «إننا كلما تطورنا تقنيًا؛ كلما انشغلنا أكثر من ذي قبل». ومن المفترض أن تكون النتيجة هي العكس. وقد كتبت عدة مقالات مباشرة وغير مباشرة في هذا الموضوع.

    على كل حال، استوقفتني مقالة غريبة عن الانتاجية – لا أود مشاركة رابطها – لعدم اقتناعي بعد بما تحتويه بالمُطلق، ولكيلا أشوِش على القارئ الكريم، تتحدث باختصار عن أن الأنسان الذي يبحث عن «المزيد من الإنتاجية» في مهامه العملية، يجب عليه «ألا يفكر كثيرًا» في تنفيذها، ويستعين بدلًا من ذلك بتنفيذها فورًا. دون مقدمات. كل يوم. ودون اللجوء إلى قائمة المهام التقليدية. مع تجنّب شبه تامك للاجتماعات (وأتفق بالمُطلق مع هذه النقطة بالتحديد).

    من أكبر الوعود التي تضحك على أنفسنا فيها، اعتقادنا أننا سنتذكر الأشياء التي وعدنا أنفسنا بتذكّرها. وهنا مشكلتين:

    • إننا على الأغلب لن نتذكر شيئًا.
    • إننا نُحمّل أنفسنا ذنبًا مستقبلي ليس لهُ داعي.

    وعليه، فإنني منذ مدة طويلة في حياتي المهنية، لاحظت أن المهام التي لا تتطلب أقل من دقيقتين في تنفيذها يكون من الأجدى تنفيذها فورًا في وقتها.

    اتصال بصديق ما؟ نقوم بذلك فورًا أو نقوم بإرسال رسالة صوتية على الواتساب، رد على إيميل مهم؟ الآن وفورًا. حوالة بنكية؟ الآن وفورًا. هذا التفاعل ساهم قليلًا بانتقالي إلى مستوى جديد في الحقيقة.

    وفيما يتعلق بالمقالة: أود أن اعترف اليوم أن أكثر المقالات التي كتبتها في حياتي وكانت ذات تأثير كبير على المتلقي، هي المقالات التي كُتبت فجأة.. هكذا.. دون تفكير أو ترتيب لأفكارها.

    كان الله في عونك.

  • لماذا نحتاج لبعض الوهم؟

    تناقشت مع صديقين (بالصدفة) فكرة وجود «الهموم الاختيارية» المصاحبة لنا طيلة العُمر. مثل قرار تبنّينا لنمط غذاء صحي، أو وعدنا لأنفسنا بممارسة الرياضة -دون هدف محدد- طيلة حياتنا حتى نُعجِّز، أو حتى فكرة انجابنا لأطفال.

    النجاح في رحلتنا مع تبنّي هذه الهموم يمكن لنا النظر لها من زاويتين:

    ١. أننا إن اعتبرناها همومًا أصلًا فستكون هموم. وإن اعتبرناها اختيارات لطيفة فهي كذلك.

    ٢. أن الوهم باعتقادنا أننا سننجح فيها شيءٌ صحي في الحقيقة.

    يشير «إم سكوت بيك» النفساني المعروف في كتابه The Road Less Traveled and Beyond بأننا في حالة إنجاب الأطفال مثلًا نعتقد أن همومنا تجاههم ستنتهي في وقتٍ ما. فنظن أنهم عندما يصلون لعمر الأربع سنوات سيكون بمقدورهم السير والتعبير والحصول على بعضٍ من الاستقلالية، مع وهم الاعتقاد إننا سنرتاح قليلًا بإدخالهم إلى المدرسة، ولكن ما يحدث أنهم يظلون عالقين في أذهاننا طيلة الوقت. ثم يكبروا ويدخلون مرحلة الجامعة ونوهم أنفسنا إننا سنرتاح قليلًا، لنحمل هموم تخصصاتهم ومصاريفهم الدراسية، ثم يتزوجون ويستقلون تمامًا، نظل نُفكر فيهم وفي أبنائهم وعلاقتهم بأزواجهم، وهكذا تمتد دائرة وهم الراحة إلى ما لا نهاية.

    «الوهم هنا أمرٌ جيد في الحقيقة» كما يشير بيك. فهو الذي يُسلِّحُنا بالصبر ويقودنا خطوة إلى الأمام في كل مرة نوهم أنفسنا بالعكس. هذا الوهم، في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من حياتنا، وبنظرة إيجابية شفافة؛ هو أمر لطيف. فلما علينا أن ننظر بأن مشاكل حياة أبناءنا بمعزل عن جمال الرحلة؟

    نمط الحياة الصحي المصحوب ببعض قطع الشوكولاتة الكبيرة وبضعة أيام من الكسل تُنسى عندما ننظر إلى حياتنا بالصورة الأكبر، كذلك هموم الأبناء.. نتناساها عندما نستمتع بمشاهدتهم وهم يكبرون بجانبنا.

    الهموم الاختيارية (أو الحياة السعيدة في اختيار الألم المناسب لنا) تتحول إلى صورة أكبر الجمال والامتنان والمعنى إن توقف الإنسان بالنظر إليها على أنها «هموم» أو «مسؤوليات» فقط؛ قدر كونها جزء من الحياة.. حياة نختارها لأنفسنا.

    وهنا، لا يجب حتى مع وهم الاعتقاد إننا سنرتاح في يومٍ أن نتعامل معها على أنها واجب أخلاقي، هي على الأغلب شيء لطيف اخترناه لأنفسنا، وإلا لما اخترناه في المقام الأول.

    كان الله في عون الجميع

  • راحة البال في الخيارات

    الديون تُقلل الخيارات، والادخّار يزيدها.

    مثلما تكون راحة البال في التقليل.

    يحاول مورجان هوسل في كتابه «سيكولوجيا المال» مناقشة الدوافع التي يجب أن يتحرك الإنسان من خلالها ليدّخر ويستثمر المزيد من المال. ويشير أنه بدلًا من محاولة زيادة الدخل، من الأجدى أن يزيد الإنسان من تواضعه؛ فمعه لن يحتاج إلى إخبار الآخرين ما يملك وما لا يملك، ووقتها سيتجنب الحالة التي أصابت المغنية «ريانا» عندما كادت تُفلس في بداياتها بسبب غزارة الصرف، ليخبرها مستشارها المالي «أن مشكلة الصرف الغزير تجعل أمركِ ينتهي بامتلاك أشياء، بلا أموال».

    كل المدارس التقليدية تدفعنا لوضع أهداف مالية على المدى الطويل والقصير لنحققها: سيارة جديدة، بيت جديد، شنطة جديدة، جوال جديد. وننسى أن هناك هدف أهم غير مرتبط بزمن. وهو راحة البال.

    فنحن لا نخبر أنفسنا إننا يجب أن ندّخر ونقلل الرغبات لكي نملك خيارات متاحة أكثر. مثلما لا نخبر أنفسنا إننا يجب أن ننتبه لأكلنا من أجل حياتنا بعد الشباب، ولا نخبر أنفسنا أن الرياضة مهمة لصحتنا وليس لإنقاص الوزن.

    الأهداف ترتبط بعملنا المهني لنقيس الإنجاز، أما راحة البال فهي المقياس الأهم خارج المكتب. وراحة البال تحتاج لبعض الانضباط كي نصل إليها.

    هناك طريقتين لجعل الإنسان أكثر ثراءً، تقليل الرغبات إحداها كما يُشير «جان كاك روسو». وأقف مذهولًا أمام حقيقة عدم انتباهنا لهذه البداهة عندما أناقش من حولي.

    عندما نستيقظ في يومٍ ما دون عمل، فإن المدّخرات تعطينا المساحة للتفكير بهدوء وسكينة حول خياراتنا القادمة. بينما لا تساعدنا المقتنيات الجديدة على ذلك. وعندما نُقلل، فإن المدّخرات لا تخلق مساحة أكبر من الخطوات القادمة فحسب، بل تروض نفسياتنا التي اعتادت أصلًا على الانضباط أمام كل شيءٍ مُغري، فحتى إن اختفى الدخل فجأة، ربما نواسي أنفسنا أن رغباتنا القليلة لا تحتاج لهذا الذعر. في زمن يعاني فيه الكثير من البشر أسباب وفاة مرتبطة بالسمنة أكثر من الجوع، وتوتر من سوء الإدارة المالية أكثر من الفقر.

    الديون تميل لأن تكون رغبات، راقبها عن كثب وربما ستستبدل تبريرها.

    أما التقليل فهو سلوك، بل تاج الراحة، وعدم التعلّق.

    لا أحاول أن أكون زاهدًا.. ولن أكون ربما. إنما أحاول تأمل فكرة أن الرغبات هي ما يجب أن نُسيطر عليها وليس العكس، وأن الأولويات إن ترصصت بشكلها الصحيح، ربما سنحصل على بعض التوازن، وراحة البال.

  • راحة البال في التقليل

    عندما تقل الرغبات في الأشياء تقل المصاريف، وعندما تقل المصاريف تقل الالتزامات، وعندما تقل الالتزامات تزداد راحة البال، اكتشاف سخيف ومهم في نفس الوقت. هذا المثال السطحي لا ينطبق على المال فقط، بل على الهوايات وخيارات الأكل والطموحات العملية وكل شيء أكبر من طاقاتنا.

    أتأمل مؤخرًا فكرة «راحة البال» والتي يزداد توددي لها مع تقدمي في العُمر. ومع وجود الانترنت وتسارع نمط الحياة والفُرص العديدة المتوفرة والتي قد يحصل عليها إنسان في عمري مع تراكم بعض الخبرة، وجدت نفسي مؤقتًا ضائعًا فيما أريد ولا أريد.

    الإعلانات عن عسل السدر ومكائن الحلاقة، وعروض اشتراكات النوادي والوجبات الصحية، والوظائف ذات الرواتب العالية في المُدن الأخرى كلها تحرك شيئًا ما داخلي، وكأنها كلها تنقصني.

    رغبة الإنسان في الحصول على المزيد من كل شيء رغبة طبيعية؛ فقط إن وجدت من يحفزها، وهذا ما يجعل كُتب تطوير الذات التقليدية شديدة الانتشار، وازدياد متابعي مشاهير السنابشات المهول مبرر. كلهم يدفعونا للبحث عن شيء نعتقد أنه ينقصنا. نبحث عن شكلنا الأكثر وسامة وأنجح وأنحف وأغنى وأكثر سفرًا، مع ابتذال واضح لما نملكه.

    راحة البال في التقليل. في تقليل ما نعتقد أننا بحاجة له. هذه الفكرة التي أتأملها بالتحديد.

    كُنت دائمًا أعيب على أحد أقاربي المتخرجين بشهادة معتبرة والذي يسكن في مدينة نائية مع زوجته وأطفاله في بيت ظريف وحياة اجتماعية أقرب ما تكون إلى الرائعة، عندما كنت أخبره بأن مدينة أخرى إن ذهب إليها وتوظف فيها قد تعطيه فرصة الحصول على ثلاثة أضعاف راتبه الحالي، ليكتفي بالرد عليَ «ولماذا؟» ويتبعها بإخباري عن حزمة من الامتيازات غير المادية التي يفتقدها كل أقرانه. رفقة الأبناء، عمل غير متطلب، وخرجات غير مكلفة، وإجازة بسيطة، وفرصة أكبر للحصول على بيت العمر بسبب رخص الأسعار النسبي، هي تعويض يراه جيدًا عن ثلاثة أضعاف الراتب. سببها الاكتفاء بالمدينة التي يعيش فيها، سببها ربما حرصه على الاكتفاء بالتقليل.

    قد لا يكون ما يفعله الصديق هو المثال الأفضل لكل إنسان يبحث عن أحلام حياته العملية. إلا أن رحلة البحث عن تحقيق الأحلام لا يجب بأي شكل أن تهزم نزعة الإنسان العكسية في البحث عن «راحة البال».

    السرعة وغزارة المعروض تجعلنا لا نرتاح في بالنا. نظرتنا لما ينقصنا لا تجعلنا نرتاح في بالنا أيضًا، مهما حصلنا على المزيد.

    جربت حالة التقليل مؤقتًا، قمت بحزمة تغييرات في نمط حياتي اليومي منذ بداية العام، أصبحت أكثر انضباطًا بعدم الخروج من المنزل مع صرف المزيد من الوقت على الرياضة المنزلية غير المُكلفة من خلال اشتراكي في برنامج Apple Fitness+، مع الانضباط في القراءة المنتظمة العميقة، والخروج فقط مع أصدقاء أود بصدق أن أقابلهم، لأكتفي بالسؤال عن حال الآخرين هاتفيًا.

    جربت أن أرفض معظم المشاريع المغرية وعروض العمل الفلكية التي تتطلب مني الانتقال إلى مكانٍ آخر. كل ما أوده هذه الأيام تنمية مشروعي الخاص بهدوء وببطء، والمزيد من الكتابة وطبعًا المزيد من المقرّبين. قررت مكانها أن أعوض ذلك بزيادة الرصيد المالي بالاستثمار والادخار المنتظم، وقررت محاولة زيادة ثرائي بالورد اليومي من الامتنان والحمد، وممارسة حياة أكثر بطئًا مع اليوجا والتأمل وغداء يومي مع والدتي التي تفتقد زوجها كثيرًا.

    اختياراتي في الأكل أصبحت محددة ومعروفة، كتبت ذات مرة بضع وجبات أحبها جدًا، وأصبحت حريصًا قدر المستطاع على ألا آكل غيرها. كل يوم.

    ولا أعلم إن كانت ضالتي ستتغير مع السنوات القادمة، إلا أن التقليل من الإزعاج الكثيف والذي لا ينقصني معروضه أصبح مفعوله واضحًا على راحة البال. سيارتي التي أقودها من أجمل السيارات التي قدتها في حياتي، سعرها نصف قيمة السيارات التي اعتدت قيادتها في السابق. حتى الملابس والثياب، لا تخرج عن كونها محددة الشكل والنوع، ثياب مريحة أو تي شيرت من نوع واحد مع جينز، ولا أملك سوى ساعتين (واحدة غالية اشتريتها قبل الزواج، وهي مركونة في درجٍ ما) والثانية ساعة «أبل» التي تشجعني يوميًا على التحرّك.

    وقّت زيارتي للحلاق مرة كل ثلاثة عشر يوم، دافع الزيارة دائمًا وأبدًا نفسي وليس شكلي. أحاول التوفير في أشياء كثيرة لأعطي نفسي الحق بالسفر غير المكلف. مساحات الحرية في اختيار كيفية قضاء ساعاتي اليومية لا تُمس، أحاول النظر إلى يومي يومًا بيوم، وأحاول الحصول على بعض راحة البال، والتي يراها أقراني نوع من التكاسل.

    عندما يبحث الإنسان بعمق وتركيز عن راحة باله، سيرى أن القليل مما لديه هو الحقيقة المختبئة التي يشوهها الإعلام وبعض الأصدقاء المجانين. والثراء الحقيقي ربما سنكتشف في يومٍ من الأيام أن صعوبته في القناعة وليس في المزيد من كل شيء، بل بعضٌ من بعض الأشياء.

  • أونكل جاك – الجزء الثالث: مقالة ساخرة

    (هذه السلسلة مستوحاة من أحداث حقيقية، وهنا الجزء الأول والجزء الثاني منها).

    حُسن النية لا يُبرر سوء التصرّف، كما قال لي أحد الحكماء في حياتي. وبالنسبة لصديقي، فقد كان حَسن النية في كل تصرّفاته منذ أن قرر زيارة أونكل جاك ونسبائه في لندن مع زوجته.

    عندما تهشّمت سيارة الإيجار مرتين بسبب الشجرة التي وقعت عليها والاصطدام وجهًا لوجه مع سيارة أخرى بالقيادة داخل الدوار في الاتجاه المعاكس، توقع الجميع بما فيهم الوقور أونكل جاك بأن ما حدث كان حظًا عاثرًا ونقصًا في خبرة القيادة عكس المسار التقليدي، وهذا ما شجع الأسرة للتحمّس بالسفر وتمضية ما تبقى من الإجازة خارج لندن، وتحديدًا في مدينة باريس التي تملك مع لندن خطًا مباشرًا بالقطار.

    قبل زيارة باريس بأيام، اقترح أحد أفراد الأسرة حضور حفلًا غنائي يُقام في إحدى ضواحي لندن، وبالطبع لم تكن فكرة الذهاب لتلك المدينة باستخدام القِطار مطروحة، لأن صديقي كان قد تسلم سيارته الثالثة مدفوعة الإيجار، ومن الأجدى للجميع استخدامها بدلًا من الخسائر غير المبررة بشراء تذاكر القطار، وبالفعل التم شباب الأسرة داخل سيارة مع صديقي وزوجته وتوجّهوا (متأخرين) إلى مقر الحفلة.

    تأخرهم تسبب في عدم قدرتهم على إيجاد موقف للسيارة. صرفوا عدة دقائق يبحثون عن موقف ملائم، ولكن دون جدوى. توجّهت أنظار صديقي إلى مواقف ذوي الاحتياجات الخاصة، لتنظر إليه زوجته وأحد نسبائه هازين رأسهم رافضين الفكرة التي تدور في ذهنه. حاول إقناعهم بأن هذا الموقف قد يكون مخالفًا صحيح.. إلا أن قيمة المخالفة قد تُحتمل كمصروف إضافي يغنيهم عن المزيد من اللفلفة والبحث، وكأن لسان حاله يقول «قيمة المخالفة بمثابة دفع تكاليف صف السيارة».

    اقتنع الجميع، وقرروا إيقاف السيارة في موقف ذوي الهِمم للحاق بما تبقى من الحفلة. توقعوا طبعًا وجود ورقة مخالفة عند عودتهم، ليسددوها بالمشاركة كما تم الاتفاق.

    انتهت الحفلة.. كانت رائعة، تناولوا العشاء في مكانٍ قريب المسرح، ثم اتجهوا إلى المواقف، لكنهم لم يجدوا ورقة المخالفة فوق زجاج السيارة. لأنهم لم يجدوا السيارة أصلًا!

    صُرفت قرابة الساعة وهم يسألون يمينًا وشمالًا عنها وعن قسم الأمن وإدارة المواقف، وبالطبع موضوع سحب السيارة لم يكن على خريطة تفكيرهم هم فحسب، بل لم يواجه فريق عمل إدارة المواقف سحبًا للسيارة بسبب مخالفة صريحة ومباشرة مثلما فعل صديقي وأرحامه منذ فترة طويلة؛ ولذا كانت مهمة إيجاد رقم تواصل للشركة أو الجهة التي سحبت السيارة أمرًا بالغ الصعوبة.

    وتم الاتصال على أونكل جاك، الذي اعتقد أنه بعدم انضمامه مع الشباب للذهاب إلى الحفلة كان قد افتك من شرّهم. اضطر للقيام بحزمة اتصالات وهو في منزله على من يعرفهم في تلك المدينة حتى توصلوا إلى الجهة التي قامت بسحب السيارة، وأخيرًا استلموها بعد أن وقع صديقي على شيء أشبه ما يكون بتعهد، ودفع قيمة مخالفة كبيرة لم تكن توازي المعاناة، مع الحصول على قسط من التوبيخ من المسؤولين هناك وأونكل جاك عن هذا التصرّف. وأخذوا السيارة بسلام وعادوا إلى المنزل.

    بالنسبة لرحلة فرنسا فقد شهدت الخاتمة المسكية لهذه الإقامة. فقد اجتمعت الأسرة وتوجّهوا إلى محطة القِطار. طبعوا التذاكر قبلها (أونلاين) إلى باريس، وركبوا القطار ووصلوا إلى هناك.

    مضت نهاية الأسبوع على خير، وكان اختيار الرحلة موفقًا جدًا، فالأجواء في باريس رائعة، بل ولم يكن يتخيل أحد أفراد الأسرة أن يكون خيار الذهاب إليها خيارًا جميلًا إلى هذا الحد.

    ثم استقل الجميع قِطار العودة إلى لندن، وأثناء الخروج من القِطار حدثت المصيبة الأكبر.

    «كيف تذهب إلى باريس وتعود منها وأنت لا تحمل سوى تأشيرة بريطانيا في جوازك؟» وجه الضابط سؤاله إلى صديقي الذي نسي أمر التأشيرة تمامًا، فنسبائه الإنجليز لا يحتاجون لها، وكونه الأجنبي الوحيد فقد كان لزامًا عليه الحصول على تأشيرة «شينجن» مع تأشيرة بريطانيا، ولسببٍ ما لم يُفتشه أحدهم في قطاري الذهاب والعودة.

    اضطرت السلطات لكلبشة صديقي الذي خالف النظام مخالفة عنيفة، تستدعي الآن تدخلًا دبلوماسي عالي المستوى. قاموا الانجليز بجلسة تحقيق مطوّلة معه، وكانوا على وشك طلب تدخل من السفارتين السعودية والفرنسية لتبرير هذه الزيارة. حتى ظهر مرة أخرى أونكل جاك.

    أخذ زمام التفاوض مع السلطات الإنجليزية، كانت محاولة استرحامه على أشدّها، وطلب منهم أي ورقة أو تعهد أو إجراء يمكن له أن يقوم به بدلًا من إقحام السفارات في الموضوع أو سجن صديقي. وبالفعل وعلى ما يبدو، أن أونكل جاك الضابط الوقور كان يحمل تقديرًا وعلاقات ممتازة كان قد ادخرها خلال خمسين عامًا قبل أن يظهر له صديقي الذي استنزف نصفها خلال هذه الشهرين.

    وانتهى أمر زيارة باريس أخيرًا على خير بشق الأنفس.

    وفي طريق العودة إلى المنزل، التفت أونكل جاك لابنته بالتعميد ليسألها: «قلت لي متى موعد عودتكم للوطن؟»، لتجيبه وهي ضاحكة، وصديقي جالس متفرجًا عليهم في المقعد الخلفي/

    عاد صديقي مع زوجته بسلام إلى مدينة جدة. وكان أكبر خبر مؤسف للجميع وهو وفاة أونكل جاك بعد أشهر قليل بعدها. لتبقى هذه الرحلة في أذهان من عاصروها، وليحكي عنها كاتب هذه السطور أحباءه القراء.

  • أونكل جاك – الجزء الثاني: مقالة ساخرة

    (هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، وهنا الجزء الأول).

    بعد أن باشر صديقي في بناء رصيد عِشرة العُمر مع نسبائه الأجانب عبر كسر شجرتهم التي ربما تجاوز عمرها مئة عام في حيّهم، مع تهشيم زجاج السيارة الفخمة التي حاول بها أن يكسب بعضًا من التقدير من عيونهم باستئجارها؛ مثلما يفعل الكثير من العِرسان من تصرفات في بداية حياتهم الزوجية أمام أهل العروسة (والفشخرة ليست آخرها).

    مشى حال الليلة الثانية على خير.

    وقررت الأُسرة احتفاءً بابنتهم مع عريسها الذي أشعر الجميع بالتوجّس، أن يقوموا بخلق جدول طويل عريض من الفعاليات الصيفية، كان منها: التجوّل في الأرياف، والسفر إلي مدينة باريس (عبر القطار الشهير تحت الماء)، والذهاب إلى حفل غنائي. كل فعالية منها كانت مع مصيبة تصلح لمقالة منفصلة.

    يعتقد الكثير من الرِجال أن استعانتهم بأي نوع من أنواع المساعدة فيه تهديد حاد لرجولتهم، سواءً فيما يخص المهام المهنية المعقدة، أو حتى سؤال شخصٍ مار في الشارع عن محل تائه عنه. فالرجال كما تعلمون.. يعلمون كل شيء، ولا حاجة لتدخلات خارجية.

    وعندما يتعلق الأمر بامتياز خاص بالرجل (السعودي أكثر من غيره) فالتهديد يصبح مضاعفًا، كقيادة السيارة مثلًا، فإن أعطيته تعليقًا سلبيًا على قيادته التي يقوم بها منذ عشر أو عشرين سنة، قد يسكت بدافع الاحترام، إلا أنه يقاوم داخله رغبته في شتمك، ومن الأفضل للجميع ألا يكون المنتقد سيدة حديثة العهد بالقيادة.

    بالنسبة لصديقي فإن موضوع القيادة كان أكثر تعقيدًا من ناحية نفسية. فهو أمام عروسته الآن وأهلها وأونكل جاك شديد الوقار، ومقعد السائق على اليمين لأنهم في بريطانيا، وبالطبع لن تناسبه أي محاولات اقتراح لقيادة السيارة بدلاً عنه إلى الأرياف حرصًا على «الإيجو» الذي كُسرِ جزء منه مع كسرة الشجرة، وها هو مشوار طويل الآن قد يساهم بتعويضه عمّا حدث إن تسلّح ببعض الكرم وخفة الدم، والدعاء أن ينسى الجميع ما حصل في البيت.

    لندن مدينة مشي على الأقدام من الطراز الأول، شوارعها صغيرة، واستخدام مترو الأنفاق أكثر عملية من أي وسيلة تنقل أخرى، وإن عانيت ببعض الإرهاق من المشي أو كانت ميزانيتك تحتمل بعضًا من الترفيه، فركوب التاكسي أو «أوبر» هو الخيار الأفضل. إلا أن صديقي يود أن يكون معه سيارة. لأن طول فترة المكوث، ووجود رحلة في بداية قائمة الفعاليات مبرران لا بأس بهما للاستئجار.

    استعدت الأُسرة للتحرّك، تم توزيع الأغراض على السيارات، يقترح أحد أفراد الأسرة على صديقي أن يقوم بالقيادة نيابة عنه، لمعرفته بسير خط الرحلة (خرائط جوجل لم تكن متوفرة آنذاك) ناهيك عن موضوع القيادة على الجهة اليُمنى الذي قد يسبب بعض الإرباك، وطبعًا نوع من المجاملة للنسيب الجديد الذي لا يفترض به أن ينكرف في خطوط السفر منذ وصوله. إلا أن هذه الاقتراحات رغم منطقيتها لم تَحسِب المخاطرة الأكبر، والتي ستُبرِز دور «أونكل جاك».

    تحرّك الجميع.. ويدرك صديقي أن الشوارع معاكسة الخطوط؛ فالذهاب في اتجاه اليسار والإياب في اتجاه اليمين، عكس معظم شوارع العالم. شخصيًا يصيبني الضحك كلما أصل إلى لندن وأتذكر إنني نسيت موضوع الخطوط المعاكسة، وأحتاج بضع ساعات كي أستوعب أنني عندما أنزل الشارع يجب أن أنظر إلى اليمين بدلًا من اليسار لأنتبه من السيارات القادمة. أذكر في إحدى المرات إنني قُمت -تقريبًا- بحمل والدي (خفيف الوزن) رحمه الله من مكانه عندما نزلنا إلى الشارع، قبل وصول سيارة كادت تصدمه.

    في حالة صديقي، كان قد اعتاد ربما على أمر هذه الخطوط.. أو اعتقد أنه اعتاد. وأثناء سيرهم في الرحلة، شيئًا واحد فقط جعل عقله يتوقف تمامًا عن حساب موضوع عكس الخطوط.. شيء واحد فقط سيغير كل شيء: الدوار.

    وصل إلى أحد الدوارات في الشارع، لم يستطع التوقف للحظات والسؤال عمّا إن كان يجب أن يأخذ الدوار من اليسار إلى اليمين (كعقارب الساعة)، أو العكس (كالطواف حول الكعبة وكما اعتاد في بلده). وقرر أن يختار عقارب الساعة.

    جاء أونكل جاك وبقية الأسرة إلى الدوار وهم ينظرون إلى حال السيارة (المستبدلة بعد حادثة الشجرة) التي بالكاد ترى ملامحها من الجهة الأمامية. فقد ارتطم وجهًا لوجه مع سيارة أخرى، كاد صاحبها أن يُجن من تفاصيل الحدث.

    تخيل معي أنك تركب سيارتك وأنت في دوار الكرة الأرضية وتجد مرسيدس عاكسًا للاتجاه بسرعة طبيعية دون حذر ليصطدم فيك وجهًا لوجه. هل ستستغرب نوع السيارة؟ أم تتأمل الراكب؟ أم ستتأمل الحظ الغريب الذي صدم سيارةً فيك بهذه الطريقة؟ ماذا لو قلت لك أن الشرطة قد جاءت بعد أن جاء أهل صاحب السيارة لتكتشف أن أحد أقاربه ضابطًا معروفًا في البلد، وجزء كبير من سمعته كان محورها الانضباط وروح العسكرية!

    هذا ما حصل مع صديقي.. جاءت الشرطة، ولأن الخطأ كان مئة في المئة عليه، فكان من المفترض به أن يعاقب عقابًا يتضمن سحب السيارة مع إيقافه في سجنٍ ما، إلا أن أونكل جاك كان موجودًا. تفاوض لساعات طويلة مع شركة التأجير والشرطة وصاحب السيارة الثانية. اضطر عدة مرات أن يذكر أنه الجنرال المتقاعد الذي يستحق معاملة خاصة وهذا الإنسان الطيب هو ضيفهم، وبالفعل تجاوب الانجليز معه في النهاية على مضض. تم دفع الغرامات وتكاليف التحمل من قِبل صديقي، وتوقيع الكفالة من قِبل أونكل جاك. وانتهت الليلة على خير. حتى قررت الأسرة السفر من خلال وسيلة مواصلات أكثر أمانًا إلى باريس.

    اعتقد أونكل جاك أن الكوابيس قد انتهت، ولم يعي أن الليل ما زال طفلًا.

    التتمة في المقالة القادمة.

  • أونكل جاك – الجزء الأول: مقالة ساخرة

    (هذه الأحداث مستوحاة من قصة حقيقية)

    بعد أن تزوج صديقي من زوجته الإنجليزية التي ترعرعت في جدة، استطاعت إقناعه بزيارة «أباها بالتعميد» أو الـ Godfather المقيم في لُندن، للسلام والتبرّك به ولمكانته الكبيرة التي توازي مكانة والدها البيولوجي. كان العم جاك «Uncle Jack» ضابطًا بريطاني متقاعد ذو صنّة ورنة في مجتمع لندن، يملك نفوذًا واحترامًا كبيرين لسنه ومنصبه وسمعته الحسنة، حتى جاء صديقي وزوجته لزيارتهم.

    عندما وصلوا إلى منزله بعد فترة بسيطة من انتهاء شهر العسل، والذي كان مقررًا أن يتم السكن فيه لشهرين قادمة مع بقية الأسرة المُحبة، أوقف صديقي سيارته المستأجرة (الفخمة) أمام المنزل. وهو يُنزِل الحقائب ريثما تذهب زوجته لدق الجرس واحتضان أباها الروحي وعائلته، لفت نظره وجود شجرة ضخمة على رصيف المنزل، كانت مائلة بشكل غريب، لسببٍ ما لم يغب ميلانها عن ذهنه، وبعد أن أتم السلام واستقبل الترحيب ثم العشاء ثم إلى سرير النوم، كان لا يزال يفكر في ميلان الشجرة الواقفة بمحاذاة سيارته خارج البيت، استطاع النوم أخيرًا بسبب الإرهاق، ليستيقظ في اليوم التالي ولا يزال أمر الشجرة مستفزًا عقله «لماذا هي مائلة بهذا الشكل؟».

    قرر وبدافع المودة وإظهار امتنانه لنسبائه الإنجليز أن يُصلِح ميلانها. وفي الصباح مع وقت الإفطار ذهب إلى الخارج وتأمل حال الشجرة واضعًا خُطة في عقله لإصلاح حالها الذي لم يقم به الجنرال وأسرته. تلخّصت الخُطة بربط الشجرة بحبل من جهة، ومن الجهة الأخرى يُربط في «هنجر» السيارة من أسفل الصدّام، ليتحرّك بهدوء في الاتجاه المعاكس..

    وما هي إلا لحظات حتى تنكسر الشجر من الوسط وتقع بالضبط على منتصف سقف السيارة لتهشِّم السقف مع الزجاجين الأمامي والخلفي وتتحول السيارة في لحظات إلى كتلة خُردة بعد أن كانت مرسيدس، ليهرع كل من في البيت إلى الخرج بعد سماعهم دوي الانكسار، ويجدوا صديقي واقفًا يوزّع نظراته بينهم وبين سيارته الفخمة المستأجرة والتي سيتحمل التأمين تكلفة إصلاحها بسبب «الظروف الطبيعية» كالأمطار أو الأعاصير ووقوع أشياء عليها لا يمكن أن تقع في الظروف الطبيعية الحقيقية، ويقومون هم بتوزيع النظرات المصدومة بين ابنتهم وعريسها الفذ.

    كان الفضول موزعًا بالتساوي على كل من حضر المشهد، فهو قد سبق الجميع بفضوله بعدم ترك هذه الشجرة بهذا الحال ربما لسنوات، والأسرة قادت فضولهم عن هذا المخلوق الذي أتى وتصرف من عقله في شيء لا يخصه في أول يوم للزيارة، بينما أونكل جاك كان قاده الفضول لمستوى جديد، جعله يتساءل كيف ستعيش ابنته بقية حياتها مع هذا المؤشر البسيط الذي حصل أمامه؟

    وبالطبع لم يستوعب أونكل جاك أن بداية الغيث قطرة، وأن المصائب في الحقيقة تتكدّس أحيانًا لتأتي دفعة واحدة خلال وقتٍ قصير.

    بقية القصة في المقالات القادمة.

  • نصائح عن الكفاءة المنزلية (٢): فيلتر الماء

    أعرف..

    سيُعلِّق بعض الأفاضل بأن «طعم الماء لك عليه» أو أننا «اعتدنا على القوارير/ مياه الصحة». وفي الحقيقة لا بأس بهذه التعليقات، ولكن؛ نعود للنقطة في المقالة السابقة التي تقوم على مبدأ «القيمة مقابل المال» أو «القيمة مقابل الجهد»،مع ضمان الحصول على نتيجة مرضية (ولا أقول نتيجة توازي جودة مياه إيفيان)، ففي النهاية نحن في المملكة لا نملك نهر النيل، ومعروفين بنقصنا الحاد للمياه العذبة، ولولا ستر الله ودعم الحكومة الرشيدة، لكان حالنا أسوء.

    طوال عشر سنوات كُنت أشاهد جالون فيلتر الماء وهو معلّق فوق البرادّة في منزل إحدى أخواتي، كنت دائمًا استنكر وجوده، معتقدًا أن المياه الخارجة من الفيلتر غير نظيفة بما يكفي، أو «بيتهيألي» أن طعمها فيه شيء ما غير مألوف، حتى جاء ذلك اليوم الذي اهدى فيه خالي العزيز والدتي خدمة تركيب فلترًا للماء في مطبخها الرئيسي (بالمناسبة، خالي من الشخصيات شديدة المحافظة على صحتها، وأثق وأنا مغمض العينين بقراراته التي ترتبط بأي شيء يدخل بطنه).

    وعندما عُدت من الولايات المتحدة وسكنت معها، أصبح انسجامي مع المياه الجديدة ليس فيه خيار، مع العلم أن معظم سُكان فلوريدا -التي عشت فيها- يشربون مياه مفلترة، ولم يساهم هذا الأمر بتغيير نظرتي. لذا قررت أن أتجاوز رغبتي بإعطاء تعليقات سلبية لكيلا «أُزعِّل والدتي» وأنضبط على شُرب واستخدام ماء الفيلتر. أول ملاحظة وجدتها في سلوكي كانت أن هناك شيءٌ ما داخلي يقول أن مصدر الماء أصبح غير متوقف، وبالتالي من العيب ألا أقوم بغرس عادة شُرب الماء بكثرة في حياتي. قمت بشراء عدة قوارير (١ لتر) فارغة، وأصبحت يوميًا أحرص على تعبئتها بهدف شُرب ثلاث ليترات من الماء حتى نهاية اليوم كمقياس.

    بدأت العادة في التشكُّل وقد يقول قائل إنني من الممكن أن أشرب ثلاث ليترات بغض النظر عن نوع الماء، إلا إنني أعيد وأكرر أن البرمجة كانت نفسية ولا علاقة لها تحديدًا بنوع الماء، فالسهولة الآن للحصول على ماء للشرب أصبحت لا تُقارن مع أي حال قديم.

    والأمر الثاني كان عندما التقيت زميلي في المكتب (أخي عاصف) والذي جاء من جنوب الهند حيث كان يعيش في منطقة «كيرلا» المعروفة بثروتها المائية، وقد أخبرني أنه وزوجته قد جربا ماء الفيلتر هنا، واتفقا أن طعمها يذكّرهم بمياه كيرلا النقية، وهذا ما شجعني على القيام بطلب فيلتر آخر في مطبخ المنزل الأصغر بجانب غُرف النوم، وأصبح أطفالي منذ استيقاظهم (وأنا معهم) لا يخوضون المشوار إلى المطبخ الرئيسي من أجل الحصول على الماء، فها هي أمامهم، وبالتالي تحسّنت عادتهم في كثرة شرب الماء.

    الأمر الثالث، أخبرني أحد أقاربي أن صديقًا له كان قد قام بعمل تحاليل لقوارير مياه من عدة شركات تجارية ليقارنها مع تحليل ماء الفيلتر، وأخبرني أنها وبالفعل تتمتع بنقاوة «مش بطالة». ومن باب الهوس، كُنت قد طلبت من الشركة المسؤولة عن تركيب الفيلتر (الذي يُكلّف تركيبه مرة واحدة حول السبعمئة ريال) بالقدوم في فترة أقل من ثلاثة أشهر لتغييرهم، مع العِلم أن تكاليف التغيير حوالي السبعين ريالًا فقط، هذا المبلغ كل شهرين أصبح مقابل قيمة إعطاء أُسرة مكونة من سبعة أشخاص إمكانية شُرب كمية كبيرة من الماء. في وقت كانت تُصرف فيه أضعاف هذا الرقم قبل تركيبه.

    وهنا كونت نصيحة أعطي نفسي الحق بإعطائها للقارئ الكريم، بأن يقوم بتركيب الفيلتر في كل حال من الأحوال؛ ليشجيع نفسه بشرب كمية أكبر من الماء، وإن قرر أن طعمها «لك عليه» ربما أقترح عليه استخدامها للطبخ وإعداد القهوة والشاي، لتكون خطة بديلة في حال استيقظ في أحد الأيام وأكتشف أن قواريره قد نفذت.

    كان الله في عون الجميع.

  • لماذا نحتاج للهدوء أكثر من أي وقت مضى؟

    هذه المقالة نُشرت بداية لصالح مدونة موقع حجر. ورقة. مقص.

    تحدّثت في مقالة سابقة عن أن أكثر ما يفتقده الإنسان في العصر الحديث لينمو في حياته الشخصية والعملية هو إيجاد وقت يومي منتظم لا يقوم فيه بفعل أي شيء سوى الجلوس والتأمل (أو المشي والتفكير).

    [في الولايات المتحدة] من عام ٢٠١١ حتى عام ٢٠١٥م، أظهر مقياس إنتاجية العمل الرسمي للحكومة ٠.٤٪ فقط نموًا سنوي في الإنتاج لكل ساعة عمل. هذا هو أدنى مستوى لمدة خمس سنوات منذ الفترة ما بين ١٩٧٧ إلى ١٩٨٠م، وأقل بكثير من متوسط ٢.٣٪ منذ الخمسينيات.

    نقف أمام انخفاض واضح لمعدل نمو وإنتاجية عامة للأفراد في الوقت الذي يفترض به أن نكون عكس ذلك، مع وجود الانترنت وسهولة التواصل وإمكانية إنجاز معظم الأعمال المكتبية من المنزل أو من أي مكان في العالم. إنجاز الأعمال (كمفهوم) لم يكن تاريخيًا أسهل مما هو عليه اليوم، وإمكانية الجلوس مع أحباءنا والقيام بهوايات نحبها والتعرف على أنفسنا أكثر والابتعاد عن التوتر من ناحية نظرية يفترض به أن يكون جزءً من نمط حياتنا اليومي، إلا أن الواقع ليس كذلك. ليس مهنيًا فقط، بل حتى أن جزءً كبيرًا من الواجبات الأسرية في التبضّع لا تتجاوز في وقتها وقدرة إنجازها دقائق قليلة على أحد مواقع بيع الخضروات أو السوبرماركت أو أمازون أو نون كي يصل إلينا ما نشتريه في وقتٍ قياسي وهذا يجعل العصر الحالي أسهل وبالتالي يفترض أن يوفر لنا وقت أكثر للتأمُل والهدوء. 

    يعمل كاتب هذه السطور في شركة «خدمات لوجستية» ولم يقم ولو لمرة في حياته وتقريبًا مع أيٍ من زملائه بلمس أو مشاهدة شُحنة أو حاوية واحدة كانت قد عُبئت أو تركت الميناء متجهة إلى ميناء دولة أخرى أمام عينه، هذه الشركة تخدم سنويًا أكثر من خمسين عميلًا مختلفًا مع آلاف الحاويات المشحونة بأعلى كفاءة. كل الأعمال تُنجز من خلال التواصل والتنسيق الالكتروني، من خلال المكاتب أو المنازل، دون تدخلات يدوية مباشرة، سوى عُمال محدودين في الميناء أو في المطارات.

    إنسان واحد طرق عمل متعددة:

    «في عام ١٨٧٠م (في عهد الثورة الصناعية)، كانت ٤٦٪ من الوظائف في الزراعة، و٣٥٪ في الحرف أو التصنيع، وفقًا للخبير الاقتصادي روبرت جوردون. عدد قليل من المهن التي اعتمدت على عقل العامل. لا يجب أن يُفكر العامل. يجب أن يجتهد دون انقطاع في يومه، عمله هو النتيجة الظاهرة والملموسة.» يعلّق الاقتصادي مورجان هوسل في مقالته  «عمل كسول، عمل جيد» حول انتقال الأهمية القصوى من الجهود البدنية إلى العقلية في عالم التوظيف اليوم، في وقتٍ يفترض بنا أن نكون أقل عرضة للضعوطات.

    «كان «جون دي. روكفيلر» أنجح رجل أعمال في كل العصور (بلغة الأرقام). كان أيضًا منعزلاً، يقضي معظم وقته بمفرده. نادرًا ما يتكلم، ويتعذر الوصول إليه عن عمد ويلتزم الصمت عندما تلفت انتباهه، سياسة الباب المفتوح ليست في قاموسه. قال أحد عمال المصفاة الذي كان يسمع من حين لآخر روكفلر عندما يتحدث ذات مرة: «إنه يسمح للجميع بالتكلُّم، بينما يجلس في الخلف ولا يقول أي شيء. لكن يبدو أنه يتذكر كل شيء، وعندما يبدأ بالحديث يضع كل شيء في مكانه الصحيح».

    لم تكن مهمة روكفلر حفر الآبار أو تحميل القطارات أو نقل البراميل (وهي صُلب أعمال شركاته). كانت مهمته اتخاذ قرارات جيدة.  واتخاذ القرارات يتطلب، أكثر من أي شيء آخر، وقتًا هادئًا وحده مع رأسه للتفكير في مشكلة ما. رأسه كان المكان الذي أمضى فيه معظم وقته وطاقته.» يُضيف هوسل، «كان هذا أمرًا مميزًا في عصره. تطلبت جميع الوظائف تقريبًا خلال وقت روكفلر القيام بالأشياء بالأيدي».

    انقلبت الآية اليوم؛ أكثر من نصف الوظائف في الاقتصاديات الحديثة لا تتطلب تدخلًا يدويًا.

    الإلهاء:

    غزارة الإلهاء وتنوع قنوات الترفيه ربما يكون هو ما استبدل أكثر ما يفكر فيه الإنسان المعاصر الطموح: المزيد من الإنتاجية. في حين أن الكفاءة وإيجاد الحلول الحياتية والمهنية لا تتطلب أحيانًا سوى التعامل بمزيدٍ من الهدوء في كل ما نقوم به. وتاج الهدوء هو التفكير.

    لا يستطيع موظف اليوم أن يستأذن مديره لكي يقوم بنزهة لمدة ساعتين في أوقات العمل كي يفكر في خطة وتنفيذ أكثر كفاءة لمهامه العملية، ولا يمكن ضمان استمرارية الموظف على كرسيه إن رفض بشكلٍ متواصل عدم حضور الاجتماعات المطولة سيئة الذِكر، بل العكس.. مع قرب اختفاء آثار الجائحة، أصبحنا أكثر قُربًا من أجهزتنا الذكية التي يمكن من خلالها أن يتواصل معنا زملاءنا على مدار الساعة، معتقدين أن العمل من المنزل ظاهريًا أقل ضغطًا علينا.

    «أستغرق وقتًا في المشي لمسافات طويلة على الشاطئ حتى أتمكن من الاستماع إلى ما يجري داخل رأسي، إذا كان عملي لا يسير على ما يرام، فأنا أستلقي في منتصف يوم العمل وأحدق في السقف بينما أستمع وأتخيل ما يدور في مخيلتي». لم تكن هذه إجابة إنسان كسول في عمله عندما سؤل عن أوقاته التي يقضيها لحل مشاكله، إجابة آينشتاين تُفسِّر أسباب خروج إنجازاته العملية، وقد تكون أيضًا إجابة على سؤال أكاديمي تقليدي وهو «لماذا لا يُخرِج معظم الأكاديميين في العالم باكتشافات أو استنتاجات مؤثرة؟» وهل يصح أن نفترض أن الإجابة قد تكون «انشغال معظمهم بالتدريس وليس الجلوس ساعات أطول للتفكير؟».

    أراقب عن كثب حياة الكثيرين من رجال الأعمال في حياتي المهنية، ونادرًا ما يُلاحظ انتقال الكثير منهم لمستويات جديدة في أعمالهم وتوسّعها، بسبب أنهم بالفعل مشغولين، مشغولين بالأعمال التي تُشغِل وقتهم وأيديهم وإيميلاتهم أكثر من عقولهم ولحظات الهدوء التي يفترض أن تتحيز ولو قليلًا للتفكير.

    حرب اليوم الداخلية لدى الإنسان مع نفسه لكي ينمو هي ليست بكل تأكيد في توفير المزيد من الوقت. بل في تخفيف الإلهاء، والبحث عن المزيد من دقائق التفكير بدلًا من الانصياع للترفيه، التخفيف من التواصل الاجتماعي وزيادة التواصل الفعّال.

    لكي ننمو، نحتاج أن نكون أكثر من أي وقتٍ مضى برفقة الكُتب والخلوة والأفكار والكثير من الأعمال العميقة بدلًا من إتاحة النفس لتكون عرضة للعمل في أي وقت وتحت أي سقف.

    لكي ننمو نحتاج لهدوء أكثر.

زر الذهاب إلى الأعلى