• الشهرة لا تعني المال

    أقابل آنسة من معارفي في إحدى مهرجانات السينما، أسألها عن حالها وحال السينما، وعن حال الجميع هنا، لتخبرني: «هل تعلم ما هو القاسم المشترك بين كل من تراهم هنا؟ الجميع أنيقين. والجميع مفلسين».

    ثم أقابل أحد الأصدقاء، يحكي لي عن بضعة أشخاص معروفين في الوسط الفني، يعانون – رغم شهرتهم الواسعة – من تحدياتٍ مالية، ومن محاولة الوصول إلى فهمٍ واضح تجاه ما اختاروه مهنيًا لأنفسهم.

    أسأله عن الشخصية الأولى، وهو شخص مشهور في الإعلام منذ أكثر من عشر سنوات، ويحكي عنه – بعد أن تعرّف عليه من كثب – أن مجاله الإعلامي لا يغطي احتياجاته الرئيسة بشكلٍ مُستدام لفترة طويلة، نعم تأتيه الفرص والهبرات المالية من فترة لأخرى، إلا هذه الظروف لا تصنع بأي شكل استقرارًا طويل المدى.

    شخصية أخرى، عادت لممارسة الطب بعد أن تركت التمثيل. هذه الشخصية لحقت نفسها في الوقت المناسب.

    وآخر، لا يمكن وصف حالة بدقة من باب التأدب، أصبح مستعدًا للقيام بأي شيء من أجل الحصول على دخل مستدام، لأنه حسبما كان يعتقد منذ وقتٍ طويل أن الشهرة تساوي الأموال. ولم يكن للأسف هذا الواقع.

    سألت صديقي عن الحل؟ ليخبرني أن العودة للأعمال التقليدية هي السبيل الأبسط (وليس الأسهل) للنجاة. على الأقل على المدى الطويل. الأعمال التقليدية في الوظائف، وبناء الأعمال، وقبول الكثير من التضحيات التي لا نحبها بالضرورة.

    لا يمكن للإنسان خلق دخلٍ مادي مستدام إن لم يخلق قيمة مستدامة للآخرين. هذه المعادلة ببساطة. وظيفتك وإن كانت ذات دخلٍ قليل، فهي مستدامة لأنك بشكلٍ ما تُعطي شخصًا آخر خدمة مستمرة. لا يمكن للإنسان أن يعيش على المؤقتات. لا حياة تُبنى على آمالٍ متقطّعة.

    وفيما يخص الشهرة والإبداع عمومًا، فإن المبدع إعلاميًا وفنيًا يُبدع لأن هناك دافعًا خفيًا داخله يجعله يحاول أن يخلق «المزيد»، دافع لا يرتبط بالمال مباشرة. هذا «المزيد» وإن كان كثيرًا فهو مؤقت!

    يجلس الكاتب أشهرًا يكتب كتابه. يشتريه القارئ مرة واحدة. يقرأه مرة واحدة. وينسى الكاتب لفترة طويلة. هذه المرة الواحدة مهما تكررت فإن فرصة الاستدامة المالية معها ضعيفة!

    يشاهد الإنسان الفيلم مرة واحدة، الذي يمثّل فيه الممثل مرة واحدة، ثم يُنسى مع زحمة الحياة.

    كل فنان لا يضمن مقعده إلا من خلال المثابرة المستمرة، ليس اعتمادًا على فنه ماليًا على المدى الطويل، بل على استقرار من دخلٍ آخر مستدام (معظم الحالات) يضمن له معيشة كريمة.

    الفن فعل، والأعمال ردة فعل.

    نحتاج الأفعال وردّات الأفعال في حياتنا.

    نحتاج الاستدامة في الأساسيات، ونحتاج إلى الإبداع أكثر من أي وقتٍ مضى، بعيدًا عن حاجتنا له كأساس تُبنى عليه حياتنا.

    الشهرة، والظهور في الإعلام، والإبداع، لا يعطون المال، أو لا يعطون مالًا مستدامًا كثيراً غير المنقطع.

    وكل الخير في القليل الدائم، وكل الصِّعَاب في الكثير المنقطع.

  • أستطيع أن أكون ذكيًا وقت الضرورة

    لسببٍ غير معروف، يقرر عُمر الطفل ذو الإثني عشرة أعوام الانضمام إلى والده في يوم عمله الاعتيادي في أحد المستشفيات في جدة، لم يمانع والده هذا الأمر لعدم ارتباطه بمهام وظيفية مرتبطة مع المرضى بشكلٍ مباشر، مما لا يسهم في تعطيل أو إضرار وتيرة العمل.

    تربط والديه قرابة ومعزة كبيرة مع أسرتي، وهو الطفل الثاني بين أربعة أشقّاء، يملك شخصية مميزة قد يستغربها البعض، فهو قليل الكلام، هادئ جدًا، لدرجة إننا أحيانًا ننتظر كيف سيفاجئنا عندما يتحدّث أو يسأل أسئلته غير الاعتيادية.

    عندما زارنا مع أسرته في إسطنبول قبل عامين، كان يستوقفني أخذه فسحة من الوقت بالذهاب والجلوس وحده في سكينة واطمئنانًا في طاولة بعيدة، بعد انتهاء كل وجبة نتناولها في المطعم، يتأمل تفاصيل المطعم والصحون والأدوات، والذاهبين والقادمين من العاملين، دون أن ينسى طلب فنجانٍ من الشاي يشاركه الجلوس في صومعته المؤقتة.

    يملك داخل عقله موسوعة تاريخية في كل ما يتعلّق بشخصيات وأحداث سلسلة أفلام «حرب النجوم» Star Wars. يحب أغاني الراب التنافسية على غرار «ترامب ضد بايدن» و«فورد ضد ماركس»، يعشق السيارات، ويفهم الكثير عنها رغم سنّه الصغير. اعتقدنا جميعًا أنه يعاني خطبٍ ما، إلا أنه دون شك -حسبما أرى- يملك بذرة لعبقرية مستقبلية. يعاني قليلًا في دراسته، ليس لكسله، بل لإلمامه التام باللغة الإنجليزية أكثر من العربية وتفضيله عليها. صداقاته لا بأس بها، وعلاقته بالمدرسين جيدة.

    عندما بدأ بالتعرّف على زملاء والده في القسم، أبدى الجميع إعجابهم بشخصيته وروحه التهكّمية غير المقصودة نظرًا لسنه وبراءته. بدأ وهو يقف أمام موظفة من دولة جنوب إفريقيا ليسألها:

    -«منذ متى، وأنتِ تعملين في المستشفى مع والدي؟»

    – لترد عليه: «انضممنا أنا ووالدك للعمل في العام نفسه تقريبًا».

    -«لكن شكلك أكبر بكثير منه! ».

    – لترد: «في الحقيقة نعم، أبلغ من العمر اثنان وخمسون عامًا، في حين أن والدك في منتصف الأربعينيات».

    – ينهي النقاش بقوله: «لا. لا. أقصد أن شكلك يبدو في الستين على أقل تقدير! ».

    يقوم والده بسحبه من وسط النقاش، ويطلب منه أن «يروق». يصرف بعض الوقت، لينظر إلى زميلتهم الأخرى السعودية اللطيفة (التي تحب الأطفال)، يجدها غير منشغلة بأي مهام عملية ضرورية، ودون مقدمات يطلب منها: «ما رأيك أن تأخذيني إلى البقالة؟» في إشارة منه على فضاوتها التي يجب أن تُستغل. لترحب دون مقاومة؛ «يلا».

    بعد أن صرف بعض الوقت معها في البقالة، وعادوا إلى المستشفى، طلب منها دون مقدّمات أيضًا أن يرى هاتفها، لتعطيه إياه. وجد أن شاشة الهاتف كانت مهشّمة تمامًا، لأنه كان قد وقع منها على الأرض في وقتٍ قريب. يسألها: ماذا حدث للجوال الذي يبدو جديدًا؟ لترد عليه أنه وقع منها! ويعلّق على هذا الأمر: «لماذا لم تشترٍ بيتًا للهاتف حينما اشتريتِ الجوال؟». بررت الآنسة بأنها إنسان Minimilist، ولا تحب كثرة الأشياء والأدوات. رد عليها مباشرةً: ولكنك تركبين مرسيدس! أخذتيني بها إلى البقالة، كيف تملكين هذه السيارة الغالية، ولا تشترين بيتًا يحمي جوالك!

    لا أحد يعلم مع أن الموقف كان مضحكًا للحاضرين، إن كان يقصد التهكّم عليها لاهتمامها بامتلاكها سيارة فخمة (تُظهِر مكانتها أمام الآخرين، دون الاكتراث لحماية ما تستخدمه يوميًا مثل الجوال) أم عتبه المباشرة لتعارض أولوياتها في الصرف. بالتأكيد لم تشعر الآنسة بأي انزعاج من براءته في السؤال. وقد تجاوز الجميع الموقف، دون تسويغ واضح له.

    جزءٌ كبير داخلنا نحن الراشدين يلتقي مع ما يُفكِّر به هذا الطفل، إلا أن الفرق لا يخرج عن كونه قدرته المباشرة على التعبير، مع احتفاظنا بنفس الأفكار دون تعبير.

    يقوم في مناسبة أخرى عُمر بسؤال إحدى خالاته (على الواتساب) عن سبب الضجة التي أحدثتها العائلة نحوها من تهليل وفرح، لتخبره أن السبب هو إعلانها خبر «حملها»، ليسألها: «ولكن كيف حدث هذا الأمر؟». تكتفي السيدة بإعادة توجيه السؤال لوالدته منعًا للإحراج. ليرد عليها نصيًا: «لا بد أنكِ قمت بعمل 18+ مع زوجك، وإلا لما حدث حمل، الأمر لا يحتاج إلى تفكير».

    يسأل الأطفال أحيانًا أسئلة – مثل الكِبار – يعرفون إجابتها، إلا أنهم يفضلون سماعها بأنفسهم. قد تكون بدافع التوضيح، وقد تكون بدافع الاستفهام، وقد تكون ربما – كما في حالة بطلنا – استفهاما بطعم التهكّم.

    يعلم المقربون منه جيدًا أنه أذكى من الكثيرين من أقرانه، ولكن يحتاج هذا الطفل أحيانًا أن يكون مثل النساء الحسناوات. يُبدي بعضًا من انطباع «قلة الفِهم» لكيلا لا يُشعر الرِّجَال حوله بالنقص.

    أو كما تقول مارلين مونرو: «أستطيع أن أكون ذكية وقتما يتطلّب الأمر، ولكن معظم الرجال لا يفضّلون ذلك».

  • حياتنا فيها معارك وحرب.. ركز على الأخيرة

    «ماذا لو كان حلمك أن تصبح مغنيًا؟ فكّر في الأمر – لقد نجحت في حلمك! ولكن أثناء قيامك بجولة حول العالم، سيزداد وزنك، وتصبح مدمنًا على المخدرات، ويصبح زواجك في حالة من الفوضى، ولا يتعرف عليك أطفالك.. لقد ربحت المعركة، ولكنك خسرت الحرب.»

    – شان بوري

    ترتبط حياتنا بسلسلة من المعارك الصغيرة بيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين الآخرين. يركز الكثيرين على الفوز في المعارك، وينسوا الحرب.

    المعارك تختبئ داخل سلوكنا اليوم، والحرب هي النتيجة التي ينتهي بنا الحال عليها.

    هناك معركة طلبات الأطعمة من التطبيق ضد الطبخ في المنزل، وهناك معركة نومٌ مبكّر ضد سهر طويل من أجل صحتنا، وهناك تواصل اجتماعي ضد قراءة الكُتب من أجل عقلٍ مستنير. وهناك أيضًا.. الصبر على الآخرين ضد التعبير في لحظات الغضب، وهناك تفضيل الحب على الأخلاق، وتفضيل المشاعر على التعقّل.

    كل المعارك إن ركّزنا عليها تعطينا إحساسًا عارمًا بالفوز، نخسر معها حربنا ضد أنفسنا أو ضد شياطينها.

    التركيز على الصبر «وما يهُم دائمًا»، هو بداية الفوز.

    الصحة، والعائلة، والأصدقاء، والطموح المتوازن، والروح المتزنة. كلها حرب اسمها: راحة البال.

    محاولة الإبهار، الإرضاء الفوري، الإهمال، الإسراف، كلها معارك صغيرة. تُشعرك بالفوز وتُخبئ الخسارة.

    ركز في المعارك، وستخسر الحرب.

    ركز على الحرب، وستفوز في المعارك.

  • كيف أصبح النساء يدخّن؟

     «إن التسويق الوحيد الذي لا يؤثر حقًا هو ذلك الذي يتعلم المرء تجاهلها أو عدم الإنصات له؛ ولهذا السبب قال جاك إيلول: إن المنعزلين فقط – سكان الريف أو الفقراء عمومًا – هم الذين يتمتعون حقًا بالحصانة ضد الدعايات، في حين أن المثقفين، الذين يقرؤون كل شيء، ويصرون على أن تكون لديهم آراء، ويعتقدون أنهم محصنون ضد الدعاية، هم في الواقع: أسهل من يمكن التلاعب بهم»،

    – «تيم وو» (Tim Wu) في كتابه «تجّار الانتباه».

    ليست مهمة التسويق والدعايات هي إقناعك «بشراء شيءٍ جديد». بل هي على العكس تحاول «إقناعك بعدم قدرتك على العيش؛ دون شراء أشياء جديدة». هذا ما يفسّر حجم التضحيات المالية الكبيرة التي يقوم بها البعض تجاه الحقائب والساعات والآيفون ذو الإصدار الأحدث كل عام. حتى وإن كان صاحب التضحية واعيًا ومثقفًا ومقتدرًا، فإنه سيكون أول ضحايا الانضمام للمجموعة التي ينوي الانضمام إليها من النسيج أو النخب الاجتماعية، أو فقط الاكتفاء أن يكون مستهلكًا طبيعيًا غير متقشّف. فنحن ضمنيًا نشعر بنقصٍ حاد تجاه بعض الأشياء أو الأمور التي نسعى لشرائها، ولم نستطع لأي سبب.

    «لا أحد يولد، وهو يريد شاشة (4K) أو محفظة تحمل علامة Hermès، أو منتج مزيل الرائحة Febreze. بالنسبة إلى المعلنين، فإن الوظيفة الأكثر قيمة للإعلان، هي «خلق» أو «إعادة تشكيل» احتياجات الناس التي لن تكون موجودة من أساسها.»، يعلق «تيم وو»: «لقد رأينا أمثلة عديدة في خلق الطلب على عصير البرتقال، أو غسول الفم، أو سيارات كاديلاك، أو السجائر (بين النساء)، وفي عشرينيات القرن العشرين، وصف المسؤولون التنفيذيين للإعلان بأن [اختراع احتياجات جديدة للناس] هي في الحقيقة وظيفتهم. ولاحظ ستانلي ريسور: «إن إنجازات الإنتاج الضخم الأمريكي ستسقط، من دون آلة التسويق الجبّارة التي توفرها الإعلانات».

    في الأسوأ من ذلك، كما جادل «تشيس وشلينك»، يحاول الإعلان في الواقع مهاجمة وتشويه آليات الاختيار، من خلال تقديم معلومات إما خاطئة تمامًا (كما هو الحال في بعض إعلانات طب براءات الاختراع)، أو خادعة، على سبيل المثال من خلال الفشل في الكشف عن حقائق مهمة (مثل حقيقة أن السجائر تسبب السرطان في الماضي). وعندما يربك الإعلان العملاء أو يضللهم أو يخدعهم، فإنه لا يساعد عملية التسوق، أو أي عملية تقوم على الاختيار المستنير، ولكن بدلا من ذلك يلغيها».

    يجب أن نعي مثلًا أن منظمة «الغذاء والدواء» الأمريكية قد أُسِّست عام ١٩٠٦م، ليس فقط لتنظيم مخازن الأدوية ومراقبة الأطعمة على الرفوف، ومراقبة جودة اللقاحات (التي كانت قد تم التعامل معها بنوع من المهنية قبلها بأربعين عامًا)، بل لمكافحة الكذب التسويقي المباشر من قِبل المسوّقين للأطعمة والمنتجات الاستهلاكية الأخرى. التي سنأتي على ذكرها.

    استغلال المثقّفين:

    يتسلّم «جورج واشنطن هيل» إدارة العلامة التجارية «Lucky Strike» الخاصة بالسجائر من والده المالك لأحد أكبر شركات التبغ في الولايات المتحدة (شركة التبغ الأمريكية)، وأصبح فور تسلّمه (كما يصفه آلبرت لاسكر) ينام، ويأكل ويشرب من أجل هدف واحد: كيف يبيع المزيد من سجائر «لاكي سترايك».

    كان هيل ربما يحاول أن يهزم المعتقد التقليدي بأن ابن العائلة، قد يوازي أو يهزم أسلافه في قدراتهم التجارية. واستهداف بيع المزيد من السجائر، كان مسألة لا تقبل أي نقاش بالنسبة إليه. فهو رجل أعمال فذ، مثل والده، وربما يفوقه في القدرات التجارية.

    استغل (هيل) موضوع بزوغ نمو الإعلانات التجارية فترة العشرينيات الميلادية. بدأ بصرف ما يقارب عشرون مليون دولار سنويًا على دعايات السجائر ابتداءً من عام ١٩٣١م متزايدة كل عام بعدها، بعدما كان متوسط الصرف على الإعلانات هو أربعمئة ألف دولار فقط في عام ١٩٢٥م، العام الذي توفي فيه والده (بيرسيفل هيل) الذي انتقلت فيه ملكية الشركة بالكامل للابن.

    قبلها، كانت شركات السجائر تعاني أمرٍ غريبًا، وهو صعوبة ممارسة التدخين بالنسبة إلى الرجال عمومًا، فقد كانت السجائر ساخنة جدًا على الحلق، مما خلق نسبة قليلة من الرجال الذين يدخنون السجائر، حتى استقرت شريحة المدخنين لمستو عالٍ في أواسط العشرينيات بعد أن ابتكرت «لاكي سترايك» حملة تصف فيها تبغ سجائرها بأنها «محمّصة!» (It’s Toasted) في دلالة على ثراء نكهتها؛ مع إعلانات فرعية، بأنها «سببٌ لعلاج آلام الحلق» أو «سجائر تُلغي الكحة». ويذكر «جاري توبز» الكاتب الاستقصائي المعروف عن الصحة، أن مزج التبغ بالسكر كان قد أسهم بنقلة نوعية في تقبّل الناس للتدخين، حيث إن هذه العملية جعلت حرارة التبغ المحترق أكثر برودة لاختلاطها مع السكر على الحلق.

    تطور الأمر بعدها لتشمل الإعلانات إقران الأطباء لإلغاء الشكوك حول أضرارها، كان أحد أشهر تلك الإعلانات في العشرينيات ينص حرفيًا على أن: «٢٠،٦٩٧ طبيبًا يقولون إنَّ سجائر لاكي سترايك تعطي تهيّجًا أقل للحلق».

    الأمر الآخر، لم يكن تدخين السجائر متداولًا لدى النساء – في الأماكن العامة – في ذلك الوقت، وكان ابتكار طريقة فعّالة لكسب هذه الشريحة الكُبرى من المجتمع مهمًا لزيادة حجم المبيعات. فالنساء ينجذبن لسلوكيات أصحاب المناصب الرفيعة (وتم هذا الأمر جزئيًا مع الأطباء والمشاهير عندما دخلوا سوق الإعلانات)، وأيضًا، ينجذبن على نحو أكبر للنساء الأخريات صاحبات الامتيازات الاستثنائية.

    شعلة الحرية:

    حتى نهاية العشرينيات، كان تدخين النساء في أماكن عامة غير مسموح قانونيًا. وهذا ما جعل «هيل» أكثر تمسكًا بفتح باب كسب الشريحة غير المخدومة تسويقيًا بشكلٍ جيد من قِبل المجتمع. كان يعي أن إقناع النساء بالتدخين سيفتح عليه بابًا من الثراء الذي لم يسبقه مثيل، خصوصًا إن تم هذا الأمر في الأماكن العامة. قاده هذا الأمر إلى اللجوء لأحد أشهر رجال العلاقات العامة في الولايات المتحدة «إدوارد بيرنيز»، (Edward Bernays) وزميله لاسكر (Lasker)، الذي حكى في مذكّراته عن نية هيل تجاه هذا الموضوع: «اتصل بي هيل. وسألني: كيف يمكننا أن نجعل النساء يدخن في الشارع؟ إنهم يدخنون في الأماكن المغلقة. لكن، اللعنة، إذا أمضوا نصف الوقت في الهواء الطلق، وجعلناهم يدخنون، فسنقترب من ضعف سوقنا النسائي. افعل شيئا. تصرف!».

    بعدها استحضر بيرنيز – رجل العلاقات العامة – أمرًا شديد الحيوية في ذلك الوقت، وهو: «روح تحرير المرأة» (أو النسوية المعاصرة)، وقد: «لاحظوا أنه من الممكن الاستفادة من هذه الحركة» كما يصف «تيم وو».

    أخذ بيرنيز الفكرة على محمل الجد. في الوقت الذي كان في الواقع منتقدًا للإعلانات التقليدية، التي تحاول التسويق على نحو مباشر من خلال صور وجمل رنانة في الإعلانات. وصف هذا الأمر في مذكّراته:

    «ما هي الأسباب الحقيقية التي تجعل المشتري يخطط لإنفاق أمواله على سيارة جديدة بدلًا من البيانو الجديد؟ هل لأنه قرر أنه يريد «الحركة» أكثر مما يريد «الموسيقى؟» ليس تمامًا. يشتري العميل السيارة بالدرجة الأولى لأن الجميع حوله أصبحوا يشترون سيارات، لذلك يجب أن تكون مهمة الإعلانات الحديثة هي خلق ظروف من شأنها تعديل العادات».

    استوعب أن تغيير العادات الشرائية يبدأ من خلال خلق قناعة اجتماعية ضرورية لهذا الأمر، وهذا كما قاده لابتكار أحد أشهر حملات «العلاقات العامة» في التاريخ الحديث التي سُميت: «شعلة الحرية».

    سعى بيرنيز – قبل التسويق – إلى الإطاحة بقانون «تجريم النساء» اللواتي يدخن خارج المنزل، من خلال وصفه على أنه «انتهاك لحريتهن» بما في ذلك فكرة السجائر التي كانت يجب أن تُصبح أمرًا حيويًا واعتياديًا يومياً، تمارسه النساء مثل الرجال، في أي وقت وأي مكان.

    وقع بيرنيز مع النسوية البارزة والمتحمّسة «روث هيل» (Ruth Hale) على وثيقة تدعو النساء إلى الانضمام إلى مسيرة سُمّيت: «مشاعل الحرية: أشعل شعلة أخرى من الحرية.. حارب ما هو محرّم على الجنس الآخر»، وحيث قام من جهة أخرى باستئجار كثير من النساء الحسناوات للانضمام إلى موكب المسيرة التي حُددت في عيد «يوم الفصح» في مدينة نيويورك.

    في الوقت نفسه تقريبًا كُلِّف لاسكر بهندسة طلب أكبر بين النساء على سجائر «لاكي سترايك». كانت هذه بداية حملة دعائية كبيرة وضع فيها صور عديدة لنساء فاتنات سُميت: «الوصول إلى محظوظ» أو (Reach for Lucky).

    تطوّرت الحملة الدعائية الشاملة تجاه النساء بعد أن اكتشف كلًا من لاسكر وبيرنيز أن أكبر هوس كان موجوداً عندهن هو الوزن. مما قادهم بعد فترة بسيطة إلى خلق رسالة دعائية جديدة «اشْتُرِيَ لاكي سترايك بدلًا من الحلوى»، وفي نسخة أخرى: «للحفاظ على شخصية نحيلة، لا يمكن لأحد أن ينكر أن الوصول إلى الحظ (Reach for lucky) بدلًا من الحلوى، سيساعد على هذا الأمر».

    تضاعفت معدلات التدخين بين النساء ثلاث مرات من عشرينيات القرن العشرين إلى منتصف الثلاثينيات. بهذه الطريقة، حصل جورج واشنطن هيل على ما يريده. وبحلول نهاية العقد، تجاوزت لاكي سترايك جميع منافسيها، بسبب الإعلانات المنظّمة واستغلال النخب من المثقّفين، للتلاعب بالعوام. دعت بعدها لجنة التجارة الفيدرالية هيل ولاسكر إلى التحدث عن تلك الشهادات الطبية التي شاركوا بها في الإعلانات المضللة. أخذ الأمر سنوات عديدة حتى يتغير العقل الجمعي المتأثر من الإعلانات التجارية بجمال عادة التدخين، لاكتشاف أنه في حقيقة الأمر، ليس كما يظهر فيها. كما أخذ الأمر قرابة المئة عام حتى تُمنع إعلانات التدخين رسميًا في قنوات الإعلان الرسمية في كثير من الدول.

  • لا أحد منتبه

    تعلمين أن لا أحد سينتبه لكِ في المناسبة، أو على الأقل، لا أحد سينتبه لكِ بالدرجة التي رسمتها في مخيلتكِ. تكتشفين بعد التأنق الطويل أن كل من في المناسبة موزعين انتباههم على بعضهم البعض، وهم بالكاد يعطون أجزاءً من الدقائق للجميع. وإن راجعتِ نفسكِ قليلًا، ستكتشفين أنكِ قد بالغتي قليلًا، وربما تحاولين استثمار هذا الجهد بحزمة من التصوير أمام المرأة وبرفقة الصديقات. تبقى الذكرى، وينتهي أمرُ الانتباه.

    من حسن الحظ، أن لا أحد مُنتبه.

    لا أحد ينتبه لتغييراتك الإيجابية بنفس القدر الذي لا ينتبهون فيه للإخفاقات، أو، على الأقل للدرجة التي رسمتها في مخيلتك. وإن انتبه الكل أو البعض، فإن مصير هذا الانتباه هو النسيان.

    نُفلسف الأمر ونقول «لكن أنا كُنت منتبه!».. كنت منتبهة للفستان الذي لم يُكو كما يجب، أو كُنت أعلم أن الشماغ لم يُوضع فيه كمية كافية من النشاء، وفي حقيقة الأمر.. لا أحد منتبه. ومن الحسن الحظ أن لا أحد منتبه.

    لا أحد مُنتبه أن حجم الإخفاقات والإحراجات التي وضعتُ نفسي فيها في حياتي لا تُعد ولا تُحصى، يظهر جُزء مما أُريد أن أُظهِره للبقية، ويختفي جُزءٌ أكبر مما أحاول إخفاءه.

    عدم انتباه الآخرين من الأجدى أن يجعلنا نتلهّف للمضي قدمًا. لا نكرر الأخطاء، ونسعى للعيش مع الإحسان.

    لا نتوقّف كثيرًا عند التقصير، ونبحث عن الطرق التي تجعلنا أكثر رضى. ومع الرضى سوف نكون منتبهين لأنفسنا ولشكلنا أمام أنفسنا عندما تكون في حالٍ أفضل. عندما ننتبه ونشعر بالرضى، فإن انتباه الآخرين لن يحصل على المزيد من المبالغات.

  • ظاهرة الوشم على الأجساد

    أجلس وحدي في إحدى المقاهي في إسطنبول الصيف الماضي، وأنا أتأمل جميع الزبائن، لأكتشف شيئًا مشتركًا لدى كل الذكور: وجود وُشوم ظاهرة على أجسادهم. وأقول هنا «كل الجالسين دون استثناء. كلهم»، ولا أعلم بطبيعة الحال عمّا خُفي منها، ولم أتجرأ صراحةً أن أتأمل أجساد الفتيات، لكيلا أتعرّض للضرب.

    يبدو من الواضح أن نحت الوُشوم هو إحدى صرعات هذا العصر لدى المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، والتي تبنّتها المجتمعات الأكثر محافظة مثل المجتمع التركي الذي تحوّل – كما رأيت على الأقل – إلى امتصاص كبير لما يقوم به الغربيين، الذي يملكون شيئًا يقولونه للآخرين من خلال رسوماتٍ على جسدهم، أكثر بكثير مما يُقال شفهيًا.

    أما في مجتمعنا، أصبح الكثيرون يملكون وشمًا أو وشمين على أجسادهم، أعرف أحدهم كان قد قام بوشم كل جسده من أسفل رقبته إلى قدميه، دون مبالغة، على ما يبدو أن الصرعة قد وصلت إلينا، وبدأت تنتشر.

    لن أُلفت النظر اليوم إلى الصفات التعبيرية الشكلية الأخرى مثل الأقراط اللافتة كبيرة الحجم التي يضعها البعض على أنوفهم وحواجبهم، أو التطرّق لألوان الشعر الفسفورية، وقصّاتها الحادة، وذلك لكيلا يشعر القارئ الكريم إنني أخذته عشر سنوات إلى الوراء في انتقادي، ولكيلا يظهر له إنني نصبت نفسي في خانة الناصح أو الواعظ. فسياقي هنا ليس دينيًا. كما إنني لا أحاول جعل كلامي انتقادًا، بقدر محاولتي لفهم وتحليل هذا السلوك من ناحية نفسية واجتماعية.

    شخصيًا، لا أتقبّل فكرة الوشم، خصوصًا على النساء، ويعلم المقرّبين إنني أشعر بنوع من الاختناق والغثيان عندي رؤيتي له، ومع ذلك، سأقول إنَّ هذا الأمر تفضيلٌ شخصي، وسأتمسّك بحبل التوازن محاولًا الابتعاد عن الانتقاد ما استطعت إليه سبيلا.

    يقوم الواشم بوشم جسده لأحد خمسة أسباب:

    1. لكي يُعبّر عن نفسه تجاه أمرٍ ما.
    2. ليذكّر نفسه بحدثٍ أو مناسبة، أو قصة ما.
    3. لاعتقاده أن الوشم يُضيف عنصرًا جماليًا لشكله أو لجسده.
    4. للإشارة بانتمائه إلى مجموعة ما (مثل المنتمين للعصابات).
    5. للإشارة على تمرّده من أمر ما.
    6. وأسباب أخرى (ربما تكون تجميلية).

    يشترك في جميع هذه الأسباب عنصر واحد، وهو: التعبير الصريح (Making a statement) من خلال رسم شيء في الجسد، يعلم صاحبه أنه لن يختفي لبقية العُمر. هذا السلوك القوي، ربما يكون ردة فعل أكثر من كونه حاجة نفسية أصيلة، التي تسعى إلى فهم الآخرين لها وتقبّلها وإعطاءها الإحساس بأنها جزءٌ منها. بل ربما هو فرضٌ بالقوة للرأي بشكلٍ بصري، عوضًا عن التعبير كتابيًا أو شفهيًا عنه، مع تذكيرهم أن هناك شيء فيهم قد يوصل رسالة لم يتم استقبالها في الماضي.

    عندما يقوم أحدهم برسم اسم حبيبته، أو شكل ابنته المتوفاة على جسده، فهو يقول بلغة أخرى: «أنا حزينٌ على فقدها، ولا أريد أن أنسى إنني حزين، وأريد أيضًا أن أخبرك بحزني من خلال ما تراه في جسدي، شئت ذلك أم أبيت». هذا التعبير الذي يُشير صاحبه إلى تعلق بحدث أو شخصية أو فكرة، لا يرغب – من خلال الوشم – أن ينسى، ولا يُريد أن يتبدّل حاله، ولا يريد أن يتذكّر أن طبيعة الإنسان هي النسيان، مهما كانت قسوة الحياة، حتى وإن كان نسيانًا مؤقتًا.

    ثلثي قناعاتي وقراراتي الشخصية الصلبة تبدّلت، وتغيرت مع السنين، ليس لأنني استيقظت، وقررت تبديلها، بل لأن سنة الحياة وحكمة الله هي التي تفرض علينا التطور والتغير، أو كما نُحب أن نُردد دائمًا: الثابت الوحيد هو التغيير. رسم شيء يعبر عن أي شيء من المحتمل أن يتبدّل مع الوقت في جسدي، هو شكلٌ من أشكال محاولة إيقاف عقارب الساعة. أصبحت اليوم ذلك الشخص الذي كُنت أطلق عليه النِّكَات قبل سنوات، وأنا نفس الشخص الذي كنت أحارب قناعاته قبل سنين قليلة، ونفس الشخص الذي لم أتخيّل أن ينتهي به المطاف به كما أصبح، وفي حقيقة الأمر إنني سعيد ومحب وممتن لكل هذه التغييرات (مثل الكثيرين ممن هم في عمري)، فالحال – كما قلنا – متغير رغم ما نؤمن به من ثوابت، وإلا لما كان هناك قيمة للنضج على أي حال، الوشم، حتى وإن كانت القناعة خلفه «إضافة عنصر جمالي» فإن احتمالية الشعور بالندم تجاهه واردة.

    من ناحية نفسية، أؤمن دومًا أن العوام من الناس يميلون إلى القرارات الأسهل في حياتهم أكثر من ميلهم إلى القرارات الأصلح. فالأخيرة في الغالب تتطلب جهدًا أو مستوى ما من الانضباط؛ يعلم الجميع مثلًا أين تقع مصالحهم خلف قراراتهم، ولكن ليس كل «الجميع» مستعدين لبذل الجهد والانضباط لكي يحققوها. ويظل توازننا يتأرجح بين المصالح والتقصير والتوازن، حتى نقترب أكثر من الموت. وكلما اختار الإنسان الاستقامة في جانبٍ من حياته، كلما استقام له ذلك الجانب، آخرين من العوام لا يودون الوقوف على القرارات الأصلح، بل للطريق الأقصر للإحساس بالرضا.

    أتفهّم أن الوشم هو أحد تلك الطرق، ولكن لا أشجّع، ولا أتعاطف، ولا أملك قدراتٍ للقبول به (شخصيًا)، على الأقل هذه الفترة من حياتي. فأنا من فئة البشر التي تؤمن بالطرق الطويلة لحل المعضلات النفسية، الطرق الطويلة التي تتحول من طولها إلى طُرقٍ مستدامة، تحمل داخلها تغييرًا حقيقيًا لمن أراد التغيير. أميل للاعتقاد أن الاستشفاء والتوازن النفسي لا يأتي دون صبر، ودون تأمل حقيقي للنفس وسلوكها وعواطفها، وقبلهم مخاوفها. وأعد أن الوشم في أحيانٍ كثيرة هو «رُقعة» لتغطية «شُق» من المعضلات النفسية، صغيرة كانت أم كبيرة، وربما يملك القارئ الكريم الحكمة في توليف شكل «الشق» من خلال الأسباب الخمسة التي ذكرناها.

    التعبير!

    لا شيء مثل التعبير المنتظم عن الأحاسيس والأفكار.

    لا شيء يعادل حجم الصفاء النفسي للإنسان الذي يستطيع أن يعبر بانتظام. ومُهمة الإنسان المستمرة هي البحث عن وسيلة للتعبير؛ بعيدًا عن الإيذاء واختيار طُرق للتعبير، لا رجعة فيها من الندم.

    لا شيء يوازي الإقدام على استمرار تربية النفس وتهذيبها، ومحاولة الانتباه لها، ولما نحاول القيام به، وكأن الإنسان ينظر إلى نفسه في المرأة، وكم هو أمرٌ صعب! إلا أن صعوبته هي ما جعلت منه أمرًا يستحق العناء.

    الطرق المختصرة، مع الأسف لا تدوم. في حين أن أصعب الأمور تأخذ وقتها لكي تدوم بعدها.

    كذلك هي النفس التي تتغير، وتنمو لتُصبح أفضل.

    وأخشى أن الوشم ليس وسيلة مثالية للتغير أو الرضى.

  • لماذا حياتنا ليست مثالية؟

    هذا السؤال رغم بساطته، يستدعي أكثر من تأمل فيه.

    إحدى زوايا التأمل هي: أن أي شيء كلما زاد في توسّعه كلما استدعى بعض التضحيات. التوسّع هنا يعني المثالية، والتضحيات هي ما تجعل الأمور المثالية ليست مثالية.

    ينطبق هذا الأمر على كل شيء.

    نأخذ الطبيعة على سبيل المثال: كلما زاد طول الشجرة، كلما كانت أكثر عرضة للانكسار، بسبب العواصف، كلما زاد حجم الحيوان كلما كان أكثر عرضة للانقراض، لأنه يحتاج إلى طعام أكثر، ولأن سرعته سوف تقل في الركض، ولأن وقت الحمل والتكاثر سوف يكون أطول من متوسط عدد أشهر الحمل لدى بقية الحيوانات (فترة حمل جنين الفيلة مثلًا هي إثنين وعشرين شهرًا)، في حين أن كثيرً من الحشرات والفيروسات والبكتيريا ليست مهددة بالانقراض منذ مئات السنين.

    عندما تسقط الذبابة من ارتفاع ألف متر فلن يحدث لها شيء، بينما يموت الإنسان إن سقط من ارتفاع يوازي عشرة أضعاف طوله، وسينفجر الفيل كبالون محمّل بالماء إن سقط من ارتفاع ثلاثة أضعاف طوله.

    هذا ما يُفسّر مثلًا مشكلة البشر فارعي الطول؛ الذي يكونون مهددين أكثر من غيرهم للموت في سنٍ صغير.

    نحكي قصة روبرت وادلو:

    يعد إلى حدٍّ كبير أكبر إنسان عرفته البشرية على الإطلاق. أدى خلل في الغدة النخامية إلى تضخّم جسم وادلو بهرمون النمو، عندما توفي في سن الثانية والعشرين، كان طوله ٢٧٢سم، ووزنه ٢٠٠كلجم تقريبًا، وكان يرتدي حذاء مقاس ٦٨. يحكي هوسل عنه: «كانت تصوره القصص الخيالية كرياضي خارق، قادر على الجري على وجه أسرع، والقفز أعلى، ورفع المزيد من الوزن، وسحق الأشرار أكثر من أي شخص عادي. لكن تلك لم تكن حياة وادلو على الإطلاق. كان يحتاج إلى دعامات ساق فولاذية للوقوف، ويحتاج معها عصا للمشي. لم تكن مشيته أكثر من مجرد عرج، وهذا ما تطلّب جهدًا هائلاً.

    تُظهِر مقاطع الفيديو القليلة الموجودة لـوادلو رجلاً تكون حركاته متوترة ومربكة. ونادرًا ما شوهد وهو يقف بمفرده، وعادة ما يكون متكئا على الحائط للحصول على دعم. تم وضع الكثير من الضغط على ساقيه حتى أصبح نهاية حياته لا يشعر بركبتيه. لو عاش وادلو لفترة أطول، واستمر في النمو، لكان المشي غير المنتظم قد تسبب في كسر عظام الساق! ما قتله في الواقع كان مروعًا تقريبًا: كان وادلو يعاني من ارتفاع ضغط الدم في ساقيه، بسبب إجهاد قلبه لضخه في جميع أنحاء جسده الضخم، مما تسبب في قرحة، مما أدى إلى عدوى مميتة نهاية حياته».

    كل شيء يكبر أو يتوسع يحمل داخله بعض التضحيات. وكل شيء يكبر أو يتوسّع بشكلٍ زائد عن الحد، يجذب معه مخاطرًا بدلًا من التضحيات. هذه هي المعادلة التي نتناساها، ونحن نسعى إلى حياة مثالية.

    اكتمال الصحة والرشاقة يحتاج تضحيات مثل الحرص على النوم المبكر والتقصير اجتماعيًا، وساعات مع وقتٍ أكبر في النوادِ الرياضية، ورفضًا مستمر لما يُقدّم لنا من أطعمة. مثل هذه التضحيات هي ما تجعلنا مبهورين ببعض الرياضيين، لأنهم يستطيعون تحقيق ما يعجز الإنسان العادي تحقيقه من تضحيات.

    حياتنا ليست مثالية في العمل، لأن قدرات تحمّل الضغط داخلنا متفاوتة، فلا يمكن الحصول على مساحة أكبر من الحرية مع وظيفة تُعطي شهريًا بسخاء، ولا يمكن الحصول على وظيفة تعطي بسخاء دون تحمّل مسؤوليات وساعات عملٍ أطول، وشهادات، وخبرات، وتطوير علاقات ممتدة. لا يمكن الحصول على عملٍ خاص مستقر دون بدايات طاحنة، من نقص المال، ومحاولة إيجاد نموذج عمل جيد، وزملاء وشركاء مؤمنين.

    التضحيات موجودة ومستمرة، بعضها وقتي، وبعضها أصغر من الآخر، لكن لا وجود لعالم مثالي دون تضحيات.

    سؤالنا الذي يجب أن نجاوب عليه دائمًا: «ما هو حجم التضحيات الكافية التي نستطيع تقديمها؟ » قبل أن نسأل: «لماذا لم أحصل على ما أريد في كل شيء؟».

    استمرار تقبّلنا للحد الأقل من التضحيات للوصول إلى الحد المعقول من المردود هي المعادلة الأصعب. لأن نمط حياتنا المعاصر لا يحاول إقناعنا بالمعقول؛ فعلى نفس السياق نجد أن الشغوفين بأعمالهم وفنونهم، يحتاجون إلى بعضٍ من – تضحية – التحمّل للمهام المصاحبة، فالطبيب يجب أن يكتب التقارير، ويحضر اللجان، ويجامل المديرين، ويتفهّم نفسيات المرضى المتقلّبة، ثم إنَّ الكاتب يجب أن يتحمل ساعات الملل والتركيز، وتأخر الإرضاء، وقلة المردود.

    كل شيء لكي يصبح مثاليًا في حياتنا نحتاج معه أن نتصالح مع الحد المعقول من الألم، أو كما أحب أن أسمّيه: الحياة السعيدة تحتاج في حقيقتها اختيار الألم المناسب.

    لا يمكن للحياة أن تكون مثالية، لأن الجوانب المثالية تعني نقصًا في جانبٍ ما. استيعاب تحمّلنا لهذا النقص وتقبّله هو الخطوة الأولى. الكثيرين يتمنون أن يكونوا مثل إيلون ماسك، ولكن القليلين يستطيعون أن يمضوا قرابة العشرين ساعة في مكاتبهم، ويتقبّلون فكرة كره الكثيرين لهم (بما فيهم أهلهم وأبناءهم)، القليلين مستعدين أن يتقبلوا فكرة الحصول على ثروة هائلة في مقابل ثلاث حالات طلاق وأبناء متفرّقين مثل مُسك.

    «إن أسهل طريق للحصول على ما نريد، هو أن نكون مستحقين له» يشرح تشارلي منجر معادلة الرغبة والاستحقاق، التي لا تخرج عما أحاول الإشارة إليه، فالاستحقاق هنا: أن تبذل أكثر ممن يعتقد أنه مستحق.

    حياتنا ليست مثالية. لأن المثالية نسبية. تتحقق في جوانب، وتُهمل في جوانبٍ أخرى مقابل التضحية.

  • احترام الرجال

    كثيرٌ من العقبات تقف بيننا وبين أحباءنا فيما يتعلّق بالتعبير عن المشاعر.

    لا يميل الرجل إلى احترام نفسه، إن لم يحصل على نفس القدر من الاحترام -أو أكثر- من أحبّائه وأسرته على وجه الخصوص. لا شيء يستطيع الرجل تقديمه في هذه الحياة سوى الوقت والجهد والمال لمن حوله، وإن لم يحصل على الاحترام كمقابل، فإن البؤس سيقوده للبحث عن الاحترام بالقوة، أو من خلال طريقٍ لا احترام فيه.

    يقول الفيلسوف مونتين (١٥٣٣ – ١٥٩٢م):

    «في عصرنا هذا، تؤجِّل النساء عمومًا التعبير عن مشاعرهن وأفكارهن الإيجابية تجاه أزواجهن حتى يموتوا ويدفنوا. حياتنا يشوبها المشاحنة، وموتنا محاطٌ بالحب والامتنان … بل أن قليلٌ من النساء لا تتحسن صحتهن في الترمل، والصحة فضيلة لمن لا يعرف الكذب».

    حتى وإن كان التعبير عن الحب هو مطلب الجنسين العاطفي في كل العصور؛ فيظل إحساس الرجل بالحب محصورًا في الاحترام.

    لا يريد الرجل أن يكون محبوبًا بقدر ما يريد أن يشعر بإحساسٍ صادق باحترام المقرّبين له، وأن يظهر هذا الاحترام أمام الآخرين. فالرجل يعطي قلبه وروحه لمن يُعطيه الاحترام. ويبذل المزيد عندما يكون هذا الاحترام أمام الآخرين.

    ربما تكون أسمى أُمنيات الرجل – حسب وصف عمر طاهر على لسان كاتبٍ انجليزي – أن أقصى ما يتمناه في حياته هو: الذهاب إلى القبر دون لحظة إحراجٍ واحدة. وأقول أن كل لحظات الاحراج تختبئ داخل الاحترام المبذول إلى الرجل ممن حوله. ويقول المستثمر العظيم وورن بافيت: «إن أعظم مقياس للنجاح في نهاية حياتك يكمن في شيء واحد: أن تكون محبوبًا من الأشخاص الذين تود أن تكون محبوبًا لهم».

    وأعود لأقول أن الحب = الاحترام لدى الرجل.

  • تفاعلات القرّاء

    هنا بعض التأملات عن القرّاء.

    1. لأن حِرفة الكتابة تتسم بشكلٍ عام بالوِحدة، فإن الكاتب – أي كاتب – على ما أظن، يستمتع جدًا بتفاعل القرّاء معه في الحياة الواقعية، وعلى الإنترنت (أُفضّل أن أستثني تعليقات التواصل الاجتماعي لأنها غالبًا ما تكون خارج السياق العقلاني للتفاعل؛ سلبًا أو إيجابًا).
    2. عندما أحاول النظر إلي السبب الوحيد والحقيقي الذي يجعل الكاتب (على الأقل في حالتي) يستمر في الكتابة دون توقف هو: تفاعل القرّاء. ليس المال، ولا الشهرة، والمكانة، ولا أقول إنها أمور غير مهمة، ولا تُحاكي قلب أي شخص، إلا إنها لا تعادل في كفة الميزان وزن تأثير التفاعل عمّا كُتب أو ما تم قراءته من القارئ. لا شيء يُسعدني مثل أن أستقبل تعليقًا من أحد القرّاء على الإيميل.
    3. يعيشُ الكاتب بعد النقطتين الأولى نوعًا من الزهو يحتاج معه أن يذكر نفسه باستمرار أن لا قيمة له دون قرّاء مخلصين، يتواضع لهم، ومن أجلهم، ومن أجل أجله، وعليه تثقيف وتطوير نفسه باستمرار لكيلا يُصبح رخيصًا في تعاطيه للأمور. وأعتقد أن الخبرة تلعب دورًا كبيرًا هنا، فيصِل الكُتّاب إلى سلامٍ واستيعاب داخلي لحجمهم الحقيقي بعد مدة، ولا يحرصون على إثبات عكس ذلك بنفس درجة الحماس الموجودة في البدايات.
    4. يظل القارئ صاحب رهبة. وهنا قصة قصيرة: أصابني قبل أيام نوع من البؤس الشديد والحُزن الكبير في أثناء تسجيلي صوتيًا لكتابي الأخير «كله خير: كتاب ساخر لحياة أسهل»، حيث كُنت أقرأ بصوتٍ عالٍ ما كتبته -لأول مرة- ولمدة عشر ساعاتٍ متواصلة حتى انتهاء التسجيل. لأكتشف في أثناء القراءة أن هناك جملًا غير صحيحة التركيب، وبعض الأخطاء المطبعية التي سقطت سهوًا من قِبل مدققي اللغوي العزيز، وهذا أمرٌ طبيعي في الحقيقة، إلا إنني شعرت بخجلٍ بالغ، شككني في كل جهودي الكتابية السابقة، وقد تخيّلت شكلي، وأنا أمام قارئ مخلص، وهو يعلّق على تلك الأخطاء المحرجة، التي كما أرى، ليس هناك لها حلٌ سحري بعد كل هذه السنوات من الكتابة.
    5. يخشى الكُتاب عمومًا عدم ارتقاء كتاباتهم المستقبلية مع ما فضّله القارئ لهم، وهذا أمرٌ مربك قليلًا، فليس من المعقول أن يتوقف الكاتب عند هذه النقطة من الخوف، ولا يمارس ما تعاهد به مع نفسه من ممارسة للكتابة، ومن غير المعقول أن يخذل قارئه المفضل (ولو شكليًا) بسبب التوقف، وهذا ما يجعل الحِرفة بصراحة، تزداد في صعوبتها أكثر من سهولتها.

    كان الله في عون الجميع.

  • هل شخصيتك ضد أهدافك؟

    هذا الشهر يا أعزاءي شهر الأهداف التي ننسى أننا وضعناها كأهداف! ولا يخرج كاتبكم عن هذه العُقدة كل عام، شأنه شأن كل طموح يحاول الارتقاء بنفسه وحياته إلى الأفضل. على كل حال، منذ عشر سنوات لا تخرج الأهداف عن أهدافٍ متعلقة بالكتابة بالدرجة الأولى بالنسبة إلي. عددُ كلمات أقل أو أكثر يجب أن تُنجز، حماسات منقطعة النظير للجيم، وحلفا يمين بأن الأكل سيعتدل عمّا قريب. ناهيك من الطموحات القرائية والعملية التي سرعان ما تعود إلى لياقتها الطبيعية في وقتٍ قياسي.

    لا يمكن للإنسان أن يستمر في الارتقاء إن لم يتعلّم من التاريخ؛ تاريخه الذي أودى به إلى ما هو عليه اليوم، ليتجنّب من خلاله الأخطاء.

    أُعيد اليوم تأملي في أن الإنسان يجب محاولة الانسجام مع شخصيته وعاداته وطبيعته البيولوجية والنفسية عوضًا عن التوجّه إلى الابتكار. ولذا، يكون التحدي الدائم هنا في البحث عن الطرق المعقولة لتحقيق الأهداف عوضًا عن الاستعانة بالحماس الزائد.

    ماذا يضر إن حددنا ثلاثة أيام في الأسبوع لرياضة الأثقال عوضًا عن رياضة يومية (من المحتمل كثيرًا أن يتم التقصير فيها)؟ ماذا عن عدد ساعات نوم – والله العالم أنها لا تأتي بسهولة – نستعين بها لمزاج عليل وأيامًا أهدأ، بدلًا من الركض، ومحاولة بائسة للسهر والاستيقاظ المبكر في الوقت نفسه!

    يتحقق النجاح – كما يُشير إيريك بيركر – إن تواءمت شخصيتك وظروفك بشكلٍ كبير:

    «النجاح ليس نتيجة لصفة واحدة؛ يتعلق الأمر بالمواءمة بين هويتك والمكان الذي توجد فيه. المهارة المناسبة في الدور المناسب. أن تكون شخصًا طيبًا محاطاً بأشخاص طيبين. إنَّ تُوجِد قصة تربطك بالعالم بطريقة تجعلك تستمر. أن تكون ضمن شبكة تساعدك، ووظيفة تعزز انطواءك أو انفتاحك الطبيعي. أن تملك مستوى من الثقة يجعلك تستمر في أثناء التعلم، وتسامح نفسك عند الإخفاقات الحتمية. التوازن بين الأربعة الكبار هو الذي يخلق حياة متكاملة دون أي ندم. »

    ربما هنا تكون نقطة الانطلاق تجاه الأهداف!

زر الذهاب إلى الأعلى